الاثنين، 16 يناير، 2017

تَرَانيم مَحموديَّة - شذرات متفرّقة في ذكرى اغتيال الأستاذ



تَرَانيم مَحموديَّة  
(شذرات متفرّقة في ذكرى اغتيال الأستاذ)




(الأستاذ بريشة الفنان طلال الناير)




مقدّمة طينيّة:
للاحتفال بذكرى اغتيال الأستاذ محمود محمد طه، قرَّرت أن أَجرُدَ كلّ ما نشرته من مقتطفات له في الأعوام الماضية، منها ما كان موجوداً على الانترنت، ومنها ما قمتُ بجمعه من الكتب، خصوصاً مجلد الدكتور عبد الله الفكي البشير (محمود محمد طه والمثقفون، قراءةٌ في المواقف وتزوير التاريخ)، والذي أعتبره من أهم الكتب السودانية الصادرة خلال عشرات الأعوام الماضية. وجدت في الكتاب نصوص مهمة لآخرين عن الأستاذ على شكل شذرات ومقتطفات. انتقيت من كل التجميع هذه (الترانيم) كإضاءة لا يحتاجها فكر الأستاذ بقدر ما يحتاجها قارئ اليوم، إن كان مسلماً أم لم يَكن. فرغم توصيف الأستاذ الشائع بأنه "مفكّر إسلامي"، إلا أنني بدأت، منذ مدةٍ طويلة، في التشكيك في هذا التوصيف المُلَغَّم بآخرين حازوا اللقب قوَّة عين وبالقَلع العسكري والدكتاتوريّ في أحيانٍ كثيرة. أحب اسم (الأستاذ)، هكذا، دونَ ألقابٍ أخرى.
وللتنبيه فقد وجدت أنني لم أذكر تواريخ بعض هذه الشذرات ومصادرها، وهو ما يسهل لمتصفّح موقع الفكرة أو محرّك غوغل للحصول على المرجع الأصلي. فإلى النصوص الممتعة. مع تحياتي ومحبتي لقراء المدونة.
مأمون

ــــــــــــــــــ


[وثورة أكتوبر ثورة لم تكتمل بعد، وإنما هي تقع في مرحلتين؛ نُفِّذت منهما المرحلة الأولى، ولا تزال المرحلة الثانية تنتظر ميقاتها. المرحلة الأولى من ثورة أكتوبر كانت مرحلة العاطفة المتسامية، التي جمعت الشعب على إرادة التغيير، وكراهية الفساد، ولكنها لم تكن تملك، مع إرادة التغيير، فكرة التغيير، حتى تستطيع أن تبني الصلاح، بعد إزالة الفساد، من أجل ذلك انفرط عقد الوحدة بعيد إزالة الفساد، وأمكن للأحزاب السلفية أن تُفَرِّق الشعب، وأن تُضلِّل سعيه، حتى وأدت أهداف ثورة أكتوبر تحت ركام من الرماد مع مضي الزمن، وما كان للأحزاب السلفية أن تبلغ ما أرادت لو لا أن الثوار قد بدا لهم أن مهمتهم قد أنجزت بمجرد زوال الحكم العسكري، وان وحدة صفهم، قد استنفدت أغراضها.
والمرحلة الثانية من ثورة أكتوبر هي مرحلة الفكر المستحصد، العاصف، الذي يتسامى بإرادة التغيير إلى المستوى الذي يُملِّك معه المعرفة بطريقة التغيير، وهذه تعني هدم الفساد القائم، ثم بناء الصلاح مكان الفساد، وهي ما نسميه بالثورة الفكرية. فإن ثورة أكتوبر لم تمت، ولا تزال نارها تضطرم، ولكن غطى عليها ركام من الرماد، فنحن نريد أن تتولى رياح الفكر العاصف بعثرة هذا الرماد، حتى يتسعر ضرام أكتوبر من جديد، فتحرق نارها الفساد، ويهدي نورها خطوات الصلاح].

ــــــــــــــــــ


[الإنسان منذ أن وجد، قبل الأديان، كان عنده شعور بالحاجة للحرية! الحاجة للحرية حاجة مودعة فينا، موش شيء بنتكلّفوا، ولا هو ترف، ولا هو نافلة! شيء مودع فينا، زي حاجتنا للطعام! حاجتنا للحرية زي حاجتنا للطعام! الجسد، أو المعدة بتجوع، والعقل بجوع! غذاء المعدة الطعام، وغذاء العقل الحرية! لكن الإنسان بطبيعته، لنشأته الحيوانية، بِشعر بحاجة المعدة، قبل ما يشعر بحاجة العقل! وبطبيعة الحال، من أجل دا، كتير من الناس بسخّروا عقولهم لإشباع معداتهم! حتى الإنسان يبيع "كرامة فكره"، بحطام الدنيا، البشْبِع معدته! دا طبعاً الجانب الحيواني فينا! لكن ما من شك أنّنا كلّ مرة بنرتفع من الجانب الحيواني، لنشرّف الجانب الإنساني]!!
ــــــــــــــــــ

[دعا الأستاذ محمود إلى الثورة والتحرير وإحداث التغيير. ورفضَ الثورة العنيفة، وقدَّم بشأنها تنظيراً واسعاً ومفصلاً تضمنه كتابه: (الثورة الثقافيَّة)، الذي صدرَ عام 1972م. كتبَ الأستاذ محمود قائلاً: [إن الثورة حينَ تكونُ عنيفة، إنما تحملُ عناصر فنائها في عُنفها لأنها لا تملك، مع العنف، أن تعتدل. إنّ التحوّل، والتغيير، والثورة، التي تتم عن طريق الإقناع، والفكر، هي التغيير المأمون العواقب، الثابت، الذي يطرد كلّ حينٍ ولا يَنتكس. ولكن محاولة مثل هذه الثورة الفكريّة السلمية، إنما هي محاولة مكتوبٌ عليها الفشل، إذا جاءت في غير أوانها]. وعندما طَرَح الثورة الثقافيَّة، بيّن المقصود منها بتفصيلٍ وافٍ، فهو إلتقاء الفكر بالواقع. والمقصود هنا بالطبع هو الفكر "الثائر". فإذا التقى الفكر الثائر بالواقع فإن التغيير هو دائماً النتيجة. ولا يمكن إلا أن يكونَ تغييراً سريعاً بغير عنف. فـ"الثورة الثقافيّة"، على هذا هي التغيير السريع للأحسن، من غير عنف. هي تملك "سرعة" الثورة، وتبرأ من "عنف" الثورة. [فالثورة الثقافيّة بإيجاز هي علم، وعَمل بمقتضى العلم. وهذا ما به يحصل التغيير]. وعن الفكر الثائر وتغيير الواقع ومن أينَ يبدأ؟ كَتَب الأستاذ محمود قائلاً: [ولما كان الفكر الثائر هو الذي يُحدِث الثورة الثقافيَّة. يُحدث تغيير الواقع بصورة سلميّة، وثوريّة في آنٍ معاً. ولما كان الفكر الثوري فكراً دقيقاً، وأصيلاً، ونفّاذاً وسليماً، فإن تغييره للواقع لا بدَّ أن يبدأ من داخل النفس البشريَّة]. ثم ينتقل الأفراد المدعوين وتتسع الدائرة حتى تبعث القاعدة (قاعدة الشعب، أي شعب) لتتحرك لتُحدث هذا التغيير. ثمَّ علل لماذا تكون بداية التغيير من الداخل؟ قائلاً: [ذلك بأن أيّ تغيير يقتصر على الخارج. على البيئة البشريَّة، والبيئة الطبيعيّة ـ أعني: المجتمع، الطبيعة، لا يكون تغييراً سليماً، ولا مستقيماً، ذلك بأن التغيير الخارجي إنما هو صورة الداخل، أعني النفس البشريَّة، فإذا كانت النفس خَرِبَة بالأحقاد، والضغائن، والعداوات الرعناء، في كلمة واحدة: بالجهل، فإن الخراب يطبع بطابعه التغيير الذي يجري في المجتمع وفي البيئة].
د.عبد الله الفكي البشير
عن كتاب (محمود محمد طه والمثقفون، قراءة في المواقف وتزوير التاريخ). دار (رؤية) للنشر.

