التخطي إلى المحتوى الرئيسي

وثيقة وجود




أصبحت الكلابُ جذّابةً جدّاً، جاذبيّةٌ لم تقتصر على صوتها الذي خرجَ من كونه مجرّد نباح، ولا على ملامح وجوهها التي بالكاد نلحظُ الفوارق الجمالية بينها؛ تعدّت ذلك لأن تصبح الألوانُ التي تكسو جلودها لغةً حيّةً؛ شخصيّةً، بالأحرى، لها ما لها من إلهامٍ ومغامراتٍ وحماقة، لغةٌ وتتغيّر: هزّة البطن التي تُصاحب المشي؛ المشيُ الذي يخلقُ ظلالاً بتغيّراته الحركية؛ الحركة ودرجات توتّرها مع اللعاب؛ اللعاب الذي ميّزني عن بقية أطفال الحيّ وصَنَع منّي مَسْخَرَةً؛ صنع اسماً لاحقني حتّى الآن: "أب رِيَالَة". فالإصابة القدريّة بكُليَةٍ مُعطّلة، منذ بدايات وجودي في هذه الحياة، سببت ضرراً جسدياً شَمِلَ إفرازات اللعاب وطريقة الكلام، نُعاس العيون الدائم وانحسار البنطال عن خصري غير المستقرّ مما دفع بأمي إلى أن تُغَرِّز جميع ملابسي بإبرٍ ودبابيس لتثبيت الأقمشة. الأخطر والأمرّ والأجمل من كل ذلك، أن الجاذبيّة لم تقتصر على الكلاب فقط؛ بل امتدَّت لتشمل الكون بأكمله حتّى آخر حيٍّ فيه، ولا أعني بكلمة (حيّ) الأحياء فقط، بل كلّ شيء؛ لأن الموت تكشّف كجزءٍ لا يتجزّأ من التنفّس الجماعي للرئة الواحدة التي لا يراها الأحياء حتّى الآن، ويتجاهل وجودها الأمواتُ ليعودوا مرةً أخرى إلى الحياة دون ضغائن تذكر.


لأنه كان في الحلم حاضراً، بعرَّاقيٍّ مستهزئٍ تاركاً مصير تشكِيْلِهِ لأتفه نسمةِ هواءٍ، وبسرعةٍ عاليةٍ وابتسامةٍ ساخرة؛ عابراً شوارع الحيّ. وكأن مشيته تلك: تحطيمٌ لكلّ الجدران التي تفصل البيوت عن الشارع، وللتي تفصل الشارع عن البيوت، لكلّ ثوبٍ ترتديه امرأةٌ وتسمِّيه غطاءً وسترةً، ولكلّ شاربٍ كثٍّ وجسدٍ قويٍّ يباهي به الرجال؛ مخرجين منه صوتاً غليظاً مُثبِتَاً لرجولتهم، متحاشين _بلغة الصوت_ جميع الكلمات التي تستخدمها النساء عادةً.


عادة، يأتي ليلاً _هنا لا أتحدث عن الحلم_ وفي مروره الليليّ إشارةٌ بأنْ "كلّ شيءٍ على ما يرام"، أما مروره الصباحي، والذي يترك فرصةً لأهل الحيّ برؤيته؛ فرصةً لتكشير الوجوه وتحذير الأبناء من الاقتراب أو الحديث مع "نجسٍ" مثله؛ ذلك المرور كان كارثيّاً، آذاناً بصوتٍ كئيب، وإيقاعاً مهلوساً تبثّه أقدام الكلاب الكثيرة التي تتبعه أينما ذهب؛ ليست الكلاب ذاتها في كلّ حين، إنه "نهرٌ من الكلاب لا يُعْبَر مرتين": إيقاع الأقدام يختلف، كذلك ألوان الجلد لذات الكلب تتغيّر بعد كل رحلة ركضٍ خلف هذا الرجل، والذي لم يُعْرَف له اسمٌ واحدٌ، ولا وجهٌ واحدٌ، ولا عِرْقٌ واحدٌ، ولا جنسٌ واحد: لقد كان متعدّداً بقسوة لا يجرؤ أحدٌ على الحديث عنها، ولا بتصديق آخرَ يواجه تعدّده في مكانٍ آخر!. كلامٌ معقّد، ولا يطول شرحه.


