التخطي إلى المحتوى الرئيسي

إبحث عن العاطفة - محمد الصادق الحاج




إبحث عن العاطفة
(تجريدةٌ أرضيّة/قِطَاعٌ مستعرض)
محمد الصادق الحاج

(1)
إنَّ مداومةَ الإنتظارِ على سطح هذه الكتلة المتقبضة من العناصر «الأرض»، ومراقبةَ الإقامةِ الوجوديةِ بعينِ المسطرة، وقياسَ خياراتِ التوازي والإنحناء بين حيادِ الأفق المنظورِ وحدودِ عمائم الأشجارِ والمباني؛ يحضُّ على التورُّطِ في تصوُّراتٍ خاطفةٍ تتعلَّق بالطردِ والإقصاء. لأنّ الزوايا السوداء، التي توفِّرها الأجسامُ الكثيفةُ للرَّائي ليلاً، تعطي ذلك الإحساسَ النادرَ بهشاشةِ الموضوع وبساطةِ ما ينطوي عليه العمرانُ من هذيانٍ مدنيّ قاصر. الزوايا القصيرة، القصيرةُ بجدِّيَّةٍ وإخلاصٍ صارمٍ قياساً بما يعلوها من فراغٍ طويلٍ، عاقٍّ، يَعِدُ بالخيانةِ لا غير، منغلقٍ على احتمالاته، عامرٍ بالفنِّ والسالبِ والصداقة: شعبٌ هندسيٌّ معلَّقٌ بين الأرضِ والسماء!. الفراغُ، هو الهندسةُ، مجتمعةً إلى رعاياها «الزَََّوَايَا» منذ فجرِ المادةِ خلف بابٍ مَطْوِيٍّ يتجادلْنَ حول فداحةِ الحرِّيَّةٍ في حالِ انطفاء محرِّك الرغبة. الفراغُ ينصت محاولاً بقدرِ الإمكانِ تفادي أن يمتزجَ بالنتيجةِ المحسوبةِ، مرجِّحاً أنَّ الشقاقَ الذي لا بدَّ أن ينشأ عشيَّةَ القيامة، سوف يكون برهاناً له على هشاشةِ البنيةِ القدريَّةِ التي يفخر بها برنامج التَّسلُّحِ الجَّماليِّ لجمهورياتِ الشجرِ والحجارة.
(2)
لا يزال العملُ آيةَ الإنسان، حتَّى سَرَت الصناعةُ في جدولِ الروحِ واْنفجَرَت شرايينُ الممكنِ الغالي وسالَ عقيقُ التسليةِ منها فطاماً للجماعةِ القويةِ من رضاعاتِ البناءِ والتكوينِ وعبوراً _تعبيراً؟_ إلى المراهقةِ الحضاريَّةِ، حيث يأخذُ سادتُها بالنظرِ شزراً إلى ميراثِ التراكمِ المخرَّقِ في كلِّ موضعٍ، ويَلْوُونَ أعناقَهم أنفسَهم متطاولينَ على الكونِ آخذين بأعطافهم بأيديهم حذَرَ الفسادِ ولا يُبَالونَ داخلينَ كأطوارٍ شرنقيَّةٍ على جَنَّةِ المحاولةِ السوداء. جنَّةِ الإختيارِ والمقدارِ والسردِ والذات: عروس السُّرعة. يدخلونَ، جنباً إلى جنبِ الرَّعَايا الذين ضرَّجَت التسليةُ عيونهم بلذاذاتِ الحقائقِ المتخيَّلة، فاْنزلقوا بدورهم، نحو الجنَّةِ عينها التي ظنَّ الأقوياءُ أنهم مستفردون بها فَمَانِعُو الإنسانَ من خيراتِها؛ خيراتِ الضلال.