ــــــــــــــــــ
[إن التعليم الحالي مضلل أشد التضليل.. وتضليله نتيجة حتمية للنظرة المعاصرة للحياة، وغايتها.. إنا نعيش الآن في عصر آلي، تغلغل أثر الآلة في جميع وجوه نشاطه، حتى لقد تعلم الإنسان أن يحترم القواعد الآلية، وأن يمثل الآلة في إنتاجه الأدبي، والفني، وأن يستمد مثله العليا من دقة الآلة، ومن قوتها، ومن صوتها الموقع، الموزون.. وتبع كل ذلك نظامه التعليمي.. فهو يحاول أن يخلق نفسه، بالتعليم والمران، آلة، آدمية، شديدة الدقة، موفورة الكفاءة، كثيرة الإنتاج.. وكذلك أصبح التعليم مهنيا في أغلب أساليبه.. إن (التعليم الجديد) يجب أن يستمد من النظرة الجديدة إلى الغاية من الحياة الجماعية: (إعداد إنسان حر يعيش في مجتمع عالمي).. (إنسان حر) من هو؟؟ هو من حرر عقله، وقلبه، من رواسب الخوف، فنبه جميع القوى الكامنة في بنيته، فاستمتع بحياة الفكر، وحياة الشعور.. هذا هو الإنسان الحر، والتعليم المتوجه إلى إعداده يعني، في المكان الأول، بتحرير المواهب الطبيعية من الخرافات، والأباطيل الموروثة في العهود السحيقة.. هناك شيء موروث من لدن درجت الحياة في ظلمات هذا الكوكب في الماضي السحيق، وهو متمكن من القلوب البشرية، رابض فيها، لا يريم.. ومنطقته منطقة حرام، محجورة، يقوم دونها ستار حديدي، لا يقل مناعة من ذلك الستار الحديدي الذي تقيمه روسيا بينها وبين العالم.. ذلك هو الخوف الذي صحب الحياة، من لدن فجرها، وسيرها، وحفزها على التقدم، والترقي، وفي نفس الوقت حال بينها وبين الكمال الرفيع الذي هو حظ مقدور للإنسانية.. ومع أن هذا الكمال حظ مقدور للإنسانية، فإنها لا تناله حتى تتحرر من الخوف تحريرا تاما، ذلك بأن الخوف هو رأس كل الرذائل، فهو سبب الفتك، والعنف، عند القوي.. وهو سبب الخديعة، والغش، عند الضعيف.. ومنشأ الخوف هو الصورة الخاطئة، الشائهة، التي كونتها في خلد الإنسان القسوة المستهترة التي تلقاه بها القوى الصماء في البيئة الطبيعية التي يعيش فيها.. التحرر من الخوف فإذا ما أردنا أن نحرر الإنسان وجب أن نحرره من الخوف.. وجب أن نصحح تلك الصورة الخاطئة، الشائهة، التي قامت في خلده عن الحياة، وذلك بأن نعطيه صورة، صحيحة، كاملة، عن أصل الحياة، وعن قانونها، وعن غايتها، وأن نركز في خلده هذه الصورة الصحيحة عن أصل الحياة، وعن أصل الوجود المادي، الذي يحيط به، تركيزا تاما.. هذا أمر ضروري، ولا يغني غناءه شيء، إذا كان لا بد (من إعداد إنسان حر).. ولا عبرة بالتنظيم الإقتصادي، ولا بإتاحة المساواة للناس جميعا، إذا لم يوجد المنهاج التعليمي السليم الذي يخدم غرضنا في تصحيح تلك الصورة.. ذلك بأن المساواة الإقتصادية إنما هي وسيلة إلى الفراغ، ولا خير في الفراغ إلا إذا وجه توجيها، مرسوما مقدورا، معروف المصادر – والموارد .. الفراغ لا يصلح إلا للأحرار، فإنه لغيرهم مفسدة]..
(من خطاب الأستاذ محمود محمد طه لمدير عام اليونسكو عام 1953م)

ــــــــــــــــــ
 [إن التقدم العلمي، والصناعي، قد أحدثا ثورة في التفكير الاجتماعي، والسياسي، في عصرنا الحاضر – ثورة زلزلت أصولَ العقائد، والآراء الموروثة، واتجهت بالمذاهب الاجتماعية، والسياسية، اتجاهاً علمياً.. وهذه الثورة لا تزال مشبوبة، تعتمل في الصدور، والعقول، اعتمالاً عنيفاً، ما أرى إلا أنه سينتهي، آخر الأمر، إلى نتيجة محتومة، هي أنه لا مندوحة للأمم التي تعمر هذا الكوكب الصغير الذي نعيش فيه من أن تدور في فلكٍ واحد، على نحو ما تفعل الكواكب السيارة، في هذا النظام الشمسي، الذي ما كوكبنا هذا إلا قمراً من أقماره. هذه هي النظرية العلمية لأجرام العوالم المبثوثة في الفضاء القريب وفي الفضاء البعيد. وهذه هي النظرية العلمية للحيوات التي تعج بها تلك العوالم – الحياة جميعها، على اختلاف حظوظها من الحيوان، تسعى لغاية واحدة وفق قانون واحد. وهذا الكوكب الصغير الذي تعيش فيه الإنسانية وحدة جغرافية، قد رَبَطَ تقدم المواصلات الحديثة السريعة بين أطرافه ربطاً ألغى الزمان، والمكان، إلغاءً يكاد يكون تامَّاً، حتى لقد أصبحت جميع أجزاء المعمورة تتجاوب في مدى ساعات معدودات للحدث البسيط يحدث في أي جزء من أجزائه.. يضاف إلى ذلك، أن هذا الكوكب الصغير معمور بإنسانية واحدة، متساوية في أصل الفطرة، وإن تفاوتت في الحظوظ المكتسبة من التحصيل والتمدين.. فينبغي والحالة هذه، بل إنه، في الحقيقة، ضربة لازب، أن تقوم فيه حكومة واحدة، تقيم علائق الأمم على أساس القانون، كما تقيم حكومات الأمم – كل في داخليتها – علائق الأفراد على أساس القانون.. وذلك أمر مستطاع، بل هو أمر لا معدى عنه.. فإن المتتبع لتطور الحياة يعلم جيدا أن مسألة الوحدة العالمية هي نهاية المطاف المحتومة، في أوانها.. على كل حال، مسألة الوحدة مسألة زمن فقط.. وقد كانت عصبة الأمم، عقب الحرب العالمية الأولى، خطوة عملية في هذا الاتجاه.. وها هي هيئة الأمم الحاضرة خطوة أخرى.. ولا يزال، بيننا وبين الحكومة العالمية، خطوات، عديدات، واسعات.. فإن استطاع المفكرون، المثقفون، من أمثالك دمجها في خطوة، واحدة، جريئة، رجونا أن تنجو الإنسانية من جوائح الحروب، وأن تفوز بمغانم السلام، والرخاء، من غير أن تنفق طويلا من الوقت، أو تدفع غالياً من الثمن].

