الثلاثاء، 25 أكتوبر، 2016

مرثيّة: شان، تعال نشتري بحراًَ من السوق الأسود


مقدّمة طينيّة:
في كلِّ بيتٍ جديدٍ أسكنه تظهر لي، من العدم، قطَّة جميلة وتعيش معي. بدايةً بالأستاذ (شان) الذي كتبت في حقِّه رثاءً في صحيفة الأحداث بعنوان (شان، تعال نشتري بحراً من السوق الأسود)، جلب عليَّ نقمة المناضلين إذ كيف يكتب كاتب، في صفحة كاملة، مقالاً عن قط؟ على العموم، سمّى صديقي الشاعر ورفيق سكني، محمد بابكر، قطتنا الجديدة في بيتنا الجديد باسم (التنينة)، تيمنّاً بابنة أخت بكري البقاري. هذه القطة العجيبة كَتَبَت مقال تنقيب الظلام المقبل، مرفق صورة المقال، ومرفقة مرثيّة عزيزي (شان) مع صورته التي عثرت عليها ضمن بحثي عن الكتابة. يا اخوانا: كيف سنشكر (غوغل) عليه السلام؟. 



شَان،
تَعَالَ نشتري بَحْرَاً من السُّوق الأَسْوَد!.
مأمون التِّلب 
الجمعة
30 مايو 2008م
وأنا أتذكَّر نقاءَ مخالبه، أتذكَّر ظنيَ السيء به، أيام كان يسير من خلفي، حيثما كنتُ يكون. كنت أقول إنني متوهِّمٌ كشاعرٍ يطلب الجنون، ويغلِّف أفعاله بالأساطير، كنت أقول: أنت لا تريد سوى أكْلٍ عَابرٍ، ألقيه من أعلى المائدةِ التي ترتصُّ فيها المأكولاتُ الشهيَّةُ مغلَّفةً بحنان أمٍّ بشريَّةٍ على الأقل. ولكن أين أمك، أبوك، إخوتك، رباط الجُّذور الذي ينسبك للنمر عند أساسٍ حيوانيٍّ مجنون؟.
لم تأتِ إلا من العدم. لستُ متوهِّماً؛ بذريعة الإشارات التي نَزَفتَهَا يوماً وراء يوم، بذريعة الكلمات التي نَطَقتَ بها، بذريعةِ اللغة التي طالما تيقَّنتُ بأن لا أحد يفهمها، بأنها (غامضةٌ) (وطلمسيَّةٌ) _بتعبير القُرَّاء_ وأنت فَهِمتَهَا، وكنتَ تحت َسياطي، سياطَ الواقعِ الوحش الذي ينهشُ كل غابةِ خيالٍ داخليٍّ بمخالبه، كلَّ نهرِ غموضٍ يخنقني منذ الولادة بلامعقوليتها، انتهاءً بكوننا نعيش على كوكبٍ دوَّارٍ، ونظنّ بأننا متفوِّقون على كل حيٍّ، وشيءٍ يعيش داخله. الأنكى والأَخجل؛ نظنُّ أننا نتفوَّق على بعضنا البعض لدواعٍ مضحكة، الأَقْتَلُ أننا نؤمنُ بواقعيتنا، وبعلم واقعنا المُتوَهَّم، رغم كل الفنون والكائنات والظلال ودوران الكواكب وخفقان الألوان. رغماً عن أن الإنسان إنسان. رغماً عن وجود كلمةٍ تُنطق هكذا: (واقع)، رغماً عن وجود كلمةٍ مَبحُوثٍ عنها تُدعى: (حقيقة).
شَانْ، عزيزي شَانْ. شِلْوَ روحي الطَّائر في اللغة، في الحيوان الدَّاخلي، في الكتلِ المنويَّةِ الكامنةِ في أحشائي.
عندما كنتَ تتجوَّل في البيت، في البداية، كنا نعلم أن البيت مسكونٌ بالكثير من القطط المشرَّدة _بزعم البشر طبعاً_ وكانت صرخات أمي ليلاً لا تزعجني، ولا تُذَكِّرني باللصوص، أبداً، كنت أعرف أنها القطط تلك التي تُحرِّك الأواني في المطبخ، والتي تنبش القمامة بحثاً عن حياتها اليوميَّة. صيحات أمي المباغتة نابعةٌ من خوفٍ متأصِّلٍ في تكوينها _أظنك خَبُرْتَهُ_ لقد كان جحيمها أن ترى قطاً راكضاً أمامها، دعك من قطٍّ واقفٍ دون حراك!.
كنتَ أنتَ ذلك القط الكبير؛ النَّاضج، والذي لا يخاف من تهديدات أميَ الطيِّبة بتلويحٍ آنيّ، تهرب جميع القطط، إلا أنت، تظل وكأن لغةً أُخرى يجب أن تُستخدمَ مع سليل ملكوتٍ شعريٍّ مثلك، وكانت أمي تتظاهر بتجاهلك، وأنت الجميل، جميل العين والفرو، جميل الجروح. الشائعات التي تردد حولك في بدايات أيامك معنا أنك (فَرَضتَ نَفسكَ) على البيت، وكانت أمي تحاول أن تقنعني في الليل، في اللحظات التي نتحدَّث فيها عن أكثر مسائل البيت مصيريَّة (لقد كُنتَ مصيريَّاً يا شان)، كانت تحاول إقناعي بطردك من البيت، بالتأكيد أمي ليست شريرة، ولكني أظنّك عذرتَها لخوفها الجذريّ من القطط. وفي يومٍ، كانت أمي تصرخ والوقت متأخر جداً وتُنادي عليّ، قالت لي (أخرِج هذا القط فوراً) خفت وقلت: (لماذا؟)، صرخت وهي تلاحق شبحاً متحركاً في الظلام يركض من خلف الكَنَبات الطويلة ومن تحت الطَّاولات (قلت لك أخرجه إنه هناك، أنظر _وتقذف بشيءٍ يُلبس في القدم تقريباً_ إنه هناك)، وعندما اتّجهتُ إليكَ تحت الكرسيّ، وجدْتُك هادئاً وقوراً لا يعكِّر نومك شيء، ابتسمت، ولكن أمي فاجأتني حين صاحت: (ليس هذا، إنه قطنا، أنا أقصد ذلك القبيح)!، صُعقت فرحاً بحرف (نا) هذا، ونظرت في الاتجاه الآخر، فإذا بقطٍّ مبهدل الجَّسد يقفز من الشباك.
لقد عمّدوك أخيراً، ابناً معترفاً به، رسميَّاً، بنومٍ هادئٍ يُمكن للأحلام أن تجد متّسعاً من الوقت لتَلسَع جدران ذهنك وتنفذ لجسدك، وتُحدثُ عليه علاماتٍ وأرقاماً وذكريات. كان ذلك في العام الثاني لحضورك، عندما كنت قد تعرَّفت بمحمد الصادق الحاج ذات مشروعٍ فاشلٍ كان يخطِّطُ له صديقنا الصَّادق الرضيّ، أنت لم تتعرَّف على الصادق بالمناسبة، أعتقد أنه كان سيتفهّم، تماماً، قدرتك على التحوّل والحديث، ربما لتلك العلاقات المريبة في أشعاره بين الحيوانات والحياة اليومية، فعلأً، إن الجَّمع بين الحيوانات ودلالات الطبيعة مع الحركة اليومية للملاعق والأكواب ونظرة الطفل وقلق فستان الجَّارة؛ كالجمع بين الأختين!. ما علينا، لا أستبعد أنك قرأت (أقاصي شاشة الإصغاء)، ففي نهاية المطاف، لم يسلم الطَّابق السفليّ من ضلفتي الوحيدة في الدولاب الوحيد من اقتحاماتك، فالكتب تعيش هناك.
المهم، كنت أحكي لك أنني تعرفت بمحمد الصادق في ذلك الوقت، بالتأكيد أنت تذكره، فقد عشنا سويَّةً لعامٍ كاملٍ تقريباً تحت سقف غرفةٍ واحدة، لكنني أتفهَّم غضبَك المبرر منه، فهو، ببساطة، وجد بيتاً آخر ولم يقم بزيارتنا في البيت لفتراتٍ طويلة، الأمر الذي صَبَغ رحيلك البغيض بحرقةٍ لاذعة، لقد كنا وحدنا في هذا المنزل يا شان، وكانت هلوساتي كلها موجّهة لك، بكائي الجَّامح. كان محمد الصَّادق يتلقَّى الكثير منه، وكنت تشاركنا بنظراتٍ ثابتةٍ كظلال جدران الغرفة. بالمناسبة: ألم تكن للغرفة اسم؟، لقد سمينا البيت الذي غادَرَنا إليه محمد، سميناه (شُوشَا)، تيمُّناً بالفتاة المتخلفة ذهنياً، والمتقدمة حسِّيَّاً وذوقيَّاً وجمالياً وبديهيَّاً، التي تعيش في رواية الكاتب... يا إلهي، لا أتذكر اسمه الآن، ولكنني سأذكره لك فيما بعد.. نعم نعم الرواية كانت موجودة في المنزل لفترةٍ طويلة، ولكن قل لي، ألم يكن للغرفة اسم؟، في ليلةٍ تغيبنا فيها عن الوعي كان محمد يهذي بأمرٍ مشابه، ولكننا نسيناه في اليوم التالي. أوه تذكرت، الكاتب اسمه (إسحق باشفيس سنجر) أرجو أن يكون صحيحاً. لدينا الكثير من الفئران في بيت الشعراء والكُتَّاب والخواجة (لِيَام مورغن) وفرفر أخي وحِبُّو، انضم إلينا مؤخراً مُعِدّ برامجٍ تلفزيوني، وعازف باص جيتار مبتدئ يدعى (سْكُونِسْ) _لن تجد صعوبة في نطق اسمه_ أو محمد محمود. الكثير من الفئران، طبعاً، لتلعب معهم!، فكما تقول أمي إنك (خوَّاف) ولا تقتل الفئران، رغم أنني وجدت جثَّة أحدهم في سطح المنزل، ولكنني ظننت أنه، غالباً، ما يكون قد اصطاده قط آخر وأهداه إليك في مناسبةٍ غراميَّةٍ غامضة. لماذا لم تكن لك علاقات غرامية يا شان؟، لم أشاهدك يوماً في وضعٍ جميلٍ كهذا، ربما كنت، في الأصل، راهباً في جبال (التّبت). كنت أريد أن أسألك حول شريعتكم هذه: القط يأكل الفأر، ما رأيك، بصراحةٍ، فيها؟ رأيي أنا؟ أعتقد أن البشر قد استخدموها بصورةٍ أبشع من ما هي عندكم، أتعرف لماذا؟ لأنهم، فوق وحشيتهم، يبررون ذلك بـ(الأخلاق)!، هل تصدِّق؟. نعم بالتأكيد تصدق. أما  أنتم، فتفعلون ذلك وتعرفون أن الأمر مجرَّد (جوع) و(بقاء على قيد الحياة)، نحن؟ يجب أن ينصِّب أحدنا، نفسه، حامياً للمجتمع أولاً بذريعةٍ ما، وفي قلبه ذلك الخوف من انهيار هذا التجمّع البشري، الشبحيّ، المسمى (المجتمع). ربما يسطو على حكومةٍ بليل، ربما يسيّر جيوشاً جرارةً لحرقها مع آخرين في الطرف الآخر، ربما يُعلِّم خدود ابنته أو اخته بأصابع حمراء من شدَّة الضَّرب، ربما يُغلق على زوجته أقفال العالم لأنها جميلة، ربما ربما يا عزيزي، ربما ينتحر، لأنه لم يستطع سوى أن يكون محافظاً على نفسه، لأنه غير مفهومٍ من الآخرين. بمناسة القط والفأر، ما هو رأيك في مسلسل (توم أند جيري)؟، ربما ستضحك الآن، ولكنني أريد أن أستفسر عن تلك العلاقة الملفَّقة بين القط والكلب الذي يظهر كضيفٍ على الحلقات من وقتٍ لآخر، عندما يحاول الكاتب أن يُخرج فأره العزيز من بلاهة (توم)، فأنا لم أشاهد في حياتي كلها كلباً يطارد قطَّاً، بالعكس؛ لقد كنتم دائماً تخيفون الكلاب، إن الكلاب تخاف وتتحاشى القطط. أليس كذلك؟.
مالذي كنا نتحدث عنه يا عزيزي شان؟، كنت أحكي لك عن علاقتي بمحمد من قبل أن تلتقيه، لم أحْكِ لك هذه الحكاية من قبل، عاد محمد من منفاه الجّحيميّ في القاهرة، حيث قُبِلت طلبات الهجرة لكل من معه (أمير شمعون وعاطف خيري وعادل القصاص وغيرهم).. وظل هو هائماً حتى التقاه شخصٌ سرابيٌّ وانتهره في الشارع العام: (عُدْ إليهم)، لا أتذكر بقية تفاصيل هذه القصة ولكن أعتقد أن محمد بإمكانه أن يرويها لك بصورةٍ أفضل. عاد محمد والتقينا في خضم المشروع الفاشل، أعقبته ورشةٌ فاشلةٌ أيضاً عن قصيدة النثر، وقابلته وجهاً لوجهٍ في (رُطَانَة الشظَايَا)، كانت هذه شهادته حول الكتابة التي قدمها في تلك الورشة، وكنت، كما تعلم جيداً، أعمل (جِمِّيعاً) لمثل هذه الأشياء بعد أن أمضيت وقتاً طويلاً من عمري القصير في طباعة بحوثٍ تافهةٍ في محلات الشهداء الكَمْبيوتريَّة، فبعد أن قررت هجران الهندسة كليَّاً، كان عليَّ أن أهرب من ذلك الجحيم، حيث كان الطلبة (الحربيون؟!) ينقَضُّون من كل المناهج السطحية الغارقة في هذياناتٍ خرقاء، ويُخضعون وقتي وأصابعي للعمل والشَّوْشَوَة. فكانت طباعة أعمالٍ أدبيةٍ، كرطانة الشظايا، جنَّةً أبدية، عندما بدأت في طباعة شهادته الأدبية، كانت الساعة حوالي الحادية عشرة مساءً، وكنت قد انتهيت تقريباً من بقية الأوراق المُقدَّمة، وكان من المفترض، نسبةً لسرعتي في الطباعة، أن أنتهي منها في غضون ساعتين، هل تعرف متى انتهيت من ذلك الورق المُسكر؟، لقد كانت الساعة حينها السادسة والنصف صباحاً. اتصلت به في ذلك الوقت المتأخر، والتقينا في السابعة والنصف في محلات الشهداء تحت ظلٍّ رحيمٍ لسِتّ شاي عابرة، ومنذ ذلك اليوم، لا أعتقد أننا افترقنا كثيراً.
لماذا أحكي عن محمد الصادق؟، أنت تعرف لماذا، لأنه كَشَف لي بعض الأسرار عنكم أنتم (القطط)، فبعد أن زرتني في المنام، بعد ليلةٍ من العمل الشَّاق في غرفتنا المجهولة الاسم، أنا ومحمد وأنت، حكى لي محمد عن سيرةٍ سريَّةٍ للقطط، قال: (في الأصل، منذ قرونٍ بائدةٍ، كانت القطط حافظات تُحشر فيها أسرار الكون كافَّة، وكانت هذه الأسرار تُستخرج عن طريق جهازٍ تم اختراعه في تلك الحضارة التُي أُبيدت عن وجه الأرض، الجهاز يشبه (السي دي روم)، تستخلص الأسرار المناسبة، ويُطلق القط، بعد ذلك، ليعيش حياته. ولكن بعد أن اندثرت تلك الحضارة، ظلت القطط تهيم على قلبها في العالم، حاملةً أسرار الكون لا زالت، ولا جهاز يُشفي حشاها المحترق، قلقها الدَّائم).
في ظلام النوم، أتاني رجل آسيويّ الملامح، يبدو أنه من الصين أو اليابان، قال لي: (هذا القط الذي يعيش معك اسمه "شان") واختفى. صحوت من النوم، نظرت إليك، كنتَ ممدداً بخبثٍ ظاهرٍ تحت كرسيٍّ مهشَّم الحديد، كنا ننظر إلى بعضنا لوقتٍ كافٍ، قلتُ لك بخوفٍ قليل: (شان؟)، راجياً أن لا ترد عليَّ بأية حركة، أوحتى إشارة.
أنت تتفهم خوفي أليس كذلك؟ طبعاً أنت تعرف؛ لأننا نحن البشر نخاف من أن يكون هنالك (غير) على الإطلاق، نخاف أن يُسحق غرورنا وأوهامنا بالتفوّق، لذلك، كما ترى، لا نكفّ عن نهش بعضنا البعض، بعد أن تأكدنا، بلا معقوليَّةٍ بحتة، أننا سيطرنا على الطبيعة وعرفنا مداخلها ومخارجها. لا نستطيع أن نعيش دون أن نتيقن بأننا (أمَّةٌ مختارةٌ)، لا نستطيع أن نعيش بدون أن نَرْفَعَ من شأن (سحناتنا) بذات الأسباب والمبرارات التي تَرفع بها جماعةٌ أخرى من البشر من شأن سحناتها علينا، هل ترى هذه الـ(نا)؟، إن البشر لا يستطيعون أن يعيشوا من دونها. مالذي أدخلنا هنا يا عزيزي؟، فقد رددت عليَّ بـ(نعمٍ) ماويَّةٍ بصوتك الواثق، الثَّابت. سَكَتُّ لفترة طويلة، وناديتُ عليك مرة أخرى، وكان ردك سريعاً مع تقدّمٍ باتِّجاهي لتعرف: مالذي أطلبه؟، أم لتزيد من رعبي يا مُستهبل.
في أيامك الأخيرة، عندما كنت تُجالس الموتَ في أزقَّة البيت ومتاهات قلبي، كان أبي يتصل يوميَّاً ليسأل عن أحوالك، هل فوجئت؟، أنا أيضاً كنت محتاراً، فقد كان يسأل بإلحاح وبعاطفةٍ واضحة، أنت لم تقابله طوال حياتك، وأنا لم ألتقه منذ ثمان سنوات، هو يعيش الآن في تلك البلاد المُغلقة، المملكة السعودية (لاحظ لاسم المملكة)، أعتقد أنك استمعت إلى مكالماتنا كثيراً.  قال لي أبي ضاحكاً: (أصدقائي هنا يضحكون من مكالماتي هذه، فكنت أقول لهم: نحن آل التِّلب، نتعامل مع الإنسان كما الحيوان)، أعرف أن حالة الضحك والسخرية ستنتاب العديد من الناس، (وقد فعلت بالمناسبة، حتى الأطباء في الصيدليات كانوا يبتسمون ويتهامسون بعد ابتعادي عندما كنت أسأل عن "فيتامين" لك، رغماً عن أنهم يكتبون عادةً في لافتاتهم "أدوية بشرية وبيطرية"، لا عليك، فهم يعالجون الحيوانات الدَّاخلة في مسألة رأس المال المادّي فقط؛ كالأبقار والدّجاج ...إلخ)، ستنتاب موجة الضحك السخرية العديد منهم، وربما نعتوا هذه الرسالة بـ(حركات شعراء حداثة)، ألم تسمع بهذا الاسم الفظيع من قبل يا شان، يسمون أخوكْ ومحمد الصادق وبقية الفوضويّين الذين عكَّروا مزاجك في غرفتنا، مثل أحمد النشادر ونجلاء التوم وغيرهم، يسمُّونهم (كتَّاب الحداثة)، لن تعرف كم أغتاظ من هذا الاسم الجزافي، فبعد أن نلحق بك يا عزيزي، سيسمون المقبلين من الشباب بالحداثيين أيضاً، إنني أتسائل: لماذا يظل من يسمّون (خالدين) للأبد؟ كأنهم لا يعانون من المرض المسمَّى (جسداً بشرياً)، هل تعرف ماذا يشبه هذا الاسم بالنسبة لي؟ أن تطلب مني أمي مثلاً أن أُحضر لها (ماءً)، وفي اللحظة التي أذهب فيها لأحضر الماء، تُسميني أمي، بدلاً عن اسمي، (جالب الماء)، وبعد أن تشرب سيتغير الاسم ليصبح (السَّاقي)، وبعدها (المشكور) وهكذا دواليك، من الأسماء المضحكة المرتبطة بالجيل والشباب والسودانيين والصوماليين...إلخ.

