التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأغصان: حول إيضاحات الشاعر عاطف خيري لنصوصه القديمة



تنقيب الظلام
الأغصان

(حول إيضاحات الشاعر عاطف خيري لنصوصه القديمة)


مأمون التلب



يقول شاعرنا محمد المهدي المجذوب[1]:
[نعم؛ في جانب مني شيخٌ حاسرُ الرأس من فقراء السودان (...) ولقد تعلَّمت من الشيخ الذي فيَّ أشياءَ كثيرةً، أولاً الخدمة، ولم تكن لي عنده مكانة خاصة تميِّزني عن الآخرين، (...) وكان يأمرني بتجويد الخط، والدراسة لا تنقطع؛ كل لحظةٍ امتحان، (...)، ولكن نفوري السِّري من ابن مالك كان شديداً، وكنت أستثقل الحريري سراً، فإذا وجدتُ فرصةً ـ وما كان أقل الفرص مع المراقبة الشديدة ـ خلوت إلى نفسي ألعب بالطين، وأرتد طفلاً حقيقياً يتحدث ويلعب مع نفسه الصغيرة التي ذابت في نفوس الجماعة الصارمة. وكنت أرى في الطين حصوناً وأناساً يتحركون، وكان يداخلني من هذا فرح لا يوصف. ولا أعلم كيف علم الشيخ بهذا العبث فلم يرضه، قال إنه لَهْوٌ مضيعة للوقت، وانفرد بي شيخ آخر فقرَّعَني على هذا الخروج، وحَدَس أنني سأكون مارقاً وكذا كذا، وحَوْقَلَ واستغفر، فهالَنِي ذلك وأفزعني، وجاء يوم كتبت فيه بيتين من الشعر على جدار، وقرأهما المعلم، ورأيت الانبساط في وجهه ولكنه أنكر المعنى؛ وكان هجاءً في أحد الناس، فذكر المعلم غاضباً أن "الشعر موهبة، والموهبة أمانة وليست أهواءً لا تنفع، والشعر خلاصة الحكمة، وخيرُهُ أشْرَفُه؛ ما كان في الشمائل النبوية، وشرطه السهولة، ونقاء الحروف، وخفته على اللسان والسمع، والصدق الدالّ على الحب، والتغني به مع الجماعة"، فهالني هذا كله وخامرني في تقديس الشعر].
ثم يقول:
[ولكن الشيخ الذي فيَّ ذهب معي إلى المدرسة. (...)، ولم أدرِ أين أضع نفسي من هذا كله، واستمر شيخي الداخليُّ في تعليمه لي. واستمرَّ التلميذ الجديد فيَّ مع المدرسة].

