التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكُتَل





الكُتَل


مأمون التلب
أكتوبر – ديسمبر 2007م


·

(يَضَعُون الحربَ على مائدةٍ صغيرةٍ ورقيقة

وبالأهدابِ والأظافرِ يُشرِّحون جسدَهَا على طريقةِ العُشَّاق القديمة،

يحتفظون باللسانِ طازجاً،

يقتسمونه أسفلَ المائدةِ بسرعةٍ طيفيَّةٍ حالمة،

يصنَعُون من قِطَعِهِ أَسِرَّةً ينامون عليها بصحبةِ الأطفالِ المبتسمين،

حتى انبلاجِ المرآة).

(1)

جَسَدٌ بَشَريٌّ مَلْمُوسٌ

كُلَّ ما تَحتاجُهُ لتخَاف

وتَسْأَل:

إلى أَيِّ حدٍّ تَسْتمرُّ هذه الْمُتْعة؛

أيُّ كُهوفٍ قَاسِيةٍ تَتفصَّدُ من نُطقها وهي نَائِمَةٌ تَسِيْرُ عَبْر مَصَائِرِك؟.

يَكْفي جسدٌ أنْ تُسمِّيَ النَّائمَ في ظَلامِ سَرِيْرِك: أخٌ وأَبٌ وصَدِيق،

رائِحَةَ البَيْتِ أُمٌّ

وأن المكسورةُ على سَطحِ مَاءٍ سَابحٍ بِعَيْنِكَ هِي حُبٌّ مؤلَّفٌ من مَرئيٍّ

ونِيْرَانٍ تُهَاجِمُكَ من ظِلالِ الْمَرْئِيّ.

العَالَمُ كاملاً يتغيَّر،

كوَّنَتْكَ ذرَّاتُ غُبارٍ تَمْتصُّ روحَها من نافذةٍ يكسِّرُها فضولُ الشَّارع،

مَقَابِضُ الأبوابِ تَرتَصُّ فوق بعضِهَا كَومةَ جَمَاجمٍ في فَضَاء تنفُّسكَ،

كأنَّكَ أغْمَضْتَ عَيْنَكَ عنِ الْمَاضي لتَجْتَاحَ يَدَهُ بِجَسَدِك،

كَأنَّكَ سوَّلْتَ لسجنِكَ أن يَتَلاعب بأوراقٍ ذَهبيَّةٍ على طَاولةٍ تُجالِسُ فيها اليَأْسَ والحُبَّ

بِمَرحٍ يَدومُ بشُرُورِه.

فَرْقٌ شاسعٌ إذاً:

أنْ تَجْرَح جِلدَكَ لتُغْرِقَ بُحيرَاتِكَ على وجهِكَ الْمَعكوس،

وأن تَتبرَّجَ لكَ من خلالِ جَسدٍ سَتَرَهُ العَالَمُ بالأسْمَاءِ والصِّفَات!.

العالمُ كاملاً يتغيَّرُ أمامَك؛

تَنزَعُ وجهَ امرأةٍ على وَشْكِ إكمال سَيَلانِهِ عَنْ وَجْهِك،

خَلْفَهُ تخْلَعُ الحليبَ الْمُظْلِمَ عن مَمْلَكَتِهِ

خَلْفَهُ القَدَرُ المُعَلَّى على عروشِ الغِدْرِ والمحاباة.

·

(واقعُ المرآةِ

حياةُ الزَّوايا وهيَ تَحْلُمُ بسقوطِ الجُدْرَانِ لتفْقِدَ اسْمَها،

حَياةُ الضُّوء يهذي بلَكَمَاتٍ سَدِيْدَةٍ من الأجسَادِ الْمُتحرِّكةِ بسُرْعَة).

ـــــــــــ

(2)

تُشارِفُ الصُّقورُ على انهيارٍ قُربَ تَحْدِيقٍ صَغيرٍ

قُربَ كَهْفِ مجاعاتٍ تَقْتَرِبُ من بَعْضِهَا بغَرَضِ الدِّفْء،

يَدُ الكونِ تَحْتَجزُ تيَّاراتِ الهواءِ من التَّدَخُّلِ في صياغةِ أجنحتِها القديمة،

ومن ثَمَّ يتقشَّفُ السِّتار:

هنالك لَحْمِيَّاتُ الكُسُور،

شيطانٌ فقيرٌ يبكي؛

منذ أن تحوَّلْتُ إلى حياةٍ في جسدِ بشريٍّ عبرَ هذه السَّنواتِ القَّادمةِ

والمنتحبةِ بين أغلالِ الخَرَفِ،

منذُ أن تعوَّدْتُ أن أسمعَ الصَّوتَ واللُّغَة

مُنذُ انحنيتُ وتَرَكتُ هَيْكَلِي على تِلْكَ الحالةِ وغَالَبتُ النُّعاسَ عَلَيه؛

كان الهَدَفُ الوحيدُ هو صِنَاعةُ فمٍ ليتَحدَّث في زَحْمَةِ هذا الْمَشْغَلِ القَاسِي،

حيثُ تُشرفُ عليهِ بصرامةٍ أقدارٌ وصُدَفٌ تيَّاريَّةٌ تَتَرجرَجُ في خَزَفِهَا الغالِي بعُيُونِ سكِّير،

أنوثةٌ تَلُوْحُ عند كلِّ بوابةٍ تُسدِّدُ سِهَاماً نحوَ مَجْهُولٍ هو مَرْكَزٌ وَسَطَ الآلات؛

آلاتٌ صَاغَها الدَّمُ والهذَيَانُ والقَلَق،

تُطحَنُ في حِوَارَتهَا ببعضِهَا،

وتَستَحقُّ اسماً برَّاقاً يُشنَقُ داخلَ كلِّ دمعةٍ ذُرِفَت.

لن يَتَّخِذَ الخالقُ رَمْزَاً، ولا رئةً ليأخذَ نَفَساً مهزوماً في زاويةٍ غامضِة،

وانتظارُكَ _أيُّها السَّماءُ خجُولاً_ أن تُصبحَ اليدُ قلعةً،

والاحتضانُ علامةً لا تُمحى،

والتَّسويقُ المُخلُّ للَّحظةِ حرارةَ يدٍ واحتضان؛

انتظارُكَ نظرةُ الأعمى، وساحلُ الرَّعشة:

سواحلٌ يا صديقي المُوسَّعُ بلآلئِ نزواتهِ؛ بولادةِ الخيانة،

سواحلٌ لا تعرف أين التقت لِتَكون،

ولماذا لا يخطئ البحرُ قيادتها نحو غراميَّاتٍ ملتبسةٍ مع النَّجاة.

·

(بَعْدَ أَنْ تُتَابِعَ أسماءَ شجرةِ العائلةِ النَّبْضِيِّة،

بَعْدَ أَنْ تُعَرِّيْهَا من الأوراقِ الباهتة؛ التي ماتت في بساطةٍ تبكي خارجَ تاريخِ البطولاتِ والصُّراخ،

لن يُشْفِيكَ إلا القتل،

نفسُكَ على الأقل؛ إنْ لم تُدرِك أنَّ الرُّوحَ تسكنُ النوافذَ والبَصَمَاتِ أيضاً.

لا بُدَّ من بارقةِ تطهيرٍ

ذلك بأن تَتَمَدَّد عارياً، ولسنواتٍ، داخل ماءٍ غارقٍ في ذاكرة سَمَكٍ ميِّت).

ـــــــــــ

(3)

من حُقُولٍ تَهْضِمُهَا سيئاتٌ يَتَحمَّلنَ النُّطْقَ،

أُرسِلُ أنيناً مُختَرَقاً برمالٍ أطْلَقَتْهَا يدُ السُّرعة،

يَدفنُ الأنينُ هواءَ خيالهِ في الرَّمْلِ المُتطاير،

ويُسوِّرُ بقاياهُ بالأمدِ القَصيرِ الذي سيقضيهِ إلى أن يَصِلَ مسامعَ ركبَتكِ،

حيثُ يَتَجمَّعُ إلى لحمِ صدرِهِ النَّافرِ الرِّعديد،

ويَتَوَاسَى من جَوَانِبِهِ كُلِّها،

مُولِّداً ما يُشبهُ وجهي ساعةَ أنْظُرُ مُطْلَقاً إلى نقطةٍ في الزَّمانِ افترقنا عندها،

يُشْبِهُ ساعةَ حائطٍ معلَّقةٍ في بيتٍ لا وجودَ له.