عزيزي شان، أرجو أن لا أكون قد مغَّصت عليك هدوءك، في صباح اليوم الثاني من رحيلك، ولكنني أود أن أتذكر أيامك الأخيرة. لقد كان دافعي الأساسي لكتابة هذه الرسالة إليك، هو الاعتذار عن ما بَدَر في (خاطري) من أفكارٍ سطَّحَتْكَ، وعن كلماتٍ قاسيةٍ قلتُها لك في لحظات غضبي من هذه الحياة. أعرف أنك تملك قدرةً لا بأس بها على الانتقام منِّي، أذكر أنني في يومٍ كُنتُ قد أغلقت كل منافذ الغرفة، الباب والنوافذ، ولم أترك لك مساحةً لتخرج منها لتوهانك الليليّ، كعادتكم أنتم القطط، أجسادكم مُشرَّبةٌ بالليل، وعيونكم تُشعُّ بأضواء الظَّلام الحقيقيّ. في وقتٍ متأخرٍ كنت تشدّ ملاءة السرير وتصرخ، كنت أصحو بين فترة وفترةٍ وأصرخ في وجهك أيضاً أن (اصمت)، كنت تواصل المواء بصوتٍ مزعج، كنت تطلب أن أفتح لك الباب، وأنا تجاهلتك واعتبرتك مجرَّد (حيوان) لا أكثر. أذكر عادتك المريبة في النوم، كنت لا تنام إلا على الملابس التي كنت أخلعها في نهاية اليوم، قميصي المبتل بعرق النَّهار والليل، حتى وإن كانت هنالك ملابس أخرى في الغرفة الفوضويَّة، كنت تبحث عن القميص وتحشر نفسك بين ألوانه. في تلك الليلة، وبعد ازعاجٍ استمر لساعةٍ، صمتَّ فجأة بلا مقدمات، وأنا عدت لنومي البشريّ، في الصباح، لم أجدك نائماً على القميص، وجدتك في طرف الغرفة تبتسم!، نظرت باتجاه القميص، فإذا به مشحونٌ بفضلاتك، خريطةٌ من الفضلات تفضلت بها عليَّ جزاءً على تجاهلي. وأنا الآن أكتب لأعتذر عن هذا التجاهل.  
 تذكر بالطبع تلك اللحظات، عندما أغضب من الحياة، كنتَ تراقبني من تحت السرير، وبعد لحظاتٍ تجدني مستلقياً إلى جانبك تحت السرير وأثرثر، أحياناً كنت ترد مُجاملاً عندما أوجه إليك الحديث، وأحياناً تظل صامتاً، وعند بعض الأسئلة تهرب بسرعةٍ وأنا أزحف من خلفك، نقفز فوق السرير، ألحق بك إلى النافذة، أغلقها، ثم أُعنّفك بصورةٍ غير لائقةٍ بعلاقتنا ومقامك، كنت أقول إنك مجرَّد قط، ولستَ حاوياً لأية أسرار، كنت أنظر في عينيك وأنت تتعجَّب في قوَّتي التي تصل بي لحد البكاء بصوتٍ عال. أعتذر عن ما ورَد على خاطري حولك، كنت أُبرِّر سيرَكَ خلفي إلى أي مكانٍ أقصده داخل البيت، بأنك مجرَّد قط جائع، تنتظر هبةً طعاميَّةً مني، كنت أقول وأفكر، ولم أنتبه إلى أنك تنتبه وتحس بذلك كله، لذلك أقدمتَ على جرح غروري في الليلتين الأخيرتين من حياتك.
 كلانا يعرف تماماً أنك لا تقبل بأن تُمسّ من أي شخص، وإن قبلت، على سبيل المجاملة، فإن ذلك لا يدوم لأكثر من ثانيتين، هذه العادة تشملني أنا أيضاً، فأنت لا تستثني أحداً. ربما تسمح لنفسك بملامسة أقدامي، عندما تكون جائعاً، أو عندما تغار من مكالماتي المتأخرة ليلاً على الهاتف، ومن حينٍ لآخر، لا تبخل عليَّ بخربشةٍ طفيفةٍ عندما تغضب من نسياني لك لأيامٍ دون توجيه حديثٍ أو دعوةٍ للعشاء.
ولكن، في الأسبوع الأخير، أصابك ذالك المرض الغريب. أخبرتني أمي، بجزع، أنك لم تتحرك منذ ليلة الأمس من تحت السرير، قالت إنك ربما متّ، ذهبتُ ووجدتُك خائر القوى، نحيل البطن، ومتغضّن النظرات، مهشَّم الصوت، ولا تستطيع النهوض، جلبتُ كل ما توفَّر من أكل، شراب، حليب، لم تأكل، لم تشرب سوى الماء، وظللت هكذا لأيام. أحضرتُ الأدوية التي وصفها الطبيب البيطري، ولم تستجب لها، كنتَ يائساً مني، متفائلاً بهجرانك لهذا العالم. فماذا فعلت؟.
رغماً عن أنك لم تكن تستطيع النهوض، إلا أنك، عندما تراني، تحاول بأقدامٍ راجفةٍ أن تقف وتلقي بتحيتك اليومية، ولكنك تسقط مرةً أخرى، تقف وتمشي من خلفي مترنحاً؛ ليس لأنك تطلب عشاءً كـ(مجرَّد قط)، ليس لشيءٍ سوى أن تشرح، وبكثيرٍ من الوضوح، جراحك الملوثة ببصماتي، ببصمات غروري البشري، كنتُ أجلس باكياً على الأرض، وكنتَ تصر على الوقوف، تحاول أن تمسح وجهك بيدك فتسقط على ظهرك بطريقةٍ حزينة، كأنك تمثالٌ مبنيٌّ من الماء، مبنيٌّ بنظراتي الرَّاجفة من إجرامها، وعماها.
شان يا عزيز، ما رأيك أن نشتري بحراً من السوق الأسود؟ ربما حفرْنا في مائه، بمخالبنا البرمائيَّةِ، أزقةَ بيتٍ جديد، سندعو الأصدقاء طبعاً، لا تستعجل في حكمك على خطتي، فنحن، بالتأكيد، لا نريد أن نكون وحيدين، كرغبةِ كل الكائنات، بحرٌ في السَّماء؟ لا أدري، دعني أفكر في هذا الأمر. ليس من داعٍ لوجود شمس ولا قمر، لا نريد مراكزَ هنا، أرجوك، يكفي ما تكبَّده قلبك من صَلَف قلبي، ويكفي ما ناله قلبي من أوجاع خفقانه. لا بأس، سأنتظر، ربما سيكون انتظاري طويلاً، أنت تعلم، عندما بكيت عليك لليلةٍ كاملة، قبل رحيلك بيوم، في تلك الليلة التي سمحت لي فيها أن ألمسك لساعاتٍ، أن أحتضنك دون مقاومة، أن ألمس يديك ووجهك ورأسك الصغير وعنقك الرَّاجف، تعرف أنني كنت أبكي على الكثير، لا أريد أن يُطال في عذابي بمراقبتكم تغادرون واحداً واحداً. عزيزي شان، أنت تعرف من هم، إنهم من يعرفون حقيقتك، وتمور أجسادهم ودماؤهم وخيالاتهم وأسماؤهم الحقيقيَّة بأسرار الكون، إنهم قطط بشرية، ولا جهاز، للأسف، لاستخراج شيءٍ منهم. إنهم يحاولون، بطرقٍ بائسة، أن يخترعوا أجهزةً قريبةً منها، أحياناً يخرج القليل، ولكن الكثير، البحر الكثير الغامض، والذي لن يُفسِّر العالم، بل يحطِّم وضوحه، للأسف يا عزيزي، دائماً ما تُصنَّف الأسرار في خانة الكشَّافات، ولكنها، كما كوَّنتك قطَّاً تائهاً في الأحلام، وكما صمَّمت لغتك لتصبح كبقية القطط، فهي تقتل الطمأنينة، وتذبح اليقين على أعلى قُبلةٍ تبادلتها جثث العالم في لحظةٍ واحدةٍ، عندما تنكمش القبور على بعضها، وتذرُفُ وجهَك.





