التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأَعْضَاء


الأَعْضَاء

(ومن كاهلِ مُهاجمةٍ تَصدرُ عن أجزاءٍ، يتكمَّلُ خيال الكون)



(1)

أُغلقت هذه الصفحةُ أخيراً

بغير هدىً ولا مَوقد

كأنها بنتُ ليلٍ مُغلقٍ بنجومه على الضّوْء.

ديدانُ ساعةٍ ما،

تغرسُ مُقرِفَهَا في بطن قُبلةٍ ما،

لا اللمسة تستغرقُ أكثر من اختراقٍ شبحيٍّ تبثُّه العاشقة الأبدية،

لا اللهفةُ تُطلق أفواهها الكثيرة على سرابِ جوعها،

يا إله الغَير؛

تقمَّصْ لونَ هروبِ البريد الساعي بين الساحة المناوئةِ لك،

وبين بيوتها الساقطةِ سقُوفيَّاً على لهاثٍ ضائعٍ بين حبيبين.

أخبرني بوجهكَ،

بوجهِ فقرٍ ضائعٍ في ظلالٍ قطَّاعةِ طرقٍ لا تبين إلا في العدم.

كيف ننال حرارة يدِ الذي يَقْلِبُ الصفحة أخيراً

ولا نتوجَّهُ إليه بصلواتٍ قاتمة.

العقارب تتشدَّق بنا يا صديق السّم غايةَ بناءٍ ساهرٍ في خرابه

لا حول

ولا.

حَلَمةٌ تستعيضُ بحليبها تَشْوِيهَ دمٍ يُنيركَ ويضفيك على واجهةٍ تبكي

تبكي من وجه مدينتها،

سوقُ لمعانها الشَبق،

سأُسَايِرُ هذا النبض،

إلى أن أعرف أنني كنت إنساناً موجوداً بأعرافِ خيالي،

وهي تترنَّح بشحوبها في الخراب الفَجْرِيّ.

إلى أن أعرف أنني أعرفُ على الأقل

إلى أين يتَّجه وجهي،

إلى أين يذهب الجرحُ في عينٍ عمياءَ بمخلوقاتها،

وتعدمهم بالنَّظر.

كم من دمىً حزينة تخترق العالم

مصنوعةٌ بأيادٍ تفتقر المهارة

وتكتسب الدُّموع الغريقة في عرقها الماجن،

كم من وجوهٍ شُكِّلت هكذا

هجرانٌ عبر الفصول يدوم

تحرسه الكلمات من كل جانبٍ كأنه خيانتها

تلويثٌ للطين بحركة الملامح يحدث ببديهةِ الباطن

غير ذلك يذهب

تودعه أوراقٌ يتشرَّب ذبولها نهر جوفيٌّ تغطيه تضاريس القلب.

(2)

لمن يحملون الذهب المتقشِّف؟

لأحدٍ يشكوا غنائمه الغارقة في عينيه لآخرِ الطَّريق

حيث شجرةٌ تنحني على ظلالها

وتسكر بها

وتنام.

(3)

الخرابُ النَّابع من كل صوتٍ وحركةٍ ومهاجمةٍ

خرابٌ طالعٌ من احتكاكِ جمالين في لحظةٍ بائدة؛

احْتَضِنْهُ، وكوِّن له حجرةً في كل عضوٍ حيٍّ فيك،

كُن تعبيره الغائب عن مصير الحياة،

في الغرفِ الضيِّقة بصحبةِ أبناءٍ ميِّتين، شاوِرْهُ

ما حدَّثتك به سحناتٌ جداريَّةٌ هائمةٌ بسقوفٍ تنزفُ، أخبره؛

عن ثيرانٍ تواجه الفضاء بأكمله وتهرسُ محلول قرونها في عيونٍ لم تُولد،

عن مراوغاتٍ تمثِّلها كوَّتان عاريتان من الذنب في بابٍ يؤدي لحمَّى الموسيقى،

عن طفلٍ رماديٍّ يغسل رائحة الضَّربة من جثَّةِ أمِّهِ،

عن وأدٍ كماليٍّ لصفاقة أنينٍ تُصدره الأبديَّة،

واللحظة

حرَّاسُ اللحظة

حرَّاسُ اللحظة

حرَّاسُ اللحظة

يتبعهم الذلُّ بألفِ ذيلٍ كهفيٍّ ناضج؛

لا يصرخ، لا يفتح يده أمام وجوههم فتشرقُ بالخراب.