قَضَيْنَا ما يُقاربُ القُضْبَانَ بقُرْبِ الحظائر الحيَّة،

وتَسَامَرَتِ المَجاهيلُ بقبضَتِي وهي تَسحبُ النَّهرَ خارجَ طَبِيْعَتِه،

لتلقيهِ في فمِ البارُودِ المتأهِّب داخلَ القُبْلَة،

بَقِي الإصبعُ يُسرِّحُ ماضِيه الحديديّ،

بقيت حيواناتُ الحظائرِ تُحدِّقُ في وقفَةِ طائرٍ على السُّور.

والآن،

لا حِكْمَةَ تستَرِقُ الجُّوعَ من رقابةِ صِيَاحِ اللِّذة،

لا نَوَامِيْسَ تَتَجَاهلُ كتَابَة القَدَر.

كلُّ مكتوبٍ يَغفلُ عن يدِ خالقِهِ وهي تكوِّرُ كهوفاً بأنحائِهِ المَلَكيَّة

خارقةً سُكُونَ حَضَارَتِه، مُبرِزةً نُقُوشَ الحرارةِ البدائيَّة.

وبينما لا أحَدَ أيضاً،

بينما الفواصِلُ بين كلِّ شيءٍ وآخَر تتقلَّصُ حتَّى تُمْحَى الأسمَاءُ من الوُجُود،

لا بأسَ من انْسِرَابِ الرأسِ داخلَ العَجِيْنِ الكونيِّ الذي وُجِدَ ملوَّناً _بغَرَضِ التَّشفِّي_

وسيُضِيرُ التَّاريخَ أن لا يَسْتَمِعَ إلى هذه النِّهَايَة المؤقَّتة للعالَم.

عُوَاءُ الرِّيح المتصاعدةِ عمودياً بعصافيرَ تَتَقلَّصُ إثْرَ تَغْرِيْدِهَا،

آلَفُ نَفْسي شِرَاعَاً هَاوِيَاً بسَفِيْنَةٍ تَعْبُرُ هذا التيَّارَ الصَّاعد،

تعبرُ قواماً ممتشقاً تَحُفُّهُ أشجارٌ ترتجفُ من فقدانِهَا بَصَرَهَا الأخضر،

إلى أيِّ وقتٍ، وأيِّ مكانٍ؟

لكنَّ انْشِرَاخَاً صَاخِبَاً يَرْتجُّ في عُنُقِي الرَّقيق؛

أنا الشِّراعُ المتمزِّقُ لأقُوْدَ اتِّجاهاً بطفولتِهِ كلِّها.

تَوقَّفتُ عندما رَفَعْتِ عُنْقَكِ مُثِيْرةً حَرَارَةَ العَرَق؛

حقولاً لن تُدْرِكِيْهَا بِمُجَرَّدِ النَّظرِ إلى جَدْبِ ملامحيَ الفَّاغرة

فَخْرٌ أسطوريُّ أن أكونَ بصحبةِ هذا الطريقِ الصاعدِ بجسدِكِ _نظرتي_

وأن أكونَ رذيلاً مُتورِّداً على خواءِ سرقةٍ طَيِّبةِ الْمَعْشَر.

هَمْهَمَةٌ أخرى وتَحْظَيْنَ بقُبْلةٍ أمَام النَّاس،

قَلَقٌ في القَدَمِ اليسرى وتَفْتَقِدين سُرَّتَك،

صَخَبٌ في الحركة الْمُتَرَدِّدَةِ وتَخْطِفِينَ هَاوِيةً لم تَتَبرعم بعد!.

أكونُ مشلولاً في الأصل،

ويكونُ حديثيَ تهديداً مشوَّشاً، لكنْ

كُلُّ البشرِ يَحْمِلُونَ عاهَاتِهِم بطرقٍ غامِضةٍ منذ الولادة،

قلادةً تتأرجحُ داخل ظلام الصَّدر؛

ترتطمُ بالأضلاعِ مُحْدِثَةً إيقاعَ الحبِّ والنُّقصان.

ومَنْ طَفَرَت قلادَتَهُ مُحْدِثَةً حياتَهَا في الأعضَاء؛

يَتَسرَّب مالِحاً ليفقأَ المعنى في خَيَالِه،

حَاصِراً قَدَرَه في الزَّاوية الحقيرَةِ من الطَّعنة.

من طَفَرَت قلادتُهُ:

يمنح كَمَالَهُ الظَّاهرَ لِنَقْصِ البَصِير؛

ولِلسَّائرِ بأقدامِهِ كاملةً بِخُيَلاءٍ خجول.