(3)
بدا للرائي من جُحْرِ الصعلكة، أنَّ «الكمالَ» لم يَعْدُ كونَه مفردةً محمَّلةً بتاريخٍ إزدواجيٍّ مشروطٍ ومستعارٍ، هو في الحقيقةِ تاريخ مفردةِ النقص. ليس بعيداً جداً عن ذلك، ولكن بعيداً بحيث لا يسهل الوصل بين التصوُّرين إلاَّ بلاغياً، يبدو الآن لِعَيْنٍ حفيدةٍ عاملةٍ تحت يد الرائي، أنَّ الكمالَ هو مستهَلّ كل وجود. يبدأ «الكونُ» والكمالُ بين يديه، وينتهي، فإذا الكمالُ شظايا. ذلك، لأنه ما برح الكمالُ مادَّةً خام، طينةً أوَّليةً، حالةً وجوديَّةً تبدو لي من هنا _حيث الأرض الملوَّنة، مهد عيني_ أشبهَ بصورةٍ شمسيَّةٍ سالبةٍ تتبذَّلُ في روحِ الكائن وتتقزَّحُ تبعاً لمحاولاته، ذاهبةً في تهتُّكها عميقةً كصَوَابِ الأرض، وبالألوان. إذاً، ليس الكمالُ بهذا القصدِ غايةً، ولا هو جائزةً تُعطَى، فما بال الصناعةِ تهذر؟!.
غير أنَّ الكمالَ حربٌ إيمائيَّةٌ خالصةٌ لا خصومةَ فيها، ولا فيها أطرافٌ تتناحر، حربٌ مجهريَّةٌ يخوضها الشيءُ ولا ضدَّ له غير صورته منسوخةً وقد طفحت على الوجهِ كلّ الإيماءات العضليَّةِ الممكنة، فيَبْطُلُ في الشيء معنى وجوده قبل أن يَبْطُلَ الكمالُ تبعاً لانتقاضِ المعنى. إذاً.. تطلُبُ الصناعةُ المعنى لا الكمال، تطلبُ كلَّ أوْجُهِ الصورةِ المستترة، تطلب التَّأويلَ فالإيماءاتُ تؤلم، تطلبُ الوضوح، تطلبُ تقويضَ المُطْلَق، تطلبُ الصناعةُ تجزِئةَ الكمال.
(4)
إنَّها العيونُ الكثيرةُ الصلبةُ، التَّموُّجاتُ المجنونةُ على سطحِ الخشبِ المخروط، مُوْكَلةٌ أبداً بتدبيرِ ما يقابلها في المجازِ الصناعيِّ من نِيَّاتٍ جماليَّةٍ تُفهَمُ ضمنَ سياقِ الإيضاحاتِ الشعريَّةِ التي يتقدَّمُ بها أشخاصٌ مُحِبُّونَ للطبيعة _ بالنبرة الأوروبَّيَّةِ التي صاحَبَت جَدْعَةَ التَّنوير_ وهُمْ إلى ذلك غايةٌ في اللطفِ والرهافة، تائقون إلى عشائرَ نباتيَّةٍ عاقلةٍ تقْبَلهم كأعضاء حقيقيِّين داخلَ أنظمتها القَرَابِيَّةِ، بتأمينِ نِيَّاتِهم التي تبدو أدبيَّةً وذاتَ طابعٍ تركيبيٍّ قابلٍ للتَّأويل مثل عيون الأشجار. أمَّا في المجازِ الحالكِ للفخِّ الأرضيِّ، شبكةِ التَّلاقياتِ الداخلية الممكنة، فالمنظرُ المؤهَّلُ للعملِ في خدمةِ الزَّمانِ، لا ريبَ يشبه طائراً طينياً مشعَّاً يتخبَّطُ في الدغل. هو شكلٌ، بنيةٌ وحشيَّةٌ محتميةٌ بالسلامِ المحيِّرِ وقوَّةِ المسكنةِ التي تميِّزُ الأشجارَ بعامَّةٍ وتدفعها للإيمانِ بعدلِ الإحتمالات. البنية نفسها المفضوحةُ في كلِّ الأدواتِ والأثاثاتِ الخشبيةِ، والمعرَّضةُ للإطراءِ أو النفور، غير الحصينةِ أبداً ضدَّ المسلكِ الإستعراضيِّ التَّرفيهيِّ العائدِ إلى عملِ النجَّارينَ على تجفيفِ روحها، مقروناً بنفخهم عليها روحاً أخرى، إنسانيَّةً، عاطفةً زخرفيَّةً رهيبةً، لا يَسَعُ المهتدي إليها غير أن يهلِّلَ مخنوقاً من أعماقِ طائره المطروحِ أرضاً مخذولاً في الجَّمالِ ممتّنَّاً للكمال:
خادمة الزمان، هذه البنْيَة، هي التي كشفَت لي عن أجمل الأصابع في العالم، وأفاءت عليَّ بنعمةِ أن أتذكَّرها متى ما عَنَّ لي ذلك. ولقد بدا لي حينذاك، أنَّ تخفاقها الهيِّنَ، حالَ المِزَاح، هو احتفالٌ صاخبٌ _بالأصابعِ ذاتها، وهي تَخْفِقُ من أجل ذلك_ داخل لحظةٍ مُطبَقَةٍ على نفسها لا تحدث مطلقاً ولا تنقضي. صرخاتٌ، قلوبٌ رعناء تتفتَّقُ طَيَّ اللحظةِ كالأزهار، جلودٌ حيَّةٌ لم تَكْتُب عليها تجاربُ الأرضِ شيئاً مما تحفره عادةً بأسِنَّةِ النَّظراتِ على الجلود، تتعرَّى، ويطفر منها حبرُ الولاداتِ المخاطيُّ النَّاضج. سكونٌ خشبيٌّ كاسرٌ، يحتفل بالأصابعِ النَّادرةِ التي ارتَخَت عليه عابثةً ورشَّت الأمواجَ النائمةَ بدفقةٍ عفويَّةٍِ من إبريقِ الخلود، قبل ان تنسحبَ بخِفَّةٍ لا مثيلَ لها غير خفَّة ذلك الوشاحِ إلهِيَّاً يلاعبُهُ النسيمُ رأيتُهُ عالقاً بإفريزِ إحدى طبقاتِ الفردوسِ، هذا، وتذهبُ، منحدرةً بها سيَّارةُ النَّقْلِ العموميِّ نحوَ سوقِ «الشجرة». رأيتُ الرُّعبَ في زهرةِ الجَّسَدِ تفسيراً سينمائياً للشيءِ العاري ممزَّقاً تحتَ أسِنَّةِ الإيماءاتِ يَلُمُّهُ معجمُ النَّباتِ شِلْوَاً شِلْوَا. وإنَّ شيئاً ما، في المطلق، يَبْطُلُ أن يُعَدَّ جَمالاً... ما مَسَّتْهُ يَدٌ بالصناعةِ والتحريف، فهو إذْ ذاكَ فَنّ.
(5)
اليَدُ موضوعٌ، وهي طائر.
اليَدُ ذاتٌ، وهي فضاء.
(6)
لا يَسَعُ عاملاً _أيَّ عاملٍ في أيِّ حقلٍ من حقولِ التَّراكمِ الإنسانيِّ المتجمِّعةِ حولَ هيكلِ الوجودِ عناقيداً هندسيَّةً من الملاحظاتِ والمعلوماتِ والبياناتِ_ إلاَّ أن يُجَزِّئَ الكمالَ، وبالذاتِ في اللحظةِ التي تَلِي نظرَتَهُ التَّقييميَّةَ إلى عَمَلِه، حيث يَرى لأوَّل مرَّةٍ صورةَ أثَرِهِ ممزَّقةً بأسِنَّةِ المعنى هذه المرَّةِ داخلَ عينِ المستهلِكِ الذي يبحث دائماً عن ضالَّةٍ واقعيَّةٍ ممكنةٍ تَفِي باْحتياجٍ مستحيل: آلةِ الكفاية؛ مجسَّمِ الرِّضا؛ نهائيِّ السلوى؛ مفتاحِ الفردوس: الأداةِ السَّبَبِيَّةِ التي يمكنُ له أن يأخذها بيَدِهِ مرَّةً واحدةً وأخيرةً فيصرَعَ بها الضَّرورةَ وينفيها من حياتِه نهائياً. إنَّهُ يتوقُ إلى الجَّنَّةِ سعياً في طلَبِ اللاعمل واللاحتميةِ هرَباً من الأشياءِ والأفعالِ والواجباتِ ذاتها التي يشدو بها ويدعو إليها ويقتل في سبيلِ الحثِّ على الوفاء بها!!. كُن عاملاً حقَّاً، ثمَّ مِلْ بأصابعك إلى خلوةٍ وتَدَبَّرْ فيها لساعةٍ بأظافِرِها، ولَسَوفَ تَرى كم يرضيك في قرارةِ نفسِكَ حَدَّ الثُّمالةِ أن لا تهتمَّ لإرضاءِ أحَدٍ مطلقاً، ذلك لأنَّ... يا للهول...