بخصوص الاختلاف بين المرور الليلي والصباحي، فذلك ما اكتشفته لاحقاً بعد انهماكي الجدّي بمتابعة حركته، إذ كان من الواضح أن انشغالي بأيّ شيءٍ آخر في الحياة سيكون، بلا شكّ، مصدراً آخرَ للسخرية والتهكّم. إنّ لعابي الذي لا يتوقّف عن الانهمار، خصوصاً في لحظات الخوف، كان أوّل شيءٍ يصرخ في ملامحي لحظة ينظرُ إليّ آخر فلا يرى سوى اللعاب؛ لعابٌ سائلٌ عندما حاولت أن أمثّل في المدرسة، سائلٌ عندما عزفت الكمان ملطِّخَاً خشبه الجميل؛ سائلٌ في مباريات كرة القدم مسبّباً عراكاً لأن لاعباً ظنّني قد بصقت عليه، سائلٌ بشدّةٍ لحظة تسميع جداول الضرب أو القرآن فأُسَمَّى "الخوّاف"، سائلٌ في النوم المحاط بالكوابيس، سائلٌ أمام الجماهير الغفيرة تنتظر دورها أمام بائع اللبن الذي يطردني لئلا ألوّث حليبه، سائل.

في ما يخص الحديث الذي لن يطول شَرْحُه:

باختصار، لقد كان موجوداً، وفي كلّ زمانٍ ومكان، في جميع قُرى ومُدن هذه البلاد؛ العشوائيّات وتجمّعات البشر التي تُرى في الصحارى كبثورٍ على بشرةٍ صفراء لا نهائيّة، مُعترضةً طُرق سير الدّواب والماكينات الحديديّة لتعرض بعض الاحتياجات البسيطة كالماء والوجبات المشبّعة بالغبار؛ هؤلاء أيضاً لهم نُسخٌ منهُ أو منها، هي امرأة وفي أحيانٍ أخرى رجل، أمّا اسمه في لحظة وجوده الحالية، والتي هي موضوع هذه الوثيقة المسجّلة صوتيّاً بصورةٍ قصيرة، فلا معنى لذكره.

لأن حياتي كانت قصيرة:

ولأن حياتي كانت قصيرة، وقد انتهت بذات الصورة التي حدّدها الأطباء منذ نعومة أظافري، فلم أضيّعها في المحاولات المضنية لأكون إنساناً طبيعيّاً؛ فقد تخليت عن المحاولات اليائسة التي عَمِلَ على تكرارها والديّ من أجل استقراري في المدارس الحكوميّة للأطفال الطبيعيّين، الأمر الذي قادني إلى اكتشاف أن الوجود خارج أسوار تلك الماكينة الضخمة، في حقيقته، الخطوة الأولى لرؤية الباب الذي أدخلني إلى عالمٍ مختلفٍ، حيث يمثّل الخروج منه لبعض الوقت، من أجل التفاعل مع الشفقة الاجتماعية التي أحاطت بي دائماً، اكتشافاً آخر لمدى التناقض والعدائيّة التي يُشحن بها هؤلاء الأطفال داخل المدرسة. فبينما يعتقد الأطفال الخارجون من خلف أسوارها يوميّاً أنهم مختلفون عن بعضهم البعض، كنت أنا أُقهقه من هذا الاعتقاد؛ قهقهةٌ تَرُجُّها كلُّ البديهيّات التي يعجّ بها الكون. مثلاً: إنهم ينصبون حجارتهم الصغيرة في الأزقة الضيّقة لتمثّل حدوداً متخيّلة لمرمى كرة القدم، تلك الكرة التي تُضرب بكلّ الأقدام باختلافاتها؛ أقدام كجوريّة، مسيحيّة، مسلمة، سوداء، سمراء، عربية، ومن ثمّ تستجيب الكرة بردود أفعالٍ لا تختلف وإنما تعتمد على الطريقة التي تُعاملُ بها. لأن الكرة كانت تتحدث إليّ، في عالمي الآخر، قبل عودتي إلى هذا العالم الذي لا تتحدث فيه الكرة رغماً عن كونها مركزاً للاهتمام المتطرّف لكل اللاعبين في الزقاق الصغير. كانت عودتي من عالمي الآخر مقرونة بطلبٍ من الأطفال بأن يلعب أب ريالة حارساً للمرمى المُتخيّل؛ إنني حارس الخيال، هذه الحراسة التي تُعتبر دائماً من أتفه المهام في كرة القدم الزُقاقيّة.