الأربعاء، 10 أغسطس، 2016

بثور الأمل

بثورُ الأمل
مأمون التلب




(1)
يَعرفُ القاصي والدّاني من كوكَبِ الأرض أن نظاماً يضمحلّ وقد حلّ مكانه، بصورةٍ لا تزال شبحيّة وشيطانيّة، نظاماً جديداً تماماً في كلّ شيء. يَترَادفُ هذا المعنى مع كلمات واقعيّة جدّاً كـ(انعدام الأمل) كـ(الحبّ الذي هَجَرَ الكوكب)، والمُعبِّرة الكبرى: ماتَ الإله!. جميعها تسميات لانهيار النظام، وبينما تبدو لنا نهايات أنظمةٍ في الماضي وكأنها نزهة مُسالمة في الطبيعة الخلابة، فإن انهيار هذا النظام يبدو لنا أبديّ التّحقق؛ سيظلّ يضمحلّ ويطحن أجساد المخلوقات الأرضيّة بإصرارٍ وعنادٍ ومثابرةٍ غير أرضيين؛ سيظلّ يفعل ذلك إلى أن نفنى. ولكن، ألا نعلم جميعنا أن ذلك سينتهي؟.



إنّه ليس انعدام أمل، إنه تحوّلٌ في صيغة الأمل؛ هل نريد فعلاً أن ننقذ العالم الذي يغرق أمامنا اليوم؟ ألا نتمنى موته؟ فناءه؟ امّحاء كل مؤسسات الكذب المستمر المتّحدة عن وجه الأرض؟. ذلك ليس لأجل الفناء كغاية، وإنما كوسيلة نَبشٍ في جلد هذه الجثّة لإخراج الحيّ من الميِّت إخراجاً أقلّ هَدراً للدماء؟.

 نهاية الاتحاد السوفيتي أتت بتنازلٍ، تخلٍّ عن مشروع الدولة الميّت، وكان دراميّاً حدَّ تحوّلت أحداث العالم من دراما بطولة إلى سوداويّة الهزيمة والملاحقة، كيف ستتنازل هذه الرأسماليّة عن مكتساباتها وهذا الكم الهائل من العبيد الذي يقلّ عن تعداد سكان العالم بحفنةٍ من النِسَب المئويّة؟ لا أعتقد أنها ستتنازل، بل ستحلِب اللغة الجّافّة ضرعها، الشهيدة الأزليّة، سيمثّلوا بجثث المزيد من الكلمات كانعكاسٍ طبقَ الأصل لمسلخ التمثيل الدولي من أجلِ جثث الناس الطازجة.
لكن جرثومة الأحلام الكوابيس تقولُ بغير ذلك، بثورها ظلّت تطفح على سطح الأرض، في كلّ برٍّ وبحر وسماء ونجوم، دائماً على هيئةِ موسيقى، أحياناً مكتوبةً، منطوقةً، مرسومةً، مطبوخةً، مجروحةً، محبةً، متألّمة. منذ الأزل ظلّت تطفح وتنطفئ وتترك ندبةً لا تزول، علامةً يحجّ إليها الأفراد البثور. اليوم فارت البثور، غمرت سطح الأرض، وأصبح تجاهلها مستحيلاً، إنها الإشارة الأخيرة من جسد الأرض المتألّم، إنه التحذير والصرخة، الوردة المتفتّحة وسط خراب رَمزها كمُودّعةٍ للجُثَث.
(2)
من نصٍّ كُتبَ في العام 2007م أنقل: [تَبْدو الحَيَاةُ كَظِلٍّ يَتَحَرَّكُ إثرَ حركة عالمٍ آخرَ سريٍّ، وعَبْرَ جِدَارٍ مثقَّبٍ بالأسماء والصفات والدلالات، يَنْفُذُ ضوءٌ مكلَّلٌ بأشواكِ نبوءاتٍ يفسِّخُها الزمنُ بسيره الأعرجِ المسنّ. وإن جاز لي أن أتفوَّه بكلمةٍ فلأجل أن أُشير إلى الكمِّ الهائل من الأسلحة الثقيلةِ والخفيفة، وهي تُهرَّب من العالم الآخر إلينا محمولةً على قماشِ مبرِّراتٍ واهيةٍ تَسلُبُ، وباستمرارٍ يَنْفُثُ تَعَفُّنَ فَمِهِ يَأْسَاً، إرادةً كائنات الأرض.
ولكن، من يمنحُ العالم الآخر روحاً تتحرَّكُ كهذه؟، عَرْشُهَا التَّخْوِيفُ بشبكةٍ تُغَرْبِل أجساد الخيال والنُّطق والموقف والحريَّة، حتى تُصبح صالحةً لتغذيةِ الأفواهِ البشريَّة، وهي (على شكلِ هاويةٍ) تَطلُبُ يقيناً محطَّما؟
وإن كانت الكتابةُ هي بارودٌ أو سلاحٌ هُرِّبَ بدقَّةٍ، ومُسِحَت عنهُ ملامحُ الشياطينِ التي كانت تغفو بهِ هناك (مرمِّمَةً أقدامهُ بقيعان محيطات العالم الآخر، والتي هي ليست ماء، وليست فضلاتِ سُحبٍ، وإنما نظرةُ طائرٍ تائهٍ داخل صوته العابر للمحيط)، مُسِحَت الملامح لكي يُصْبِح هذا السلاحُ متداولاً، بين يَدي الكائن السابق لاختراعِ اللُّغةَ، دونَ أن تُثِيْرَ شَكَّ الأجِنَّة في الأرحام، والصرخاتِ النابعةِ من دمٍ يلتهمُ لذَّةَ رعبٍ، والمراوغاتِ الأخلاقيَّةِ للعدمِ المسكونِ بأنفاسِهِ الأخيرة، والنظرةِ بشقَّيها: (الأجْنَح والأَتْرَبْ). وبعد ذلك يأتي مأفونٌ لينفُضَ الجريمةَ من سَطْحِهِ اللَّماع، ويُغلقُ على وجههِ البابَ البعيدَ الغَارِبَ ويُدرِكُ هُيامَ الواقع، بل وتحقُّقَه، داخل كلِّ هذه المرايا المتقابلةِ بعنفٍ لا يغفر الالتفاتة، ولا يَقْبَلُ الشهقة الخالية من التحطيم العارف، فإن هذا المأفون بالجَّحيم سيُكْرَمُ، وبالذلِّ داخل قلبِ الرحمةِ سينبضُ دون توقُّف.

آن للجِدِّار الْمُثَقَّبِ أن يُبِيْدَ نَفْسَهُ بنَفْسِهِ،
يفعلُ ذلك بمجرَّد أنْ تَجرَّد وجُودُنا بشتَّى رُعبهِ الطبيعيّ.
وأقول (آن)، لأنَّ كل لحظةٍ تمرُّ؛ تحطيمٌ، وكلُّ نظرةٍ خائنةٍ إليهِ؛ إرادة].

أغسطس 2016م
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 Van Gogh, Wheatfield with Crows, July 1890. Oil on canvas, 50.5 x 103 cm. Van Gogh Museum, Amsterdam.

السبت، 30 يوليو، 2016

في الحمَّام الفضائي - نص جديد



في الحمَّام الفضائي
مأمون التلب


ــــــــــــــــــــــــــــ
في ذراتٍ منسيَّةٍ من جسمكَ
تكمنُ قلاعٌ تُسَوِّرها بحار،
وفي قاعِ كلَّ قلبٍ من قلوب نسائها ورجالها،
يكمن نهرٌ سريٌّ لا يَني يُعبِّرُ عن نَفسه بالفيضان،
من حينٍ لآخر:
وسط التحطيم يَرفعُ راياته الحالمة،
وسط ساحة الانتقام، حيث ترقص الجثثُ لأجل إحياءِ بعضها،
يُلهب نيرانَه.

أنتَ لن ترى:
في ذراتٍ منسيّةٍ يكمن حلم العدوّ،
يتصاعد الطين الذي لم تنتبه لخيانته لك!
يتصاعد بخار الجثث،
وأنت، في الحمام الفضائي،
وسط النجوم، ولا تبالي.
وفي نهاية الممر
يكمن خنجر النهر،
بآياته، في انتظار غَرسِهِ البارِّ في جِسمك:
الطبيعة لن تُبالي.

طَلبتَ الغفران بصوتٍ منخفضٍ،
إذ كان حلقكَ عالقاً في الأحشاءِ الميَّتةِ من العالم،
حيث الجراثيمُ تُعلِّقُ ملابسها الداخليّة على هدب عينيكَ
بحقوقٍ قانونيّةٍ مُطلقة.

طلبتَ الغفران،
وانتحى – من جانبِ قبركَ العزيز – كلَّ كَبَد.
والآن:
تعيشُ النارُ قروناً في خدمةِ العار،
هي التي ألَّهت الخيال، وبجّلت العاطفة
هي التي عرَّفتكَ بأمراضكَ؛
ونامت في حُضنِكَ مستدفئةً من نَفْسِها،
إنها
– من صَوتها –
تستعدّ لمكابدةِ الأبَد.
ــــــــــــــــــــــــــــ
31 يوليو 2016م
ــــــــــــــــــــــــــــ
الصورة تشريح ليوناردو دافينشي