(7)
... ثُمَّ إنَّهُ ما من بَشَرِيٍّ يَجُودُ على بَشَرِيٍّ مثله بشهادةِ الكمال، وإنْ حدَثَ من بابِ الإيثارِ والمحبَّة، فما الشَّاهدُ أساساً، وما الإمتيازُ في ذلك؟. أعني، إنَّ البَشَرِيَّ لم يَعُدْ يطيقُ طبيعةً وسَجِيَّةً أنْ يَهَبَ البَشَرِيَّ يقينَ كَمَالِه، وإلاَّ شَهِدَ على نفسِهِ ضمناً بما هو أصليٌّ في جِبِلَّتِهِ مستنكَرٌ في تراكماتِ ثقافته وتربيته: أنَّه هو ذاته صنيعةَ الخيال، خَيَال مثيلِه الذي وَهَبَهُ يقينَ وجوده. البَشَرِيُّ صانعاً، هو الطَّاحونةُ ضدَّ الجَّمال، هو الأيْضُ الغذائيُّ الذي لا يمنحك مِمَّا يمكنُ لَمْسُهُ عمليَّاً باليدِ إلاَّ ما لا تريدُ وما لا تستطيعُ لَمْسَه. قد يكون ذلك فاتناً، شعريَّاً، ملهماً، فنِّيَّاً، لكنَّه حتماً يجافي الجَّمال. فالذي حدَثَ، هو أنَّ البَشَرِيَّ قد أسْلَمَ ما عنده بالفعلِ إلى المطلَق، ولمَّا رأى الجَّمالَ الذي تخلَّقَ عن بأسِ يَدِهِ وخيالِه في هيأةِ ما بَدَا له حقَّاً وذاتاً ومنزلةً تفوقُ النَّوَالَ، تألَّمَ، لأنَّه هو الذي أعطَى وأوْجَدَ، وهو الذي شَهِدَ ثمِّ شَهِدَ، ثمِّ لم يعد قادراً على أن يفعل أيَّاً من ذلك، حتَّى ولا لنفسه.
(8)
يبدو كلّ شيءٍ في الوجودِ مُسَلِّياً تحت مجهر الفنّ. القتل، الألم، البلادة، الجُّنون، المرض، الرغبة، الشِّعر، الخجل، الإعلان...!.
تبدو كلُّ الهياكلِ منجَزَةً، والحقولُ حولها مُلْتَمَّةٌ كاملةُ المُوَافَاةِ لمحصول التَّراكُمِ الوفيرِ، ممسِكةٌ بأطرافِ وَصْلاتها الحيَّةِ تفعمها بفائقِ الحبِّ والإنتماءِ في صرخاتِ الخرومِ الإرتباطيةِ المنادية.
تبدو كلُّ الخيالاتِ ممكنةً، فهي إن أمكنَت في العقل _وإن نافَتِ الحسَّ_ فقد امكَنَت ضمناً في الواقع.
