التخطي إلى المحتوى الرئيسي

حول "خزعبلات" نجلاء عثمان التوم الأخيرة




حول "خزعبلات" نجلاء عثمان التوم الأخيرة
مأمون التلب

 خورخي لويس بورخيس


بعد أن نشرت رابط مقال (The Beauty Of the Silly)، المنشور بمدونة (طينيا)، وموقع مجلة البعيد الإلكترونية؛ بعد نشره على صفحتي في فيسبوك، أثار ردود أفعال جيّدة وأسئلة تدفع بالنقاش إلى الأمام، لا سيما البوست الذي افترعته الصديقة الأستاذة نجاة محمد علي بموقع سودان للجميع، وتعليقات على الرابط الفيسبوك. هذه كتابة للمساهمة حول المسئلة.

كانت الخطيئة الكُبرى أن نَظَرَ بعضُ القراء إلى نصّ نجلاء على أنّه نصٌّ خارجي، تحليل ونقد، ومن ثمَّ، مقالٌ في فنّ الغناء، إلى الدرجة التي نبَّه بها المغني الوليد يوسف أن الغناء ليس النص الشعري فقط!! بل المغنيين والأداء والعازفين المهرة! كمحاولة لمحاصرة المقال على الأسس والتقاليد التي يُكتَبُ فيها عن الغناء والموسيقى أو ما اصطُلِحَ على تسميته (بالنقد)؛ وما إلى ذلك من التأويلات الخاطئة والمحاكمات القِيَمِيَّة لكلمة (العوارة) وتكرارها الذي أثار الإشمئزاز عند البعض كما عبّرت الأستاذة نجاة محمد علي.
وكلمة عوارة مستخدمة في النص، ما أرى، هكذا: كصدى عميق للكلمة في استخداماتها اليوميَّة والأدبيَّة. غير أن خير شاهدٍ على قَلِب مفهوم العوارة هو (زين) الطيّب صالح كمستوىً كُشِفَت فيه العديد من أعماق الشخصيَّة السودانيَّة الغرائبيَّة لتشمل، بقلب قيمةِ العوارة، الإنسانيَّة كلّها. هي إحدى محاولات (قلب القيم) التي يُحدثنا عنها نيتشة، وكلّ محاولةٍ كهذه نابعةٍ من القلب ونار الخيال، متخطيةً حدود القواعد والنظم، ستجد ما يُعارضها، بالتأكيد، بل ويضرس. أو كما نبّهت نجلاء في بداية المقال: (أنا مدفوعة هنا بالحجب الأصيلة التي يغزلها الغناء السوداني حول نفسه فيبدو لنا أحياناً شيئاً محيراً، لامع الحيرة. عندما نتجرد من العصاب الذي نسميه الفهم، وننطلق في رحلة متحللة من كل غاية، ونستمع إلى الأغاني السودانية بأرجلنا ومصاريننا، نشعر أن الطاقة التي تتهدج في الجو هي، ولا شيء خلافها، الهوية). وقد كانت مهمّتها الغوص في هذا الغموض بالأدوات التي تحدّثت عنها؛ لقد حددت مهمّتها، والأدوات المستخدمة، بتجرّدٍ من عصاب الفهم، وبرحلةٍ متحررة من الغاية. أستطيع أن أتصوّر نجلاء وهي تكتب هذا النص الأدبي الرفيع:
مُحاطة بكل هذه الشخصيات، تماماً كما كان يبدو بيتهما، نجلاء ومجدي النعيم، في الخرطوم، حيثُ عُلِّقت صور الكُتاب والفنانات: أُفتَنُ بعشّة الفلاتيّة التي تُجاور خورخي لويس بورخيس مستنداً على عصاه. أراها محاطة بهذه الأغاني التي تكتب عنها، تُعاد وتُعاد طوال اليوم وهي تتمشَّى، تؤدي أمور المنزل، تغوص في الحياة وهي تستمع، تعود للكتابة، ذهاباً وإياباً. من خلال الأدوات التي اختارتها، كما كان هو شأنها دائماً في تلقّيها وفتنتها بالغناء السوداني، ومحبّتها وتدقيقاتها في هذا الموضوع الشائك جدّاً، والغامض كما تقول نجلاء: (لكن تظل أصالة هذا الغناء شيئاً غامضاً جداً وعصياً على التعيين).
