التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

عرض المشاركات من يوليو, 2011

جَنَّةُ العُمْيَان

جَنَّةُ العُمْيَان
(سَمَاوَاتُ الجِّذْرِ الْمَجْهُولَة)
2007م




قلبُ الجنَّة


خائنٌ
هَذَا الثَّورُ الأعْمَى 
مَنْ رَفَسَ الأَرْضَ وطَعَنَ الفضاءَ بقرونِ خيالهِ 
تَارِكَاً مُصَارِعِيهِ يَلْهَثُونَ في نَوْمِهِم خَلْفَ دَمِ النُّجُومِ الْمُتَقطِّرِ، 
وَاعِدَاً أسْلِحَتَهُم الفَاتِرَة بِمَعَارِكَ لا تُرَى.


خَائِنَةٌ
هَذِه القَطْرَةُ التي تَحْفِرُ في صَوْتِ الْمُحِيطِ قَبْرَهَا هَانِئَةً 
وتَحِطُّ مِن قَدْرِ السَّحَابِ في قَلْبِهَا.


(1)






غَدَاً يُصْبِحُ مَوْتُكَ صَنَمَاً تَتَعبَّدُ أسْفلَ أقدامهِ، تَلهثُ مُقْتَنَيَاتُكَ الثَّمِيْنَةُ تَحْتَ وطأةِ أصَابِعِهِ الْمُتَّسِخَةِ الجَّبَانَةِ. غَدَاً، أيُّها الوَغْدُ، تَتَحوَّرُ الزَّوَاحِفُ السَّاكِنَةُ الـمُطِلَّةُ مِن جُحُورِكَ العَدِيْدَة، جُحُورٌ تَتَمَدَّدُ مِن لَمَسَاتِكَ، مِن نَظَرَاتِكَ، جُحُورٌ تُطلِقُ الفَحِيْحَ الَّذِي تَأْبَى سَمَاعَهُ، الفَحِيْحُ مُشَكِّلُ الخَطَوَاتِ بِشَهْوَةِ الفَرَائِسِ العَمْيَاءَ الصَّغِيْرَةِ وهِيَ تُستَدْرَجُ إليهِ في الثِّيَابِ النَّاصِعَةِ. 








أسْتَدْرِجُكَ للمَوْتِ الهيِّن
للمَوْتِ الْمَرْصُوفِ أمَامَ الْمَلِكَاتِ الغَيْبِيَّا…

الحدائق

غنَّت حدائقُ النَّصلِ
وتورَّدت صرخاته
وهو بركضه يكشطُ عدميَّاتٍ معلَّقةٍ على عنقِ حبيبٍ
عِقْدَاً جنونيَّاً يُظهرُ خواء اللمسةِ من تعدُّدِ الكلمة.


أُطلق سنَّارتي ببحرٍ لولبيٍّ يتصاعد منكَ أجساداً أخرى لجسدك 
وأنت تُعاينُ اتجاهات الأرض إلى كُتُبٍ مقدَّسةٍ
وشفاهٍ تُرتِّلُ تصاويرَ نجاتك من أنياب البشر
أينما تجدهم،
هم مسلَّحون بإهمالٍ طال وانتهى بآخر دمعةٍ؛
دائماً دمعةٌ أخيرةٌ من كلِّ فردٍ في اللحظة.


أتهادى مِن مَا يَلِيْك،
وأتوق لعناقٍ واحدٍ يتولَّدُ من أنقاض إنسانٍ يتهجَّى سواراً رُبِطَ على معصم الأرض،
زينةً لما تجاهلته الأقدامُ الحافية،
ضغينةً لما التهمه جوعُ سرابٍ لعينٍ تَرَاه.