(4)

صغيرةٌ نقرةُ الطَّائر على عِرقٍ سقط سهواً من ذراعٍ ميِّتة

صغيرةٌ نقرته

إيقاعها يولِّدُ لهيباً

يُلهمُ خيال رجلٍ لاهثٍ على جسدِ امرأةٍ تهوي من أعلى حيادٍ

بين قتامةِ قبلتها وشواء نهديها بحليبِ مولودٍ في الغيب.

(5)

شريرةٌ عيني، تقفزُ من هودجِ قافلةٍ تُحمِّل أقنعة البشر

وتتدحرجُ على لسانِ رملٍ هو لغاتهم المُخلَّدة بروائح الأخلاق

لماذا صحرائهم تخلطُ الغربان والسَّراب في قالبٍ مشقَّقٍ واحدٍ لتشربه؟

السرابُ حقيقة وجوهٍ تقتنص الصبار وهو يسمِّي أشواكه

كيف يحتملون عمى عطشهم، وهم يحتدمون بين يديّ شمسٍ تلدُ الليل بقمره؟

قمرٌ يشهَق باتِّجاهات النجوم فينجو من ينجو

ويصرخ متعةً من يضيع.

(6)

شريرةٌ عيني

تراقب نقرة الطَّائر

وتوازيها بنقرات دموعها على فضاءٍ مجرَّحٍ بضربةِ اليد للهواء وهي تودِّع حياة جسدها

توازيها بالنَّظر لأجدادها جميعاً

كيف يتسنَّى لها أن تكون مستديرةً وتتحمَّلُ الألوان؟ الصُّور؟

بل لغةُ الصور تتوحش وتتحول أُسُوداً تركض في عراء الصدر _بنبضه_ دون توقف

ها جثةٌ أخرى تبرز

كيف ستنظرين إليها يا عيني؟

أنت شرِّيرةٌ وتختارين قَدَر جمالك بسجونك الموزَّعة ثقوباً بحياةِ بشرٍ آخرين

بشرٌ يدخلون حياتك

يمنحونك عذريتك كلَّ لحظةٍ

كلُّ لحظةٍ عذراء بشهوة غربتها عن ما أحاطها من جلدٍ غيريٍّ فاسق.

(7)

تنظر لعينٍ خارقةٍ في مجال المرآة

وأطفالٌ أشقياءٌ يحوِّرون وجوههم أمام دموعها

فترى الأشجار مقلوبةً

ترى السماء ظفرَ قلبٍ يحكُّ حدوده بآثامه

ليت القيظ الواقع بين بؤبئتها، وبين خرابِ حبلها السُّري

يحمي ظلال من اتَّبعوا ماضيهم للكشف عن جراحٍ خلَّفتها حيواناتٌ منقرضةٌ

تساوي بين شراسة أبنائها

وبين خللٍ كامنٍ في حرِّيةِ أحراشٍ وُلِدَت فيها بقوانين خالدة.

(8)

تنظر لعينٍ خارقةٍ في مجال الشِّفاء

فترى الشفاه أنهاراً محمومةً تلتقط ذبذبات حشراتٍ تموت في أيامٍ

تسبح فوقها ولا تمنحُ سوى جراثيمَ طيبةِ القيمة والانزواء.

تُرى، كم من أجسادٍ ممدَّدةٍ بجانب بعضها تستحق قلباً واحداً لتنبض به

وتلين

لتسقي عطشاً نووياً يهرِّب أعماقه الخاسرة في الأصل

لجهاتٍ تُنبت وجوهاً حاكمةً تخسفُ بالبشر إثر التفاتةٍ غافلة.

(9)

تنظرُ لكهفٍ خارقٍ في مجال العين.