(من خطاب الأستاذ محمود محمد طه لمدير عام اليونسكو عام 1953م)

----
"أنا زعيمٌ بأنّ الإسلامَ هو قِبلةُ العالمِ منذُ اليوم وأنَّ القُرآنَ هو قانُونُه وأنَّ السّودان إذ يُقدّم ذلك القانون في صورتِهِ العلميّة المُحقِّقَة للتّوفيقِ بينَ حاجةِ الجّماعةِ إلى الأمنِ وحاجةِ الفردِ إلى الحرّيّة الفرديّة المُطلقة هو مركز دائرة الوجود على هذا الكوكب.. ولا يُهوِّلَنَّ أحدٌ من هذا القول لكونِ السّودانِ جاهلاً خاملا صغيراً فإنّ عنايةَ الله قد حفظِتْ على أهلِهِ من أصايِلِ الطّباعِ ما سيجعلُهُم نقطةَ التقاءِ أسبابِ الأرضِ بأسبابِ السّماء".
الأُستاذ محمود مُحمّد طه... صحيفة "الشّعب" ، السبت 27 يناير1951م.

----
(إن قضية المرأة ليست ضد الرجل، وإنما هي ضد الجهل، والتخلف، والظلم الموروث؛ وهي، من ثم، قضية الرجل والمرأة معا. ولتعلموا: أن صراعنا دائماً إنما هو ضد النقص، ابتغاء الكمال. والكمال إنما هو حظ الرجل، وحظ المرأة معا. فإن الفرد الكامل هو الابن الشرعي للمجتمع الكامل.. وهو، أكثر من هذا، الابن الشرعي للمرأة الكاملة).
محمود محمد طه، ديسمبر 1971م.

----
رداً على دكتور محمد محمود، كتب الأستاذ إبراهيم عبد النبي عن أستاذنا محمود محمد طه:
( فالتجربة دلّت أن أقوال الأستاذ، تصريحا أو تلميحا، عن المستقبل تتحقق وتتجسد بصورة حرفية! وهذا أمر جدير بالبحث والتحليل! ولكن، للأسف خلا (تحليل) الدكتور الفاضل من هذا، ربما لانشغال الدكتور بتطبيق أحكامه القيمية (الجاهزة) على الأستاذ محمود! وأذكر هنا، كأمثلة، برأي الأستاذ في مشكلة الشرق الأوسط، وبرأيه في ما آل إليه حال السودان اليوم، ووصفه بأنه يجي يوم (خارطة السودان دي تكون زي الدلقان المهرود)! بل أذكّر بتحذير الأستاذ محمود من الهوس الديني، وهو تحذير نتائجه، وتبعاته، ماثلة الآن! فقد حذر الأستاذ محمود من أن تهاون الناس في مقاومة الهوس الديني، ستكون تبعاته أن يهدد الهوس الديني أمن ووحدة الشعوب، ويدخل كل بيت! وقد كان اليساريون يومئذٍ يسخرون من الجمهوريين على اعتبار أنهم مشغلون بغير الأولى! وأذكر عبارتهم الساخرة: (الناس في شنو والجمهوريين في شنو)!؟ فحينها لم يكن التصور واضحا لمعنى (الهوس الديني يهدد أمن الشعوب) أو معنى (الهوس الديني سيدخل كل بيت)! ولكن الآن أصبح حديث الأستاذ هذا مجسدا، وماثلا، عبر شاشات التلفزيون المنصوبة في (كل بيت)!)
المصدر: حوار بموقع سودان للجميع
ــــــــــــــــــ
 [إن الدارس لمشروع الأستاذ محمود محمد طه بالمقارنة مع الواقع المعاصر، يُدرك أن الكثير من أفكار الأستاذ محمود غدت مطلباً واقعيَّاً. ويُدرك كذلك بأنه كلما ابتعد الناس زمانياً عن يوم 18 يناير 1985م، يوم تنفيذ الإعدام، فإن صورة الأستاذ محمود وسيرته في حالة بعث وإعادة تَوصيف، وأن التعاطي مع مشروعه أصبح يختلف كليَّةً على ما كان عليه الأمر في النصف الثاني من القرن العشرين (1951-1985). الأمر الذي يجعل النسيان مستحيلاً، بل يؤكد قوّة التأثير واستمراره وتوسّعه. (...) لا ريب أنه، ومع تفاقم الفهم القديم للإسلام وتمدده، فسيأتي اليوم الذي يلتفت العالم وليس المسلمون فحسب، إلى الأستاذ محمود؛ ذلك لأن الإسلام وفقاً لأطروحات اليوم، وبما تنطوي عليه من فهم متخلّف، يعني غير المسلمين في المقام الأول، ذلك لحاجتهم للسلام والتعايش والتي تتطلب قراءة جديدة للإسلام. يقول سمير أمين: (إن المحاولة الوحيدة لقراءة الإسلام في اتجاه التحرر كانت تلك الخاصة بالمفكر الإسلامي السوداني محمود طه؛ ولم تحاول أية حركة إسلامية، لا "راديكاليّة" ولا "معتدلة" أن تتبنى أفكار محمود طه الذي أعدمه نظام النميري في الخرطوم بعد اتهامه بالردّة. كذلك لم يدافع عنه أي من المثقفين الذين ينادون بـ"النهضة الإسلامية" أو الذين يعبرون عن الرغبة في التحاور مع هذه الحركات].
د. عبد الله الفكي البشير

----
[رأي الحزب الجمهوري، فيما يتعلق بعضوية السودان في الجامعة العربية، واضح، ومعروف، ويتلخص في أنها مؤسسة إقليمية ضيقة، لا تقوم على مذهبية فكرية، تجعلها أداة خلاقة، تخدم مصالح أعضائها، وتسير في الوقت ذاته، في اتجاه سليم، يخدم قضية الإنسانية في السلام العالمي. إنما هي عنصرية ضيقة، هذا وتسيطر عليها دولة واحدة، تسيرها وفق اهوائها، وتطوعها لخدمة اغراضها. ونحن كشعب افريقي فتي، له مكانته في القارة الأفريقية ، ممكن نخدم أنفسنا، ونخدم الشعوب المجاورة، بل ويمكن ان نقدم خدمات كبرى لقضايا الاحرار، وقضية السلام العالمي، بأوسع وأيسر مما يمكن أن نفعل ونحن داخل اطار جامعة الدول العربية]
الأستاذ - صحيفة انباء السودان 18/10/1958

ــــــــــــــــــ

"نحن لا يمكن أن نعرض أنفسنا للانتخابات لحاجة بسيطة، إنو أفكارنا عايزة جيل جديد متربي عليها ليقبل بتطبيقها [...] هى ثورة فكرية تعم القاعدة. القاعدة دي تتربى بصورة تنتج هي قيادتها، مش القيادة تجي من فوق وتتنصب على القاعدة وتسيّرها بغير فهم، أو بطريق من المماحكة البنشوفها فى الوقت الحاضر."
الأستاذ
ــــــــــــــــــ
"إما أن نرتفع إلى مستوى المواءمة بين حياتنا وبين بيئتنا وإما أن ننحدر إلى الهاوية، فيكون مصيرنا مصير الأحياء التي عجزت عن المقدرة على المواءمة بين حياتها وبين البيئة... أصبحنا نعيش في كوكب موحد جغرافيا، وأصبحنا بفضل هذا التقدم "التكنولوجي" جيرانا متقاربين، مهما بعدت أقطارنا في أطراف هذا الكوكب الصغير.. وأصبح علينا أن نتحلى بالأخلاق التي تليق بحسن الجوار." –
محمود محمد طه، ١٩٧٣