(9)
إنَّ البُنَاةَ والصانعين على أيةِ حالٍ لا يريدونَ أن يتركوا فجوةً في هذا الوجودِ المخرَّمِ دونَ أن يسُدُّوها بالإفتراضاتِ والأفكارِ والخيالاتِ التي قد تتمثَّل أشكالاً فيزيائيةً حقيقيةً في كثيرٍ من الأحيانِ وعقليَّةً مُستَمَدَّةً من يَدِ الوهمِ في غيرها.
غير إنَّ كلّ مجهودٍ ترقيعيٍّ على هذه الشاكلة، وإن رَقِيَ في القدسيةِ والمجدِ مَرْقَى ما لا يُسْتَعَادُ إنسانياً، فهو في مَدَارجِ التسليةِ يَدرُجُ وإلى غاياتِ التَّرفيهِ والإستعراضِ يسعى.
وحُقَّ لِمَن يحرِّفونَ الكَلِمَ عن مواضِعِه، ويَنْحَلُونَ الأنبياءَ والآلهةَ ما لم يقولوا، ويُجَرِّعونَ الهياكلَ الملكوتيَّةَ القُدُّوسَةَ شَرْبَةَ الخيالِ اللاذعةَ، أن يجدوا في هذا الزَّعمِ حُجَّةً على مَن يطعنونَ في سلامةِ منقولاتهم الخَبَرِيَّةِ المتخيَّلة.
إنَّهم المُسَلُّونَ العظماء؛ مهندسو أصنام الحقائقِ النَّائمةِ في الضلعِ الأعوجِ للزَّمان؛ بُنَاةُ الحضاراتِ الفعليونَ، يُوْمِئونَ بنا إلى المطْلَقِ في إشاراتٍ بالغةِ اللوعةِ حالَ مَن لا وجهَ لَهُ ويَبْغِي أن يَسْتحسِنَ النَّاظرُ وجهَه، لا عينَ ويبغِي أن يَرَى، لا لسانَ ويبغِي أن ينطق، لا أُذُنَ ويبغي أن يَسمعَ رنَّةَ النظامِ الكلِّيَّةِ عند سقوطِه سهواً عن يَدِهِ، وهو بغير يدٍ ويبغي أن يلطُمَ المجهولَ على فَكِّهِ المتدَلِّي، ...، يُوْمِئونَ بنا، و«الإشارةُ نداءٌ على رأسِ البُعْدِ وبَوْحٌ بِعَيْنِ العِلَّة» كما كَتَبَ الشيخُ الرَّائي محيي الدين بن عربي، وهو لا ريبَ واحدٌ من سادةِ المحاولاتِ مُقَزِّحُو صورة العالمِ في أعيُننا بِهِبَاتِ التسليةِ ونورِ الحقائقِ المتخيَّلة.
لأنّه ما من بنيةٍ إجتماعيَّةٍ أو منظومةٍ ثقافيةٍ، سياسيَّةٍ أو عقائديةٍ تسودُ وتؤثِّرُ بصورةٍ واسعةٍ في نشاطِ البشر إلاَّ وكانت التَّسليةُ هي الإستعراضُ البدنيُّ والذِّهنيُّ والتعبيريُّ الطَّاغي الذي في طيَّاتِه تكمُنُ أسرارُ هذه المنظومة، وهي من خلاله تتباهى بكلِّ ما لديها، ابتداءً من حركةِ مِشْطِ الحلاَّق، مروراً بفنونِ الطَّهيِ والجَّريمة، وانتهاءً بأعمقِ وأعقَدِ الفتوحاتِ في العِلْمِ وما وراء الطَّبيعة. أجَل، التسلية، هي حاملةُ الرِّسالةِ السَّالِبَةِ الشُّعُوبَ صَوَابَها، وهي الأداة الفاعلة في سيادة وتأثير هذه المنظومةِ أو تلك.
