التخطي إلى المحتوى الرئيسي

خالد حسن عثمان ـ قصائد من كتاب: غَرقى في المياه الجميلة


 قصائد
خالد حسن عثمان
(من كتاب: غَرقى في المياه الجميلة)



(1) الجَّنَاح البَاقِي


كَوَتْهُم الحياةُ
بلفظِ جمرةِ الحياةِ الفاتنةْ.
عذّبَتْهُم
ملابسُ نومِها الخفيفةْ.
لوَّعَتْهُم
التي اْبْتسمَتْ فَغَوَتْ
وبَكَتْ
فَضَاعُوا.

هكذا تعرفهم:
كلامُهم حلوى
 يُريدُها الصَّمتُ لأطفَالهِ.
كلُّ مَنْ لم ترهُ أبداًً مِنْهُم.
مَن تذكُرهُ عبثاً
منهم.
مَن لَمْ يجرحْ قلبَك
لَم يَعِدْكَ بشيءْ
منهم.
من لو صادفوا إخوتهم في المصيبة
لا يقولون
لا يُهْرِقُون لُعابَ الفضول إلى أحدٍ
ولا ترمش العيونْ.
من يَلْزَمُهُم
للحُبِّ جَهلٌ وغَطْرسةٌ
وللمَحَبةِ مَعْرِفةٌ وإملاقٌ
وللضغينةِ صبرٌ
وكِتْمانٌ
وصَعلكةٌ
ونسيانْ.
    
مَنْ يُغمِضُونَ العيون
كأنَّهُم يَعزِفُون الكَمَان
يَفتَحون العيون
كأنَّهُم الكَمَان
مِنْهُم.
       
الوحشيُّون
إلى حدِّ ينصبون أمام الزهرة العمياء مرآةً
فترَى
زهرةً عمياء
مِنْهُم.

النقَّـادُ القَرَوِيُّون
للنَّبَاتِ الْمُعاصرْ.
يقتلون ما لا يقولونه.
يبنون المعابد
لا يدخلونها أبداً.

..مِنْهُم.







(2) قُيُوْد

ذَهَبَ الحَائِطُ الأول
في الحَائِطِ الْمُطلَقْ
واسْتَغْرَقْ.
          قَالَ:
قُيُودُ العِظَامِ في اللَّحْمِ والدَّمِ
والعَظمِ والدَّمعِ والعَرَقْ.
قيودُ الحقيقةِ بينَ الوَرَقْ.
قُيُودُ البِحَارِ طَافيةٌ
كالمياهِ فَوْقَ الغَرَقْ.
قيودُ الدُّيوكِ صَمتٌ
وبَيضَةُ الفَجْرِ تَنْضَجُ
                   تَحت دجاجِ الأَرَقْ.
قُيودُ الجَّبَانِ
يا عَيْنَ شَمْسِ القِيَامَةِ
هَاتِ الهُدُوءَ وهَاكِ القَلَقْ.
قيودُ البصيرةِ
خِفَّةُ ماءٍ نَبيلٍ إلى جَمْرةٍ تستغيثُ بهِ
من جمالٍ عليها اْحترقْ.
قيودُ الوُصُولِ
غِوَايةُ شَكلِ الشُّموعِ
تَبَرُّجُها على شمعدانةِ المفترَقْ.
قُيُودُ القَصَائدِ خَالِقُهَا
إشْتَهَى   فانْتَهَى
وسَهَا    فَوَهَى
ولها
فَخَلَقْ.
قُيُودُ الطَّلاسمِ
قَارِعَةٌ هَرَبَتْ من قُصُورِ أبيْهَا
إلى كَائنٍ غَامِضٍ شَاقَهَا اْستدْرجَها للمَضَارِبِ
أوْحَشَهَا.
وقيودُ الجواري سَنْدِرِيْللا مُعَاصِرَةٌ
في فِرَاشِ الخليفة تَنْسى قصيدةً
لأبِي نُوَاس؛ خُصْلةً، شَرَفاً
وحَلَقْ.
قُيودُ الجَّنينِ
                    صَفَاءٌ يُعَكِّر طِيْنَ العَلَقْ.
قُيودُ الجُّذورِ،
في ظلامِ صالةِ الأرضِ،
                                 شَكُّها في وُجودِ الصَّفَقْ.
قيودُ الجنازةِ،
والقبرُ نَردٌ تَحت كَفٍّ بَدِيْنةْ،
أن تَسِيْرَ كَهَوْدَجِ عَيْبٍ
يَدُسُّونَهُ بالعَبَقْ.
واْنقلابِ الطَّبَقْ.
قيودُ الأيادي مطهَّمةٌ بالأيادي.
قُيودُ القُيودِ مُبْهَمَةٌٌ
كَخُيولٍ جَفَـتْهَا السُّروجُ
قُيودُ العيونِ اتِّساعُ القيودِ
تَعَثُّـرُها في الرحابةِ
        لونُ خيولِ العناصرِ تَسْبحُ
فَوْقَ مَكَانٍ.... سَبَقْ.