الأحد، 17 يوليو، 2016

مَولانَا، مُصطَفَى محمد الحسن الطّابُوزِيّ

  
مَولانَا،
مُصطَفَى محمد الحسن الطّابُوزِيّ
1959م – 18 مارس 2010م



مقدّمة طينيّة:
قبل العيد، كتبتُ نصّاً ارتداديّاً ضدَّ عائلتي، لشيءٍ في نفسي ضدّ ما يعتقدونَ أنه الصلاح والأخلاق والحقيقة؛ وقد كان الأمرُ شخصيّاً بطريقةٍ حادّةٍ جداً أَزعَجت القرباء والبعداء، ولا لوم في ذلك إذ أنني كنتُ أنطلق من منطلقٍ شخصيّ، ضدّ شخصٍ واحدٍ ألهبَ ظهورنا بالخراطيش وعذّب أجسادنا الصغيرة بطريقة وحشية لن تفهمها مريم أبداً، لن تستطيع أن تستوعب أن أباها علّم أجسادنا بالسياط والضرب المبرّح، وشوّه علينا طفولتنا. وهو، كذلك، ضَرَب على مستقبلنا السياج وكان الناطق الرسمي باسم الأخلاق الأمدرمانية البائسة؛ فطردنا من بيوتنا وأغلق كلّ أملٍ في مواجهتنا.
عليّ أن أعترف أن ما كتبته نتج عن غبينةٍ شخصيّة، ولكن هذه الغبينة وجبَ عليها أن تُشاع، لا لشيءٍ سوى أن أتخلّص منها، أن أُشفَى منها، من ما شاهدته من عنصريّة وتعالٍ وانفراط أعقادِ المحبّة.
بعد أن كتبتُ ما كتبت دخلتُ في كوابيسٍ حول بيوتَ بكاءٍ وأعراسٍ في ذات الوقت، وقد شهدنا، في العيد، موت أحد الأبناء الجميلين في حادث حركةٍ بشعٍ لم أجد الجرأة على مواجهة آبائهِ وأمهاته في بيت البكاء، لماذا؟ لأن الجميع، في ذات حال الموت، وفي ذات حال كوابيسي، يخبرونني بأنك يا مأمون: مكروه الجميع. حتّى أن البعض يقول، بكلّ قلّة عقل: يا خسارة.
إعادة نشر هذه الكتابة هي اعتذار لكل الأهل، لأن فيهم من هوَ خارق، كمصطفى مولانا، وقد دعاني حسن الطابوزي، والتقيت أحمد الجعلي (روماريو)، لكي أدرك جانبتُ الخطأ، لكنني لم أجانب الصواب.
الصورة المرفقة لرشيدة حبيب الله وفي أحضانها بنات وأولاد البيت: تاج السر حبيب الله من اليمين ومن الشمال فاطمة حبيبه الله المرحومة، وفي حضنها فرفر (محمد عثمان) وتحت مي ميرغني وحبيب الله بادي والتانية دي منو؟ ما عرفتها.
هذه الكتابة، التي كتبت في العام 2010م. فإليها.
(1)
(وكلما تغلّبت وجوهٌ على أخرى،
تقلَّبت هموم عيونها وكَشَفت ما لم يُرَى.
بدروبٍ لا تُفضي إلى مكانٍ وجَّهَتِ الجدرانُ أيامَ جمودها إليك؛
خَسَفَت أقمارها،
وتوجَّعت من أشعِّة شموسها،
وسمَّت الفضاء قلباً يَعُدُّ خطوات حياتك بفارغ القَتل.
إنك منهم؛
الذين لا يقفون على وجه قبرٍ إلا ليحوّلوا ترابه سماءً طافية على ملامح وجه الميِّت؛
سماءٌ لم تعترف بها دياناتٌ ولم يقاتل لأجلها أحد
إنها السماء التي نَطَقَتْهَا شفتاك بلا طيور).

(2)
إن الحزن يمنح الوجه البشريّ احتمالاً ملمحيّاً مختلفاً؛ أعني التحولات التي تطرأ عليه، وعَمَلُ أعضاء الوجه بصورةٍ مختلفةٍ عن ما تعمل به عادّة؛ التجاعيد التي تنفجرُ في الجبهةِ حتّى ترى دوّامةً هائجةً على الجلد البحريّ للجبهة، وترتجفُ الحواجب كأفاعٍ، وتنحني العينُ بصورةٍ غير عادلةٍ، والشفاه تلين حتّى تظنّ بأنها سائلة عن الوجهِ لا محالة. الحزن الذي لا تُرى ملامح وجهه إلا في الإنسان، بينما يكون غامضاً، لا مرئيّاً، لدرجة أننا لا نراه كلّيّةً في بقيّة العالم الذي يعيش فيه الإنسان، بحيواناته ونباتاته وجماداته، لا نراه إلا في حالة تحوّلنا إلى شعراء؛ أن تصبح البشريّة كلها شعراء لتحسّ بالحزن الذي يكتنف عالمنا اليوم!، فإن حدث ذلك في يومٍ ما، فإن البشريّة ستُوقف الحياة تماماً، وستفغر فاها وتوسّع أحداقها وتُبهت، وتَرِقُّ، وتنظرُ، بكامل وجه حزنها، إلى خراب العالم، وستلتفت، مذهولةً، لتنظر، بطريقةٍ جديدةٍ ونظيفةٍ وبريئةٍ وذكيّة، إلى تاريخها، وحاضرها المسكوب على التصريحات والمقالات في الصحف؛ وستنصدم، من تعرّفها التّام، على تفاهة المُتصارع عليه؛ ذلك الذي يموت لأجله البشر، وتُشعل لأجله الحروب، وتنفطر من باطن الأرض، لأجله، المجاعات والأمراض والأحلام المُهدرة وهذا الكمّ الهائل من الدموع! هذا الكمّ الهائل بصورةٍ حزينةٍ جدّاً.
إنني أبدأ حديثي إليك، يا مولاي، بالحزن على العالم!؛ لأنك، برحيلك، ثقبت وجوده إذ انتزعت حياتك منه!، فأصبح، كلّه، مُفتقداً بالنسبة لي يا عزيزي كما يُفتقد البيت القديم إن هُدمت إحدى غرفه فجأةًَ. ووجه الحزن الذي تحدّثت عنه كان وجه جميع من عرفوك يوم رحلت، حتّى ولو لساعاتٍ معدودات، إلا أن هذا الوجه كان، أيضاً، مختلفاً عن تاريخ وجه الحزن، كان جديداً؛ إنسانياً ومنكسراً ومهزوماً جدّاً.

(3)

لم يكن مصطفى الطّابوزيّ، والملقب بـ(مولانا)، سياسيّاً مشهوراً، أو رئيساً لدولةٍ، لا وزيراً ولا رجلَ أعمالٍ مهمٍّ يمتلك ناديَاً رياضيّاً وعدداً من المصانع والشركات. لم يكن شاعراً معروفاً يبتسم في وجهه كلّ محبّي أشعاره وتقشعرّ أبدانهم عندما يستمعون إليه يقرأ. لم يكن مولانا صحافيّاً لامعاً، ولا ثوريّاً عُرفت تضحياته ودوّنت، ولا هو مدافعٌ عن حقوق الإنسان وليس، كذلك، سينمائياً ولا رسّاماً تشكيليّاً. لم يكن مولانا مهندساً، ولا طبيباً، فهو لم يدرس بجامعةٍ أصلاً، ولا يعمل، كذلك، عملاً سهلاً؛ هو ذلك النوع من الأعمال التي لا تُرى ولا تُحسّ، أعمالٌ لا تخطر على بالك ولا تدخل وسط مسامرةٍ بين أصدقاء، عمل مرهق، جدّاً، إلا أنه، للأسف، لن يجعلك غنيّاً في يومٍ من الأيام، كالكتابة تماماً، إلا أنه لم يكن كاتباً كذلك، لقد كان مكتوباً، بالأحرى، بيدِ أديبٍ رأى ما رأى في هذه الحياة، وتشرّب قلبه بعمقها، وأدرك أنها ليست بتلك السطحيّة التي يعيش بداخلها أغلب البشر؛ أنها مزيجٌ حيويٌّ من الأسرار والجمال والألم، كرةٌ بلّوريّةٌ تسبح بداخلها الأحلام، بمختلف معانيها، غارقةً في الدمِ والجهل والتعصّب ورفض الآخر واحتقار البشر بسبب أعراقهم ولغاتهم ودياناتهم وأفكارهم.
لقد كتبك هذا الكاتب يا مولانا ولا، لن تُنسى بهذه السهولة، ولن يُرمى بكتابك إلى أيِّ نسيانٍ مهما بَلَغَ من عظمة. وإنني أقول لك، مبدئيّاً، وقبل أن نخوض في تفاصيل هذه الرسالة، أنني مشقوقٌ من الألم والحزن، ولا أدري إليِّ جزءٍ مشطورٍ أنتمي، ولقد عرفت، تماماً، كيف أن الدموع من الممكن أن لا تتوقّف، إلى الأبد، عن السيلان، لأنه، وببساطة، يكون الجسدُ قد تحوّل، بسبب كثافة الذكريات التي تركتها داخله، كليّةً، إلى آلةٍ تحوّل كلّ عضوٍ داخليٍّ إلى دموع، كما أنها تشفط الهواء والمناظر والأماكن التي سَكَنْتَهَا وحَييت فيها، لتدخلهم، جميعاً، في عمليّة تحويلٍ قاسيةٍ كهذه.
لم تكن، إذن، شخصيّةً يُرى تأثيرها في حركة التاريخ، وقد تمّ اعتبارك، مبدئيّاً، وبطريقةٍ حمقاء ومتعجّلة، مع تلك الكتل الغامضة المسمّاة (الشعب السوداني البسيط) و(المواطن العاديّ) و(الزول الطيبان والجميل) وغيرها من الفبركات التي تُلقى جزافاً في حقّ الأفراد لأجل دمجهم في كتلٍ صمّاء جامدة، وغير حيّة، ليستطيع من يعتقدون أنهم المغيّرون الوحيدون للتاريخ، والممسكون على زمام أنفاسه، ومقررو مصير الشعوب؛ تكتيلهم، ليسهل على هؤلاء أن يتعاملوا، دون تأنيب ضميرٍ، مع الأفراد ومجتمعهم.
لا، لستَ بسهلٍ على التكتيل، بل إنه لمن المستحيل، تماماً، أن توضع مع أيةِ مجموعةٍ من الناس لتُعرّف، ولا ينبغي لك، بتاتاً، أن تقتني اسماً تعريفيّاً ليُفرز حبلاً لشنق شخصيّتك المغايرة، وأسلوبك القاسي في تعليم البشريّة. إن حياتك في سنواتك الأخيرة، وحدها، تكفي لإبانةِ هَولٍ إنسانيّ عميقٍ كنتَ قد تزيّنت وتحلّيت به، جمالٍ إنسانيٍّ سطع في ابتسامتك، منذ أن ابتسمت للمرّة الأولى، ولم تختف لمعة هذا السطوع، وحرارة وجوده، عن حياتك، أبداً، ولا حتّى في أحلك المواقف وأقسى اللحظات. وإنك لتحافظ على هذه السطعة في أقسى اللحظات، لا لشيءٍ سوى أن تقدّم درساً إنسانيّاً يليق ببشريّة كهذه، تسكن كوكباً كهذا، بشريّةٌ هي من الجمال بحيث أنجبت لنا الموسيقي باخ، والموسيقي حمزة علاء الدين، والتشكيلي عبد الله محمد الطيب أب سفّة، وكاتباً كمحمد الصادق الحاج وأورهان باموك وغونتر غراس وشاعراً، يا إلهي، كريلكه، بشرية أنجبت محمود محمد طه وغاندي ومانديلا وكينج، أليست بشرية تليق بوجودك؟، نعم، أعلم أن هنالك جانباً آخر، وأُدرك أنه مخجلٌ ومعيبٌ وقاتل؛ جانبٌ يحرقُ الحشا، إلا أنه ساعد، بطريقةٍ أو بأخرى، على خلق كل هذا الجمال، وساعد في نموّك وتكوينك بهذه الطريقة المذهلة.