كنت أقول: لأن حياتي كانت قصيرة، قرّرت استنزافها في البقاء في العالم الآخر قدر الإمكان، والاتصال التفاعليّ مع العالم المسمّى (واقعي) _والذي هو ليس أكثر من خيالٍ لعالمنا الآخر_ بكشف الثقوب التي تُحدثها الإشارات المرسلة من عالمنا إليه، والتوصّل إلى التعرّف، أكثر، على شبكة الأشخاص الذين منحتهم مساوئ أجسادهم قدرةً كقدرتي، كذلك الذين يكتشفون نقصانهم باستمرارٍ بذات الطريقة التي نرى بها يوميّاً أجسادنا النّاقصة، وذلك ليس لأجل أن يتكمّلوا، أبداً فنحن لا نتكمّل، بل لكي يزيدوا نقصاناً وتعدّداً.
إذ أننا نعيش في نوعٍ من النعيم، والذي لا يقترب أبداً من الزهد أو التصوّف وما شابه ذلك؛ فنحن نتألّم لفقداننا ملذّات الجسد مثلاً، ولا نتوانى عن اغتنام كلّ فرصةٍ تلوح لقضاء شهوةٍ بصورٍ مستفيضة. وأقول اغتنام فرصةٍ؛ لأن ملذات الجسد مُشاعةٌ للكلّ، كاشتراك البشر في الهواء _وهو المادّة الوحيدة التي تبقت للبشر لكي يشتركوا فيها دون مُطالبةٍ بأية مُقَابِلاتٍ سوى كونهم بشراً_ ففُرَصُ الجسد تلوح وتنغمسُ في تراب اللحظات الضائعةِ، حيث يُنبِتُ التراب نباتاتٍ جديدةٍ في كلّ زمانٍ. إلا أن استجاباتنا؛ نحن أهل النقصان، كانت دائماً استجابات تتركّز في العين فقط؛ لا تتعدّى العين أبداً إلى اللغة و(الحَنَك) والتخطيط، فإما تدخلُ أجسادُ الرجال والنساء إلينا كخيالاتٍ نُجسّدها بالعادات السريّات، وإما هي عملياتٌ تتم في بُقعِ الظلام النابعة من عطش أجسادٍ لشيءٍ يَختَرِق؛ مجرّد مُختَرقٍ لا أكثر. وقد كنتُ مِن مَن يُفضّلون العين: تلك الفتحة الهلاميّة في جسد الآدميّ، والتي تُدخِلُ عليه كافّة أنواع السلطات والمعاني والتّوهمات التي يبثّها ما يسمُّونه الـ(واقع). إنَّ العين كانت، ولا تزال، أفظعَ سلاحٍ استخدمَتْهُ خطاباتُ الواقع، إلا أنها سلاحٌ ذو حدّين!.

العين والكلاب:

لقد لاحظتُ الشبهَ الواضحَ بين عيوني وعيون الكلاب منذ أمدٍ بعيد. لقد كان العامل المشترك بينهما هو (النسيان). نسي الكثيرون، مِن مَن أحاطوا بحياتي، ظاهريّاً، شكل عينيّ تماماً، شكلٌ أُداوم على مُراقبته من خلال مرآةٍ مكسورةٍ لا تُبيّن وجهي وإنما، فقط، عينَيّ. أمضيت أياماً أُخطِّطُ لكسر المرآةِ في المكان المناسب بحيث تمنعني من مشاهدة وجهي الملوّث بإشاحات البشر، وتُورثني رؤية العين التي لا يجرؤ بشرٌ أن ينظر إليها؛ إذ هي تُذكّره بكماله. فهل ظنّ البشر بجماليّة الكمال؟ نعم، بل إن جميع اعتقاداتهم تبحث عن ذلك العالم الكامل الموحّد. إلا أن الكمال في حقيقته يُورثُ الشفقة؛ فها هم رفقاء دراستي يُشيحون بنظرهم عن عينيّ إن قابلتهم في الدكاكين برفقة زوجاتهم أو أطفالهم الذين يُطلقون حَمْلَقَاتهم، بصفاقةٍ، إلى الحلوى المعلّقة والمسدّسات البلاستيكيّة والسيّارات التي صُمّم جمالُها في مكانٍ ناءٍ عن مكاننا الجالوصيّ. إنني أتذكر، بمرارةٍ، ذلك اليوم الذي مرّ فيه مدير المدرسة الابتدائيّة على الصفوف، واحداً واحداً، يطلب من الطلاب مبلغاً من المال ليُسدّ به نُقصان أبي وأمي اللذين انتويا إجراء عمليّةٍ جراحيّةٍ لكليتي لأواصل الحياة لأقصى مدّة ممكنة. إلا أن الأمر قد انفصل هنا تماماً وتحوّل برمّته إلى ضفّة سؤالٍ غريب: وما هي الحياة؟ ولماذا هي دائماً لأجل الأقاصي؟.