(3) مُرَافَعَةُ البَهْلَوَان


مَا تَرَاهُ أنتَ مُلْـكاً
أنا عَرشاً مُزيَّفاً.
ألاّ تَعرِفَ وصْفاً لِمثلي
ذلك شأنُكَ أنتَ
.. ومُلكٌ آخرْ.

**



القَاربُ الصبيُّ
يَمْشي على النَّهر بعُكَّازين
القاربُ المتصوف يمشي على الماء..!
والعُمقُ أن تغرقْ
سَطحيَّتي أن أُمَكِّن الزورقَ من سيرهِ
والغريقَ يَنجُو
وهكذا...











 

نَارِي؟!
أعِرتُها للنِّيوْن والكِريستَالْ
صِرتُ مَجْمرةً فَارغةْ
صِرتُ على حالِ الرَّمزِ
أو على سبيل الخيالْ
صرت تحت رحمة اللهِ
والبهجةِ.. والأطفالْ.
صرت في عداد الجمالْ.

قُلْ لي بربِّكَ أيُّها الفيلسوف،
أنا على حدِّ شَوقٍ ولهفةٍ،
كيف يمكنني أن أقول كلمةً واضحةْ
في الليلة التي لا تشبه البارحةْ
في اْحتيالِ التماثيلِ بالصمتِ والإمتثالْ






 أنتَ تَعرِف العُريَ تحت ذلك الإحتشامْ
تَعرفُ أن الوراءَ ليس إلى الخلفِ
 بَلْ مَا وراءَ الأمامْ 

تَعرفُ السَّريرَ الذي تَهزُّهُ الرِّيحُ للغصنِ
حتى يَنامْ؟!

الثَّمرَ الذي يَقفزُ من طابقِ الأخضر
عندما يُشعِلُ النُّضجُ نَارَهُ؟
إنني ما تُسمِّيهِ أنتَ قفزةً فجاةً
في الظلام ْ 




ربَّمَا يا سَيِّدَتي

لا شيء يُذكر الآن،
لا شيء على القصد يَعْنِي،
وأنا أَعذُرُ أمثَالكِ
أعرِفُهُم جيِّداً
لكن.. ربَّما أيضاً
تَمُرُّ علينا لَحظةْ
لَحظَةْ
تَخْطِفُ الرِّيحُ فيها ثيابَ الكثيرين منا
لَنْ تَمْلُكِي الوقت،
إنما سَتَرَيْنَ تَحت ذلك البرقِ اْلأرضَ واضحةً
سَتَرَيْنَ ما يَكفي.


  

الْمُهِمْ:

عندما تَتَوَارَى الحيوانات
السَّلاحفُ تدخل في درْعِها
القَنافذ ُ تبدو مثل كُرات الصوف
وسَادَاتُكِ يَجْرُون بالسراويل
أنا سأكون الوحيد،
تحت ذلك البرقِ،
يَقول

آه ياسيدتي
كَم أنتِ جميلةْ.





 

(4) عَذَابْ.. عَذَابْ




ثَمَّة من يَصنعون المساكن
لا يملكونها
لأنهُ ثمَّة من يَمْلُكون المساكنْ

مِثل من يصنعون الهوَى 
دون أن يَعْرِفوا ما الهوى

ثَمَّة من يعرفونَ
.. ولكنْ.


ماذا بوسعكَ
إنْ كلَّ الدُّروبِ في ثيابِ الغُروبِ تَخَفَّتْ
غَيْر أن تَتَلَفَّتْ؟

كيف تُصَدِّقْ
والعينُ التي نَامتْ
كالعينِ التي قَامَتْ
تُحدِّقْ.




من يَأسِهِ
    قال السُّلطانُ لنا:
مَا خَلَقتُكُم أنَا.
مِن يَأسِنَا
قُلنَا لَهُ:
خَلَقْتَـَنا.
......



بعروقِ النيلْ
أقرأ كفَّ بلادي
في الأطلسِ الملوّن الجميلْ.
يُعَذِّبُني الإمتلاءْ
تُعَذِّبُنِي الحِنَّاءْ
النُّقُوشُ بألوانِ المَاءْ.
الذي يَقْتُلُنِي
خَطُّ الحَياةِ الطَّويلْ.
...