-----
[إن المشاكل الراهنة لأي بلد هي في حقيقتها صورة مصغَّرة لمشاكل الجنس البشري جميعه، وهي في أسّها، مشكلة السلام على هذا الكوكب، وعندنا أنه من قصر النظر أن نحاول حل مشاكل مجتمعنا السوداني داخل حدودنا الجغرافيَّة، من غير أن نعبأ بالمسألة الإنسانيَّة العالميَّة، ذلك بأن هذا الكوكب الصغير الذي نعيش فيه قد أصبح وحدة ربط تقدّم المواصلات الحديثة السريعة بين أطرافه ربطاً يكاد يُلغي الزمان والمكان إلغاءً تامّاً، فالحادث البسيط الذي يجري في أي جزءٍ من أجزائه تتجاوب له على مدى ساعات معدودات جميع الأجزاء الأخرى، يُضاف إلى هذا أن هذا الكوكب الصغير الموحّد جغرافيّاً، إن صحَّ التعبير، تعمّره إنسانيّة واحدة، متساوية في أصل الفطرة، وإن تفاوتت في الحظوظ المكتسبة من التحصيل والتمدين. فلا يصحّ عقلاً أن تُنجب قمّتها الإنسان الحر، إذا كانت قاعدتها لا تزال تتمرّغ في أوحال الذل والاستعباد، أو قل، على أيسر تقدير، أنه لا يمكن أن يفوز جزء منه بمغانم السلام والرخاء إذا كانت بعض أجزائه تتضرم بالحروب، وتتضور بالمجاعات].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ملحق:
الطريق الوحيد لعبور النيل
مأمون التلب

لن يشغلني عن حلاوة ذهنك شيء!
مات من قبلك صوتان عظيمان،
هَمَدا على حدودِ يومكَ،
وتشبثا بسورك العظيم!
صرخا: المصطفى والمحمود.
وما من إجابة، رغم صراخ الجميع.


إنهما بنيانك يا محمود،
الأشجار الظليلة، الأمطار الهاطلة، الأنهار المتعاركة مع البحار الصارخة في المحيطات:
إنهما: سور الدين العظيم.
فكل شيءٍ وُجِدَ لأجل وجودك،
كما كل شيءٍ وُجِدَ لأجلِ وجوده.

وجودك كان أَحلَم،
لا زال
لا زال الطريق الوحيد لعبور النيل.
(18 يناير 2015م)

الثلاثاء، 25 أكتوبر، 2016

مرثيّة: شان، تعال نشتري بحراًَ من السوق الأسود


مقدّمة طينيّة:
في كلِّ بيتٍ جديدٍ أسكنه تظهر لي، من العدم، قطَّة جميلة وتعيش معي. بدايةً بالأستاذ (شان) الذي كتبت في حقِّه رثاءً في صحيفة الأحداث بعنوان (شان، تعال نشتري بحراً من السوق الأسود)، جلب عليَّ نقمة المناضلين إذ كيف يكتب كاتب، في صفحة كاملة، مقالاً عن قط؟ على العموم، سمّى صديقي الشاعر ورفيق سكني، محمد بابكر، قطتنا الجديدة في بيتنا الجديد باسم (التنينة)، تيمنّاً بابنة أخت بكري البقاري. هذه القطة العجيبة كَتَبَت مقال تنقيب الظلام المقبل، مرفق صورة المقال، ومرفقة مرثيّة عزيزي (شان) مع صورته التي عثرت عليها ضمن بحثي عن الكتابة. يا اخوانا: كيف سنشكر (غوغل) عليه السلام؟. 