(4)

(لدمعتكِ
لكلّ سائلٍ هائلٍ خانك وظَهَرَ
نخبُ انحناءٍ كاملٍ لقوّةِ العالم؛
لهيكله السائر في الصحراء مُشبّعاً بالماء،
ووجود العطش مَمحُوَّاً بكلّ من أساءَ إليك،
وجود السراب مُتوّجاً بكلّ من لمح جوهرك).

(5)

لا أدري أكان حظّاً حزيناً أم جميلاً ذلك الذي أَوجَدَني في القاهرة عندما حَلَلْتَ عليها، برداً وسلاماً، لأجل العلاج. لقد كانت أيّامنا، في تلك الفترة، قاتمة ومجهولة المستقبل، إذ بدأت الأموال التي معنا، أنا وزوجتي، تنفد، وكنّا في انتظار أن تُرسل لنا السلطات السودانية إذناً لسفارة السودان، بالقاهرة، ليُختم جواز زوجتي أميليا تشارلس بختم تأشيرة الدخول السودانية، إذ كان علينا أن ننتظر لأكثر من شهرين مُعذِّبَيْن، تحت تهديد الفَلَس وانعدام البيت، لأجل أن تسمح حكومة بلادي لأن أدخل (زوجتي) إليها. ما علينا، لقد قذف لنا القدر، في تلك الأيام، بشاب لطيف ومهذّب اسمه مهند عبد الله اتّصل بنا بعد أن تلقيت رسالةً من صديقتي الخطيرة علياء السرّ تُفيدني فيها بأنها أرسلت لنا (النبي الخضر)! وفعلاً كان.
قابلتك، تتذكّر؟!. لقد بدأت بالقفز عندما رأيتني، وبدأت بالصراخ (مَمِّي مِمِّي، ها ها ها، ودّ أختي يا حبيبي) إلى آخر العبارات المحبّبة التي تُطلقها، بصوتٍ عالٍ وصراخٍ، عندما ترى عزيزاً عليك (ويا لحظّي بحبّك ومعزّتك) وكعادتك تُدخل يديك بين ذراعيّ، وتبدأ في عصر الجسد عصراً شديداً كأنك تريد أن تُدخل كلّ عزيزٍ عليك إلى داخلك، وتحتفظ به معك إلى الأبد.
يا إلهي يا مصطفى، إنك تصعّب الكتابة عليّ!، فإنني، كلما غصت في هذه الذكريات، وجدتها أكثر عمقاً وأصالةً، أراها بصورةٍ جديدةٍ تماماً، فكأنك الباب الذي كان مُغلقاً، وانفتح برحيلك، ليُعرَضَ عليّ من بعد عالمٌ من التفاصيل الفاتنة جدّاً، فكأن هواء الماضي تغيّر يا مصطفى، وكأن ألوانه تحقّقت بنفضها الغبار؛ يصبح للبحرِ معنىً آخر، وللمستشفى رائحة أخرى، لأنك، في هذه اللحظةِ، تحيطُ بوجود كلّ شيء، وإنه لمُدمعٌ وجودك في كلّ شيء، وإنه لجميل.
عندما قضينا بعض الوقت نتجوّل، أنا وأنت وحسن الطابوزي وإميليا وهرمس باشا، الشاعر المصريّ العاشق للغة السودانيّة وتخريجاتها، بدأ يتضح، بصورةٍ أكثر وضوحاً، تأثير المرض عليك، وقد صُدمت عندما قلت بأنك على وشك فقدان القدرة على الأكل والشراب. بدأ والوقت حياته، وأخذتنا الونسة والتعليقات، وأنت مستمرٌّ في بثّ ابتسامتك وتسليطها علينا بلا هوادةٍ مُمَلّكاً إيّانا، بفعلتك هذه، كماً هائلاً من الطرب الوجوديّ، وكماً مُرتجفاً من الشعور بالحياة وجمالها، فيا لهول بثٍّ كهذا إن كان السرطانُ يتسرّب إلى جسدِ صاحبه، مُحاولاً، بوقاحةٍ، أن يتفادى محاولات الشفاء ومراوغات الأدوية والعقاقير. إن السرطان مرضٌ وَقِح، وعليه أن يخجل من وجوده وأن يهجر العالم نهائياً. ما به هذا السرطان؟ أهو مجنونٌ أعمى القلب والبصيرة؟ هل من الممكن أن يصابَ شيءٌ، في هذا العالم، بوحشيّةٍ كهذه؟ ليست وحشيّة فحسب، بل أن يصيب بهذه الوحشيّة القابضة، في أغلب الأحيان، ، أكثر البشر جمالاً وإدهاشاً وإبداعاً؟. وهل من داعٍ لسرد قائمة الضحايا؟ وهل سيتعرّف النّاس على الضحايا مجهولة الاسم يوماً ما؟. الذي يؤلم، يا جماعة الله، أنني لم أتصوّر، مطلقاً، أن يُقدِمَ كائن، من كان، حتّى وإن كان سرطاناً، على إيذاء من كانت حياته، كلها، سلاماً لجميع البشر، وحبّاً سليماً مبرئاً من كلّ غرض، وكلّ مصلحة، إلى العالم، بينما تقبع نوعيّة من البشر، في هذا العالم، تنعم بالدفء والحنان والكنوز العافية؛ نوعيّة ما قدّمت سوى الدمار إلى أهل الأرض، ولم تقدّم لهم سوى التجهيل والسحق والتنكيل والإهانة والتعذيب بالمطارق والهراوى واقتلاع الأظافر وتشريط الظهور بالسياط، نوعيّة كَنَزت المال وسيطرت على دول العالم أجمع: إنهم، يا (مصطفى)، نوعيّة محدّدة، رغماً عن اختلافاتهم الظاهريّة ورميهم لبعضهم، حسب المصلحة، بتهمٍ وإداناتٍ وتهديد!. لقد أقدم السرطان على فعلته، وكشف حقارة العالم من خلال هذه الفعلة.
إلا أن تحليلاً آخر ظَهَرَ، تحليلٌ يقول بأن السرطان يُصيب البشر في لحظات ضعفهم، وما هو المقصود بالضعف هنا؟ أنقيضُ القوّة؟ بل إن المقصود بالضعف هو (الحساسيّة)، و(الشعور بالأرض والحياة والنّاس). قال مجدي النعيم، والذي فقدَ عزيزاً عليه وُجدَ مقتولاً في شقّته ببريطانيا، وفي ذات الوقت الذي رحلت فيه، عزيزٌ يُشبهك، اسمه عبد السلام حسن عبد السلام _وتأمّل في الاسم_ قال أنه، وفي لحظةٍ عظيمةِ التأثير، حزناً أم فرحاً، لحظةٌ تكون غائبةً عن من تواجدوا فيها، يكون ذلك المليء بالإحساس قد شَعَرَ، كشاعرٍ، بهَول عظمتها، فينكشف، دون ملاحظةٍ من الآخرين، أمام سهام السرطان. أتدري ما الذي أعتقده؟ إنني أعتقد أنه مرضٌ مُفكّر، له فلسفة تقوده إلى اختيار أشكالٍ من الوجود كالتي كانت لديك.