أتوالى من ذا يُريك
غريقَ توريثٍ يمشي بين الناس في الأسواق
وأنا، بكونٍ عاجزٍ، أمدُّ يداً لثوبه الرقيق؛
ثوبه الذي وضع قوانيناً صَرَعَت حدود الأزمنة،
وكوَّنت لأنفاسها رئاتٍ، 
ولشفتيها شفاهاً تُقبَّلُ بسحرٍ لاذعٍ يخون ثمرته؛
ثمرة الأحشاء المتعفّنة في المعركة،
ثمرةُ التلحين المستمرِّ لعذريَّة الحبّ.


ــــــ
اللوحة لعبد الله محمد الطيب

أيها الجنود

فِكرٌ ليليٌّ يجتاحُ حديداً حُرَّاً، مكتئباً، يُصلصلُ اللحمُ بأحلامه، يَلِدُ جنوداً ترتفعُ التربةُ إلى قلوبهم فتشتدُّ الريح على الأشجار بنبضاتهم وتقف بذورٌ، لم تنبت بعد، على أمشاطها لتشاهد الثقوب المُحدَثة على أجسادهم قبل أن تَحدُث؛ تبكي مزارعَ وأمطاراً وكتائب حمَّى تخنقُ ليلهم؛ ذلك الغروب الذي لن يحدث أبداً، ذلك الشروق الذي لن ينطق أبداً، وما بينهما تلك الدوامة القادمة من النهر عارية، تتلفَّع بأسماكٍ كثيرةٍ كاشفةً، من خلال الحراشف، مدى العورات الحيَّة؛ لهب الغرق، ونشوة الطفو.
فكرٌ ليليٌّ يختلجُ أسنانه القديمةُ بُدِّلت بالمعادن والشهوات، وقنواتٌ تَعبُرُ من خلالها لتشتَقَّ من اللسان أرضاً شريرةً لبناء مدينةٍ أخيرةٍ بلا بشرٍ تقتات من هذيان لغاتٍ بائداتٍ.
كيف؟ والتشوّهات جزءٌ من الحلم، وأكاليلٌ ناشفةٌ تسير باتجاه موكب الوداع: إننا نودعك أيها الفكر الليليّ ونترك الباقي لجسدك الذي لن تحمله معك أينما ذهبت، فأنت، لأَسَفِكَ، مُلكٌ للجميع ولا من أحدٍ سيتخلَّى عن ظِفرِ نَفَسكَ دعكَ من القلب: هم جنودك فاشرِق بهم كيفَما خِفت هم خُلُودك فاحرِق بهم كيفما نِمت.



ــــــــ اللوحة، طبعاً، من أعمال عبد الله محمد الطيّب (أب سَفَّة)


وثيقة وجود

أصبحت الكلابُ جذّابةً جدّاً، جاذبيّةٌ لم تقتصر على صوتها الذي خرجَ من كونه مجرّد نباح، ولا على ملامح وجوهها التي بالكاد نلحظُ الفوارق الجمالية بينها؛ تعدّت ذلك لأن تصبح الألوانُ التي تكسو جلودها لغةً حيّةً؛ شخصيّةً، بالأحرى، لها ما لها من إلهامٍ ومغامراتٍ وحماقة، لغةٌ وتتغيّر: هزّة البطن التي تُصاحب المشي؛ المشيُ الذي يخلقُ ظلالاً بتغيّراته الحركية؛ الحركة ودرجات توتّرها مع اللعاب؛ اللعاب الذي ميّزني عن بقية أطفال الحيّ وصَنَع منّي مَسْخَرَةً؛ صنع اسماً لاحقني حتّى الآن: "أب رِيَالَة". فالإصابة القدريّة بكُليَةٍ مُعطّلة، منذ بدايات وجودي في هذه الحياة، سببت ضرراً جسدياً شَمِلَ إفرازات اللعاب وطريقة الكلام، نُعاس العيون الدائم وانحسار البنطال عن خصري غير المستقرّ مما دفع بأمي إلى أن تُغَرِّز جميع ملابسي بإبرٍ ودبابيس لتثبيت الأقمشة. الأخطر والأمرّ والأجمل من كل ذلك، أن الجاذبيّة لم تقتصر على الكلاب فقط؛ بل امتدَّت لتشمل الكون بأكمله حتّى آخر حيٍّ فيه، ولا أعني بكلمة (حيّ) الأحياء فقط، بل كلّ شيء؛ لأن الموت تكشّف كجزءٍ لا يتجزّأ من التنفّس الجماعي للرئة الواحدة التي لا يراها ا…