شَان،
تَعَالَ نشتري بَحْرَاً من السُّوق الأَسْوَد!.
مأمون التِّلب 
الجمعة
30 مايو 2008م
وأنا أتذكَّر نقاءَ مخالبه، أتذكَّر ظنيَ السيء به، أيام كان يسير من خلفي، حيثما كنتُ يكون. كنت أقول إنني متوهِّمٌ كشاعرٍ يطلب الجنون، ويغلِّف أفعاله بالأساطير، كنت أقول: أنت لا تريد سوى أكْلٍ عَابرٍ، ألقيه من أعلى المائدةِ التي ترتصُّ فيها المأكولاتُ الشهيَّةُ مغلَّفةً بحنان أمٍّ بشريَّةٍ على الأقل. ولكن أين أمك، أبوك، إخوتك، رباط الجُّذور الذي ينسبك للنمر عند أساسٍ حيوانيٍّ مجنون؟.
لم تأتِ إلا من العدم. لستُ متوهِّماً؛ بذريعة الإشارات التي نَزَفتَهَا يوماً وراء يوم، بذريعة الكلمات التي نَطَقتَ بها، بذريعةِ اللغة التي طالما تيقَّنتُ بأن لا أحد يفهمها، بأنها (غامضةٌ) (وطلمسيَّةٌ) _بتعبير القُرَّاء_ وأنت فَهِمتَهَا، وكنتَ تحت َسياطي، سياطَ الواقعِ الوحش الذي ينهشُ كل غابةِ خيالٍ داخليٍّ بمخالبه، كلَّ نهرِ غموضٍ يخنقني منذ الولادة بلامعقوليتها، انتهاءً بكوننا نعيش على كوكبٍ دوَّارٍ، ونظنّ بأننا متفوِّقون على كل حيٍّ، وشيءٍ يعيش داخله. الأنكى والأَخجل؛ نظنُّ أننا نتفوَّق على بعضنا البعض لدواعٍ مضحكة، الأَقْتَلُ أننا نؤمنُ بواقعيتنا، وبعلم واقعنا المُتوَهَّم، رغم كل الفنون والكائنات والظلال ودوران الكواكب وخفقان الألوان. رغماً عن أن الإنسان إنسان. رغماً عن وجود كلمةٍ تُنطق هكذا: (واقع)، رغماً عن وجود كلمةٍ مَبحُوثٍ عنها تُدعى: (حقيقة).
شَانْ، عزيزي شَانْ. شِلْوَ روحي الطَّائر في اللغة، في الحيوان الدَّاخلي، في الكتلِ المنويَّةِ الكامنةِ في أحشائي.
عندما كنتَ تتجوَّل في البيت، في البداية، كنا نعلم أن البيت مسكونٌ بالكثير من القطط المشرَّدة _بزعم البشر طبعاً_ وكانت صرخات أمي ليلاً لا تزعجني، ولا تُذَكِّرني باللصوص، أبداً، كنت أعرف أنها القطط تلك التي تُحرِّك الأواني في المطبخ، والتي تنبش القمامة بحثاً عن حياتها اليوميَّة. صيحات أمي المباغتة نابعةٌ من خوفٍ متأصِّلٍ في تكوينها _أظنك خَبُرْتَهُ_ لقد كان جحيمها أن ترى قطاً راكضاً أمامها، دعك من قطٍّ واقفٍ دون حراك!.
كنتَ أنتَ ذلك القط الكبير؛ النَّاضج، والذي لا يخاف من تهديدات أميَ الطيِّبة بتلويحٍ آنيّ، تهرب جميع القطط، إلا أنت، تظل وكأن لغةً أُخرى يجب أن تُستخدمَ مع سليل ملكوتٍ شعريٍّ مثلك، وكانت أمي تتظاهر بتجاهلك، وأنت الجميل، جميل العين والفرو، جميل الجروح. الشائعات التي تردد حولك في بدايات أيامك معنا أنك (فَرَضتَ نَفسكَ) على البيت، وكانت أمي تحاول أن تقنعني في الليل، في اللحظات التي نتحدَّث فيها عن أكثر مسائل البيت مصيريَّة (لقد كُنتَ مصيريَّاً يا شان)، كانت تحاول إقناعي بطردك من البيت، بالتأكيد أمي ليست شريرة، ولكني أظنّك عذرتَها لخوفها الجذريّ من القطط. وفي يومٍ، كانت أمي تصرخ والوقت متأخر جداً وتُنادي عليّ، قالت لي (أخرِج هذا القط فوراً) خفت وقلت: (لماذا؟)، صرخت وهي تلاحق شبحاً متحركاً في الظلام يركض من خلف الكَنَبات الطويلة ومن تحت الطَّاولات (قلت لك أخرجه إنه هناك، أنظر _وتقذف بشيءٍ يُلبس في القدم تقريباً_ إنه هناك)، وعندما اتّجهتُ إليكَ تحت الكرسيّ، وجدْتُك هادئاً وقوراً لا يعكِّر نومك شيء، ابتسمت، ولكن أمي فاجأتني حين صاحت: (ليس هذا، إنه قطنا، أنا أقصد ذلك القبيح)!، صُعقت فرحاً بحرف (نا) هذا، ونظرت في الاتجاه الآخر، فإذا بقطٍّ مبهدل الجَّسد يقفز من الشباك.
لقد عمّدوك أخيراً، ابناً معترفاً به، رسميَّاً، بنومٍ هادئٍ يُمكن للأحلام أن تجد متّسعاً من الوقت لتَلسَع جدران ذهنك وتنفذ لجسدك، وتُحدثُ عليه علاماتٍ وأرقاماً وذكريات. كان ذلك في العام الثاني لحضورك، عندما كنت قد تعرَّفت بمحمد الصادق الحاج ذات مشروعٍ فاشلٍ كان يخطِّطُ له صديقنا الصَّادق الرضيّ، أنت لم تتعرَّف على الصادق بالمناسبة، أعتقد أنه كان سيتفهّم، تماماً، قدرتك على التحوّل والحديث، ربما لتلك العلاقات المريبة في أشعاره بين الحيوانات والحياة اليومية، فعلأً، إن الجَّمع بين الحيوانات ودلالات الطبيعة مع الحركة اليومية للملاعق والأكواب ونظرة الطفل وقلق فستان الجَّارة؛ كالجمع بين الأختين!. ما علينا، لا أستبعد أنك قرأت (أقاصي شاشة الإصغاء)، ففي نهاية المطاف، لم يسلم الطَّابق السفليّ من ضلفتي الوحيدة في الدولاب الوحيد من اقتحاماتك، فالكتب تعيش هناك.
المهم، كنت أحكي لك أنني تعرفت بمحمد الصادق في ذلك الوقت، بالتأكيد أنت تذكره، فقد عشنا سويَّةً لعامٍ كاملٍ تقريباً تحت سقف غرفةٍ واحدة، لكنني أتفهَّم غضبَك المبرر منه، فهو، ببساطة، وجد بيتاً آخر ولم يقم بزيارتنا في البيت لفتراتٍ طويلة، الأمر الذي صَبَغ رحيلك البغيض بحرقةٍ لاذعة، لقد كنا وحدنا في هذا المنزل يا شان، وكانت هلوساتي كلها موجّهة لك، بكائي الجَّامح. كان محمد الصَّادق يتلقَّى الكثير منه، وكنت تشاركنا بنظراتٍ ثابتةٍ كظلال جدران الغرفة. بالمناسبة: ألم تكن للغرفة اسم؟، لقد سمينا البيت الذي غادَرَنا إليه محمد، سميناه (شُوشَا)، تيمُّناً بالفتاة المتخلفة ذهنياً، والمتقدمة حسِّيَّاً وذوقيَّاً وجمالياً وبديهيَّاً، التي تعيش في رواية الكاتب... يا إلهي، لا أتذكر اسمه الآن، ولكنني سأذكره لك فيما بعد.. نعم نعم الرواية كانت موجودة في المنزل لفترةٍ طويلة، ولكن قل لي، ألم يكن للغرفة اسم؟، في ليلةٍ تغيبنا فيها عن الوعي كان محمد يهذي بأمرٍ مشابه، ولكننا نسيناه في اليوم التالي. أوه تذكرت، الكاتب اسمه (إسحق باشفيس سنجر) أرجو أن يكون صحيحاً. لدينا الكثير من الفئران في بيت الشعراء والكُتَّاب والخواجة (لِيَام مورغن) وفرفر أخي وحِبُّو، انضم إلينا مؤخراً مُعِدّ برامجٍ تلفزيوني، وعازف باص جيتار مبتدئ يدعى (سْكُونِسْ) _لن تجد صعوبة في نطق اسمه_ أو محمد محمود. الكثير من الفئران، طبعاً، لتلعب معهم!، فكما تقول أمي إنك (خوَّاف) ولا تقتل الفئران، رغم أنني وجدت جثَّة أحدهم في سطح المنزل، ولكنني ظننت أنه، غالباً، ما يكون قد اصطاده قط آخر وأهداه إليك في مناسبةٍ غراميَّةٍ غامضة. لماذا لم تكن لك علاقات غرامية يا شان؟، لم أشاهدك يوماً في وضعٍ جميلٍ كهذا، ربما كنت، في الأصل، راهباً في جبال (التّبت). كنت أريد أن أسألك حول شريعتكم هذه: القط يأكل الفأر، ما رأيك، بصراحةٍ، فيها؟ رأيي أنا؟ أعتقد أن البشر قد استخدموها بصورةٍ أبشع من ما هي عندكم، أتعرف لماذا؟ لأنهم، فوق وحشيتهم، يبررون ذلك بـ(الأخلاق)!، هل تصدِّق؟. نعم بالتأكيد تصدق. أما  أنتم، فتفعلون ذلك وتعرفون أن الأمر مجرَّد (جوع) و(بقاء على قيد الحياة)، نحن؟ يجب أن ينصِّب أحدنا، نفسه، حامياً للمجتمع أولاً بذريعةٍ ما، وفي قلبه ذلك الخوف من انهيار هذا التجمّع البشري، الشبحيّ، المسمى (المجتمع). ربما يسطو على حكومةٍ بليل، ربما يسيّر جيوشاً جرارةً لحرقها مع آخرين في الطرف الآخر، ربما يُعلِّم خدود ابنته أو اخته بأصابع حمراء من شدَّة الضَّرب، ربما يُغلق على زوجته أقفال العالم لأنها جميلة، ربما ربما يا عزيزي، ربما ينتحر، لأنه لم يستطع سوى أن يكون محافظاً على نفسه، لأنه غير مفهومٍ من الآخرين. بمناسة القط والفأر، ما هو رأيك في مسلسل (توم أند جيري)؟، ربما ستضحك الآن، ولكنني أريد أن أستفسر عن تلك العلاقة الملفَّقة بين القط والكلب الذي يظهر كضيفٍ على الحلقات من وقتٍ لآخر، عندما يحاول الكاتب أن يُخرج فأره العزيز من بلاهة (توم)، فأنا لم أشاهد في حياتي كلها كلباً يطارد قطَّاً، بالعكس؛ لقد كنتم دائماً تخيفون الكلاب، إن الكلاب تخاف وتتحاشى القطط. أليس كذلك؟.