أقْرأُ فنجان بلادي
بين النميمةِ، الوُشَاةِ، الجَّواسيسِ
 أبناءُ عَمِّهَا العُذَّالْ
بين البخورِ والدخانِ والدلالْ.
أثناء شهوةِ التلامسِِ الراعشِ الخفيفِ
في مكامن الظلالْ
أتَفَحَّشُ
أتغزَّل مبتسماً في بلادي:
عذابْ..عذابْ!
الحبُّ في آخرِ الأمرِ خائن ٌ
والغزالُ في عيون أمهِ
.. غزالْ. 
        








 

(5) وَحْدَهَا


بَيْنَ الماءِ  والقطةِ  والعكاز
حدَّثتْنِي الْمَرأةُ العَجُوز
 التي لم تُرزقْ:
                   على أرضِ قلبي
يَلعَبُ أطفَالٌ سُمْر..كثيرون
كُرةَ الجوربْ.

يلعبون، واْبتسمتْ، بطريقةٍ رديئة!.
يُثيرون غباراً.

هناك على أرض قلبي
ترابٌ ناعمْ
حصى وحجارةْ
وحُفَرْ.
هناك
    .. رمادْ.






تَقفِـزُ الكُرةْ
في هواء قلبي
تُوشِكُ أن تَحُطَّ
مثل طائرٍ رماديّ
على سقفِ بيتْ.


يلعبون كثيراً
لا يتعبون.
صدورُهم
تَعلُو وتَهْبط.. في صَدْري..
   يَلعَبون الوقت كُلَّه
في الظهيرة
في الشتاء
يلعبون
          .. حتى الغروبْ.






غُبارُ قلبي يُجَلِّـلُهم
ثيابُهُم لم تَعُدْ نَظيفةْ
أوساخ لذيذةْ.

يقولون كلاماً لا أفهمهُ
يقولون بصوتٍ عالْ.
يلعبون بطريقةٍ سيئةْ
لذلك تَهْتزُّ كثيراً شِباكُ قلبي.

ثمة زِيْر سبيلْ
ماؤه حلو.. باردْ
منه يشربونْ.
صاحبةُ الماءِِ قبرُها سعيد
.. ليِّنْ.




ثمًّ
بفَانُوسِهِ المُوطَّأ
يَقتَرِبُ الليلُ وئيْداً
بِمسَّاحَتِهِ الكبيرة
يَمْسح العناصرَ
يَمْسح الماءَ الليِّن
لَيلُ قلبي
.. يَمْسَح الأطفالْ.



 
(6) مِن عَلَى سُقُوفِ الغُصُون

تنبَّأْتُ للوردِ
بشوكٍ لا يحرسهُ
بالحياةِ القصيرةْ.

بعشاقْ
   يكتملون بهِ.
بالرئيسِ ينحني
لطفلةٍ صغيرةْ.

ضَمِنْتُ لهُ:
مَعْرضَ الزُّهور.
قُبورَ النَّصَارى الظَّريفةْ.
العِصْمةَ من يدي
في يدهِ.
قَسوةَ الشَّاعرِ "الرقيقِ" على نفسهِ.
قلوبَ اللصوص
والذين أسْرَفُوا على أنفسهم.



عاهَدتهُ
يقطعُ اللهُ يدي
إن لَمِسْتُ هذا العنقَ
بِقَلبٍ سليمْ.


نَزَّهتُهُ عن أصابعي الطويلةْ.

ضَمِنْتُ لَهُ
مِن على سقوفِ الغصونِ
إطلالةً ورديةً على الحياةْ.
بُناةً لجدرانهِ غامضين
شَنْقاً هَادِفاً.

ضَمِنْتُ له:
البَاقةَ اْلمستَشْفَى
مَكَانِسَ مَنـزِليَّةً
          سُرادِقاً على الأرضِ مُرتَجَلاً.

في اْلرِّيحِ:
إيقاعاً سريعاً
على قيثارةِ العطرِ
مسمعاً مُطرباً
               لصوتِ اْرتطامهِ بالهواءِ..
جلسةَ اْستماعٍ
لكبَارِ اليأسِ
                                   فقط.

تعليقات

  1. خالد المُمتع يا مها. :)

    ردحذف
  2. صديقي العزيز قرأته كله مرتين لم أفهم جله ولكن وصلني ولمسني منه الكثير فشكرا لك أيها المارق النبيل.

    ردحذف
  3. صديقي العزيز قرأته كله مرتين لم أفهم جله ولكن وصلني ولمسني منه الكثير فشكرا لك أيها المارق النبيل.