(5)

بوجهه المُختار بعناية انهزامات الضعف البشريّ،
يُقلّب عضلاتهِ، مُفرزاً أمام كلّ شيءٍ قدرته على التحوّل؛
إنه يقهر الأسماء، ظنُّ البشر بأن الجماد جاهلٌ بوجوده
وبمن يهدّدُ جُمودهُ.
يلمس الأحياء بعنق زهرةٍ نابتةٍ لا تتباهى بعطرها
وبمن تفشّى قبح أحلامه أمام الجميع؛
يلمس الأحياء بمن نام ليمنح أحلامه قدرةَ الحياة؛
التجوّل بملابس مُشرّبةً بدماء ضحايا بشريّةٍ لم تكتمل، أعني
أشجارٌ اخضرّت دون أن تعرف معنى الأخضر فتصرخ من رعبه على جسدها،
إنها الرياح تُعرِّف النموّ بأن تُحرّك أغصانه، تُكسّره بعنفها في الفصول الصاخبة،
إنها الأمطار تشتدُّ بكونها ماءً هابطاً من الأعالي، مُتحديةً قانون نبوعها من أسفل عطش الأرض؛
عطش سكّان الأرض، أيها العطشان بقلوبك الصحرواية،
بخيلاتات مآتاتك تستلُّ سيوفاً وهميّةً تُصلصلُ في عيون الطير الذي يُحبُّك،
أنت مُبعد مُحبيك،
تنبتُ في أحشائك صرُوحٌ تكتبُ تاريخ سلامتك، تكتب تاريخ عنفك الذي لم يوجد؛
لم يوجد إلا في ذهن الموسيقى،
من سَمِعَ الصوت الأوّل ونغَّمه، رَقَصَ ولم ينتبه للغات أعضائه،
رَقَصَ ولم ينتبه لضربات أطرافه للفراغ الذي غلّف العالم ولم يُحَدِّث عن ذَاتِهِ.

(6)

زَحَف المارد المتورِّم، الصغير، وسُدَّ حلقُكَ تماماً، وحُرمتَ، بكلّ وقاحةٍ، من ما كنتَ تُوَادِد به البشر، وما كنت تحبّه وتتمتّع به، فنّ الطعام الذي اخترعته البشريّة وطوّرته وكتبت فيه كتباً وحوّلته إلى إمبراطوريّةٍ للتجريب. فكنت تُدرك هذه الدهشة، بينما يبتلع بقيّة البشر طعامهم دون أن ينتبهوا إلى روح اليد التي صنعتها، والاختلافات الجوهريّة بين طَهوِ زهور، وطَهو والدتي رشيدة حبيب الله، وما الذي يُميّز روحَ يدِ نعمات، وما هي الإشارات التي تُطوّف فوق مائدة منى. وما لأخواتك من تميّز، وإلى أيةِ درجةٍ تَعشق الشاي بالحليب!. فإنني أذكر اللمعةَ المُخيفة التي تكتنف عينك عندما تَدخل إلى بيتٍ من البيوت، يوم الجمعة، بعد أسبوعٍ من الجهد الجبّار بين إطارات السيّارات والطائرات، حاملاً كيساً من (الكوارع) التي تنتزع ثمنها من مالك القليل، وتُدخل الجميع في جوٍّ من الطبخ والفنّ، وحتّى إذا ما ظهرت اللوحة على المائدة، كنت تمنحُ الجميع ما لذّ وطاب من حديثٍ وهظارٍ وضحكٍ مستمرٍّ وانتفاضاتٍ ورقصٍ، لتشتري، في نهاية الوجبة، صندوقاً من البيبسي، وتوزّعه، أولاً، على الأطفال، ثم على جميع الكبار.
إلا أننا لاحظنا، ومنذ أكثر من عشر سنواتٍ، أنّ جلوسك إلى المائدةِ طال، فكان تبريرنا هو حبّك لهذا الفنّ، إلا أنك، كعادتك، لم تُخبر أحداً، ولأكثر من عشرة سنواتٍ، أنك كنت تتألّم من البلع؛ كان حلقك يضيقُ شيئاً فشيئاً دون شكوى، دون أية شكوى يا مصطفى!.
تنحني لتسلّم على الصغير وكأن الصغيرَ شيخُ طريقةٍ صوفيّةٍ عريقة؛ لقد كنت تحترم الجميع لا لشيءٍ سوى أنك كنت ترى كلّ سموٍّ بعد أن أَعميت قلبك عن صغائر البشر وقذاراتهم وأكاذيبهم وإحساسهم المرير بأهميتهم وعَظَمة حياتهم. وتنحني لتسلّم على كلّ أصدقائي وكأنهم ملائكة.

(7)

انتقلتَ، مع أخيكَ حسن، الذي أحبّك كثيراً وعاش هذا الألم يوماً بعد يوم، إلى جليد مستشفىً يقع على بعد ساعةٍ خارج القاهرة، بعيداً عن التلوّث الذي يجتهد البشر لأجل تسمينه يوماً بعد يوم؛ لأجل أن يكون هنالك رؤساء، وشركات تعمل من تحتهم، ومصانع تُدار وتُطعم ملايين الأسر الفقيرة والمسحوقة. في تلك الغرفة المركّبة من أجهزة القياس والتحليل، الكئيبة، والخالية من كلّ حياةٍ، سوى تلك الحياة التي يتخيّلها آخرون ويبثّونها من شاشة التلفزيون، الذين يُشكّلون صورة العالم كما دَرَّسها لهم العالم في المدارس والمقررات الميّتة. تذكرُ: سَرَقَت أميليا شجرةً كانت تُزيّن الممرّ، وأدخلتها إلى الغرفة ووضعتها بجانب سريرك، وكنتَ تلهو بجهازك الجوّال تبحث عن صورةٍ لابنتك منى، لأستطيع، من بعد، أن أثبّتها لك على واجهة الجهاز، وكان حسن يُحاول أن يتحاشى ذلك المجهول المحيط بكلّ شيءٍ بأن ينغمس في حصص لغةٍ إنجليزيّة مع أميليا، أو بمحاولة التركيز على صفحات رواية (حفلة التيس). حاولنا أن نصنع حياةً داخل كلّ ذلك الموت، إلا أنك كنت تهزم جميع محاولاتنا البائسة بقوّة الحياة التي تشعّ من جبينك، ومن محيّاك، ومن إصرارك على الذهاب، عند كلّ صلاة، ورغماً عن ألمك، إلى الجامع البعيد عن الغرف.
فكيف هو الإسلام بربّك؟، أهو ذلك الذي يسيل من جمالك ملامساً كلّ شيءٍ حولك؟، أم هو ذلك الذي يبني القصور والشركات ويَحرس أصحابه، من الموت، بالبنادق!. الموت، صديقك يا مولانا، والذي سفّهت له حياته، وجرّدته من أسلحته وتركته في ساحةِ معركةٍ بلا معركة. إن الهزيمة لا تأتي بسحق العدوّ، وإنما بتفريغ المعركة من معناها؛ وها أنت، تقف شامخاً بلا هزّة رمشٍ، وهم يخبرونك بعزمهم استئصال جميع أعضاء حلقك، وتركيب أعضاء اصطناعيّةٍ لن تمكّنك من الكلام مرةً أخرى؛ يخبرونك بفقدانك ملذّتك الثانية في هذه الحياة: الحديث مع البشر، والضحك معهم!. أليس ذلك مريراً؟ ألم أقل لك إن السرطان حيوانٌ مُفكّر؟.

(8)

أنت مشروخٌ بجروح الورود، بأسماء روائحها،
أنت لدمعتك:
نخب قوّة العالم التي لم تجد أحداً لتواجهه سواك.

أين هي القوانين التي ترصُّ الطيور كسهمٍ في السماء
القوانين التي تجعل الماء شفّافاً من منابعه
التي تمنح الجسد قدرة الرقصِ على إيقاعٍ
من مَنَحَ قدرةَ الطيران للمعدن أعلى جاذبيّة-حبّ-الأرض
الكلاب قدرةَ الحبّ، الوفاء، الحراسة، البلاهة
قوانين انحناء قلبك، الذي لن تدركه أمراض القلوب، لما يشيخ باستمرارٍ
صدءُ المعادنِ البشريّةِ أنت من يلهبها لتذوب،
قليلةٌ هي الأشجار التي لا تسير لأنك رأيتها وأمرتها بالسير،
السرابات التي تُطفئ ظمأ العين والجسدُ حالماً يرجفُ،
البراكين تهزُّ الأرض ليهرب من يعلّقون صلوات حيواتهم، نُطف أبنائهم
ولا من حممٍ فقط نظرةُ عينيك.

(9)

بينما كنّا، أنا وحسن، نرتجف من هَولِ ما نَطَقَت به لجنة الأطباء، وتصطكّ نظرتنا إلى المستقبل، ونخشى من اليوم الذي ستدخل فيه إلى هذه العمليّة القاسية، كنت أنت تنظر إليهم بنظرةٍ مليئةٍ بالاحترام والتبجيل. خرجنا، وتحدثنا أنا وحسن على انفراد، لنأتي ونُخلَعُ باختفائك، تماماً، عن الأنظار. بكينا ونحن نتراكض في الممرات، ونسأل، ونتّصل عليك وأنت لا تُجيب، بكينا كثيراً. ليتذكّر حسن، فجأةً، أن الوقت هو وقت صلاة الظهر، فتخرج علينا، مبتسماً، من الجامع، مستغرباً من هَلَعنا ومن خوفنا السنين المُدمّى.
يقتربُ يوم العمليّة، ويبدأ عمال المستشفى بمصادقتك، الممرضون والممرضات يدخلون عليك ويعبثون معك، ويجلسون على سريرك ويهربون من أعمالهم ليتحدثوا إليك. كان فَرَحك بهم، وبمن حولك، يقهر افتتان البشر بحياةٍ سطحيّةٍ بلا معنى سوى كنز الأموال، وتكوين العوائل الصارمة المربّية لمجموعةٍ من الكائنات التي لا ترى في الكون سوى أنّه مكرّسٌ لهم، تربية مجموعةٍ من الكائنات التي لا ترى فقراً يحيط بالآخرين، ولا أمراضاً تفتك بأجسادٍ هزيلةٍ في قرى بعيدة، ولا حروباً تُمزّق أسراً أخرى وتحوّل أبناءهم الصغار إلى عساكرَ في جيوشٍ متمرّدةٍ، جنودٍ يحقدون على العالم وما فيه من عماءٍ وسكونٍ وتجاهلٍ وسخف. إن فرحك يمزّق الحياة ويجعل الدخول إليها مسؤوليّة خارقة، ويحطّم كلّ شعورٍ بالعدم.
تلك الأيام، قبل وبعد العملية، مُحيت من داخلي كلّ المشاعر والأفكار العدميّة؛ التي تدفعك، أحياناً، إلى احتقار البشر، وتدفعك إلى الشعور بأن مأساة العالم ستظلّ مستمرّةً بلا تغييرٍ، وأن العماء سيظلّ مسيطراً على كلّ ذرةٍ من ذرات التعليم البشريّ. إنني الآن أقوى بكثير، إنني مؤهّلٌ لأن أكتب وأتطوّر، مؤهلٌ لأن أكتشف ضعفي ونقص خيالي، مؤهلٌ للإحساس بحاجتي إلى التعلّم؛ الجلوس في الأرض، والحديث إليها بلا لغةٍ كتلك التي تحاول أن تُفسّر العالم، وتجعل منه مكاناً آمناً وسليماً ومعقولاً، قديماً، ولا شيء فيه يستحقّ الدهشة والسؤال والاستمتاع.