لقد نسي النّاس عيون الكلاب لاعتقادهم الصارم بقوّة أنوفها؛ وهذا النسيان لعيونهم ليس لأنها غير موجودة، بل لأن البشريّة تستفيد من أنوفها؛ إنهم يبنون علومهم كلّها، سياساتهم، برامجهم على أساسٍ واحدٍ ومُعيّن: الكيفيّة التي سيستفيد بها البشر من العالم والطبيعة. وهم بذلك صنّفوا الكلاب في خانة الأنف، وتحوّل الكلب، بكونه وبخيالاته وحياته وشعوره، إلى مجرّد أنفٍ حارس للمرمى، والذي يوازي البيت، والحِلّة، ذات المرمى الوهمي الذي أحرسه أنا، يوميّاً، لصغار الحيّ عندما نلعب كرة القدم: مرمى الخيال.

لقد نُسِيَت عيوني تماماً؛ لأنهم يريدون، وباستمرار، أن يعيشوا حياتهم المُكدّسة بالشركات وعروضها، والنساء الجميلات وأجسادهنّ المُخضَعة للمفهوم الذي وضعه العالم للجمال. وعندما أُقابلهم في شارعٍ ما يُذكّرون أنفسهم بتلك الجملة: (لقد دفعنا، عندما كنّا صغاراً، مالاً لإتمام عمليّته بنجاح، وها هو الآن حيٌّ بفضلنا). إذاً لماذا يُشيحون بعيونهم عنّي إن كانوا، فعلاً، قد أدّوا واجباً؟. إنهم لم يقدّموا مالهم واجباً، لقد كانوا صغاراً، هنالك آباء وأمّهات دفعوهم لهذا الذنب: ذنب الخلق، والذي يخرج، هو ذاته، من الفكرة الهشّة للواجب. فلماذا تُقدِمُ على أمرٍ واجب؟ واجب واجب واجب!. إنّهم يريدون دائماً أن يكونوا خالقين دون أن يعترفوا بذلك، فالخلق حرام، الخلق مَفسدة.

عندما كَسَرتُ المرآة في ذلك اليوم، عندما واجهت عينيّ ووجهي المكسور، رأيت دمعة عرقٍ تطفرُ من وجهي خلال الكسر وتنسابُ مخلِّفةً تشويشاً في الصورة الأصليّة؛ وضعتها على شباك الطين القصير، ثم رأيت الكلاب تزحف؛ عشرات الكلاب تنحرفُ داخلةً زقاقاً مواجهاً لحوشنا. خرجت مسرعاً أمسك بنطالي النّاصل إذ لا وقت للتدبيس، ووقفت عند الباب. بدأت ضربات قلبي ترتجف، أنفاسي ككومٍ كبيرٍ من أسماكٍ ألقيت جميعها، دفعةً واحدةً، على اليابسة تصطفق: توقّفوا جميعاً في لحظةٍ واحدةٍ وحدّقوا في عينيّ، وعندما التقت عيوننا المنسيّة رأيتُ جلودهم تتبدّل وسمعت أصواتهم، لا، بل أصوات سلالاتهم منذ بدايات التاريخ؛ أجيالٌ تتحدّث بلغاتٍ مفهومةٍ أنستني كلّ المعاني التي تكتنفُ لغاتنا اللسانيّة، وخفت أن أفقد الكلام إلى الأبد. أدركت رسالة الجّسد. وهِمتُ، من يومها، أبحث عن النّاقصين؛ إنّهم يعيشون حياةً جميلةً، ولكن نسيان العالم ينهمر عليهم لأنهم مثيرون للشفقة في أعينِ الباحثين عن الكمال.

