التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأُذن: العلمانيَّة، التنوُّع، وحيوات موازية

تنقيب الظلام

الأُذن
العلمانيَّة، التنوُّع، وحيوات موازية 

مأمون التلب

(نُشر الجمعة،  صحيفة السوداني،  الممر: 3 يناير 2020م

[يُحاول هذا التنقيب أن يَصرخ بهدوء في أذنٍ تُهلوسُ من شدّة صدمتها وهلعها وهي ترى ثقتها المطلقة في امتلاكها السلطة (الاجتماعيّة، السياسيَّة، الثقافيَّة..)؛ تراها تتهاوى ولا تملك من أمرها شيئاً، أبداً، فاغرةً فاهها في البداية والعيون، بالطبع، على اتساعها في المدّة ما بين الثورة وانتصارها،  مروراً بسلسلة المآسي بمركزيّتها في مجزرة فض الاعتصام وما بعدها من صراع انتهى بهزيمة نكراء لسلطة الدولة والسلاح في الثلاثين من يونيو، وصولاً إلى يومنا هذا. نهاية العام الغرائبي الساحر المتحجّر القاسي العصيّ على المنطق والموغل في الدم والتمزّق. كذلك يُحاول أن يُثبت فرضيَّة أن نجاح استيعاب العلمانيَّة وقبولها بل والمطالبة بها، سرّاً وجهراً، قد حدث بالفعل واقعيَّاً، وهو نتيجة تجربة طويلة وقاسية كانت حقّاً شرعيَّاً ومهماً لشعبٍ بكل هذا التنوّع والجمال، وأن القول، مطلقاً برفضها أصبح مهزوزاً ومتهالكاً وبحاجة إلى إعادة نظر].