مالذي كنا نتحدث عنه يا عزيزي شان؟، كنت أحكي لك عن علاقتي بمحمد من قبل أن تلتقيه، لم أحْكِ لك هذه الحكاية من قبل، عاد محمد من منفاه الجّحيميّ في القاهرة، حيث قُبِلت طلبات الهجرة لكل من معه (أمير شمعون وعاطف خيري وعادل القصاص وغيرهم).. وظل هو هائماً حتى التقاه شخصٌ سرابيٌّ وانتهره في الشارع العام: (عُدْ إليهم)، لا أتذكر بقية تفاصيل هذه القصة ولكن أعتقد أن محمد بإمكانه أن يرويها لك بصورةٍ أفضل. عاد محمد والتقينا في خضم المشروع الفاشل، أعقبته ورشةٌ فاشلةٌ أيضاً عن قصيدة النثر، وقابلته وجهاً لوجهٍ في (رُطَانَة الشظَايَا)، كانت هذه شهادته حول الكتابة التي قدمها في تلك الورشة، وكنت، كما تعلم جيداً، أعمل (جِمِّيعاً) لمثل هذه الأشياء بعد أن أمضيت وقتاً طويلاً من عمري القصير في طباعة بحوثٍ تافهةٍ في محلات الشهداء الكَمْبيوتريَّة، فبعد أن قررت هجران الهندسة كليَّاً، كان عليَّ أن أهرب من ذلك الجحيم، حيث كان الطلبة (الحربيون؟!) ينقَضُّون من كل المناهج السطحية الغارقة في هذياناتٍ خرقاء، ويُخضعون وقتي وأصابعي للعمل والشَّوْشَوَة. فكانت طباعة أعمالٍ أدبيةٍ، كرطانة الشظايا، جنَّةً أبدية، عندما بدأت في طباعة شهادته الأدبية، كانت الساعة حوالي الحادية عشرة مساءً، وكنت قد انتهيت تقريباً من بقية الأوراق المُقدَّمة، وكان من المفترض، نسبةً لسرعتي في الطباعة، أن أنتهي منها في غضون ساعتين، هل تعرف متى انتهيت من ذلك الورق المُسكر؟، لقد كانت الساعة حينها السادسة والنصف صباحاً. اتصلت به في ذلك الوقت المتأخر، والتقينا في السابعة والنصف في محلات الشهداء تحت ظلٍّ رحيمٍ لسِتّ شاي عابرة، ومنذ ذلك اليوم، لا أعتقد أننا افترقنا كثيراً.
لماذا أحكي عن محمد الصادق؟، أنت تعرف لماذا، لأنه كَشَف لي بعض الأسرار عنكم أنتم (القطط)، فبعد أن زرتني في المنام، بعد ليلةٍ من العمل الشَّاق في غرفتنا المجهولة الاسم، أنا ومحمد وأنت، حكى لي محمد عن سيرةٍ سريَّةٍ للقطط، قال: (في الأصل، منذ قرونٍ بائدةٍ، كانت القطط حافظات تُحشر فيها أسرار الكون كافَّة، وكانت هذه الأسرار تُستخرج عن طريق جهازٍ تم اختراعه في تلك الحضارة التُي أُبيدت عن وجه الأرض، الجهاز يشبه (السي دي روم)، تستخلص الأسرار المناسبة، ويُطلق القط، بعد ذلك، ليعيش حياته. ولكن بعد أن اندثرت تلك الحضارة، ظلت القطط تهيم على قلبها في العالم، حاملةً أسرار الكون لا زالت، ولا جهاز يُشفي حشاها المحترق، قلقها الدَّائم).
في ظلام النوم، أتاني رجل آسيويّ الملامح، يبدو أنه من الصين أو اليابان، قال لي: (هذا القط الذي يعيش معك اسمه "شان") واختفى. صحوت من النوم، نظرت إليك، كنتَ ممدداً بخبثٍ ظاهرٍ تحت كرسيٍّ مهشَّم الحديد، كنا ننظر إلى بعضنا لوقتٍ كافٍ، قلتُ لك بخوفٍ قليل: (شان؟)، راجياً أن لا ترد عليَّ بأية حركة، أوحتى إشارة.
أنت تتفهم خوفي أليس كذلك؟ طبعاً أنت تعرف؛ لأننا نحن البشر نخاف من أن يكون هنالك (غير) على الإطلاق، نخاف أن يُسحق غرورنا وأوهامنا بالتفوّق، لذلك، كما ترى، لا نكفّ عن نهش بعضنا البعض، بعد أن تأكدنا، بلا معقوليَّةٍ بحتة، أننا سيطرنا على الطبيعة وعرفنا مداخلها ومخارجها. لا نستطيع أن نعيش دون أن نتيقن بأننا (أمَّةٌ مختارةٌ)، لا نستطيع أن نعيش بدون أن نَرْفَعَ من شأن (سحناتنا) بذات الأسباب والمبرارات التي تَرفع بها جماعةٌ أخرى من البشر من شأن سحناتها علينا، هل ترى هذه الـ(نا)؟، إن البشر لا يستطيعون أن يعيشوا من دونها. مالذي أدخلنا هنا يا عزيزي؟، فقد رددت عليَّ بـ(نعمٍ) ماويَّةٍ بصوتك الواثق، الثَّابت. سَكَتُّ لفترة طويلة، وناديتُ عليك مرة أخرى، وكان ردك سريعاً مع تقدّمٍ باتِّجاهي لتعرف: مالذي أطلبه؟، أم لتزيد من رعبي يا مُستهبل.
في أيامك الأخيرة، عندما كنت تُجالس الموتَ في أزقَّة البيت ومتاهات قلبي، كان أبي يتصل يوميَّاً ليسأل عن أحوالك، هل فوجئت؟، أنا أيضاً كنت محتاراً، فقد كان يسأل بإلحاح وبعاطفةٍ واضحة، أنت لم تقابله طوال حياتك، وأنا لم ألتقه منذ ثمان سنوات، هو يعيش الآن في تلك البلاد المُغلقة، المملكة السعودية (لاحظ لاسم المملكة)، أعتقد أنك استمعت إلى مكالماتنا كثيراً.  قال لي أبي ضاحكاً: (أصدقائي هنا يضحكون من مكالماتي هذه، فكنت أقول لهم: نحن آل التِّلب، نتعامل مع الإنسان كما الحيوان)، أعرف أن حالة الضحك والسخرية ستنتاب العديد من الناس، (وقد فعلت بالمناسبة، حتى الأطباء في الصيدليات كانوا يبتسمون ويتهامسون بعد ابتعادي عندما كنت أسأل عن "فيتامين" لك، رغماً عن أنهم يكتبون عادةً في لافتاتهم "أدوية بشرية وبيطرية"، لا عليك، فهم يعالجون الحيوانات الدَّاخلة في مسألة رأس المال المادّي فقط؛ كالأبقار والدّجاج ...إلخ)، ستنتاب موجة الضحك السخرية العديد منهم، وربما نعتوا هذه الرسالة بـ(حركات شعراء حداثة)، ألم تسمع بهذا الاسم الفظيع من قبل يا شان، يسمون أخوكْ ومحمد الصادق وبقية الفوضويّين الذين عكَّروا مزاجك في غرفتنا، مثل أحمد النشادر ونجلاء التوم وغيرهم، يسمُّونهم (كتَّاب الحداثة)، لن تعرف كم أغتاظ من هذا الاسم الجزافي، فبعد أن نلحق بك يا عزيزي، سيسمون المقبلين من الشباب بالحداثيين أيضاً، إنني أتسائل: لماذا يظل من يسمّون (خالدين) للأبد؟ كأنهم لا يعانون من المرض المسمَّى (جسداً بشرياً)، هل تعرف ماذا يشبه هذا الاسم بالنسبة لي؟ أن تطلب مني أمي مثلاً أن أُحضر لها (ماءً)، وفي اللحظة التي أذهب فيها لأحضر الماء، تُسميني أمي، بدلاً عن اسمي، (جالب الماء)، وبعد أن تشرب سيتغير الاسم ليصبح (السَّاقي)، وبعدها (المشكور) وهكذا دواليك، من الأسماء المضحكة المرتبطة بالجيل والشباب والسودانيين والصوماليين...إلخ.