يذكّرني ذلك بكتابةٍ أخرى.
عندما كتبت نجلاء عن خورخي لويس بورخيس، بكل هذه الجرأة والتحلل من الغايات، بكتابة من داخل مُقابلتها الشخصية مع بورخيس، وحديثها إليه؛ لم تثر الاستنكار، بل العكس؛ تلقَّى الناس الكتابة بالإعجاب والمحبّة المتوقَّعة بموقع سودانيزأونلاين، حتَّى أنه وُضِعَ من قبل إدارة الموقع في باب (مواضيع توثيقيَّة مُتَمَيِّزة)!! ألأن الاهجوم المنظّم من قبل مدافع النجلاء التي اقتحمت دون بالٍ للقواعد عالم بورخيس الداخلي وكتابته العريقة، بكل شجاعةٍ، ألأن بورخيس زول أرجنتيني ساي؟ أتألَّم الناسُ لأن الأمر يخص تصورات كلّ منهم عن عالم الغناء، وعندما وجدوا ما اختلف عن نظرتهم ـ إلى حدّ القطيعة معه في بعض الأحيان ـ لم يروا فيه سوى ربما (خزعبلات)؟ فإن نظرنا يا صديقتي العزيزة الأستاذة نجاة محمد علي إلى كلمة (خزعبلات) وجمالياتها بذات القلبة التي قدّمتها نجلاء لكلمة (العوارة)، لرأينا فيها الكثير من الحسن والإصابة في ما يخص الكتابة الإبداعية عموماً، فهي ـ كلمة خزعبلات ـ إن صَدَقت نظرتي لها فإنها الأصوب في مدح نص نجلاء، لا في ذمّه.
أعتقد أن من الأفكار الجديدة التي أبهجت الكثيرين في هذه الكتابة، في ما أعتقد، ولا أرى سبباً في إزعاجها للبعض، بل الأحرى أن يتلقّفوها بمحبّة: بأن وُضِعَت الأغاني (ذات المنجز الشعري الواضح – نجلاء التوم) في طابق الفنّ بصلابة وجذريَّة لا تنفصل عن مجمل تاريخ الفن، جنباً إلى جنب هذه (الاكتشافات) والأعماق التي تحدثت عنها نجلاء في شخصيات وأساليب وحيواة الأغاني. إن ذِكر بعض التجارب غير المُتَنَاولة في هذه الكتابة الجميلة كأساس للنص، كان بدافع المحبّة الخالصة التي تكنّها نجلاء لأشكال غناءٍ أخرى لا تنساب مع هذا المقال لأنها اتسمت (بالجديَّة)؛ إن الفرق هنا فرق (جديَّة/الصرامة - واللهو/العوارة)، ولا تقلّ إحداهما عن الأخرى أهميَّة، تقول نجلاء: (لمعروف أن القصائد الناجحة، ذات المنجز الشعري الواضح لا تصلح للغناء، وذلك لأن الشعر المعترف به لا يقر بالعوارة. ومع تقديري الكبير للنزعة التجديدية في أعمال ساورا، وفي أعمال متفرقة لمغنين مهمين مثل مصطفى سيد أحمد في “عم عبد الرحيم”، وحمزة سليمان في “منفستو الهمباتة”، إلا أن هذه الأعمال تُنَاقض المستقر البدئي لأصالة الأغنية، وهو اللا موقف. الأغنية الأصيلة لا تبشر بشيء، لا تشرح ولا تفلسف، بل تخجل من حكمتها وتحجبها بكل السبل. لا تصدر الأصالة في الغناء حقنا دا عن وجهة نظر، بل عن تهجّد وقلة حيلة وتشفّع وترجٍّ ودعاء ومحاولات شرح يائسة تزداد حكمةً كلما غابت عنها حكمتها).