    ردحذف
  4. صديقي العزيز قرأته كله مرتين لم أفهم جله ولكن وصلني ولمسني منه الكثير فشكرا لك أيها المارق النبيل.

    ردحذف
  5. صديقي العزيز قرأته كله مرتين لم أفهم جله ولكن وصلني ولمسني منه الكثير فشكرا لك أيها المارق النبيل.

    ردحذف
  6. كل هذه العوامل تؤكد لنا أن هناك تسربا في مكان ما، والحل الأمثل هو الاتصال ب شركة كشف تسربات المياه بالرياض بدون تكسير نحن الأفضل في حل جميع المشكلات التي تتعلق بتسربات المياه، حيث تمتلك أحدث الأجهزة المتقدمة للتسربات شركة مكافحة النمل الابيض بالدمام
    شركة مكافحة النمل الابيض بالخبر

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تَرَانيم مَحموديَّة - شذرات متفرّقة في ذكرى اغتيال الأستاذ

The Beauty of the Silly - نجلاء عثمان التوم

 The Beauty of the Silly  نجلاء عثمان التوم


إلى عثمان حامد سليمان
هل يمكن تشريح الأصالة؟ هل يمكن الكشف عن شعوبها الداخلية دون مجزرة؟ أنا مدفوعة هنا بالحجب الأصيلة التي يغزلها الغناء السوداني حول نفسه فيبدو لنا أحياناً شيئاً محيراً، لامع الحيرة. عندما نتجرد من العصاب الذي نسميه الفهم، وننطلق في رحلة متحللة من كل غاية، ونستمع إلى الأغاني السودانية بأرجلنا ومصاريننا، نشعر أن الطاقة التي تتهدج في الجو هي، ولا شيء خلافها، الهوية. لكن تظل أصالة هذا الغناء شيئاً غامضاً جداً وعصياً على التعيين. ثمة إستراتيجيات، أعتقد، أيّدت هذه الجذوة التحتية. أولاً تحتجب الأصالة، في معظم الأحيان، في تمويهات هزلية تنتجها قوالب شبه ثابتة محكومة بشهوة الرجز، والطلاقة الشعبية، والنبرة العادية في الكلام. فالغناء في الأساس هو مكان التغزل في اليومي والعادي في أقرب نسخه إلى الواقع. وكلما تشبثت الأغنية بسوقيتها المعروقة، كلما تصير إلى درجة من أصالتها الصحيحة. لكن الفن هو دائماً تدخل معقَّد، فلا نجاة من سطوته، لكن التحايل عليه ممكن. فعندما تبدأ أغنية ابتهالية، فيها تسجيل لمغامرة البلاغ العشقي والوصال الكامل، بعبارة “الحج…

الجرح في القلب على مسؤولية صاحبه - فيصل محمد صالح

الجرح داخل القلب على مسئوليةِ صاحبه! بقلم الأستاذ فيصل محمد صالح
الراحل: معتصم جلابي
مقدمة طينيَّة: لم أستمتع بكتابةٍ سرديِّةٍ وشعريّةٍ في الآونة الأخيرة كما تفجَّرتُ دموعاً ومحبّةً وتذكّراً وأنا أطالع ما كتبه حبيبنا فيصل محمد صالح في حقِّ صديقه الراحل الأديب معتصم جلابي. وقد قال فيصل في نهاية الكتابة: [وبعد، إذا سبقت لك معرفة معتصم جلابي، فما أن يُذكر اسمه أمامك، حتى تضئ ابتسامة عريضة كل قسمات وجهك، دون أن تستطيع مقاومة إغرائها! لكن سرعان ما تفجعك، في اللحظة التالية، خاطرة رحيله، فتنحدر منك دمعة صغيرة تزاحم تلك الابتسامة، تحاول طردها لتحل محلها، ولكن .. هيهات!]، وقد كان، رغم أنني عرفتُ معتصم جلابي طفلاً، في الرياض بالسعوديّة، كصديقٍ مقرّب ومحبب لأمي رشيدة وأب الفاتح؛ إلا أن الذي يعرفه يُدرك، وغالباً سوف يدرك القارئ لهذا النص؛ أنه لا يكترث بالأعمار، فكان تعامله معي نديّاً وحقيقيّاً وجادّاً إلى أبعد حد، وقد كان المفضل بالنسبة لي من بين أصدقاء أسرتنا الصغيرة. وقد أصرَّ فيصل في النص أنه هجر الشعر والأدب لأنه يفتقد إلى الموهبة، وهذا لعمري إدعاءٌ مردود بذريعة هذا النص ذاته، فهو قصيدة، وهو قصة، …