شاقَّةٌ ضربةُ الروحِ في العين

شاقَّةٌ ضربةُ الروحِ في العين، دودتها أشقى من تُربةِ عَقلها من نباتات حريقها من تدليك جسدٍ بدهونِ النظرة حتَّى تطفر سطحيّةُ الشهوَّةِ كتنينٍ بلا رؤوس.
شاقَّةٌ هذه السحابة على السماء هذه النجمةُ على ضوء عين القطةِ قاسيةٌ هذه الأرض على الجبال البحار والمحيطات والأنهار قاسيةٌ على المياه وحشيٌّّ وجود الألوان أمام المبصرين وبرقعةُ الجلود شديدةُ البأس على اللحمِ والعظم الدماءُ، تجترُّ أشلاء ذكرياتها الدورية، تُشوِّهُ القلب والعضلات لا تفي بمعنى لذَّةِ الضرب والحياة.
أعني أن الكأس مُزوَّدٌ بالحياةِ إذ تُوجِدُ سبباً لدحر انعدام الأمل في كلِّ لحظةٍ أمام اليأس الخلاق؛ التنينُ الأبديُّ الشائخ بحُكمِ أسطوريّتهِ. الحياةُ تُوجدُ مَنظراً، صورةً، هَبشةُ مَصرَعٍ لتُقنع الحيوانات العاملين لديها بوجود الأمل. آهٍ، يا لها من موسيقى عَزَفتها آلافُ العروق والأنفاس المتلاحقة لَحَّنتها اللحظات الأخيرة لكل شيءٍ ولا من مُعترفٍ بوجود نهايةٍ لكل شيء قاسيةٌ هذه الحياة.

لم يكونوا ملائكةً

لم يكونوا ملائكةً ، ليسوا جنَّاً لم يكونوا أشجاراً ولا انبلاج ندىً عن ضوءٍ لا النهر ولا عطش مصبِّه لمعجزة اختلاط مذاقاتٍ لا انخلاع بابٍ وانكشاف ما دَسَّه من جلودٍ تنعصف بالخوف!

كانوا أجساد بشرٍ ذوّبتها قلوبٌ، اختفت مثلما تختفي شمعةٌ في الظلام بقوّة نارها، حاميةً ذكريات أشياء كُشِفَت بنورها في لحظات القتال. أُلامِسُ الليلَ عندَ طِفلٍ يَقَعُ عن صهوةِ ظلاله حائراً أمام الوجوه المتبدّلة عن أصلها، نائمةً، تُواجه نوافذ بيتها الصاحية؛ مفتوناً بألوانٍ تلفظها باستمرارٍ وحوشاً تُضرَمُ أرواحها بمكوّنات مرآةٍ شاهدنا عليها، أنفاسنا، وقد تلاحقت، دالقةً ُمفرزات دربٍ سَلَكَتْه أمام انطحاننا، يقفُ جوكرٌ راقصٌ في بداية الدرب، يَختتم حفل الرحلة المجروح بتصفيقِ وجوهِ المشاهدين بعضهم ببعض، بكلّ شَفَقة.

ذلك الطوفان القديم خالدٌ في عيونِ العابرينَ خلال ملامستك للأحياء كلّ واحدٍ يحملُ كهفاً مجبولاً على صراخكَ العالي من الألم؛ الجدار المحيطُ بضحكتكَ المفكوكة في هواء قلبٍ يكرهُ ابتسامتك العرين المخفيّ داخل نطقك بـ"أحبك".

سنأكلُ طريقاً محروقاً تتقلّبُ على لافتاته إرادةُ الحيوانات كأنها لا تنتمي لهذه الأرض!. يا أيّتها القاف…