لكنَّ الشَّلَلَ حَرِيْقٌ مُتَوَتِّرٌ في أصْلِ النَّظرة،

ظِلالُهُ حيوانَاتٌ تَفْرُكُ جِلْدَهَا بنُجُومٍ ونيازكَ ميِّتةٍ

حيث تربةُ العَيْنِ أشباحٌ في الماضي؛

جذورُها إقْطَاعَاتٌ مُسَوَّرَةٌ بذكرياتِ قُرُوحٍ سَكْرَى بالتَّحْدِيقِ لعُرُوشِ السَّمَاء.

هَلْ، بَعدَ ذَلكَ، يَصِحُّ انْتِظَار؟

لا أدري كَيْفَ يَنْتَظرُ جِنْسٌ كَامِلٌ

_مثل البَشَر_

لَمْسةً تُطلُّ عَبْر القَتْل!.

·

(بفضلِ التِّجْوَال،

يلتقطُ الحافي تَحَدِّياتٍ ويركضُ عابراً بها

_كباقةِ زهورٍ فاحشةٍ_

أمَامَ الأنوفِ النَّائمةِ في اللَّيلِ هادئةً،

تتنفَّسُ،

تَبْحَثُ عن شِفَاهٍ أُخرى.

ومن يَهُبُّ التجوالُ بداخلِهِ غابةً تَصْطَرعُ فيها النُّمورُ المظلمةُ،

تخترقهُ الظِّلالُ والسُّحب

تتناوشهُ الأنهارُ بِقِلَّةِ حيلتِهَا في اختيارِ اتِّجاهٍ

ويرى يَدَيْهُ _لأوَّل مرةٍ_ تُهرِّبان قبوراً للحُدُودِ العَمْيَاءِ بين جَسَدٍ وآخَر،

ربَّما تُوْلَدُ أُمَّهَاتٌ حَوَامِلُ بسلالاتٍ تَحْتَرقُ في أصلها،

وتُرِيدُ أن تَتَجَسَّسَ على الموسيقى).

ـــــــــــ

(4)

تَصْفِيةُ الخُصُومِ بِمَبَادئِ العَيْنِ الأوَّلِيَّة،

ملاحَقَتُهُم عَبْر عُرُوقِ القَصْرِ الغَائِرَة

قَنْصُهُم بذَاتِ اليَدِ وحِيْلَةِ الفَرَاشَةِ مع النَّار

يؤدِّي ذَلِكَ إلى حريِّةٍ مُشَقَّقة

كالتي أصَابَتْ عُضْواً مَبْتُورَاً

(رأيناهُ خَفِيْفَاً يَرْشُقُ دَمَهُ المتطايرَ بِقُبَلاتِ جَسَدِهِ الماضي).

تَجْمِيْعُ الخُصُومِ ورصُّهم عَلى رُفُوفٍ أُفُقِيَّةٍ

_تَهْرِسُ عُلُوَّ السَّماء_

كُتُلاً يُهَاجِمُها الجُّوعُ من كلِّ مَلْمحٍ مُلِحٍّ يُبْرِزُه المُلاحِق،

يَمْنَحُهم حقَّ صَمتٍ في مُوَاجَهَةِ آثامهم النيِّئة.

آنيةٌ مسمومةٌ بالأسرار تُجَهَّزُ بأنوثةٍ كالحةٍ،

لأجْلِ الاحتفاظِ بماضيهم رَطْبَاً،

تقتاتُ مِنْهُ الجَّوارِيَ الراكضاتِ في القَصْرِ،

منذ ولادَتِهِنَّ يتغذَّينَ على مُحْتَوياتِ الآنية،

حتَّى يَبْلُغنَ حَرِيْقَ ثُقُوبٍ تُغَطِّي حَيَاتَهُنَّ،

ويُشرِقْنَ بالسلالة.

سلالةُ عِميانٍ على طُولِ الدَّرب،

أفواهٌ على شاكِلَةِ خيولٍ تَتَمَرْجَحُ في السَّرابِ القَلِقِ المُحيط،

شُموسٌ تَنْقَضُّ على ضُلُوعِهِم،

هَؤلاء العِمْيَانُ السَّائِرونَ بلا هَوَادةٍ ولا مَلَل،

كَمَالُهُم جوهريٌّ يتحسَّبُ قَتْلَهُ في لحظاتِ الاعتراف،

حيثُ أمطارٌ تَجْلُدُ ذاتَهَا بانعِكَاسَاتِ أضوَاءٍ عليهَا،

حَيْثُ غبارُ خَطَوَاتٍ يُغيِّرُ ملامِحَ القَطِيْعِ على طُولِ الدَّرب.

