التخطي إلى المحتوى الرئيسي

أيها الجنود



فِكرٌ ليليٌّ يجتاحُ حديداً حُرَّاً،
مكتئباً،
يُصلصلُ اللحمُ بأحلامه،
يَلِدُ جنوداً ترتفعُ التربةُ إلى قلوبهم
فتشتدُّ الريح على الأشجار بنبضاتهم
وتقف بذورٌ، لم تنبت بعد، على أمشاطها
لتشاهد الثقوب المُحدَثة على أجسادهم قبل أن تَحدُث؛
تبكي مزارعَ وأمطاراً وكتائب حمَّى تخنقُ ليلهم؛
ذلك الغروب الذي لن يحدث أبداً،
ذلك الشروق الذي لن ينطق أبداً،
وما بينهما
تلك الدوامة القادمة من النهر
عارية، تتلفَّع بأسماكٍ كثيرةٍ
كاشفةً، من خلال الحراشف، مدى العورات الحيَّة؛
لهب الغرق، ونشوة الطفو.

فكرٌ ليليٌّ يختلجُ
أسنانه القديمةُ بُدِّلت بالمعادن والشهوات،
وقنواتٌ تَعبُرُ من خلالها لتشتَقَّ من اللسان أرضاً
شريرةً
لبناء مدينةٍ أخيرةٍ بلا بشرٍ
تقتات من هذيان لغاتٍ بائداتٍ.

كيف؟
والتشوّهات جزءٌ من الحلم،
وأكاليلٌ ناشفةٌ تسير باتجاه موكب الوداع:
إننا نودعك أيها الفكر الليليّ
ونترك الباقي لجسدك الذي لن تحمله معك أينما ذهبت،
فأنت، لأَسَفِكَ، مُلكٌ للجميع
ولا من أحدٍ سيتخلَّى عن ظِفرِ نَفَسكَ
دعكَ من القلب:
هم جنودك فاشرِق بهم كيفَما خِفت
هم خُلُودك فاحرِق بهم كيفما نِمت.




ــــــــ
اللوحة، طبعاً، من أعمال عبد الله محمد الطيّب (أب سَفَّة)



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

The Beauty of the Silly - نجلاء عثمان التوم

 The Beauty of the Silly  نجلاء عثمان التوم


إلى عثمان حامد سليمان
هل يمكن تشريح الأصالة؟ هل يمكن الكشف عن شعوبها الداخلية دون مجزرة؟ أنا مدفوعة هنا بالحجب الأصيلة التي يغزلها الغناء السوداني حول نفسه فيبدو لنا أحياناً شيئاً محيراً، لامع الحيرة. عندما نتجرد من العصاب الذي نسميه الفهم، وننطلق في رحلة متحللة من كل غاية، ونستمع إلى الأغاني السودانية بأرجلنا ومصاريننا، نشعر أن الطاقة التي تتهدج في الجو هي، ولا شيء خلافها، الهوية. لكن تظل أصالة هذا الغناء شيئاً غامضاً جداً وعصياً على التعيين. ثمة إستراتيجيات، أعتقد، أيّدت هذه الجذوة التحتية. أولاً تحتجب الأصالة، في معظم الأحيان، في تمويهات هزلية تنتجها قوالب شبه ثابتة محكومة بشهوة الرجز، والطلاقة الشعبية، والنبرة العادية في الكلام. فالغناء في الأساس هو مكان التغزل في اليومي والعادي في أقرب نسخه إلى الواقع. وكلما تشبثت الأغنية بسوقيتها المعروقة، كلما تصير إلى درجة من أصالتها الصحيحة. لكن الفن هو دائماً تدخل معقَّد، فلا نجاة من سطوته، لكن التحايل عليه ممكن. فعندما تبدأ أغنية ابتهالية، فيها تسجيل لمغامرة البلاغ العشقي والوصال الكامل، بعبارة “الحج…

تَرَانيم مَحموديَّة - شذرات متفرّقة في ذكرى اغتيال الأستاذ

تنقيباتُ الجنوبيّ

تنقيب الظلام