(10)

مفتوحةٌ على الآخر

عيونُ جبلٍ يرتجف من سطوع فتاةٍ أعلاه

غايةُ تجديفٍ سريٍّ ينبعُ من أخمص التكبُّر

وهو يسير على أصابعه ليلاً كي لا يوقظ نهار البشر.

عرشٌ خلويٌّ لا يعرف التَّقوى

ينتبه لهذه العين

وهي تراقب يدَ كلِّ شيءٍ وهي تعمل داخلَ جرحٍ يُطلُّ من كلِّ شيء.

يا وجه الدُّخان انقذني من صعودك

وامنحني سقوطَ ظلِّك

إن الغانية ترى يقظة قذارتنا كلنا

وهي تكرر أوجهنا بذاكرتها

لاشيء يضاهي يقيني بيقينها

هي تحمل الخنجر بسطوعها أعلى الجبل

وأنا أحمل الشجيرات الصغيرة النابتة في السفح

أحارب بها بقايايَ المهشَّمةُ بذاكرتها

ياه

كم يبدو العالم شبيهاً بسلاسله الآن

عندما أركع لأجل متعةٍ

وأتوهُ لأجل ذبح عنق الريح

وهي تتراكض أطفالاً أطفالاً

لا وجود للمنقذ بيننا أليس كذلك؟

أعيروني شجاعتكم فقط

تلك التي تبنون بها المباني

تشيِّدون بها الآلات العظيمة

تقذفون بها الحجارة بوجه الشيطان في الحج

تتعرَّقون بها على أكتاف زوجاتكم الباكيات

تتعامون بها عن شلل المخلوقات كلها

لأتعرَّف عليها

فقط.

(11)

ظلال العالم تقتصرُ على عماراتٍ تسقي عيون الكلاب الساهرةِ بالليل

صاحبُ الدُّكانِ الباسم قبل قيام القيامةِ

من يلبسون الزي العسكريّ يحومون خلف أطلال أغلفةِ الشاحنات الميِّتة

أطفالٌ عراةٌ يقذفون سطوح كل هذا بحجارةٍ تترقرقُ بصلابتها

قططٌ تتبعُ الأطفال بهيامٍ يقلُّ عن ضحكاتهم بمقدارِ الشتمة

مَن مِنَ النساء تستطيع أن تستقبل جسدها العاري

وهي تصرخُ خلال ليل العمارات والشاحنات والتجارة؟

قد انتظرتُ أن تُفقأ عيني

لأرى حرارة الدمِ منساباً عبر جداولَ غيريّةً تُشفَى بتلوُّثِ الماضي.

(12)

ارتجفت أشعةٌ ذَبُلَت من كتابٍ وتدلَّت

تمرح بشحوبها،

تقطف كل ما تلتقيه من ولادات

من خطواتها تُشرِقُ شموسٌ صغيرةٌ دون مأوى

وقمرٌ يحزُّ عنقه بأضلاعه النَّافرةِ نظراتِ عشَّاقٍ ومنتحرين

كونٌ يغفرُ لكونٍ آخرََ يعرِّفهُ بأبدية الفضاء

ويسري في عروق أشعةٍ ذبُلَت من كتابٍ واشْتَدَّت.

مع تسكُّع الأشعةِ في كلِّ مكانٍ

كيف نترك طفلاً يلعب في الشَّارع بفستان اخته النَّائمة؟

ستهاجمُ عينيه فجأة

وترتدُّ إلى أصلها في برائتِهِ وضحكِهِ المُنْتَحَل بأشعار الطفولة الزَّائفة.