(1)
قبل شهرين، أجريت حواراً مطوّلاً، مسجلاً طوال نهاريّةٍ كاملةٍ في بيتنا مع الشاعر العارف إبراهيم البكري، وتحدّثنا عن كيفَ ينظرُ الناس لتجربة حياة الشاعر الوجوديّة بالـ"تجزيئات" الآديولوجيّة والسياسيّة، ومدى خطل هذه الرؤية؛ إذ مرّ إبراهيم بتجربة تقترب (وتختلف بكلّ تأكيد) بالذي يمرّ بها نصّ الشاعر عاطف خيري (سيناريو البحث عن الشعر)، وهي تجربة يختلط فيها الحابل بالنابل فعليّاً.
مكان الشاعر الطبيعي في السودان غالباً ما يكون بين أهل اليسار السياسي؛ كان ذلك في التسعينيات وما قَبلها، وربما مع بدايات الألفية لا زال بعض الأثر باقياً. إذ هم الجمهور، والتواقين – عادةً – للفن والحياة. وقد تبنّى الكثيرُ من الشعراء والفنانين شعارات سياسيّة في تاريخنا، وانتمى عدد كبير منهم، تنظيمياً، للحزب الشيوعي السوداني كأكبر حاضن. إنّه مناخ التمرّد والحريّة والحياة بكل تفاصيلها، ما يجذب المبدع والفنان. وذلك، بدوره، ما يجذب الناس [الأحياء]. على العموم، ما سيأتي أدناه لا علاقة مباشرة بينه وبين أية منظومة حزبيّة، وإنما أتى ذلك ضمن حوارنا وإفادة البكري.
عندما تقرَّرَ للشاعر إبراهيم البكري خوض تجربةٍ حياتيّةٍ صوفيّة، دينية، وعميقة جدّاً، لم يرفض. فالشاعر، كما يقول محمد المهدي المجذوب، هو الذي لا يرفض شيئاً [لا يستطيع شاعر، في تقديري، أن يرفض شيئاً؛ فالشاعر جهاز يجمع ويرتِّب بلاوعي، ويختزن كل شيء من مشاهداته لحركة الناس والأعمال الفنية غير الشعر، وقد تَعْلُقُ بنفسه الأشياء العادية، ثم تتحرك هذه الموهبة؛ أو هذا العقل الخفي، إلى تشكيل شيء نستطيع تأمله وقد نتذكر فيه شيئاً يعود بطريقة غريبة. وأحسب أن الذين طلبوا الكيمياء كانوا شعراء ضلوا الطريق. أما الذي يرفض بوعي كامل فهذا نَظْمٌ لا يعرف علاقة الكلمات، قصائدهُ كالقمصان البلدية، فقماشه وخيوطه من اللغةِ الموفورة، ولا يجدُ فِكاكاً من حركةِ يديه، هذا لم يخلعُ أستاراً ليستقبل الريح والمطر والصواعق والسكوت والفرح. إن الذي يرفض لا يعرف الموت والميلاد. أغلب الذين يرفضون هم من أهل النصوص والحفظ والخوف أيضاً؛ فهم لا يستطيعون مفارقة ما ألِفُوا. ومن حسن حظي أنني لا أحفظ، ولذلك فأنا حرّ؛ أي أنني لا أتقيَّد، ولا أعرف بالضبط من أين جائتني القدرةُ على التفلُّت من الكُتُب، أم هو ضعف الذاكرة، إنني أقرأ الكتب فعلاً قراءةً خاصَّة، مؤثِّرة، ثمَّ أنساها من غير أن أتعمَّد هذا النسيان، أم مَردُّ هذا إني أنتقل من حالةٍ إلى حالة؛ فالكتب والمَشاهد معابر][2].
لبّى إبراهيم نداءَه الداخلي ورؤاه في العالم. لم يعبّر عنه بنصٍّ تفسيري كنص عاطف (ينشر في الأسفل)، وإنما كان تعبيره شعراً متوجّداً، حدَّ الألم والفرح، بالرسول محمد صلى الله عليه وسلّم، فكانت مدائحه فريدةً فرادة روحه. انقطع عن الوسط الثقافي لأكثر من 13 عاماً. ما الذي حدث في البداية؟ حسن، التعابير المقبلة هي تعابيري أنا: لقد أرسلَ له "المركز الثقافي المستنير" رسلاً لـ(يعودَ إلى صوابه)! هكذا!. بل هنالك من يسمّونَ ذلك (ارتداداً صريحاً) وربما، في أحيانٍ أخرى، (توبة)! مُلحقة بضحكة تهكّم ساخرة، أو أنّة حزن على ما ضاع من (كنز)!.