ها عميانٌ يتسرَّبونَ إلى نَفَسِ تماثيلِ الدَّاخل،

وُجِدَ مَنْ يزيِّنُها

_التَّماثيلَ_

بِثَوْرَاتِ التَّحْدِيْد،

وحريَّةِ التَّوَهَانِ في الظلِّ المُكابر؛

ظلُّ الكلمةِ الجَّارحة،

ظلُّ النَّصلِ المُسالم،

ظلُّ الوِحدَةِ داخِلَ الدَّمعة،

ظلُّ النهائيات.

وقد تُحَلِّقُ فَوْقَهُم وهم يَسِيْرُون،

وتَتَمَاسَكُ من شِدَّتِك:

أعضَاؤُهُم المتكلِّسةُ تَتَفَاقَمُ جدراناً ورَايَات،

نِسَاءُ العويلِ الْمُسْتَمرِّ يُرضِعنَ خيالَهم بقَطْفِ الزَّهرة،

جُلُودُهم نارٌ تَمنحُ الغُمُوضَ بمجرَّدِ اللَّمس.

سَأَقُودُ الهاويةَ لِتَرَاهُم؛

مَسْلُوبِي الْمِيَاه،

من يتَّمَتْهُم اليابِسَةُ بوجودِهَا،

والأقمارُ مَنَحَتْهُم إلهاً دائراً بَيْنَهُم يَعُدُّ عَدَمَهُم بقَهْقَهَة.

سَأَقودُ الهاويةَ لتَحْتَضِنَهم،

تحتَ أشجارٍ تتوَارَثُ الأرحامَ وتَشنقُ ما يسرِّبُ الضُّوء،

على يَدٍ سبَّحَتْ بِلَمَسَاتِهِم المرعبةِ للعالمِ بغَرَضِ السَّيْرِ فقط،

سَتَرَاهُم عُمْيَانَاً على طولِ الحياة.

هذه الحدائقُ مفروشَةٌ منذُ أمَدٍ على سَهَرِ الحياةِ المستمِرّ،

هذه الدوَّامةُ الحاضنةُ فُتَاتَ العِنَاقَاتِ العابرةِ تُزَخْرِفُ النَّفَس،

كيف للسلالةِ أن تتلاعبَ بطينِ الحدائق؛

تَضْحَكُ من الزَّخرَفةِ المبذولَةِ وُحُوشاً ضَيِّقةَ الصُّراخ؟

إنه نَحْتٌ على نُطَفٍ كَمَانِيَّةٍ؛ مُخْشَوْشِنةٍ وقديمةٍ حدَّ العَمَى

سَرَقَتْهَا تلافيفُ أقمشةٍ مهرَّبةٍ من تقلُّباتِ وحوشٍ على فمٍ متقطِّرٍ من عَدَم.

ولكِ أيَّتُهَا الخصومُ دَاخِلَ تاريخ الآنِية:

تَسَلُّقَ العِنَاق،

سقوطَ الكمانِ أفقياً عبرَ عروقِ الرَّقَبَة،

خُوَارَ الحديدِ في الرِّئة،

وما شابَهَ الانفلاقَ من قُبْلَةٍ تتواجَهُ مع تشقُّقاتِ الشِّفَاهِ الدَّامية.

في القبوِ الْمُتَفَاخِرِ بوجودِهِ في القَلْب،

في السَّماءِ المسكونَةِ بوجودِ القَبو،

بالصَّليلِ المستَاكِ بالنُّورِ والنَّصرِ،

بالأسمَاءِ العُلْيَا للأشياءِ والأحياءِ؛

يَسْتَشْري السَّرطانُ المناوئُ للذلِّ أسفَلَ الوُجُود.

الهُبُوطُ من المادَّةِ المحسوسةِ

يعني القبولَ بشَرْنَقَتِهَا الأولى،

التَّوازي مع السُّرعَاتِ الكامِنَةِ في اللَّحظَةِ،

وعُلومِ الأبخرةِ المكثَّفةِ،

علومِ البقاءِ معلَّقاً في هواءٍ جائرٍ يَنْشَطِر.