(13)

أشعةٌ تقول:

(كيف ينجو كائنٌ من ضيافةِ العالم المؤقتَّة؟

كيف لا يحسبُ الأيَّام؟

لا يسقطُ في اسم (المتذوِّق) الدَّاني من فمِ كلِّ شيء؟

لا يقتاتُ على قبلةٍ مرتقبةٍ بالصُّدفة؟

لا ينحني لتنعكس الريح على زاوية جسده؟

لا يرى ظله إلا طبيعةً فزيائيَّةً؟

لا يتِّصل بمجهولٍ ميِّتٍ خلف باب بيته المُغلق؟

لا يحتسي كوب أمطارٍ تورَّثُ بالقوَّةِ لطقوس الحبّ؟

لا يطلُّ من أثناء غشاء لذَّته مع جسدٍ آخر ويرى العالم؟

لا يغطُّ في صحوةٍ مشوَّهةٍ على كتفٍ سائرٍ وهو نائم؟

لا يلحسُ أقدام الكوابيس متوسِّلاً عَرَق مغادرتها وهلوستها؟

لا يسند ظهره لنعمة العدم ويتأوَّه سلاسلاً وبِكارات؟)

(14)

أشعةٌ تنكص بعهودها وتُسرِفُ في الغليان

مِطْهَرٌ ثلجيٌّ يرتجُّ أمام حسابات القيامةِ ويختلّ ميزانه

إذا بقوِّةٍ عمياء تجتاح النِّظام المرتقب

تختلط الملائكة والشياطين داخل نغمةٍ

تبدؤها الأبدية والأزلية

بفرقعة اصبعين يخشيان الانفصال.

(15)

روحي تتعلَّقُ بخيوطٍ تتجزَّأ.

لا القيدُ يطْلِقُهَا إلى مَعْنَى المعدن.

لا القيظُ يَمْنَحُهَا ابتسَامَةَ سرابٍ يتلوَّح بوجُوهٍ تَهْفُو إليه.

قلتُ أحْمِينَا يا حِمَمَ البَاطِنِ مِن أرْضٍ أيَقْظَتنا ونَحنُ أَيْقَاظ،

قلتُ اختَتِمِي هذه الجَّلَسَات المتواصلةِ بخِطَابٍ مُبتَذَل،

يوقفُ الغزالةَ من رَكْضِهَا أمامَ الأسَدِ الأعْمَى،

يوقفُ الجرادةَ من كَوَابِيْسِهَا بِمُبِيْدَاتِ الكِيْمَياء.

رُوحِي تَتَقَلَّصُ على خُيُوطٍ تَدُكُّ بُنيَانها بأنقَاضِهَا.

اخبري انجذاب القَبْرِ لحَجْم الجثَّةِ بلغتهِ؛

اخبري اشْتِيَاقَ الصَّخَبِ لكَوْبِ عَيْنَيْنِ تَسْقِيَانِ صَحْرَاءَ كاملةً بِعَطْشَى يَخْنِقُونَ العَالَمَ باستغَاثَاتِهِم.

روحِي تَتَوَقَّفُّ في الأدْنَى مِن خُلْوَتِهَا،

وهي تُدَاهِنُ جَسَدَ فتاةٍ تَسْتَحِمُّ بعُذْرِيَّةٍ تَقْتَفِي أثرَ وَجْهِهَا فِي البُحَيْرَة؛

وهي تُشْرِقُ بِجَسَدِهَا اللمَّاعِ أعلى قَوَامٍ فَجْرِيٍّ يُسمَّى فَماً يُجْرَحُ بابتسامة.

هيَّا يا قيمَ التجمُّعِ أمَامَ نيرانٍ تَلْتَهِمُ ثَلْجَهَا.

هيَّا يا وُشُومَ أشلاءٍ تَقْتَنِصُ خَيَالَ خَنَاجِرٍ مزَّقَتْها.

هَيَّا. هَيَّا أيَّتُهَا البُحَيْرَاتُ الملوَّثةُ بانفصالِ أبَدٍ مِن أنْهَارٍ باخْتِيَارِهَا هَذَا الاسم.

دَعِي شواهدَ القُبُورِ تُسَمِّيْكِ الجُّغرَافيَا؛

دعيها تتوجَّهُ إليك بقرابين تساوي بينك

وبخارٍِ يتقشَّفُ بذكرى أطفالٍ يلعبون بجانبها.

هيَّا،

أغرقيني بمُلْكِي لأراك.