فعل (التوبة) هنا لا علاقة له بالمعنى الديني العميق للكلمة، وإنما هو معنى سياسي، يأتي ذلك كلّه من الاستهداف الذي تعرَّضَ له الدين الإسلامي من قبل جماعة الإخوان المسلمين، أو كما يسميهم الأستاذ محمود محمد طه: جماعة الهوس الديني.
(2)
دائماً ما كنتُ أرى هذه الهوّة العميقة بين ما تفهمه "النُخب السياسية" "والصفوة السياسيّة الإسفيريّة" عن حياة الشعوب التي يعيشون بينها وحقائق هذه الحيوات الفرديّة الكثيفة؛ إنهم ينظرون للناس كجماعات لا زالوا، وهو نهجٌ مفهوم لأن ذلك من "طبيعة" العمل السياسي وخلافاته، وقد يكون هذا النهج مقبولاً إن كنّا نعيش في القرن العشرين، ولكنه اليوم لم يعد كذلك. عودة إلى الهوّة أعلاه، فهي تتبدّى لي عندما أرى من يشتم هذه الشعوب ويحتقرها من مركز استنارته وثقافته الرفيعة، واختلافه عن (عامّة الناس)، هنالك من يراها ـ الشعوب ـ غير نافعةٍ على الإطلاق، أو من يحدد لها ما هو الظلم وما هو العدل، الخير والشر، بل هنالك من يعتقد أنها "علمانيّة" بطبيعتها و"ديموقراطيّة" و"اشتراكيَّة" و"إسلاميَّة"..إلخ؛ جميع هذه الكلمات التي لم يعد لها معنى في عالم الحرب التي ستُبيد كلّ شيء! لحظة تاريخيّة هي التي أخرج فيها عاطف خطابه لقرائه و"أصدقاء نصوصه" التي صادقتهم هي بدورها في دروبٍ مجهولةٍ تماماً بالنسبة للشاعر، والذي ليس أمامه سوى حياته ونصِّه وكونه.
(3)
قام الشاعر السوداني الكبير، عاطف خيري، حبيبنا وأخانا الكبير، بتعديلات في نصوصه، وهذا كل ما حدث. هو أمرٌ يحدث مع كلّ شاعر؛ حدثت لمحمود درويش، في رأيي، تجربة مشابهة ومعروفة لدى الجميع، ولكنه لم يعد قادراً على تعديل نصوصه فهي – كما نصوص عاطف – أصبحت ملكاً للقراء؛ ملكاً تامَّاً لن ينازعهم عليه أحد، فتمنى درويش (والمنى سراب كما أمنيات عاطف) أن تُحرق جميع أعماله الأولى، والتي تعلَّقت بها الشعوب القارئة بالعربيّة كافَّةً؛ بل صنعت آديولوجيا كاملة شكَّلت حيوات أجيالٍ كثيرة.
من الواضح أن محمود لامسَ العالم الآخر ملامسةً أشدّ حياةً، فالتحولات التي حدثت في شعره كانت انقلاباً حقيقيّاً؛ فمنذ (سرير الغريبة) لم يعد محمود درويش هو الذي يعرفه الجميع، وذلك لم يسحب من حوله القراء بل صدمهم وحرَّكهم وضمّاهم إليه أكثر.
ولندخل إلى مربط الفرس. أوّل ما قرأت لعاطف خيري كان كتاب (الظنون). كنت عابراً بالمحطة الوسطى عندما لفتتني بين الكتب لوحة عزيزنا التشكيلي حسّان علي أحمد على غلاف الكتاب؛ جذبني ذلك العالم الغامض المجهول، وعندما قرأت اسم عاطف خيري شعرتُ به مألوفاً وعزيزاً منذ اللحظة الأولى؛ كان ذلك في العام 2000 أو بعدها بقليل، كنت في السنة الجامعية الأولى. بعدها سمعت بـ(سيناريو اليابسة)، ووجدته، وقرأته وسمعته من حولي وفي أركان النقاش والمنتديات الأدبية والصحف، وكلّ ذلك من أناسٍ آخرين فقد كان عاطف خيري، وقتها، قد انتقل إلى أستراليا – الخطوة التي عبَّر عن سخطه تجاهها في كثيرٍ من المناسبات – لكن رغم الجاذبيّة الجماعيّة التي لا تقاوم لسيناريو اليابسة، إلا أنه ظلّ – بالنسبة لي – بعيداً كلّ البعد عن تأثير (الظنون) على ذاتي وحياتي وتجربتي. لذلك ربما لم أشعر بـ(فداحة) العملية الجراحيّة التي أجراها عاطف، في الحقيقة لم أقرأها أصلاً وليست بي رغبة، وطالما لم تكن بي رغبة للعودة إلى سيناريو اليابسة بقدر ما بي شغفٌ دائمٌ للعودة إلى الظنون، ثمّ شراء وإعادة شراء كتاب (تشجيع القرويات) – هذا الذي ظَلَمه الناشر الظالم بغلافٍ تافه –.