الوثيقة:

هذه الوثيقة مرسلة من هذا المكان، لا نملك فيه أسماء، ولا تتوافر لدينا سوى المعلومات التي تمنحنا الشعور بما نُحسّ به في ما يسمَّى (اللحظة الأخيرة). فرغماً عن غموض الحدود بين بداية الزمان ونهايته، إلا أن الفبركةُ كانت واضحةً في اسم (اللحظة الأخيرة) والتي تشير إلى نهاية ثِقَلِ المؤثّر؛ أي عندما يكون المؤثّر في كامل كثافته بحيث نظنّ أنها نهاية الحياة: إننا نعيش في تلك المنطقة، ولم نَغِب عنها طوال حياتنا معكم، أنتم الباحثون عن الكمال في الأرض، إلا أن الانتقال إلى هنا كان أمراً رهيباً ومؤلماً، فنحن لا نملك المواد المبذولة أمامكم في كلّ يوم، لا نملك تلك المتعة النّادرة بأن نجمّع حركات البشر التي يقومون بها بدافع فكرةٍ وضعها آخرون في ذلك الجحيم المسمّى بداية الزمان؛ من ظنّوا النقصان إساءةً ومُهدّداً بحيث حوّلهم ظنُّهم إلى مُسيئين ومُهدّدين لكل أحياء هذا الكوكب. إنَّ قسوة هذا المكان تتركّز في (توافر المعلومات) بحيث لا وجود لألمٍ يوازي الألم الذي انتابني لحظةَ رأيت ذلك الرجل، والكلاب تسير من حوله؛ لحظةٌ يعثر فيها على شارعٍ سيظلّ خالياً من البشر ليفتح بطنه، كأنها طبقٌ كان مقلوباً، أمام الكلاب التي تتصارع وتتقاتل في الهواء وكلّ منها يحارب لأجل الدخول. الدخول إلى هنا. عندما عدت، مجرجراً بنطالي الذي تكوّم حول ساقَيّ النّحيفتين، كانت المرآة سليمةً، وكان شرخها قد أصبح جزءاً من العالم، بوّابةً خاصّة بي، أدخل من خلالها وأعود.
ــــــــــــــــــــ

اللوحة من أعمال محمد عوض محمد

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

لماذا الحرب؟ - رسالة تسيغموند فرويد إلى آينيشتاين

تَرَانيم مَحموديَّة - شذرات متفرّقة في ذكرى اغتيال الأستاذ

The Beauty of the Silly - نجلاء عثمان التوم

 The Beauty of the Silly  نجلاء عثمان التوم


إلى عثمان حامد سليمان
هل يمكن تشريح الأصالة؟ هل يمكن الكشف عن شعوبها الداخلية دون مجزرة؟ أنا مدفوعة هنا بالحجب الأصيلة التي يغزلها الغناء السوداني حول نفسه فيبدو لنا أحياناً شيئاً محيراً، لامع الحيرة. عندما نتجرد من العصاب الذي نسميه الفهم، وننطلق في رحلة متحللة من كل غاية، ونستمع إلى الأغاني السودانية بأرجلنا ومصاريننا، نشعر أن الطاقة التي تتهدج في الجو هي، ولا شيء خلافها، الهوية. لكن تظل أصالة هذا الغناء شيئاً غامضاً جداً وعصياً على التعيين. ثمة إستراتيجيات، أعتقد، أيّدت هذه الجذوة التحتية. أولاً تحتجب الأصالة، في معظم الأحيان، في تمويهات هزلية تنتجها قوالب شبه ثابتة محكومة بشهوة الرجز، والطلاقة الشعبية، والنبرة العادية في الكلام. فالغناء في الأساس هو مكان التغزل في اليومي والعادي في أقرب نسخه إلى الواقع. وكلما تشبثت الأغنية بسوقيتها المعروقة، كلما تصير إلى درجة من أصالتها الصحيحة. لكن الفن هو دائماً تدخل معقَّد، فلا نجاة من سطوته، لكن التحايل عليه ممكن. فعندما تبدأ أغنية ابتهالية، فيها تسجيل لمغامرة البلاغ العشقي والوصال الكامل، بعبارة “الحج…