حياة موازيَّة

بدايات الألفيَّة. قليلةٌ كانت التجمّعات التي تعيش "الحياة الطبيعيَّة" في أبسط صورها، كما يحياها البشر في كلّ مكانٍ في العالم، ولكنها، خلال ثلاثين عاماً من فرض نموذجٍ واحدٍ للحياة، بالقوَّة والقهر، أصبحت تسمَّى عند السودانين "صعلقة وقلَّة أدب"، أو كما يُعبِّر المصطلح المعاصر للثورة، والمعبَّأ في سؤال: دي المدنيَّة الدايرنّها؟. أها المدنيَّة كانت في تجمّعات مُغلقة تثق ببعضها البعض، صديقات وأصدقاء ببساطة. يجمعهم إيمانهم بالحق في حياة طبيعيَّة. تخيّلوا: كانت حركات إنسانيّة طبيعيّة، كالضحك من الأعماق مثلاً، كانت تقترب لأن تكون جريمة؟ أكاد أجزم أنهم أسفوا لأنهم لم يجدوا قانوناً يستطيع إيقاف عضلات وأعصاب الإنسان. المهم، جوهر تلك الحياة الطبيعية ببساطة هو الحريَّة، أن تكون ما تريد أن تكونه! يقول هيسّه: (لم أكن أريد إلا أن أعيش وفق الدوافع التي تنبع من نفسي الحقيقيَّة. فلِمَ كان ذلك بكلّ هذه الصعوبة؟).
وإنك لمنصعقٌ من عدم رؤية الأغلبيّة من أجيال العالم الماضي، وتحديداً تلك المسيطرة على السلطة والثروة منذ الاستقلال، والذي يُعبَّر عنه بـ(المركز)(1)؛ هي حقٌّ كوني، وهي تكمن فينا. هنا، دعوني أتنحّى بأدبٍ لتعبير الأستاذ محمود محمد طه بدارجيّةٍ في إحدى محاضراته: [الإنسان منذ أن وجد، قبل الأديان، كان عنده شعور بالحاجة للحرية! الحاجة للحرية حاجة مودعة فينا، موش شيء بنتكلّفوا، ولا هو ترف، ولا هو نافلة! شيء مودع فينا، زي حاجتنا للطعام! حاجتنا للحرية زي حاجتنا للطعام! الجسد، أو المعدة بتجوع، والعقل بجوع! غذاء المعدة الطعام، وغذاء العقل الحرية! لكن الإنسان بطبيعته، لنشأته الحيوانية، بِشعر بحاجة المعدة، قبل ما يشعر بحاجة العقل! وبطبيعة الحال، من أجل دا، كتير من الناس بسخّروا عقولهم لإشباع معداتهم! حتى الإنسان يبيع "كرامة فكره"، بحطام الدنيا، البشْبِع معدته! دا طبعاً الجانب الحيواني فينا! لكن ما من شك أنّنا كلّ مرة بنرتفع من الجانب الحيواني، لنشرّف الجانب الإنساني].
كان ذلك في الماضي الذي أصبح –رغم قربه التاريخي- سحيقاً جداً بفعل التغيّر الذي حدث في مفهوم الزمن قياساً بالأحدث التي غدت تحدث خلاله وأمام أعيننا مباشرةً، بل أنك حتَّى وإن تجرَّأت وأن تشيح عنه فإنك ستجدها تحدّق فيك حيثُ أشِحت. اليوم، في "العالم الماضي"، ليس هو بأي أحوالٍ، في عالم اليوم، يوم. من مسببات ذلك الانقطاعة المُحدثة بواسطة الهواتف الذكيّة. أقتطف من تنقيبٍ سابق: [أعني أن هنالك انقطاعة فعليّة قد حدثت في لحظةٍ خلال الزمن القليل الماضي، (لنقل: عشر سنواتٍ تقريباً)، غموض حدوثها وإمكانيّة تحديده تكمن في التغيُّر الذي أصاب مفاهيم الزمن الاجتماعيّة والسياسيّة والتجاريّة والدينيّة، بعبارةٍ واحدة: "مفاهيم الزمن الثقافيّة". نجدُ عالماً تبدو فيه ثقافاته وكأنها راسخة ومتجذِّرة في عمق التاريخ، مرتبطةٌ به وتتغذَّى من ذلك العمق، تحارب وتُدمِّر وتتمزَّق وتستشهد لأجله (ولأجله فقط؟)، ولكن هذه الصورة غير واقعيّة البتَّة، إنها صورة إعلاميَّة لصراع الثقافات؛ تسميتها وتصنيفها ما بين خيرٍ وشر] (2) انتهى.
أقول أن ذلك قد تغيّر اليوم، لقد تمدَّد العالم الموازي، الحر، والذي كان يتخفَّى كفرس نبي، ليشمل جيلاً كاملاً خَلع  ثمَّ ألهم "الكبار والقدرو" في مطالبته بالحريَّة وممارسته لها، والجانب الذي يجعل ما تحقق من تمدّدٍ موجيٍّ عاتٍ مُشرقاً ومنيراً أن المرأة قد اقتَلَعت حقّها كاملاً في هذه الموجة، منذ بذرة تكوينها إلى نموّها الآني الذي لم ولن يكتمل، بل يستمر. وأقول الجانب المشرق لأنّ التغيير (واي ماف غير الكلمة المسهوكة مع سبق الإصرار والترصّد دي؟) طيّب، التغيير كانت مشاركة المرأة هي الأقوى بماوزاة الشباب، ولأنّ مادّة المرأة وقدراتها قد أسّسا نكهة وروح وجوهر هذه الثورة، وخلّي الراجل يرفع عينو. 
في احتفالات توقيع الوثيقة الدستوريَّة، في الشوارع، حيث كنتُ أحوم مع أصدقاء ما بين أحياء الصحافة والديم حتّى الفجر، رأيت "حياتنا الموازيّة" في العصر الديناصوري (3) -والذي عايشناه طوال عمرنا- رأيتها تتفجّر في الشوارع ونوادي الأحياء، الحياة الطبيعيّة في أبسط صورها: الضحك والغناء والرقص والبهجة والجمال: ببساطة الاستمتاع بالحياة، والتي كانت هي ذاتها –الحياة شخصيَّا- ليست ذاتً أهميّة مطلقاً لأهل ذلك العصر؛ كانت تُقتل وتُباد وتُحرق وتُقصف وتُغتصب، وانتهت بأن انتصرت بسلميَّةٍ تمسّكت بسلميّتها تسير إلى اليوم في الأفق حاملةً على ذراعيها أجساداً مسحوقة بالضرب، ممزقةً بالتعذيب، تحمل أجساداً مُثقَّبةً بالرصاص.