(4)
في ندواته الشعريّة الأخيرة، نلاحظ أن خيري يبدأ القراءة من الخلف؛ من كتاب تشجيع القرويات، ثم يمرّ بالظنون، ويختم بسيناريو اليابسة؛ حيث يهدر التصفيق وتطفر السعادة على وجوه الناقمين على النظام الحاكم والأخوان المسلمين. إننا لا نستطيع أن نفصل تجربة عاطف خيري الشعرية من التاريخ السياسي نهاية الثمانينات وخلال التسعينات وما بعدها، ولكن أن يكون ذلك التاريخ حاضراً ونحن نقرأ نصوصاً شعريَّةً آتيةً من [المجهول الذي فينا: هيسّه] بحضور هذا التاريخ ومحاكماته الزمانية والمكانية؛ لهو ظلمٌ كبير على هذه التجربة العميقة والتي يسعى الشاعر إلى "تنقيتها" من هدير "الجماعة" أو، بتعبيره، الغابة المأهولة. يقول: [ذلك عزم قديم: طموحه الذهاب بسيناريو اليابسة ليأكل ناره بعيداً عن الغابة المأهولة، ولن يبتعد قيد أنملة، ذلك قدره، لكنه يظل يقدح في جدوى الشعر، شعره، يدنو من المقدسات أكثر مما يجب، فإن رأيتني أفعل فلا تتبع من أنفق ما يربو على الأربعين سنة سالكا البعيد والمقفر إلى البديهة].
ثمَّ نأتي لخطابه "الإسلامي" الصريح، وتأكيده المستمر عليه، وختامه الرائع به. إن عاطف ينظر إلى المستقبل، ويعرف أن أجيال المستقبل لن تكون لها الحساسيّة المفرطة من استخدام الخطاب الإسلامي، وأن هذا الخطاب سيُزعِجُ من يبحث في الشعر عن أيّ شيءٍ آخرٍ سوى الشعر. ستتخذ أجيال المستقبل من مدونة عاطف مرجعاً وحيداً، وستموت أجيال الماضي مع نصوصها المقدسة، وعدواتها السافرة لكلّ ما يُصنّفونه (مقدساً) (غيبيّاً) ..إلخ إلخ. إنهم لا يدركون أن الغيبي هو علم المستقبل، وأن علومهم التي يتفشخرون بها على القلب والخيال والعاطفة لراكعةٌ لا محالة أمام كشوفات (الغيب)!. والشعر علم غيب، ما فعله عاطف أنه جرّده من ما رآه بهرجاً وخروجاً عن الشعر. لقد تنازل عاطف – لصالح نقاء نصوصه ولصالح الشعر - عن جمهوره، بل أوغل في طَردِهم بتأكيده على ما يُزعج أسماعهم.
إن المقص الذي استخدمه عاطف خيري في تشذيب الأغصان كان مقصّاً شعريّاً خالصاً لوجه الشعر، يُستخدم بمهارة تجاربه الروحيّة الغريقة، وبإيمانه بأصواتها التي لا تصمت أبداً أبداً.
(5)
وآيديولوجيا موت المؤلف
يتحدث البعض عن ما سُمِّي في الماضي بـ(موت المؤلّف)، وهو مصطلحٌ أكل عليه الدهر وشرب، ولم يعد مُخيفاً ومرعباً كما كان في الماضي سلاحاً فتّاكاً. جاء العالم الذي يحيى فيه المؤلف (الذي مات جسديّاً، والأحياء منهم)؛ إنه عصر إنبعاث الأفراد والقدرة على التعبير عن ذواتهم وفرادة تجاربهم دون خوفٍ وبحريَّةٍ كاملة. مؤلفو الماضي كانوا ينتحرون ببساطة، إنهم يدركون انعدام حيلتهم، وغالباً ما يموتون ميتةً تافهة، ليصعد على أكتافهم قادة الأمم إلى جحيمها. اليوم يستطيع عاطف أن يُثبّت أمانته في الفضاء، دون الحاجة إلى ناشر أو وسيط، ويتركها هكذا لمصيرها المجهول، المؤكد أن لديها مصير مختلف، وأرى أنها ستنقل نصوص عاطف من (الغابة المأهولة) إلى الكون الفسيح.
لقد فهم عاطف أن قسوته على الأغصان ستبتر أجزاءً عزيزةً من آخرين، ستجرحهم بالأحرى، ولكنه، وهو الرؤوف الرحيم، لم يتجاهل الأمر واختبأ من حقيقةِ تجربته، كذلك لم يُرِد أن يخبّئ الجسد الحقيقي لنصوصه، بل هو يرجو – وكله حسن ظن – من أصدقاء نصوصه أن – بعد مداواة الجراح بجَرْحِ أخرى على [شخص] الشاعر، ومحاكمته كخائن لن تُجدي خيانَته شيئاً فالنصوص موجودة – يرجوهم أن لا يستخفوا استخفافاً كبيراً بما حَمَله نصّه تفسيري من محبّة وإخلاص تام في التعرّي تماماً، بل أنه ناولكم السياط!