عزيزي شان، أرجو أن لا أكون قد مغَّصت عليك هدوءك، في صباح اليوم الثاني من رحيلك، ولكنني أود أن أتذكر أيامك الأخيرة. لقد كان دافعي الأساسي لكتابة هذه الرسالة إليك، هو الاعتذار عن ما بَدَر في (خاطري) من أفكارٍ سطَّحَتْكَ، وعن كلماتٍ قاسيةٍ قلتُها لك في لحظات غضبي من هذه الحياة. أعرف أنك تملك قدرةً لا بأس بها على الانتقام منِّي، أذكر أنني في يومٍ كُنتُ قد أغلقت كل منافذ الغرفة، الباب والنوافذ، ولم أترك لك مساحةً لتخرج منها لتوهانك الليليّ، كعادتكم أنتم القطط، أجسادكم مُشرَّبةٌ بالليل، وعيونكم تُشعُّ بأضواء الظَّلام الحقيقيّ. في وقتٍ متأخرٍ كنت تشدّ ملاءة السرير وتصرخ، كنت أصحو بين فترة وفترةٍ وأصرخ في وجهك أيضاً أن (اصمت)، كنت تواصل المواء بصوتٍ مزعج، كنت تطلب أن أفتح لك الباب، وأنا تجاهلتك واعتبرتك مجرَّد (حيوان) لا أكثر. أذكر عادتك المريبة في النوم، كنت لا تنام إلا على الملابس التي كنت أخلعها في نهاية اليوم، قميصي المبتل بعرق النَّهار والليل، حتى وإن كانت هنالك ملابس أخرى في الغرفة الفوضويَّة، كنت تبحث عن القميص وتحشر نفسك بين ألوانه. في تلك الليلة، وبعد ازعاجٍ استمر لساعةٍ، صمتَّ فجأة بلا مقدمات، وأنا عدت لنومي البشريّ، في الصباح، لم أجدك نائماً على القميص، وجدتك في طرف الغرفة تبتسم!، نظرت باتجاه القميص، فإذا به مشحونٌ بفضلاتك، خريطةٌ من الفضلات تفضلت بها عليَّ جزاءً على تجاهلي. وأنا الآن أكتب لأعتذر عن هذا التجاهل.  
 تذكر بالطبع تلك اللحظات، عندما أغضب من الحياة، كنتَ تراقبني من تحت السرير، وبعد لحظاتٍ تجدني مستلقياً إلى جانبك تحت السرير وأثرثر، أحياناً كنت ترد مُجاملاً عندما أوجه إليك الحديث، وأحياناً تظل صامتاً، وعند بعض الأسئلة تهرب بسرعةٍ وأنا أزحف من خلفك، نقفز فوق السرير، ألحق بك إلى النافذة، أغلقها، ثم أُعنّفك بصورةٍ غير لائقةٍ بعلاقتنا ومقامك، كنت أقول إنك مجرَّد قط، ولستَ حاوياً لأية أسرار، كنت أنظر في عينيك وأنت تتعجَّب في قوَّتي التي تصل بي لحد البكاء بصوتٍ عال. أعتذر عن ما ورَد على خاطري حولك، كنت أُبرِّر سيرَكَ خلفي إلى أي مكانٍ أقصده داخل البيت، بأنك مجرَّد قط جائع، تنتظر هبةً طعاميَّةً مني، كنت أقول وأفكر، ولم أنتبه إلى أنك تنتبه وتحس بذلك كله، لذلك أقدمتَ على جرح غروري في الليلتين الأخيرتين من حياتك.
 كلانا يعرف تماماً أنك لا تقبل بأن تُمسّ من أي شخص، وإن قبلت، على سبيل المجاملة، فإن ذلك لا يدوم لأكثر من ثانيتين، هذه العادة تشملني أنا أيضاً، فأنت لا تستثني أحداً. ربما تسمح لنفسك بملامسة أقدامي، عندما تكون جائعاً، أو عندما تغار من مكالماتي المتأخرة ليلاً على الهاتف، ومن حينٍ لآخر، لا تبخل عليَّ بخربشةٍ طفيفةٍ عندما تغضب من نسياني لك لأيامٍ دون توجيه حديثٍ أو دعوةٍ للعشاء.
ولكن، في الأسبوع الأخير، أصابك ذالك المرض الغريب. أخبرتني أمي، بجزع، أنك لم تتحرك منذ ليلة الأمس من تحت السرير، قالت إنك ربما متّ، ذهبتُ ووجدتُك خائر القوى، نحيل البطن، ومتغضّن النظرات، مهشَّم الصوت، ولا تستطيع النهوض، جلبتُ كل ما توفَّر من أكل، شراب، حليب، لم تأكل، لم تشرب سوى الماء، وظللت هكذا لأيام. أحضرتُ الأدوية التي وصفها الطبيب البيطري، ولم تستجب لها، كنتَ يائساً مني، متفائلاً بهجرانك لهذا العالم. فماذا فعلت؟.
رغماً عن أنك لم تكن تستطيع النهوض، إلا أنك، عندما تراني، تحاول بأقدامٍ راجفةٍ أن تقف وتلقي بتحيتك اليومية، ولكنك تسقط مرةً أخرى، تقف وتمشي من خلفي مترنحاً؛ ليس لأنك تطلب عشاءً كـ(مجرَّد قط)، ليس لشيءٍ سوى أن تشرح، وبكثيرٍ من الوضوح، جراحك الملوثة ببصماتي، ببصمات غروري البشري، كنتُ أجلس باكياً على الأرض، وكنتَ تصر على الوقوف، تحاول أن تمسح وجهك بيدك فتسقط على ظهرك بطريقةٍ حزينة، كأنك تمثالٌ مبنيٌّ من الماء، مبنيٌّ بنظراتي الرَّاجفة من إجرامها، وعماها.
شان يا عزيز، ما رأيك أن نشتري بحراً من السوق الأسود؟ ربما حفرْنا في مائه، بمخالبنا البرمائيَّةِ، أزقةَ بيتٍ جديد، سندعو الأصدقاء طبعاً، لا تستعجل في حكمك على خطتي، فنحن، بالتأكيد، لا نريد أن نكون وحيدين، كرغبةِ كل الكائنات، بحرٌ في السَّماء؟ لا أدري، دعني أفكر في هذا الأمر. ليس من داعٍ لوجود شمس ولا قمر، لا نريد مراكزَ هنا، أرجوك، يكفي ما تكبَّده قلبك من صَلَف قلبي، ويكفي ما ناله قلبي من أوجاع خفقانه. لا بأس، سأنتظر، ربما سيكون انتظاري طويلاً، أنت تعلم، عندما بكيت عليك لليلةٍ كاملة، قبل رحيلك بيوم، في تلك الليلة التي سمحت لي فيها أن ألمسك لساعاتٍ، أن أحتضنك دون مقاومة، أن ألمس يديك ووجهك ورأسك الصغير وعنقك الرَّاجف، تعرف أنني كنت أبكي على الكثير، لا أريد أن يُطال في عذابي بمراقبتكم تغادرون واحداً واحداً. عزيزي شان، أنت تعرف من هم، إنهم من يعرفون حقيقتك، وتمور أجسادهم ودماؤهم وخيالاتهم وأسماؤهم الحقيقيَّة بأسرار الكون، إنهم قطط بشرية، ولا جهاز، للأسف، لاستخراج شيءٍ منهم. إنهم يحاولون، بطرقٍ بائسة، أن يخترعوا أجهزةً قريبةً منها، أحياناً يخرج القليل، ولكن الكثير، البحر الكثير الغامض، والذي لن يُفسِّر العالم، بل يحطِّم وضوحه، للأسف يا عزيزي، دائماً ما تُصنَّف الأسرار في خانة الكشَّافات، ولكنها، كما كوَّنتك قطَّاً تائهاً في الأحلام، وكما صمَّمت لغتك لتصبح كبقية القطط، فهي تقتل الطمأنينة، وتذبح اليقين على أعلى قُبلةٍ تبادلتها جثث العالم في لحظةٍ واحدةٍ، عندما تنكمش القبور على بعضها، وتذرُفُ وجهَك.