"الحياة الموازيَّة" لم تعد موازية، أصبحت مطابقة لخط الواقع والحياة، تسير بسرعةٍ لخبطت حسابات أذن الذي يُصرُّ أن لا يرى سلطته تتهاوى، ذلك الفرد القادم بكبسولة الزمن من العالم الماضي. وهنا لا أعني السلطة السياسيّة فقط، وليست تلك الكانت مُمَثِّلة للنظام الميّت، بل أعني جميع السلطات التي بدأت تتهاوى أمام اختلاف هذه الأجيال التي تتخلَّق من بذورٍ تختلف اختلافاً يكاد يكون نوعيّاً بحريّته، واستمرار مطالبته العنيدة بها. ولمصطلح العالم الموازي قصَّة:
دعا صديقنا، كاتب وفنان وممثّل، من الجيل الذي أسميه (خاتف جيلين)، أي له علاقة بأجيال العالم الماضي، كحالتي، وأجيال العهالم الجديد؛ دعا الجميع لحنّةِ زواجه الثانية، والخاصّة بصديقاته وأصدقائه. كانت فنانة الحفل (قُونَه) كما يسمّونها، موسيقى (الزَنِق) التي أحبّ أن أشبهها بأشكال وأنواع موسيقى الـ(Night clubs) في أنحاء العالم ولكن بنكهةٍ سودانيّةٍ خالصة. ارتديت الفتيات أزياء رائعة وغاية في الجمال كانت مخبّئةً في الدواليب طفلاتٍ باكيات من الظلام المستمر، لم يكن من شخصٍ يجلس في كرسييه إلا ليستريح من الرقص والمرح والضحك قليلاً؛ وفي الخارج، في زقاق الحلّة الشعبيّة التي أقيم فيها الحفل، كان شباب الحي، بتسريحات شعورهم المتميّزة، كل منها عن الآخر، يرقصون ما يطلقون عليه أيضاً: (رقص الزنق)، وهذا النوع من الرقص لا يتقيّد بتقاليد وأشكال معيّنة، إذ كل فترةٍ تخرج حركات جديدة تؤدى جماعيّاً في حالات، كالرقص الحر. صدف وأن حضرت الحفل صديقة من "أسرة محافظة"، وكما تبيَّن أنها تسير في ذات الطريق، ولم تَرَ في حياتها حفلاً صارخاً كهذا يشقّه، ما بين أغنيةٍ وأغنيّة، هتاف: (مدنيااااااو) للتأكيد على فراغ محتوى السؤال السَمج: (أهي دي المدنيّة العايزنها؟). نعم، إن الاستمتاع بالحياة والفرح جزء أصيل من الحريّة، وقد طُبّق هذا الجزء واقعيّاً منذ انتصار الثورة، ولن يتنازل عن هذا الحق.
كتبَت الفتاة التي أوقعتها الأقدار في براثن الحريّة على صفحتها، بعد أن فاقت من صدمتها طبعاً من أن الحياة من الممكن أن تكون فقط: مختلفة، كتبت –وأنقل هنا بتعبيري ما عدا ما بين علامتي التنصيص- أن: (يا إلهي، انتبهوا، هنالك أشباح في مجتمعنا قد ظهروا للعلن)، و(إنهم يعيشون "حياة موازيَّة" لحياة مجتمعنا السوداني) و -دعيني أكمل- المحافظ والتقليدي والإلخ. (إن قال لك إثنان إنّ رأسك قد اختفى تحسّسه)، فما بالك بكلّ أجيال العالم الجديد في كل مكانٍ في كوكب الأرض يصرخون في وجوه سلطات الماضي ومؤسساته الاجتماعيّة والسياسيّة والثقافيّة، أنكم تسيرون بلا رؤوس؟. إن الحياة الطبيعيّة في السودان يجب أن تعود لموقعها الطبيعي، بحريّة فرحها ومقاومتها وتغييرها، والأهم حريّة تعبيرها. يقول الروائي التركي أورهان باموق إنه: [بصرف النظر عن الظروف القوميّة، فإن حريّة الفكر والتعبير هي من حقوق الإنسان الكونيَّة، هذه الحريات التي يتوق إليها الناس المعاصرون جميعاً كما يشتاق الجائع إلى الخبز، لا يمكن أبداً تبرير تقييدها، بالوجدان القومي، أو الحساسيّات الأخلاقيّة، أو الأمر المرجو في تحقيق كسبٍ دولي. إذا كانت العديد من الدول خارج الغرب تُعاني من خُزي الجوع، فإن ذلك ليس بسبب أنهم يملكون حريّة التعبير، ولكن لأنهم لا يملكونها](4). 
في هذه الأجيال المتلاحقة وتمدد مساحة الحريّة ونظرتهم إليها كحق هتفوا به، وفي كونهم يمثّلون أغلبيّة سكّان المركز التي ستصوّت في الانتخابات القادمة، إلى أيّ مدى تسقط الفرضيّة المطلقة التي تقول بأن الشعب السوداني يرفض جوهر العلمانيَّة؟ وإلى أيّ مدى لا تُمثّل الكلمة تهديداً لأغلبيّة الأجيال التي فجّرت الثورة كما كان في الماضي؟ تلك الفرضيّة التي يبثّها من يسيطرون على أدوات العالم القديم من إذاعات وتلفزيونات وصحف وغيرها، ومن أحزاب سياسيّة تقليديّة، وحتَّى حديثة (نستثني الحزب الشيوعي السوداني) لا تستطيع "البوح" بهذه الكلمة/البعبع إلا همساً داخل أروقة المفاوضات)(5) أو عبر التعبير الفردي في المقالات المُعلّقة في الفضاء. هذا في ما يخص المركز السياسي الاجتماعي المسيطر على الحكم اليوم، فما بالك بأصوات من يتوقون إليها توقاً لتحمي ثقافاتهم وأديانهم ومعتقادتهم من الانتهاكات التي لم تتوقّف في مناطق الحروب والنزوح؟! وما بالك بالمسلمين الذين ذاقوا ويلات الدولة الدينيّة العنصريّة على شكل إبادات جماعيّة في دارفور! 