(10)

أيّها الساديّ الذي علّم البشرية براءة اللمسة التي تُحطّم التاريخ.
لا وجود لسلطةٍ سوى أحلامهم بانعدام وجودك،
لا قلق سوى أمنياتهم بانسحاق وجهك أمام الموت،
كيف يا موت تقف أمامه، أعني كيف يا موت تقف أمامك؟.
صراخ القيامة يتردد في الكتب التي تنزف من أعضاءٍ حَفِظتَهَا منذ أن وُلدت
صراخُ الحروب البشرية طويلة الأمد يفقأ عينيه داخل عروقك،
ومن طيرٍ يركُّ على خيالات مآتةٍ صَنَعْتَهَا بضحكاتك المتنافرة،
هل من جيلٍ يمرُّ عبر رموشك دون أن يُسحق ويُربّى؟.
لديك الأرض تتخلّى عن كونها بيضاوية
تدور في مدارات الكون
وتظلّ بريئة
تُظلّل بالليل، وتُضاء بالقمر
يا لهول جهل الأرض؛
يا لهول الجهل،
يا لهوله.

(11)

قبل العمليّة، بعشر دقائق، وقد أُلبستَ ذلك الرداء الأبيض المخيف، المفتوح عند الصدر، كنّا نتحاشى، نحن، النظر إلى عينيك، وبين حينٍ وآخر يخرج أحدنا بذريعةٍ واهيةٍ ليبكي قليلاً، ويغسل تورّمات وجهه، ويعود ليجدك ضاحكاً باسماً تضرب يداً بأخرى من شدّة فرحك بلغة أميليا العربية الابتدائيّة. ما الذي تفعله يا مولانا!. لقد نمت، عندما طال حوار بيننا، كطفل!. لقد نمت قبل العمليّة بعشر دقائق، بشخيرٍ عميقٍ، عمليّة تحمل بداخلها احتمال موتك ورحيلك عن هذه الأرض، تنام يا مولانا وهنالك من يحرسون أنفسهم بالجيوش والمدرعات، وهم بكلّ صحةٍ وعافية، تنام والأرضُ تُفرمُ فرماً بالدخان والدموع حتّى رأيناها هيكلاً عظميّاً مكشوف الأكاذيب، مقرّح الخطوات؛ تنام يا مولانا وقد افتقدنا، نحن، أصوات الطيور وحركات الأشجار، تنام والكلاب فقدت شجاعتها وخفضت ذيولها، تنام ونحن نسينا أن نرفع رأسنا، ليلاً، لنشاهد حركات القمر وتحوّلاته مغموراً بهالةٍ وسحبٍ تمسّد جسده الشفّاف.
لم تَنَم كطفلٍ يا مولانا، لأن هذه الـ(كاف) اللعينة، التي تريد تشبيهك بطفلٍ قد خجلَت منك، وتقلّصت عضلاتها، وذابت. إنك طفل يا مولاي، أنت طفلٌ عظيمٌ مرّ بهذا العالم وأورثه الشكّ والغضب والألم والمعرفة. طفولةٌ كاملةٌ من المهد إلى اللحد؛ طفولةٌ تراها البشريّة، كلّ يومٍ، في أطفالها، وبمجرّد أن يروها يهجمون عليها لتمزيقها بالحدود والعورات والتأديب والتدريس والتلقين والتوريث حتّى يحوّلونها إلى كتلةٍ، مشوّهةٍ، عمياء.

(11)

أخيراً، وليس آخراً، أخبرك بأن هذه الرسالة التي تحكي ما عِشته، موجّهةٌ إليك، وأنت تسمع الآن ولا شكّ لي في ذلك. وإنني أخبرك بما حَدَث، كتابةً، لتعرف أنني أَقدَمت على رؤية ما حدث بهذه الصورة، وتشجّعت وحاولت أن أُدرك كُنهك، وإنني لا أعتقد، أبداً، أنني أدركته، وإنما أقدّم إليك ما توصّلت إليه بصيرتي من أسرارك، وما شَابَت له دواخلي من معرفتي بأن شخصيتك هذه لم تكن مزاحاً، وإنما كانت حقيقة جميلة ومرّةً قدّمها لنا العالم، ولن نستطيع أن نردّ له هذا الجميل سوى باستمرارنا بالحياة لأجل الآخرين، وفقط لأجل الآخرين، وبشعورنا بمأساتهم. إنني أتوجّه بهذا الخطاب، أيضاً، لكلّ فردٍ من عائلتي مُنحَ حظّاً بمعرفتك بأن يعملوا لأجل الآخرين، وأن يتذكّروا، دائماً، أننا نعيش في عالمٍ، وبلدٍ، محطّم الآمال، وفي حاجةٍ لكلّ ذرّة حياةٍ مليئةٍ بالفكر والمعرفة، بالقراءة والاطلاع، بالحياة مع الناس والاقتراب من جراحاتهم السريّة. من أجل أن نُحقّق قليلاً من أحلام المخرج الياباني كوراساوا، والتي قدّمها في فيلمٍ جميلٍ يحكي بعضاً من سيرة هذه البشريّة المُحترقة باسم الله؛ باسم الخير والعدل والمساواة، وباسم الديموقراطيّة وحقوق الإنسان، وأن هنالك قلّة من البشر يتخاطفون كلّ معنىً نبيل أخرجته البشريّة إلى الوجود بتضحياتٍ مذهلةٍ، لأجل أن تُقدّم البشر، مرةً أخرى، إلى أتونِ تضحياتٍ أخرى، إلى جحيمٍ آخر.

(12)

كنّا، بسيرة العميان الذين لا يعرفون اللون
كلّ شيءٍ مسمّىً بملمسه
الأوجه التي لا يدركها أحدٌ نراها معرّفةٌ بعماهم
الشوارع كلّها تتملّك معناها بوجودهم
فكيف يصلون لكَ، أنت الذي عشقت جميلي الوجه
عطور أجسادهم شممتها دون أن تنطق بحقيقتك.
إنها الأشجار تنبت منك، أنت الذي منبع كلّ بذرةٍ لم تدرك معنى البداية،
ولم ترى نهايتها مأكولةً بمناقير الطير، منتشرةً في الريش
وفي أفواه متعلّمي الطيران.
والريح نعرفهم
والريح تعرفك
اصرخ في الرياح وفي آلاء الأشجار لعلّ الكون يعود لأصله
ويمنحك ضحكةً لا زلت تُطلق أصداء بداياتها منذ أن وُجد الحيوان
منذ أن ظُلم الحيوان بكونه هو:
أنت من عاد إلينا ولم نعد إليك.

(13)

في الحلم الأخير لكوراساوا، يرى عالماً جميلاً متّحداً مع الطبيعة والحياة، يعيش فيه البشر مئات السنوات دون أمراضٍ ولا كراهيّةٍ ولا تشويش، يرون بنظرٍ كامل، يشمّون بحساسيّةٍ فائقة، ويعرفون أجسادهم، وأرواحهم، للدرجة التي تكون جنازة الميّت منهم محفوفةً بالموسيقى والفرح، يزفّون من أحبّوهم إلى الموت المُحطّم، بابتساماتٍ مُشرقةٍ، ورقصٍ بهيج، وموسيقى لم تُسمع من قبل. فهل، يا تُرى، سترى البشريّة جمالها ذات يوم، وجمال العالم الذي وُهِبَ إليها؟. كانت إجابتك واضحة كالليل والنهار، واضحةً بحياتك.
تلميذك
مأمون الفاتح حسن عثمان التِّلب
انتهى في 23 مارس 2010م
إشارات:
هذه الرسالةُ مُقدّمةٌ أيضاً إلى:
منى مصطفى الطابوزي، في طفولتها، التي شهدت حياة والدها لأقلّ من ثلاث سنوات.
إلى زوجته الأستاذة إيمان
كذلك إلى أرواحٍ أخرى شهدتُ رحيلها: إلى الخال جعفر بادي وابنه، وأخي، أسامة. إلى الخال ميرغني حبيب الله، وفاطمة حبيب الله.
إلى كلّ من ساهم، ماديّاً ومعنويّاً، في محاولات علاج مولانا. وإلى الخال هاشم حبيب الله الذي يعرف المرحوم جيّداً.
إلى حبوبتي الجميلة، الحاجة عائشة محمد الحسن، والتي ربطتنا بك. وإلى والدتك الحاجة مكّة.
القصيدة المنثورة في داخل المقال كُتبت خلال شهر مايو 2009م، إبّان حياتنا معه في المستشفى، مصر. بعنوان (السوائل الخائنة).


_________________
عندما صرخت
لم أشأ أن أزعج الموتى
ولكن السياج عليَّ ضاق
ولم أجد أحداً يسميني سياجا