طرح الروائي عزّت الماهري أسئلة عديدة، ولكن ما لفت انتباهي هو تأويل عزت وهو لا يرى في علاقة عاطف خيري بما وصفه بـ(المقدّس) سباباً ومُبَرِّراً لهذه التعديلات على النصوص! المشكلة أن القراء يتعاملون مع الشعر كـ"نصوص"، بل كافّة الفنون العظيمة، ولا يرون سرمديّتها أبداً، وانفلاتها الملحّ من قبضةِ الزمان والمكان، وكذلك روح الشاعر. المشكلة الثانية هي "المقدّس" الذي عَرَّفه عزت – مباشرةً – بالتفسير الظاهر لما أصرَّ عاطف أن يؤكده بالصيغة الإسلاميّة للرسالة، والتي تُفتَتَح بالبسلمة وتختتم بالاستغفار. هنا تكمن كلمة (الردَّة) أيضاً. هذا العنف تجاه (الدين) من قبل من يمثّلون كلمة "أحرار السودان" مُبرّر تماماً، إذ مع الدين دائماً يبرز الإخوان المسلمون؛ تبرز الحروب الأزليّة، ومآسي البلاد، وتمزّقها لدولٍ موغلةٍ في الحرب كذلك!. تطفر الجثث ويغرق الشاعر في كلّ هذا الركام الهائل.
أقول، إن العالم، بكل ما فيه، والكون من حولي، وكلّ شيءٍ أراه مقدّس. يقول والت ويتمان في قصيدته (معجزات):
[لِمَ هذه الضجة عن معجزة؟
أمّا أنا فلا أعرفُ سوى المعجزات؛
سواء أكنتُ ماشياً في شوارع مانهاتن،
أو مُصَعِّداً بَصري عبرَ سقوف المنازل، صوبَ السماء،
أو متسكّعاً، حافياً على الشاطئ عند حافّة الماء،
أو مستظلاً تحت شجرةِ الغابات،
أو متحدّثاً في النهار مع مَن أحب،
أو مضجعاً في الليل مع من أحب،
أو جالساً على مائدة الطعام مع الآخرين،
أو ناظراً إلى الغرباء، قبالتي، وهم يركبونَ العَرَبة،
أو مراقباً نحل العسل دواراً حول القفير في ضحىً صيفي،
أو السائمة التي تَرعى
أو الطيور،
أو غرابة الحشرات في الهواء،
أو روعة الغروب،
أو النجوم وهي تُشعُّ هادئةً متألّقةً،
أو الانحناءة المرهفة لهلال الربيع،
هذه، مع سواها،
الواحد، والكل، أراها معجزات،
أرى كل ساعةٍ من النور والظلمة، مُعجزةً
كل بوصةٍ مربّعةٍ من الفضاء، معجزةً
وكل ياردة مربَّعة من سطح الأرض، مليئةً بالمعجزات
أرى البحر معجزةً مُستمرَّة:
الأسماك ـ الصخور ـ حركة الأمواج،
والسفن ذات الرجال!.
تُرى، كم من المعجزات هناك؟].
(6)
يبقى أن أقول أنني، كذلك، مررت بالعديد من التجارب الروحيّة المتعاقبة، بل هي لم تتوقّف قط، وعندما نقول (روحيّة) فإن اللغة تعجز عن إيجاد صيغةٍ مغايرة، ومن الممكن أن تُسمّى (غيبيّة). لا مكان للحديث عنها لا اليوم ولا في القريب، ولكن يبقى أن هذه التجارب مكّنتني من تفهّم من مرَّ ويمرّ به الروائي محسن خالد من تجارب ماديّة ومحسوسة تماماً، ويعصمني من محاكمة أي شخصٍ في تجربته، بل أستطيع أن أرى بوضوح ما يكمن من جمرٍ في نصّ عاطف خيري. بعد مروري بهذه التجارب عدت إلى نصوصي القديمة وحذفت الكثير منها؛ حذفت الكثير من السطور والأبيات، وكان ذلك مُشبعاً بالنسبة لي، ومرضياً لمحاولاتي الفاشلة لبلوغِ شيءٍ من الاكتمال الشعري.
(7)