علمانيُّون وعلمانيُّون
تنطق الفتاة في القصة الفائتة كلمة (المجتمع السوداني) تقصد بها مجتمعها هي والذي حولها، سمّه المركز، وسننتلق من نظرتها لمفهوم المجتمع السوداني لنعرض وِجهَتي النظر، مع تعدد كلّ واحدةٍ منهما في الداخل، المتعلقتين بقضيَّة العلمانيَّة التي تشترط الحركة الشعبيّة لتحرير السودان قطاع الشمال ورودها حرفيَّاً، بالتوائات أحرفها الجميلة، في الوثيقة الدستوريّة والدستور. وبما أن هذه المناقشة التي لم تكن واردة في الماضي، حتّى عقب الثورتين الماضيتين، قد افتُتِحت بدعمٍ سخيٍّ من تجربة حكم جماعة الأخوان المسلمين بـ"الشريعة الصحيحة" لثلاثين عاماً وما آل إليه حال البلاد، إضافةً لنضالات حركات الكفاح المسلّح، على تعاقبها منذ الاستقلال وصولاً لحركة القائد عبد العزيز الحلو، والذي طرح وجهة نظره حولها –العلمانيّة- بمعقوليّته ومنطقه الصافي في محاضرة مصوّرة قدّمها يوم السبت 28 ديسمبر، بُثّت بعد تسجيلها بكليّة العلوم الرياضيّة بجامعة الخرطوم.
يتوق الجميع للسلام، ونرى نبرة اليأس في كتابات بعض العلمانيين من تقبّل المجتمع للعلمانيّة التي أصبحت مصطلحاً عالميَّاً كالديموقراطيّة التي هي ذاتها، بطبيعتها، علمانيّة. لمست هذه النبرة في ما كتبه الأديب الكبير بشرى الفاضل قبل أيام من كتابة هذا التنقيب؛ كتب تحت عنوان (العلمانية الآن هروب للأمام): [لست متفقاً مع موقف الحركة الشعبية-شمال جناح الحلو وشرطها للمضي في مفاوضات السلام؛ ذلك الشرط القائل بعلمانية الدولة الآن وليس غداً. أنا من رأيي أن في ذلك هروب للأمام. أنا علماني نعم، لكني لا أرى أن من حقي أن أفرض رؤيتي على شعبنا بأكمله، والحل الواضح والصحيح هو أن تطرح مسائل شكل الحكم وكل القضايا ذات الصلة من خلال المؤتمر الدستوري الذي توافقت عليه كل القوى بنهاية الفترة الانتقالية. ماذا يضير الحركة الشعبية شمال جناح الحلو لو نادت كما كل الكيانات في قوى الحرية والتغيير وكل الشباب والشابات وكل قطاعات شعبنا المشاركة في الثورة بدولة المواطنة وحكم القانون؟ دولة المواطنة هي العلمانية نفسها دون إثارة أي جدل. ولن يرفضها أحد أياً كان لأنها مفحمة في قوتها وقدرتها على إنصاف الكل].
حقّاً، لماذا وردت كلمة (فرض) في خطاب الفاضل ضمن المقطع أعلاه؟ ألأنه يستطبن مُسبقاً أن "الشعب السوداني" يرفض العلمانيّة؟، أعتقد ذلك، وأرى أنه يهمل  وينسى (الصورة المفصلَّة) والجديدة لـ(لمناطق الشمال والوسط) كما سيأتي في حديث قصي همرور التالي. إن الشعب قد تبدّل وحلّت محلّه قوى أخرى مسيطرة ومراقبة، أجيال أخرى بطبيعة تكوين العالم الذي تعيش فيه ما بين ثلاثة إلى أربعة أجيالٍ كلّ قرن، والذين يتنازعون عالماً في عالمٍ لن يستمرّوا يعيشون فيه إلى الأبد، بل يخافون من العالم الذي ستبنيه هذه الأجيال التي تُرعبهم اليوم بتمرّدها على كلّ ما كانوا يعتقدونه ثابتاً إلى الأبد. في كلمة (فَرْض) يُنسى الشعب السوداني الشاسع المترامي الأطراف والربوع، المتنوّع الثقافات والإثنيات والأديان واللغات، ويُحذف من السطر، والذي فُرِضت عليه الدولة الدينيَّة، بكلّ أشكالها (ديموقراطيّة وانقلابيّة)، طوال 60 عاماً من تاريخ ميلاد الدولة السودانيّة الحديثة، بل حتّى استقلال نصف البلاد لم يُزعج أذن الكائن الأحفوري الذي يُطبق على، ويعتلي منابر وقيادة مؤسسات العالم البائد.
من ناحيةٍ أخرى، يجادل الصديق الدكتور قصي همرور في الضفّة الأخرى، محقّاً، ويكتب على صفحته بفيسبوك بدارجيّته الفصيحة، والمحببة لي: [الناس البتقول انه موقف الحركة الشعبية والكتلة التاريخية فيه تعنت يدل على ابتعادهم من نبض واقع الشعب، غالباً قصدهم بالشعب الصورة العامة لمناطق الشمال والوسط وكده (ليس حتى الصورة المفصلة). واقع جبال النوبة والنيل الازرق ودارفور، ده موش المقصود. لكن طبعاً القاعدة الشعبية الأكبر للحركة الشعبية هي هناك، وداك ياهو الواقع البتحتكم ليه وملتصقة بيه. نفس الكلام ده كانوا بيقولوه عن الحركة الشعبية سابقاً لغاية ما انفصل الجنوب بإرادة واضحة.
بعدين يبدو مافي ملاحظة انه ناس الحركة الشعبية قاعدين يحضروا في نفس الفيلم من ثمانينات القرن الماضي، وأجندتهم الأساسية ياها زاتا تقريبا من الوقت داك، وكل مرة بتجي حكومة جديدة قاعدين يسمعوا منها نفس الكلام. عاوزينهم ببساطة يتجاهلوا كل المؤشرات دي – بالإضافة لسيادة العسكر حالياً على الدولة فعلياً – ويقولوا شكراً حمدوك زي ناس المركز؟
طبيعة الدولة دي غيّرها نميري بقرار فوقي، ما شاور فيه حتى ناس بيته، خليه الشعب. الشيء الطبيعي في الحالات الزي دي انه ترجع القصة إلى ما قبل القرار الفوقي داك ثم نشوف الخطوات الجاية. لكن المعلقين الآن عاوزين الحركة الشعبية تسلّم موضوع طبيعة الدولة ده لفرضية مستقبلية اسمها المؤتمر الدستوري؟ ما ملاحظين إنه حجة المؤتمر الدستوري دي ياها الشافوها زمان بحذافيرها، والديمقراطية الثالثة (مايو٢) اتأخرت وماطلت فيها لغاية ما "حدس ما حدس"؟
محاولة إلقاء اللوم في بطء سير المفاوضات على الحركة الشعبية والكتلة التاريخية أيضاً لعبة قديمة، انخدع بها مثقفو المركز في الثمانينات ويتكرر الوضع الآن. الذي يلام ليس الجهة الواضحة في مواقفها وقدّمت فيها أوراقها الموثقة على مدى عقود؛ الذي يلام هو الطرف المتذبذب، الجديد في المفاوضات لكن يكرر نفس تصرفات من سبقوه بصورة مذهلة، وكأنه فعلاً نفس الفيلم]. انتهى.
من غير المُستغرب أن يُهدّد المعادون للعلمانية مجتمعاتهم بلكزهم في منطقة الشرف، أي المرأة، ومدى الحقوق والحريات التي ستتمتَّع بها، ورغم أن انتصار الثورة كان شبابيّاً نسائيَّاً في مقدّمته، لا زال هنالك من يظنّ أنه بقادرٍ على الوقوف في وجه التجديد المقبل والموجة الهائلة التي ستُعيد للنساء كرامتهنّ. حسنٌ، في الجانب الأخلاقي يُحاجج الجاهل: هل ترضى لأختك أن…إلخ ولكن كيف من الممكن أن يُغيّر القانون الأخلاق الفردية لكل شخص؟ فإن غيّرت فإنما تُغيّى الحرية لا القوانين، إذ أن تغيّر شخصٍ مع اندلاع الحريات، يدل تماماً إلى أنه كان شخصاً مخفيَّاً آخر وقرّر أن يُعلن عن نفسه الحقيقيّة، والحجة مردودة: فمع تصاعج شدّة قمع قانون النظام العام لمن يتعاطى الكحول مثلاً، فقج تضاعفت نسبة مستهلكي هذا السم الملوّث عشرات الأضعاف منذ افتتاح مدرسة الثلاثينيّة الإسلاميّة العليا.
كما نرى ونعرف جميعاً فإن الثقة في المركز تكاد تكون معدومة، ولو لا انفجار الثورة لكانت شعرة الثقة الأخيرة قد انقطعت بعد أن مزّقت مدرسة الثلاثينيّة، بحروبها متعددة الرؤوس، النسيج الجميل كلّه. وكما تعلّمنا في ذات المدرسّة الحجريّة أن العلمانيّة هي الطريق الوحيد للحفاظ على جميع الثقافات والأديان السودانيّة، الأغلبيّات والأقليّات، من المصير الذي رأته السيدة جيسيكا: "إنكم تنتجون مفارقة قاتلة. الحكومة لا تستطيع أن تكون دينيَّة ومؤكِّدة لذاتها في ذات الوقت، ذلك لأن التجربة الدينيّة الخالصة تحتاج للحدس العفوي، في حين تقوم القوانين بخنقه لا محالة، وأنتم لا تستطيعون أن تحكموا بدون قوانين. قوانينكم في نهاية المطاف لابدَّ لها أن تستبدل الأخلاق، وتستبدل الضمير، وتستبدل حتى الدين الذي تظنون أنكم تحكمون بواسطته؛ لأن الشعائر المقدّسة لابدَّ لها أن تنبثق من الحمد، ومن الأشواق الروحانيّة، التي تمتزج فتصيغ فضيلة أخلاقيّة متميّزة. أما الحكومة، في الجانب الآخر، فهي مخلوق ثقافي يتميّز بجذبه الطبيعي للشكوك والأسئلة والنزاعات. أكاد أرى ذلك اليوم قادماً، حين يُستبدل الإيمان بالطقوس، وتُستبدل الأخلاق بالرموز والشعارات"(6). 
[السيدة جيسيكا، في رواية الخيال العلمي "مسيح الرمال" لفرانك هيربرت، 1969م]. 