(10)
والتسلية التي أعنيها هنا، ليست هي محض التَّهريجِ، وإن صَحَّ عليها هذا النشاطُ الترفيهيُّ في مرحلةٍ معينةٍ من تاريخ البشر، ولعل الأصوب هو، أن هذا النشاط الهازلُ المستطرَفُ صَحَّ على التسلية في جانب من حياة البشر، بدأ مع أولى شرارات الفن والنظر في ممكنات العقل ولا زال يرافق الإنسان، ولكن في سياق المعذور سلفاً عن مهمة الرائي. التسلية، هنا، بصورة أساسية هي: إدراجُ المجهول في العَرْض الطبيعيِّ للواقع، إستحضار المعقولات فيزيائياً «تأليفُ المستغرَب والمستحيل»، أي جعله أليفاً. «تعبيرُ» الخيال، إي إعانتُهُ على العبورِ من وحشةِ لا إنسانيَّتِهِ السَّالبةِ إلى صِفْرِ الواقعِ إنسانياً وإرسالُهُ من ثَمَّ إلى وحشة لا إنسانيته الموجبة، وهي وحشةُ كلِّ خيالٍ رَمَتْ به مفرزةُ التفاضل والتباديل إلى فم العين البشرية الشرهة، وحشةُ كلِّ فنٍّ؛ الوحشةُ التي اْسْتَمْلَكَها الإنسانُ لأجْل كلّ أعمال الشعور وقَدَّسَها ضرورةً، مُذْ كانت خاليةً، هي الوحشةُ التي تدعوها الثقافاتُ «الخلود» و«الحكمة» وتدعوها الدياناتُ «الجنة» وندعوها «المقدار».
تعتمد التسليةُ في ثقتها بقابليَّةِ البشر لاْعتناق محاولاتها الحثيثة لترقيع الخروم على الممكن سارياً ومحيطاً بالوجود. تعتمد عليه، لا لِكَوْنِهِ مأمونَ الجانبِ وأدنى إلى التَّنَصُّلِ منه باْعتبارِهِ واقعاً إمتناعياً، إستعراضاً فنياً يكون أو لا يكون، أي لا لِكَوْنِهِ، بتعريف إخوان الصَّفَا شُرَكاءِ المحاولة إن قِسْنَاهُ على «الإرادة» بالمرادفة: «إشارةٌ بالوَهْمِ إلى تكوينِ أمرٍ ممكِنٍ كَوْنُهُ وكَوْنُ خِلافِه». ليس لهذا فحسب تعتمد عليه التسلية، بل لأنه _الممكن_ على وجه التحديد: قوَّةٌ غاشمةٌ غير منظَّمةٍ، غير عاقلةٍ، غير أخلاقيةٍ، غير حسابيةٍ، وبالأساس، غير ميكانيكية. ولأنه إذاً، قوةٌ وجوديةٌ متعلِّقةٌ بحُرِّيةِ المحاولةِ والإختيار. وكل ما يحصل في العالم _على نحو ما تفترض آليةُ نشوءِ وتأثيرِ التسلية_ هو حاصل هذه الحركة، وهو سليمٌ وصحيحٌ وواقع، لكنه مع ذلك قابلٌ للتغييرِ، ومستسلمٌ لجبروت المحاولة. لا خلل، لا نقص، ولا غلط في الكون على الإطلاق، بل الممكنُ، العارضُ، وحركة المحاولات، هذا هو ما ينتجُ الواقعَ على مستوياتٍ عديدة _تباديل_ فمنها ما يُسْتَعْمَلُ فيكون هو الواقع الحاصل المصطنع من مجموع اختيارات البشر واحتمالات مسالكهم المتسلسلة، ومنها ما يؤجِّلُهُ يقينُ الإختيار أو أرْجَحِيَّتُهُ، فيتنحَّى على أمل أن يعملَ بديلاً عن إحتمالٍ تلف أثناء استعماله. والتباديل هذه في مجملها _ما تَمَّ تنشيطُه منها وما أُبْطِل_ هي مادة الممكن، التي يقوم عليها العالمَ ُفنياً مُهَيْكَلاً واضحَ الخرائطِ والمسالكِ، ولكن... ليس جميلاًَ، كاملاً ولكن على أجزاء!، لأن الفردوس في عين المستهلِك، وهي عينٌ «ما يملاها إلاَّ التراب» مأثورةً عن أسلافنا في طريقتهم الحامضة لمعالجة مسائل الكمال المُجَزَّأ والنقص اللازم واستحالة ترقيع الفجوات في «هيكل الفارغ».