الأربعاء، 10 أغسطس، 2016

بثور الأمل

بثورُ الأمل
مأمون التلب




(1)
يَعرفُ القاصي والدّاني من كوكَبِ الأرض أن نظاماً يضمحلّ وقد حلّ مكانه، بصورةٍ لا تزال شبحيّة وشيطانيّة، نظاماً جديداً تماماً في كلّ شيء. يَترَادفُ هذا المعنى مع كلمات واقعيّة جدّاً كـ(انعدام الأمل) كـ(الحبّ الذي هَجَرَ الكوكب)، والمُعبِّرة الكبرى: ماتَ الإله!. جميعها تسميات لانهيار النظام، وبينما تبدو لنا نهايات أنظمةٍ في الماضي وكأنها نزهة مُسالمة في الطبيعة الخلابة، فإن انهيار هذا النظام يبدو لنا أبديّ التّحقق؛ سيظلّ يضمحلّ ويطحن أجساد المخلوقات الأرضيّة بإصرارٍ وعنادٍ ومثابرةٍ غير أرضيين؛ سيظلّ يفعل ذلك إلى أن نفنى. ولكن، ألا نعلم جميعنا أن ذلك سينتهي؟.



إنّه ليس انعدام أمل، إنه تحوّلٌ في صيغة الأمل؛ هل نريد فعلاً أن ننقذ العالم الذي يغرق أمامنا اليوم؟ ألا نتمنى موته؟ فناءه؟ امّحاء كل مؤسسات الكذب المستمر المتّحدة عن وجه الأرض؟. ذلك ليس لأجل الفناء كغاية، وإنما كوسيلة نَبشٍ في جلد هذه الجثّة لإخراج الحيّ من الميِّت إخراجاً أقلّ هَدراً للدماء؟.

 نهاية الاتحاد السوفيتي أتت بتنازلٍ، تخلٍّ عن مشروع الدولة الميّت، وكان دراميّاً حدَّ تحوّلت أحداث العالم من دراما بطولة إلى سوداويّة الهزيمة والملاحقة، كيف ستتنازل هذه الرأسماليّة عن مكتساباتها وهذا الكم الهائل من العبيد الذي يقلّ عن تعداد سكان العالم بحفنةٍ من النِسَب المئويّة؟ لا أعتقد أنها ستتنازل، بل ستحلِب اللغة الجّافّة ضرعها، الشهيدة الأزليّة، سيمثّلوا بجثث المزيد من الكلمات كانعكاسٍ طبقَ الأصل لمسلخ التمثيل الدولي من أجلِ جثث الناس الطازجة.
لكن جرثومة الأحلام الكوابيس تقولُ بغير ذلك، بثورها ظلّت تطفح على سطح الأرض، في كلّ برٍّ وبحر وسماء ونجوم، دائماً على هيئةِ موسيقى، أحياناً مكتوبةً، منطوقةً، مرسومةً، مطبوخةً، مجروحةً، محبةً، متألّمة. منذ الأزل ظلّت تطفح وتنطفئ وتترك ندبةً لا تزول، علامةً يحجّ إليها الأفراد البثور. اليوم فارت البثور، غمرت سطح الأرض، وأصبح تجاهلها مستحيلاً، إنها الإشارة الأخيرة من جسد الأرض المتألّم، إنه التحذير والصرخة، الوردة المتفتّحة وسط خراب رَمزها كمُودّعةٍ للجُثَث.
(2)
من نصٍّ كُتبَ في العام 2007م أنقل: [تَبْدو الحَيَاةُ كَظِلٍّ يَتَحَرَّكُ إثرَ حركة عالمٍ آخرَ سريٍّ، وعَبْرَ جِدَارٍ مثقَّبٍ بالأسماء والصفات والدلالات، يَنْفُذُ ضوءٌ مكلَّلٌ بأشواكِ نبوءاتٍ يفسِّخُها الزمنُ بسيره الأعرجِ المسنّ. وإن جاز لي أن أتفوَّه بكلمةٍ فلأجل أن أُشير إلى الكمِّ الهائل من الأسلحة الثقيلةِ والخفيفة، وهي تُهرَّب من العالم الآخر إلينا محمولةً على قماشِ مبرِّراتٍ واهيةٍ تَسلُبُ، وباستمرارٍ يَنْفُثُ تَعَفُّنَ فَمِهِ يَأْسَاً، إرادةً كائنات الأرض.
ولكن، من يمنحُ العالم الآخر روحاً تتحرَّكُ كهذه؟، عَرْشُهَا التَّخْوِيفُ بشبكةٍ تُغَرْبِل أجساد الخيال والنُّطق والموقف والحريَّة، حتى تُصبح صالحةً لتغذيةِ الأفواهِ البشريَّة، وهي (على شكلِ هاويةٍ) تَطلُبُ يقيناً محطَّما؟
وإن كانت الكتابةُ هي بارودٌ أو سلاحٌ هُرِّبَ بدقَّةٍ، ومُسِحَت عنهُ ملامحُ الشياطينِ التي كانت تغفو بهِ هناك (مرمِّمَةً أقدامهُ بقيعان محيطات العالم الآخر، والتي هي ليست ماء، وليست فضلاتِ سُحبٍ، وإنما نظرةُ طائرٍ تائهٍ داخل صوته العابر للمحيط)، مُسِحَت الملامح لكي يُصْبِح هذا السلاحُ متداولاً، بين يَدي الكائن السابق لاختراعِ اللُّغةَ، دونَ أن تُثِيْرَ شَكَّ الأجِنَّة في الأرحام، والصرخاتِ النابعةِ من دمٍ يلتهمُ لذَّةَ رعبٍ، والمراوغاتِ الأخلاقيَّةِ للعدمِ المسكونِ بأنفاسِهِ الأخيرة، والنظرةِ بشقَّيها: (الأجْنَح والأَتْرَبْ). وبعد ذلك يأتي مأفونٌ لينفُضَ الجريمةَ من سَطْحِهِ اللَّماع، ويُغلقُ على وجههِ البابَ البعيدَ الغَارِبَ ويُدرِكُ هُيامَ الواقع، بل وتحقُّقَه، داخل كلِّ هذه المرايا المتقابلةِ بعنفٍ لا يغفر الالتفاتة، ولا يَقْبَلُ الشهقة الخالية من التحطيم العارف، فإن هذا المأفون بالجَّحيم سيُكْرَمُ، وبالذلِّ داخل قلبِ الرحمةِ سينبضُ دون توقُّف.

آن للجِدِّار الْمُثَقَّبِ أن يُبِيْدَ نَفْسَهُ بنَفْسِهِ،
يفعلُ ذلك بمجرَّد أنْ تَجرَّد وجُودُنا بشتَّى رُعبهِ الطبيعيّ.
وأقول (آن)، لأنَّ كل لحظةٍ تمرُّ؛ تحطيمٌ، وكلُّ نظرةٍ خائنةٍ إليهِ؛ إرادة].

أغسطس 2016م
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 Van Gogh, Wheatfield with Crows, July 1890. Oil on canvas, 50.5 x 103 cm. Van Gogh Museum, Amsterdam.