الزحف الأخضر: نشَّال نَشَل نشَّال

في الضفّة الاجتماعيَّة نرى المعركة تبدأ من الساحل؛ منذ بداية اليابسة، بذرتها دائماً في البيت، ولكن من يستطيع أن يمنع ابنه أو ابنته من امتلاك هذه البلورة السحريَّة المستطيلة على كفّ اليد؟ اسأل ما تريد، ابحث وتعثّر بما لم يكن في حسبانك، كالجماليّات التي تُضفيها النباتات المتسلِّقة لم ولن تخطر على بال الفنان –كما يلاحظ باموق- المعماري الذي شيَّد قصراً في عهود الإمبراطوريَّة العثمانيَّة، نرى ذلك في حطام مدينة سواكن الحزين، والذي يملك سحراً من نوعٍ مُختلف؛ مُحطَّم، منبوذ، له سحره الذي لن يفنى ولم يخطر على بال خيال مُصمّميها: طَنَّشته عهودٌ ماضية، بلَغَ مداه –الطناش- في مدرسة (ثلاثيتيَّة الحركة الإسلاميَّة العليا)؛ حيثُ تعلَّم السودانيّون درساً كَتبوه في سماء تاريخ الإنسانيَّة، بدماء شهدائهم وبسلميَّة ثورتهم. 
والآن، هذا يدخلنا إلى موضوعة (الزحف الأخضر) غير المُحيِّر، نعم، هم أنفسهم الذين اقتلعتهم الثورة!. هذه الحالة –الزحف الأخضر- واحدة من الحالات التي ستتوالى من مجتمعات الماضي في المستقبل غير البعيد، أو كما يقول الخواجات: It's just the beginning. وسيتكرَّر ذات مشهد الانهزام الساحق الماحق، لقد حدث تحوّل هائلٍ في مفهوم السلطة ووجودها وقوّتها، ويؤسفني أن أبلّغ أهل العالم الماضي أن هزيمتهم ستتكرَّر كما تتكرَّر هزيمة الأشرار في أفلام الأبطال الخارقين، الفرق هو أن البطل المُنتصر باستمرار، في الفلم السوداني، عملاقٌ غاضبٌ، وقد تضرَّر طوال ثلاثة أرباع الفلم الذي بدل أن يكون ساعةً ونصف –بالمتوسّط- استمرَّ ثلاثين عاماً، بكلّ تفاصيلها المُذلِّة، والموثقة في هذه الألفية لدرجةٍ تثيرُ الرثاء. تحدثنا عن ذلك أعلاه في المقدّمة، ونعم أعني الأذن.
1. النشَّال
في العام 2005م، كان الموبايل الصغير، غير الذكي، عبارة عن ثروة بالنسبة لطالبة كصديقتي التي كانت تقف في انتظار المواصلات أمام جامعة الخرطوم، كان الموبايل الغافل مُلقىً في الجيب الخارجي بجهة النشَّال الذي جلس بجانبها، وقد شعرت به يُتابعها. وفي المحطة التالية نزل، أُلهِمت أم نكزتها سرعة نزوله؟ ذلك ما من شأني، ولكنها أوقفت الحافلة بعد محاولة تحرّكها، ونزلت. 
2. النشَّالة
من حسن حظِّها أن عينها وقعت على وجهه فحفظته ذاكرة العين، بينما كان من شدّة سوء حظّه أن لهفته على غنيمته لم تترك له مجالاً ليرى وجهها، انكمش عالمه وتحدَّد بذلك الجهاز. لمحته، تبعته ووقفت بجانبه في الجانب الآخر من الطريق في انتظار حافلة، توقَّفت واحدة، ولسببٍ لا تعلمه –الله يعلمه- أخرج ذلك التعيس الجوَّال ليُعاينه أمام أعينها، فـ(طَب) نَشَلت الجهاز في الهواء، ونظرت في عينيه وهي تقول: "بالمناسبة الموبايل ده حقِّي!". تجمَّد الموقف والسودانيّون، يعجبوك، مدّوا رؤوسهم من نوافذ الحافلة المتوقّفة للتوّ. بعد أن فاقَ من ذهوله، بدأ النشال بالولوغ في مُغالطات "لدنة خضراء برائحة تَعبق" –بتعبير القاص عثمان شنقر- بأن الجهاز يخصّه! اختصرت الموضوع بكلّ ثقة قالت: "خلاص نمشي القسم"! هنا بدأت جوقة المتبرعين في الشارع والحافلة ولكنّ صديقنا كان قد زحف داخل الزحام واختفى. 
3. السلطة:
عادت لعبور الشارع، لكنها تفاجأت بموتر تجاوز الإشارة الحمراء يسير باتجاهها مباشرةً، لكنَّ السائق انحرف في اللحظة الأخيرة فسقط هو وموتره أمامها، لم يُصب الرجل كبير السن بأذى، عندما وقف حضرة الصول بزيّ قوّات الشرطة المعروف، وجد التي تفاداها وهي تهتف: "يا زول! ياخ انت كنت وين من قبيل؟". 
والآن لاحظوا لعقليّة الأذن غير المُصدّقة، اتصل بها النشَّال بعد مدّة من الزمن (اتضح لاحقاً أنّه أدخل شريحته بعد النشل)، وقال لها بكلّ وقاحة العالم إن الموبايل يخصّه، فكرَّرت عليه ذات الكلام: طيب ماف مشكلة، إذا حقَّك؟ قول لي انت وين ونتلاقى في أقرب قسم". طاخ! أغلق في وجهها الخَط. هذه الـ(طاخ)، بالضبط، هي ما حدث بعد عملية الزحف الأخيرة، قالوا سيكررونها أسبوعيّاً، فوجد قادتها أنفسهم قبل نهاية الأسبوع في السجون بتهم الفساد، ولن يُنهِك الذين قدموا من الأقاليم، لنصرة تنظيمهم، أنفسهم مرةً أخرى ليُساندوا ما لمسوه من سقوطٍ كاملٍ لأبراج الأوهام، أرى أنني سأسمي زحفهم هذا بـ(مكالمة النشال الأخيرة). 