فلا تخنقوا (المقدّس)، لا تحددوه، فهو سبب كافٍ لفعل أيّ شيءٍ في الحياة، دعكم من (شوية تعديلات في نصوص شاعر). عيشوا معها ما عشتم، تلك نصوصكم، والشاعر يُدرك استحالة اقتلاعها من أيديكم المتشبّثة بالذكريات والناس والأصدقاء والأحباء والحبيبات، بالتعب والنضال ومقاومة الظلم والوقوف في وجهه، بجذوة أشعار حبيبنا عاطف خيري.
-----------
خاتمة ورسالة
أقول، ختاماً هذه الرسالة التأويليّة إلى عاطف، تجده بخير:
[يُدركُ عاطف خيري، من خلال نصّه، الشسوع الذي وَجَد عليه العالم، ومدى ارتباط تاريخه ترابطاً لم يحدث في تاريخ الأرض من قبل، وذلك في إشارته اللطيفة في (أيامنا هذه) وهو يتحدث عن كتابه (سيناريو اليابسة): [عشرون عاماً منذ الكتاب الأول: سار بين الناس وأبلى في صداقتهم، ومن باب تجويد الصحبة القول بأنني ما عدتُ أطرب لرؤية مراكب (سيناريو اليابسة) ترفع الكلفة بينها وبين سفينة سيدنا نوح عليه السلام، وأرى في تلك الحيلة شعراً قليلاً، ولعل ما ظللنا نبحر به لم يكن سوى مراكب الخوف، ذلك رمزها، ولها أن تتوهم - بعيداً عن تلك المباشرة - شبهاً بينها وبين السفينة الأم. وأرى النأي عن ما تفعله أيامُـنا هذه بالدين ورموزه المقدسة بلاغة العارفين].
أدركُ الغَور الذي وَصَل إليه هذا الإنسان العجيب. عندما قلتُ أن هذا أجمل ما رأيت من محاورة بين شاعر وأعماله وقرائه، فذلك لأنني رأيت الشاعر يَحكي لنا ذُلَّه الشخصي بكل تجرّد وبلا مخاوف؛ مخاوف يدرك عاطف أنّه قد بنى ـ من خلال النصوص المحذوفة ربما ـ مخالبها وربَّى جماهيرها، وعرف أنه ببتره لهذه المخالب الشعريّة الحادّة (بالتوازي مع حدّة تجربة بلاد كالسودان، منفصلٌ – في عصر سيناريو اليابسة - عن بقيّة العالم، والكون)، فإنما يتسبب بسقوطها الرأسي – المخالب - على روحه هو بالذات، يعرف أكثر من ذلك بكثير؛ يعرف الحزن الذي سيصيب (الجميع) عَقب البَتر!. كافَّة حُرَّاسه وحرّاس نصوصه، الذين بَنَت فيه أشعاره أكواناً وحياةً كاملة. بالنسبة للكثيرين فكتب عاطف، فعلياً، مقدّسة، وسيناريو اليابسة هو الأشدّ قداسةً من بين الكل، وقد أدخل خالقه يده في (الحرام).
إنهم لا ينظرون إلى تجربة الشاعر كتجربة فرديّة، دَعكَ من أن يكون هذا الشاعر – بتسفيرات (الجميع) - جماهيريَّاً تماماً، (مُلتزم)!، مع "إسقاط النظام الحاكم"، مناضلاً؛ هذه الأثواب كثيفة جداً، كثيفةٌ حدَّ البلاهة! إذ هي حَجَبت (كما رأينا وقرأنا) جوهر الشاعر الفرد، الحقيقي والمعذَّب. إنَّ كلّ لحظةٍ تمرُّ على شاعرٍ، من طينة عاطف، هي أكوانٌ كاملة، تأمّل مُرهق، وبصيرةٌ بلا حدود؛ ومن يمرّ بتجربةٍ وجوديّة وحياتيَّةٍ كهذه لا أظنّ بأنه سيُفهَم، ولن تُغفرَ له خطيئة أن ينظرَ داخل روحه السريّة هذه، لوحده، يوميَّاً، ليتلقَّى [رسائل النجوم].
إنه، ببتر الأغصان العالقة بكتبه، وبقوةِ نصّه التفسيري هذا، قد خَلَق الكون الذي أراد، ويرى فيه اكتمال تجربته الوجوديّة كشاعر، في البداية والنهاية. وإنني أرى لهيبها يزيد اشتعالاً وإنارةً، ولكنه سيزداد صعوبةً على من يرجو رحمة (الأغصان).
ــــــــــــ
هوامش:
[1]، [2]: من مختارات محمد المهدي المجذوب (من يلحمُ أبعادي) من إعداد الشاعر محمد الصادق الحاج، لصالح ملف (تخوم) الثقافي بصحيفة الأحداث. يُنشر الملف كاملاً بالمدونة طينيا. 
ــــــــــــ
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على رسول الله الأمين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم

سيناريو البحث عن الشِّعر
عاطف خيري


صدر كتيب سيناريو اليابسة في العام 1995، والظنون في 1998، وتشجيع القرويات في 2006م. ثم مخطوطات غير مطبوعة اشتملت على: مسرحية السيد في المنفى 1994، الملاماتي 2008- 14، إضافة إلى أعمال أخرى شعرية ومسرحية وغنائية قديمة، حوارات، وتراجم، ومقالات قليلة متفرقة
أنشأت هذه المدونة في يناير 2015، وهي نسخة إلكترونية لأعمال الشعر قديمها وجديدها، مزيدة ومنقحة، اعتمدتها مرجعاً وحيداً لكافة أعمالي.
........
شهدتْ بعض النصوص تعديلات استبعدت فيها الحوارات المباشرة، وإن جاءت بدافع المحبة، مع رموز وشخوص مقدسة لهم عندي وعند الناس من المنازل ما لا تصفه كلمات، وتعديلات أخرى جاءت تمنح الضوء والهواء إلى نصوص قديمة مهملة. لا تطرح هذه السطور ما تم تنقيحه من نصوص بديلا وحيدا لما تم انجازه من أشعار قديمة، لكنها تظل إشارة أمينة، إن كان في الشعر أمانة، لاقتسام ما ظننته النفق والفضاء معاً.
........
عشرون عاماً منذ الكتاب الأول: سار بين الناس وأبلى في صداقتهم، ومن باب تجويد الصحبة القول بأنني ما عدتُ أطرب لرؤية مراكب سيناريو اليابسة ترفع الكلفة بينها وبين سفينة سيدنا نوح عليه السلام، وأرى في تلك الحيلة شعرا قليلا، ولعل ما ظللنا نبحر به لم يكن سوى مراكب الخوف، ذلك رمزها، ولها أن تتوهم، بعيدا عن تلك المباشرة، شبهاً بينها وبين السفينة الأم. وأرى النأي عن ما تفعله أيامُـنا هذه بالدين ورموزه المقدسة بلاغة العارفين.
 ........

 ما الفنون؟ لعبٌ صارم يتجاذب في أثنائه اللاعبون بصيرة مرحة. اللاعب المبصر يفعل الأفاعيل ولا يسرف في اللهو بما اعتقد. يا طالما شكوت إلى هذا المقام جهلي وفقري.

 محصولي قليل، تعهدته الأوهام غرساً وسقيا، وما جئت بجديد سوى زيارات متكررة لنصوص قديمة بهدف المراجعة والتنقيح، وهذا من عزيز أوهامي حول مسألة التجويد.

 ولعلها جاهلية واعدة في سيناريو اليابسة كما في الظنون، وما زالا، بعد التنقيح والعناية بالأغصان الزائدة، يرويان طرفا من تلك القيلولة والله المستعان. أعلم عن كرم الشعر أنه يجود بالمهالك، وأعجب لمن يرجو منه خيرا، وأعجب لمن يبالي، عند الطمأنينة، بالتخلي عنه، وأرثى لحالي.
 ........
 لماذا بذلتُ الحذر أثناء استدعاء ما هو مقدس ؟ راقني هذا التقشف، بعد كدح فاتن، جاهلا وغاضبا وباحثا عن ذات: حذفت الذي حذفت غير مشفق على مقصد أو قصيدة.
 ذلك عزم قديم: طموحه الذهاب بسيناريو اليابسة ليأكل ناره بعيدا عن الغابة المأهولة، ولن يبتعد قيد أنملة، ذلك قدره، لكنه يظل يقدح في جدوى الشعر، شعره، يدنو من المقدسات أكثر مما يجب، فإن رأيتني أفعل فلا تتبع من أنفق ما يربو على الأربعين سنة سالكا البعيد والمقفر إلى البديهة.
  ولا يزال ظني حسنا بالقراء: بأصدقاء وصديقات هذه النصوص حين رجوعهم إليها واقتباسهم منها والتزامهم تعديلاتها الأخيرة الواردة هنا وإهمال ما عداها، وإن انفضوا عنها شكرت صنيعهم.

 ........

وبعد

جمرة الشعر ما تزال تتوهج بين سطور هذه الكتابات المنقحة أم خمد لهيبها ؟ يكفي أنها الآن أقرب إلى القلب والقلم، ولا أزال أمحو وأكتب، ولا أبرح فئة الراغبين في عفو الله ومغفرته.