(16)

بأعضائهم ينحتون التماثيل

_هؤلاء البشر_

في أحلك اللحظات دماراً

تتشوَّقُ أصابعهم دائماً لتجويف كُتَلِ الكون

لتعريةِ خواء الكُتل

لطهي الغموض على عيونهم المفتوحةِ على الرمق الأخير

حيث لا أبدَ يستقصي وجه غريزةٍ يستحمُّ بشلالات تيههِ

حيث الصرامةُ مِهنةُ الخَلقِ والتَّشويه.

أين الحلم بين كلِّ ما يبين من أشباحٍ وأجسادٍ حقيقيّة

غير حُبِّ الفَتكِ والإرهاب في عطر الوردةِ ذات الأجنحة

غير وردةٍ وجمالٍ في عطر جثَّةٍ تحرَّرت بالحرب وهي تودِّعُ أجنحتها؟.

(17)

أعضاءٌ

تتخلَّصُ من أعضائها الممنوحةُ من تاريخ السَّيرِ على الأرض

لتَكُونَ الليل بصباحهِ يتناسلان بكتمانٍ محيِّرٍ يُظهرُ نقاء الزمن.

أعضاءٌ كلٌّ في انبتاته يرقص في الهواء

اليدُ تنسج ظلال حيواناتٍ متحرِّكةٍ، جماداتٍ سائلةٍ وخفقُ قلوبٍ

العينُ تخلطُ الألوان بالجدرانِ والإنسانُ يسيرُ مقلوباً مع رقصها المجنون،

تسيلُ منه كلَّ نظرةٍ وتشبيهٍ وحَرَكة

حركة الجلد ينكمشُ بحنانٍ على نفسه دليلاً على المساواة في سخافة الوجود،

وجودُ العظام بلا لحمٍ هو رقص العظام

عظامُ جمالياتِ أمراضٍ نهائيةٍ تؤدي للموت هو رقصُ قلبٍ مسحورٍ بالحصار.

أيتها الأعضاء،

قلبٌ أيتها الأعضاء.

(18)

عندما خُلقت اليد

تورَّدت شهوات الجسد الخامل

انعقف عُنقُ الوردة

تكوَّن الوَتَر في خيال أصوات الطبيعة

تقشَّفت الحلمةُ النَّهديَّةُ تنتظرُ الأصابع.

عندما نَظَرت العين

التفتت المرآةُ لملامح العالم تَضحك

انكسفت شامات الجِّلد التعريفية أمام اللون الأسود

توهَّج بلاءُ التُّربةِ المتكتمةِ على المقابر

احتفلت الجذور بخفائها

وانمحق العالم لجمالياتٍ خرقاءٍ تتجسَّدُ:

علاماتٍ تَجرحُ خَوف الكون من وجوده

كلابات تنتزعُ الألوان من حياتها

الحواجبُ وجدت معنىً للانفعال

والتيَّارات الجوفيَّةُ الخارقةُ لعين الجَّمال

أدْمَعت.

عندما أحاط الجلد، الشَّعر، الحراشف، التحجُّر، الشّوك،

بالمخلوقات،

سُلِّمَ البرد لكآبة الوحدة

تُوِّجت الأنوثةُ على هَرَمِ التسويق والقصف ملكةً أبديَّةً

وتحجِّم دور الشمس إلى ضوءٍ يشبه الكثير من الوجوه

تغاضت الجرائم عن سيول الألم

وانمحى التشويه من الوجود.

تصاغرتُ

وتعلَّمت الشحاذ

وغريزةٌ وحيدةٌ في المنعطف لا تملك اسماً

ستظلُّ مجهولةً

الغريزة الغامضة تمنح الأسماء

وتغربُ بأنفاسها الأخيرة

تخلق القيامة في يدِ الكون الزمنيّ

تمنح العالم قدرته على البقاء مُحيِّراً

محدَّداً، يقينياً، مرئياً، جيِّد المادَّةِ، مكوّناً، ذو إلهٍ، عبداً، شاهداً، متكسِّراً بالانعكاس، متجرِّداً، مُمتعاً، حمَّال وجوهٍ مراقبةٍ، حياً، مُختاراً ومحبِّاً لذاته مانحاً حبَّهُ لمخلوقاته لتُحبَّ ذاتها. بهدوء

بهدوء.