نشلوا وطناً لا يملكونه، وعندما نشلَ الشعب ملكه غالطوه، لا، بل إنهم أجروا زحفاً/ مكالمةً من جديد! يا للهول!

شموليّة
واحدة من المناطق المركزيّة في حياة الإنسان، والتي تتخذ أسماءً مُختلفة؛ عمل، مهنة، وظيفة ..إلخ، إلى أن تتدرّج فلسفسيّاً عند البعض كمعنى وجود، مُبرِّر للحياة، دافعاً لها أو،... إلخ، أو في الأغلب الأعم: عقيدة. في تلك المنطقة، للأسف، تكمن قوة حظِّي المُستفاد منها. وأقول للأسف لأن هويَّتي في تلك المنطقة المريبة، المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالاقتصاد والحياة الماديَّة الواقعيَّة القاسية، هويّتي هي الأخ الكاتب!. الحمد لله على كل حال. والحظ يكمن في عثوري على الكتاب المُناسب في المكان المناسب. أمامي رواية (النمل)(7) للكاتب الفرنسي برنار فيربير، لم أسمع بالكاتب من قبل، وجدته في شقّة الروائي حافظ حسين، حتَّى أنني تفاجأت بالنوع الجديد من الكتابة الذي يقترحه الروائي والتي يسمّيها "الخيال الفلسفي"، وتُعرَّف بأنها [مزيج من الخيال العلمي والفلسفة والمعتقدات الروحيَّة]. ما بين مجتمعين مُختلفين، تدور أحداث الرواية: عالم أقدم مجتمع عرفته الكائنات الحيّة (النمل)، وعالم الإنسان. سندلف من هنا في موضوعة التنوّع الذي يُطالب بالعلمانيّة.
إدمون ويلز، الشخصيّة المركزيّة في الرواية، عالم بايولوجي، انشغل بالنمل وسُحر بعالمه، وكتب موسوعةً أسماها "موسوعة العلم النسبي والمطلق"، تبدأ الرواية وإدمون بالفعل قد غادر عالم الرواية الواقعي، ففي الجانب البشري من الرواية يجهد العلماء، الذين غاروا منه في الماضي واستبعدوه وحاولوا سرقة أعماله، للحصول على الموسوعة. بينما أبطال الملحمة الحقيقيّة فهم داخل مجتمع فدراليّة النملة الصهباء (Formica rufa) وحروبها مع أنواع من مختلفة من النمل والحشرات. سيلتقي العالمان في مرحلةٍ ما من الرواية. لا أطيل، ما وجدته هو الصرخة التي يريد هذا التنقيب أن يصرخها. كتب المرحوم إدموند ويلز:
[شموليَّة: البشر يهتمّون بالنمل، لأنهم يعتقدون أنه تمكَّن من إقامة نظام شمولي ناجح. صحيح أنه يبدو لنا من الخارج أن الجميع في عشّ النمل يعمل، الجميع يطيع، الجميع مستعد للتضحية، الجميع متماثل. وصحيح بالمقابل أن كافَّة الأنظمة البشريّة الشمولية إلى الآن باءت بالفشل.
لذا يخطر لنا أن نأخذ عن الحشرة الاجتماعيّة (ألم يكن شعار نابليون النحلة؟) الفيرمونات التي تطوف عشّ النمل بكامله بعلومة شاملة، هي اليوم التلفزيون العالمي. يظنّ الإنسان وهو يقدّم للجميع كل ما يعتبره الأفضل، أنه سيصل يوماً ما إلى إنسانية مثاليَّة.
المعنى في مكانٍ آخر.
الطبيعة لا تتطوَّر، وإن لم يُعجب ذلك السيد داروين، باتجاه هيمنة الناس الأفضل (والأفضل بحسب أية معايير؟).
الطبيعة تأخذ قوّتها من التنوّع. يلزمها الطيّبون، الشريرون، المجانين، المحبطون، الرياضيّون، طريحو الفراش، المحدّبون، المشرومون، المبتهجون، الحزانى، الأذكياء، الأغبياء، الأنانيّون، الأسخياء، الصغار، الكبار، السود، الصفر، الحمر، البيض.. يلزمها جميع الأديان، جميع الفلسفات، جميع حالات التطرّف، وجميع الحِكَم.. الخطر الوحيد هو أن تُلغى أيَّاً من هذه الأصناف من قِبَل أخرى.
رأينا بأن حقول الذرة التي صُمِّمت من قبل الإنسان بشكلٍ صناعي والمُشَكَّلة من توائم أفضل كوز (الذي يحتاج لماء أقل، وأكثر مقاومة للجليد، والذي يُعطي أجمل الحبوب) تموت معاً عند ظهور أيّ مرض. بينما حقول الذرة البريَّة، المُشَكَّلة من صنوفٍ مختلفة لكل صنفٍ منها ميزاته، نقاط ضعفه، عيوبه، كانت دوماً تجد مضادَّاً للأوبئة.
الطبيعة تكره التشابه وتحب التنوّع. ربّما في ذلك تظهر عبقريّتها].