وهل من مناجاة سوى استغفر الله؟

وهل من مقالة أجمل من الحمد لله؟

تعليقات

  1. محمد أحمد علي11 يونيو، 2016 1:49 م

    شكراً يامامون على هذا كله،لأستاذنا الحبيب عاطف خيري مطلق الحرية في الكتابة التي هي أعمق من مجرد تهويمات، مواقف، انفعالات، وكل مايخص زمن الكتابة الشعر يهبط كيفما اتفق ونحن نهيء له مهبطه ،انا لست منحازا لتشذيب الكتابة الابداعية بالمعنى الميكانيكي...لكنني قلق على الوجدان(خاصتي) الذي أسسه الشاعر الأشعر عاطف خيري..وهذا من محبة عميقة. ..عموماً عاطف وشعره في دمنا أينما وكيفما ونحوما كان.

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تَرَانيم مَحموديَّة - شذرات متفرّقة في ذكرى اغتيال الأستاذ

The Beauty of the Silly - نجلاء عثمان التوم

 The Beauty of the Silly  نجلاء عثمان التوم


إلى عثمان حامد سليمان
هل يمكن تشريح الأصالة؟ هل يمكن الكشف عن شعوبها الداخلية دون مجزرة؟ أنا مدفوعة هنا بالحجب الأصيلة التي يغزلها الغناء السوداني حول نفسه فيبدو لنا أحياناً شيئاً محيراً، لامع الحيرة. عندما نتجرد من العصاب الذي نسميه الفهم، وننطلق في رحلة متحللة من كل غاية، ونستمع إلى الأغاني السودانية بأرجلنا ومصاريننا، نشعر أن الطاقة التي تتهدج في الجو هي، ولا شيء خلافها، الهوية. لكن تظل أصالة هذا الغناء شيئاً غامضاً جداً وعصياً على التعيين. ثمة إستراتيجيات، أعتقد، أيّدت هذه الجذوة التحتية. أولاً تحتجب الأصالة، في معظم الأحيان، في تمويهات هزلية تنتجها قوالب شبه ثابتة محكومة بشهوة الرجز، والطلاقة الشعبية، والنبرة العادية في الكلام. فالغناء في الأساس هو مكان التغزل في اليومي والعادي في أقرب نسخه إلى الواقع. وكلما تشبثت الأغنية بسوقيتها المعروقة، كلما تصير إلى درجة من أصالتها الصحيحة. لكن الفن هو دائماً تدخل معقَّد، فلا نجاة من سطوته، لكن التحايل عليه ممكن. فعندما تبدأ أغنية ابتهالية، فيها تسجيل لمغامرة البلاغ العشقي والوصال الكامل، بعبارة “الحج…

الجرح في القلب على مسؤولية صاحبه - فيصل محمد صالح

الجرح داخل القلب على مسئوليةِ صاحبه! بقلم الأستاذ فيصل محمد صالح
الراحل: معتصم جلابي
مقدمة طينيَّة: لم أستمتع بكتابةٍ سرديِّةٍ وشعريّةٍ في الآونة الأخيرة كما تفجَّرتُ دموعاً ومحبّةً وتذكّراً وأنا أطالع ما كتبه حبيبنا فيصل محمد صالح في حقِّ صديقه الراحل الأديب معتصم جلابي. وقد قال فيصل في نهاية الكتابة: [وبعد، إذا سبقت لك معرفة معتصم جلابي، فما أن يُذكر اسمه أمامك، حتى تضئ ابتسامة عريضة كل قسمات وجهك، دون أن تستطيع مقاومة إغرائها! لكن سرعان ما تفجعك، في اللحظة التالية، خاطرة رحيله، فتنحدر منك دمعة صغيرة تزاحم تلك الابتسامة، تحاول طردها لتحل محلها، ولكن .. هيهات!]، وقد كان، رغم أنني عرفتُ معتصم جلابي طفلاً، في الرياض بالسعوديّة، كصديقٍ مقرّب ومحبب لأمي رشيدة وأب الفاتح؛ إلا أن الذي يعرفه يُدرك، وغالباً سوف يدرك القارئ لهذا النص؛ أنه لا يكترث بالأعمار، فكان تعامله معي نديّاً وحقيقيّاً وجادّاً إلى أبعد حد، وقد كان المفضل بالنسبة لي من بين أصدقاء أسرتنا الصغيرة. وقد أصرَّ فيصل في النص أنه هجر الشعر والأدب لأنه يفتقد إلى الموهبة، وهذا لعمري إدعاءٌ مردود بذريعة هذا النص ذاته، فهو قصيدة، وهو قصة، …