(11)
«البَنِي آدم، عينو، ما يملاها إلاَّ التراب». و«عينو» مشغولةٌ به _التراب_ تَزِنُهُ، تثمِّنه وتُقَنْطِرُهُ كنزاً في أسواق التراكم. التراب: الكنز الباهت. الحقيقة الباهتة. المنشأ الباهت.
ولأننا أرضيُّون، فلا سبيلَ لنا لأن نفهم اللسانَ الغرائزيَّ البهيمَ الأحولَ الذي يحرِّكه الترابُ في مؤخّرة الوجودِ، لأنَّ في أعماقنا الجَّمْرُ: ولنا رفاهية أن نزعم ذلك!. الجمر الذي فينا: القوةُ الطبيعيةُ، المستحضرةُ حسياً عبر الأدوات المصنوعة وفقاً لفرائض التراكم والملاحظة. الجمر مزدهرٌ حيٌّ في أدغالنا العضوية الرطبة، يتفتق في صميم محاولاتنا مثل شمس حيوانية متوحشة. الجمر في صلب تلك المكافأة، تلك الرشوة، تلك الحفنة الغالية التي اْستدركها الإنسانُ على نفسه بعد أن بُوْغِتَ بأنه أهدرها على الغرباءِ الرمزيين في حماقة الفجرِ وكيف بَدَت عليهم ولا أبهى، فلا غَرْوَ أن بقيت علومُ الأرض والسماء تَدُبُّ كالهَوَامِّ تحت تواضع هذه الإرتباطات التراتبية التي جَرَّها الإنسانُ على خياله ومصيره بأثر من سعيه لتجريد خطط الكمال: «الآباءُ يأكلونَ الحصرم والأبناء يَضْرِسُون»!. هذه المكافأة التي أكرم الإنسان بها نفسه فضلةً عن خيره وعن إسرافه: نسمّيها الرُّوح. الروح التي حين فاضت عن خيال المحاولة البشرية، واْنطبعت على رمز المطلق، لم يُطِق الإنسان أن قد خرج من لحمه كلّ هذا الفضل وأشرق على أرضٍ إفتراضيةٍ كادت تتجسَّد واقعاً سَويَّاً من قوة العطاء، فما كان منه إلاَّ أن لملم الفتاتَ الذي تبقى منها في جعبته وأفاضه على نفسه وقال: هذه نفخة الروح خَصَّتْنا بها القدرة من هناك. ولكن هذه الجمرة تَتَّقِدُ في النفخة، جمرةٌ، هي الكنز الغالي، كنز الذاهبين خفافاً أدراجَ التسلية، جمرةٌ لا يدركها العالم إلاَّ كنقص فينا، وهو أمر غير مَرِحٍ ولا لطيفٍ بتاتاً، هو الذي يولِّد فينا هذه الغربة اللعينة ويخلِّدنا في الألم!. هل تموت الجمرة يوماً وتصير تراباً باهتاً ينحَتُّ عبر شرائح الموقد الوجودي الحديديةِ المتقاطعة فنصبح بذلك قادرين على فهم لسان هذا الحاضر، وقادرين على الإتصال بالواقع في المفاتيح الملائمة مثل البشر الصالحين؟. هذا مشروطٌ بوضعيَّاتٍ خاضعةٍ لنظام التباديل، وباقيةٍ تحت عرش الممكن. فهل _من أجل كرامة المحاولة_ سيعود «ما وراء الطبيعة» عِلْماً حقيقياً ذات يوم، أي، علماً تجريبياً خاضعاً للرياضيات كما حلم إيمانويل كانط؟ وكما حلمت الأخيلةُ الحيَّةُ التي ألَّفَت «عرائس المجالس» و«ألف ليلة وليلة» وكما حلم السادةُ المبصرون المُسَلُّون العظماء: عبد الله بن عباس، محيي الدين بن عربي، بورخيس، إخوان الصفا، بيركلي، هوميروس،...