خاتمة:
أعتقد أن الواقع المعقّد لا بدّ أن يكون دائماً عمد حسن ظنّ مُفاجأتنا، ويظلّ الإيمان الأخطل بديمومة مقولات تُطلق على أنها جذريَّة، مثل أن الشعب السوداني، قل أيّ مسلم –كأغلبيّة- يرفض العلمانيَّة، ككلمة أو كجوهر. كذلك يجب الانتباه إلى التخفيف من التفاؤل والإمعان بحذر في ما آلت إليه السلطة الواقعيّة في يد أجيال العالم الجديد؛ فرغم تفوّقهم وسرعتهم وذكائهم البائن في كافة المجالات، وامتلاكهم للمعلومات والمعرفة الكافية ووصولهم لكل ذلك بسهولة، إلا أن التعصّب والثقة في النفس دائماً ما ألهمت الشباب خوض الحروب بشتَّى أشكالها، وارتدت مشاريع عظيمة لتتحوّل، في يد مجموعاتٍ من المتعصّبين الشباب، إلى كوارث حقيقيَّة.

ـــــــــــــ
الخرطوم - 29 ديسمبر 2019م
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
هوامش ومراجع:
(1) لطالما أثار مصطلح (المركز) لديَّ حساسيّة غموضاً كثيفاً عندما أنقله من حيّزه السياسي إلى تفكيري فيه أدبيَّاً، إذ يتحطّم تلقائيَّاً، فحيوات الأفراد -والتي يهتمّ بها الأدب- عندي لا تسيطر عليها قوانين المطلح في حيّزه السياسي، فهي تنفلت منه كثيراً وبشدّةٍ أحياناً، وواقعيّاً حدثت قبل وأثناء وبعد ثورة ديسمبر. ببساطة، أستخدمه بمعناه السياسي، والذي لا أؤمن بأن سلطته (لا زالت قائمة)، وإن كنتُ متشائماً سأقول (ستزول).  
(2) تنقيب الظلام، مأمون التلب يوليو 2018م: [ديباجة خياليَّة حول (الثورة): الزمن الثقافي والأعين المُشِعّة]، نُشر في مجلة (الحداثة)، وملف (الممر) بحصيفة السوداني. متوفّر على الإنترنت.  
(3) ديناصورات: في اليوم الأول من انطلاق سمنار الإدارة الثقافيَّة بعاصمة  ألمانيا ببرلين في العام 2012م، توزَّعت مجموعة من الكروت برسومات وصور مختلفة على الأرضيّة، وعلى كلّ مشاركٍ من كل بلد أن يختار صورةً تُعبّر عن وضع العمل الثقافي والثقافة في بلده. عندما حان دوري دار بصري على الصور إلى أن لمحت رسماً كرتونيّاً لديناصورات سارحة في البريَّة، التقطه ورفعته للحضور مشيراً إليها بإصبعي وقلت: (ممكن تتخيّلوا وضع الثقافة والعمل الثقافي في السودان لو عرفتوا حقيقة إنو ديل الحاكمننا).
(4) أورهان باموق: [حديث آرثر ميللر والجمعية الدولية للشعراء والكتّاب]، كتاب (ألوانٌ أخرى) - مقالات، صدر عن دار الشروق وبترجمة سحر توفيق.
(5) سودان تريبيون 
(6) السيدة جيسيكا، في رواية الخيال العلمي "مسيح الرمال" لفرانك هيربرت، 1969م. عثرت على المقطع بحائط قصي همرور بفيسبوك، وقد ترجمه هو من الكتاب إلى العربيّة. كتب مُعلِّقاً: (السيدة جيسيكا، شخصية من الخيال العلمي المستقبلي، وهي شخصية متدرّبة تدريباً عالياً في الرياضة الروحية وفلسفات الحكم، إذ تنتمي لجماعة (مستقبلية) نذرت نفسها لتطوير قدراتها إلى حدود بعيدة فيما يتعلق بالملَكَات المودعة في البشر. تتحدث السيدة جيسيكا أعلاه لابنها وابنتها، وحاشيتهما، اللذين أسّسوا إمبراطورية كبيرة وباذخة جمَعوا فيها بين السلطة السياسية الكاملة والقداسة الدينية، ويأملون أن تبقى تلك الإمبراطورية قائمة ومستقرة لعهود وأجيال قادمة، بنفس صورتها تلك.
(7) النمل: برنار فيربير، ترجمة أيف كادوري وحازم عبيدو، منشورات دار المدى 2016م.