سخونةُ جوفٍ تُعربد في الأعصاب

غيرةٌ مكبَّلةٌ بأثقالٍ تحملها لأجل التباهي تغمز لها

بجانبها تمرُّ سيارات الإسعافِ تولولُ وتتحمَّلُ عرق الضمادات

إذ بداخلها

تُحملُ أجسادٌ خياليةٌ لا تمتُّ للحقيقةِ بصلةٍ

لكنَّ الذباب ينتهكها وهي المُجرَّحة

إنها الأعضاء تتنافس؛

سخونةُ جوفٍ يسهرُ الليل يعدُّ تقلّبات وجه حبيبه على الملامح:

مرَّةً ملمحٌ بالخنجر

مرة ملمحٌ ببراءة التكوين، واختيار الخَلق.

هي لحظةٌ جوفيّةٌ تلك التي قُذفنا بها

_نُحسُّ يا إلهي_

للأرض نتسابق

نبحلقُ في ثياب بعضنا البعض:

كم تلدُ من سراباتٍ

كم تتعرَّق أقداراً شفهيّةً يُبلغُها الملاكُ السماءَ بخضوعِ جسده الخالي من الرغبة.

من كلٍّ تعلمتُ إشارة

وسوقتُ لنفسي أن تُسميها (دموع)

تماسيح الدموع تفتحُ أنيابها محشوَّةً بطيورٍ خائبةٍ في الأسفل

في الأعلى قيدٌ حديديٌّ دمويٌّ لا يُدرك معنى الصوت؛

إذ هو خيال الصوت

هو الشفاه الناطقة بالصوت تتقطَّرُ خَمرَ قُبلٍ خائنةٍ

هيا يا قطعان العالم

قطِّعي أعضاءك

كوِّميها أمام عيونٍ لم تُمس بحياة.

مأمون التِّلب

يناير – مارس

2008م


ــــــ

اللوحة: دافينشي

تعليقات

  1. شكرا مامون للفعل المشرق

    دمت

    عصام

    ردحذف
  2. well done Mamoun
    all best wishes to you
    Hind

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

لماذا الحرب؟ - رسالة تسيغموند فرويد إلى آينيشتاين

تَرَانيم مَحموديَّة - شذرات متفرّقة في ذكرى اغتيال الأستاذ

The Beauty of the Silly - نجلاء عثمان التوم

 The Beauty of the Silly  نجلاء عثمان التوم


إلى عثمان حامد سليمان
هل يمكن تشريح الأصالة؟ هل يمكن الكشف عن شعوبها الداخلية دون مجزرة؟ أنا مدفوعة هنا بالحجب الأصيلة التي يغزلها الغناء السوداني حول نفسه فيبدو لنا أحياناً شيئاً محيراً، لامع الحيرة. عندما نتجرد من العصاب الذي نسميه الفهم، وننطلق في رحلة متحللة من كل غاية، ونستمع إلى الأغاني السودانية بأرجلنا ومصاريننا، نشعر أن الطاقة التي تتهدج في الجو هي، ولا شيء خلافها، الهوية. لكن تظل أصالة هذا الغناء شيئاً غامضاً جداً وعصياً على التعيين. ثمة إستراتيجيات، أعتقد، أيّدت هذه الجذوة التحتية. أولاً تحتجب الأصالة، في معظم الأحيان، في تمويهات هزلية تنتجها قوالب شبه ثابتة محكومة بشهوة الرجز، والطلاقة الشعبية، والنبرة العادية في الكلام. فالغناء في الأساس هو مكان التغزل في اليومي والعادي في أقرب نسخه إلى الواقع. وكلما تشبثت الأغنية بسوقيتها المعروقة، كلما تصير إلى درجة من أصالتها الصحيحة. لكن الفن هو دائماً تدخل معقَّد، فلا نجاة من سطوته، لكن التحايل عليه ممكن. فعندما تبدأ أغنية ابتهالية، فيها تسجيل لمغامرة البلاغ العشقي والوصال الكامل، بعبارة “الحج…