أي، هل حقَّاً، كما راق لهذه الظنون أن تزعم، نستطيع _باْحتذاء سبل التسلية_ أن نأتي بالمجهول كلّه طريحاً كالحوت على ترابنا الواقعي، مفهوماً ومستجيباً لقياسات الدنيا وهندساتها؟.
يبدو لي أن حاضرنا هذا هو جنَّة إفلاطون الشنيعة، تلك التي توعَّدَنا بها منذ دهور وبشَّرنا فيها بالحذف والنفي والغربة، فاْستبطَنَها العالم في حراكه حتى وافاها، فإذا بنا لدى صورة المثال هكذا!.
(12)
هنا، ما للمطلق من حصانة
كلاَّ!
وما للشاعر من امتياز.
(13)
هنا،
في كلِّ صناعةٍ
في كلِّ نشاطٍ فنِّيٍّ
في كلِّ قبضةٍ عاصفةٍ تدنو سريعةً من وجهك
في كلِّ جرحٍ يحاول أن يؤدِّي وظيفةَ الهادي
في كلِّ ضحكةٍ تَرُجُّ هواءَ القلبِ بعكَّازها فَيَلْتَاث
في كلِّ معدن
في كل يَدٍ طاغيةٍ
في كلِّ صرخةٍ مستضعَفة:
إبحث عن دمعةِ الوحش
إبحث عن المياه الكابوسيّة
إبحث عن العاطفة.

محمد الصادق الحاج
الخرطوم 2006م

تعليقات

  1. صعلكه هذا النص الطويل االلامنتهي الجميل، من شهد ميلاده عن محمد الصادق قبل عقدين من الزمان وتابع تجلياته في تطوره الفريد يدرك ان الجمال ﻻ ينتهي..هنا شخص فريد في فكره ورائد زمانه تعرفون محمد الشاعر ولكن نص صعلكه هنا محمد آخر شيئ فوق اﻷسماء ، انه أي ( نص صعلكه).-ﻻ محمد الصادق:فكر وفن!
    هيثم قنديل

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

لماذا الحرب؟ - رسالة تسيغموند فرويد إلى آينيشتاين

تَرَانيم مَحموديَّة - شذرات متفرّقة في ذكرى اغتيال الأستاذ

The Beauty of the Silly - نجلاء عثمان التوم

 The Beauty of the Silly  نجلاء عثمان التوم


إلى عثمان حامد سليمان
هل يمكن تشريح الأصالة؟ هل يمكن الكشف عن شعوبها الداخلية دون مجزرة؟ أنا مدفوعة هنا بالحجب الأصيلة التي يغزلها الغناء السوداني حول نفسه فيبدو لنا أحياناً شيئاً محيراً، لامع الحيرة. عندما نتجرد من العصاب الذي نسميه الفهم، وننطلق في رحلة متحللة من كل غاية، ونستمع إلى الأغاني السودانية بأرجلنا ومصاريننا، نشعر أن الطاقة التي تتهدج في الجو هي، ولا شيء خلافها، الهوية. لكن تظل أصالة هذا الغناء شيئاً غامضاً جداً وعصياً على التعيين. ثمة إستراتيجيات، أعتقد، أيّدت هذه الجذوة التحتية. أولاً تحتجب الأصالة، في معظم الأحيان، في تمويهات هزلية تنتجها قوالب شبه ثابتة محكومة بشهوة الرجز، والطلاقة الشعبية، والنبرة العادية في الكلام. فالغناء في الأساس هو مكان التغزل في اليومي والعادي في أقرب نسخه إلى الواقع. وكلما تشبثت الأغنية بسوقيتها المعروقة، كلما تصير إلى درجة من أصالتها الصحيحة. لكن الفن هو دائماً تدخل معقَّد، فلا نجاة من سطوته، لكن التحايل عليه ممكن. فعندما تبدأ أغنية ابتهالية، فيها تسجيل لمغامرة البلاغ العشقي والوصال الكامل، بعبارة “الحج…