قصي همرور

محمود محمد طه

برنار

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الأغصان: حول إيضاحات الشاعر عاطف خيري لنصوصه القديمة

تنقيب الظلام الأغصان (حول إيضاحات الشاعر عاطف خيري لنصوصه القديمة) مأمون التلب يقول شاعرنا محمد المهدي المجذوب [1] : [نعم؛ في جانب مني شيخٌ حاسرُ الرأس من فقراء السودان (...) ولقد تعلَّمت من الشيخ الذي فيَّ أشياءَ كثيرةً، أولاً الخدمة، ولم تكن لي عنده مكانة خاصة تميِّزني عن الآخرين، (...) وكان يأمرني بتجويد الخط، والدراسة لا تنقطع؛ كل لحظةٍ امتحان، (...)، ولكن نفوري السِّري من ابن مالك كان شديداً، وكنت أستثقل الحريري سراً، فإذا وجدتُ فرصةً ـ وما كان أقل الفرص مع المراقبة الشديدة ـ خلوت إلى نفسي ألعب بالطين، وأرتد طفلاً حقيقياً يتحدث ويلعب مع نفسه الصغيرة التي ذابت في نفوس الجماعة الصارمة. وكنت أرى في الطين حصوناً وأناساً يتحركون، وكان يداخلني من هذا فرح لا يوصف. ولا أعلم كيف علم الشيخ بهذا العبث فلم يرضه، قال إنه لَهْوٌ مضيعة للوقت، وانفرد بي شيخ آخر فقرَّعَني على هذا الخروج، وحَدَس أنني سأكون مارقاً وكذا كذا، وحَوْقَلَ واستغفر، فهالَنِي ذلك وأفزعني، وجاء يوم كتبت فيه بيتين من الشعر على جدار، وقرأهما المعلم، ورأيت الانبساط في وجهه ولكنه أنكر المعنى؛ وكا

Life weapon’s dictatorship - By: Mamoun ElTilib

Life weapon’s dictatorship By: Mamoun ElTilib Translated By: Ibrahim Jaffar Introductions: ( Tayfara was a military slave of the Cavalry Divisions (the Divisions of Knights) which was relegated to the Sheiks-ministers of Hamaj .   He presumably has been enslaved during one of the sieges of Rajab to the Nuba Mountains within the course of his campaign against Kordofan, for he reached the age of reason in the era of Nasser wad Idris .   Imaginatively, we would correlate Tayfara’s memories of childhood with those of Dogalo Doguendan Ari ; a Nuba boy of the next generation who, like Tayfara, has been, as a young boy, enslaved and taken from his native land.   Dogalo , as a young man in his far-off exile, has vividly lived the memory of his homeland that has been sustained within his soul as a minute world of landscapes, distant and diminutive shapes; young kings wearing jewels and straddling horsebacks; steppes of azure color of bubbly plant under the pur

The Beauty of the Silly - نجلاء عثمان التوم

 The Beauty of the Silly  نجلاء عثمان التوم إلى عثمان حامد سليمان   هل يمكن تشريح الأصالة؟ هل يمكن الكشف عن شعوبها الداخلية دون مجزرة؟ أنا مدفوعة هنا بالحجب الأصيلة التي يغزلها الغناء السوداني حول نفسه فيبدو لنا أحياناً شيئاً محيراً، لامع الحيرة . عندما نتجرد من العصاب الذي نسميه الفهم، وننطلق في رحلة متحللة من كل غاية، ونستمع إلى الأغاني السودانية بأرجلنا ومصاريننا، نشعر أن الطاقة التي تتهدج في الجو هي، ولا شيء خلافها، الهوية. لكن تظل أصالة هذا الغناء شيئاً غامضاً جداً وعصياً على التعيين. ثمة إستراتيجيات، أعتقد، أيّدت هذه الجذوة التحتية. أولاً تحتجب الأصالة، في معظم الأحيان، في تمويهات هزلية تنتجها قوالب شبه ثابتة محكومة بشهوة الرجز، والطلاقة الشعبية، والنبرة العادية في الكلام. فالغناء في الأساس هو مكان التغزل في اليومي والعادي في أقرب نسخه إلى الواقع. وكلما تشبثت الأغنية بسوقيتها المعروقة، كلما تصير إلى درجة من أصالتها الصحيحة. لكن الفن هو دائماً تدخل معقَّد، فلا نجاة من سطوته، لكن التحايل عليه ممكن. فعندما تبدأ أغنية ابتهالية، فيها تسجيل لمغامرة البلاغ العشقي والوص