دورانُ الفُسْتَانِ حولَ الطِّفْلة،

جرُّ الخراف للذَّبحِ،

تكسيْرُ سُطُوحِ الجُّدرانِ لإدخالِ الولاءِ العائليِّ لحياةِ البيت.

لا بَأسَ بأن يَتَوَقَّفَ الإصبَعُ المُدِيْنُ على القلبِ الوحيدِ الذي يَصْرُخ،

حيثُ تُسحقُ جدرانٌ قديمةٌ بسُكَّانِهَا الرَّاحِلُين،

وكُتلِ اللَّمسات المجنونة،

حيثُ لا بَأس.

------------

الصورة من أعمال المصور جويل بيتر ويتكن



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تَرَانيم مَحموديَّة - شذرات متفرّقة في ذكرى اغتيال الأستاذ

The Beauty of the Silly - نجلاء عثمان التوم

 The Beauty of the Silly  نجلاء عثمان التوم


إلى عثمان حامد سليمان
هل يمكن تشريح الأصالة؟ هل يمكن الكشف عن شعوبها الداخلية دون مجزرة؟ أنا مدفوعة هنا بالحجب الأصيلة التي يغزلها الغناء السوداني حول نفسه فيبدو لنا أحياناً شيئاً محيراً، لامع الحيرة. عندما نتجرد من العصاب الذي نسميه الفهم، وننطلق في رحلة متحللة من كل غاية، ونستمع إلى الأغاني السودانية بأرجلنا ومصاريننا، نشعر أن الطاقة التي تتهدج في الجو هي، ولا شيء خلافها، الهوية. لكن تظل أصالة هذا الغناء شيئاً غامضاً جداً وعصياً على التعيين. ثمة إستراتيجيات، أعتقد، أيّدت هذه الجذوة التحتية. أولاً تحتجب الأصالة، في معظم الأحيان، في تمويهات هزلية تنتجها قوالب شبه ثابتة محكومة بشهوة الرجز، والطلاقة الشعبية، والنبرة العادية في الكلام. فالغناء في الأساس هو مكان التغزل في اليومي والعادي في أقرب نسخه إلى الواقع. وكلما تشبثت الأغنية بسوقيتها المعروقة، كلما تصير إلى درجة من أصالتها الصحيحة. لكن الفن هو دائماً تدخل معقَّد، فلا نجاة من سطوته، لكن التحايل عليه ممكن. فعندما تبدأ أغنية ابتهالية، فيها تسجيل لمغامرة البلاغ العشقي والوصال الكامل، بعبارة “الحج…

الجرح في القلب على مسؤولية صاحبه - فيصل محمد صالح

الجرح داخل القلب على مسئوليةِ صاحبه! بقلم الأستاذ فيصل محمد صالح
الراحل: معتصم جلابي
مقدمة طينيَّة: لم أستمتع بكتابةٍ سرديِّةٍ وشعريّةٍ في الآونة الأخيرة كما تفجَّرتُ دموعاً ومحبّةً وتذكّراً وأنا أطالع ما كتبه حبيبنا فيصل محمد صالح في حقِّ صديقه الراحل الأديب معتصم جلابي. وقد قال فيصل في نهاية الكتابة: [وبعد، إذا سبقت لك معرفة معتصم جلابي، فما أن يُذكر اسمه أمامك، حتى تضئ ابتسامة عريضة كل قسمات وجهك، دون أن تستطيع مقاومة إغرائها! لكن سرعان ما تفجعك، في اللحظة التالية، خاطرة رحيله، فتنحدر منك دمعة صغيرة تزاحم تلك الابتسامة، تحاول طردها لتحل محلها، ولكن .. هيهات!]، وقد كان، رغم أنني عرفتُ معتصم جلابي طفلاً، في الرياض بالسعوديّة، كصديقٍ مقرّب ومحبب لأمي رشيدة وأب الفاتح؛ إلا أن الذي يعرفه يُدرك، وغالباً سوف يدرك القارئ لهذا النص؛ أنه لا يكترث بالأعمار، فكان تعامله معي نديّاً وحقيقيّاً وجادّاً إلى أبعد حد، وقد كان المفضل بالنسبة لي من بين أصدقاء أسرتنا الصغيرة. وقد أصرَّ فيصل في النص أنه هجر الشعر والأدب لأنه يفتقد إلى الموهبة، وهذا لعمري إدعاءٌ مردود بذريعة هذا النص ذاته، فهو قصيدة، وهو قصة، …