وعندما تقول الشعر المُعتَرَف به فهي تعني بالتأكيد اعترافاً من مراكز الثقافة والتنوير في البلاد، والمجلات الأدبيَّة المحكّمة، داخل وخارج السودان، وفي الصحف والملاحق الأدبيَّة، إلخ إلخ. وفي هذا الشعر المُعتَرف به يدخل شعر نجلاء عثمان التوم ذاتها. ولنجلاء مساهمة في باب (العوارة) أيضاً: (تاكيت الباب واستنيتك صيفين وشتا، ورشَّة مطرَة)، والتي أحبّها الجمهور أكثر من الكتابة التي تعترفُ بها هي نفسها ككتابة، للدرجة التي أزعجتها وخلّتها تكره دين اليوم الكتبت فيهو القصيدة دي، والتي ذاع بها صيتها، لكنها حجبت ما تُعرِّفه هي بأنّه شِعرها (المنشور منه في كتاب منزلة الرمق، مذهبٌ في كمال النحول) إلى الدرجة التي تنرفَزَت على الهواء مباشرةً، في إذاعة (البيت السوداني إف إم 100)، عندما استضافتها الإذاعية لمياء متوكّل، وقد ضاقت ذرعاً بكثرة الأسئلة المحيطة بتلك القصيدة (الكارثية)، والتي توصّلت بجماليّاتها الفائقة، وعمقها العِشقي، وجرستها الشديدة، إلى الوجدان مباشرةً.
طيّب، تَرَى نجلاء أن في أصالة هذه الأغنية تكمن الهويَّة!: هنالك غناء مُعتَرف به وله جمهور كبير وشاسع، كذلك هنالك منجز شِعري مُعتَرف به، كما شرحت سابقاً، لكن لا ترى نجلاء في بحثها عن الهويَّة منبعاً في هذه الأشكال من الغناء والشعر، لأنها، ببساطة، لا تعنيها في هذه الكتابة ولن تعينها، لأنها ليست موضوعاً هنا، إنها مهمومة بالغناء الذي يُمكن أن يُفسِّر جانباً من هويَّة شعبٍ كما رأته نجلاء، فهو فتحٌ جديدٌ (بقوّة هذه الكتابة وليس لجدّة التجربة) في مضمار البحث عن الهويَّة، ولكن، هذه المرَّة، خارج التسميات القاريَّة والعرقيَّة والإقليميَّة والفكريَّة كذلك: كان ذلك من خلال (اكتشاف الغناء بعينٍ شعريَّة) متحرِّرة من كل خوفٍ ومُغالطة، إنها كتابة تأكيديَّة بامتياز؛ لا تبحث عن، ولا تعبأ بالتخطيء أو النقد، بل تقول قولها هذا وكان الله يحب المحسنين. إنّها تُعيّن أين ستحاول الاستكشاف، والميزان الذي قاست به الأغنيات المقتربة من الأصالة، ومن ثم الهوية: (ثمة إستراتيجيات، أعتقد، أيّدت هذه الجذوة التحتية. أولاً تحتجب الأصالة، في معظم الأحيان، في تمويهات هزلية تنتجها قوالب شبه ثابتة محكومة بشهوة الرجز، والطلاقة الشعبية، والنبرة العادية في الكلام. فالغناء في الأساس هو مكان التغزل في اليومي والعادي في أقرب نسخه إلى الواقع. وكلما تشبثت الأغنية بسوقيتها المعروقة، كلما تصير إلى درجةٍ من أصالتها الصحيحة).
كتبت الأستاذة نجاة محمد علي: (أيضاً، قدمت نجلاء، وبشجاعة تحسد عليها، عدداً من الأحكام القاطعة دون أي استدراك من نوع "في رأيي"، أو "أعتقد" أو "ربما"...إلى آخر هذه العبارات التي تجنب الكاتب الوقوع في اتخاذ حكم قاطع والنطق باسم الكل دون حذر ودون تجنب لمنح النفس حقاً ليس لها). وهو حقٌّ لها فيما أرى.
إن الأحكام في الأدب (يجب) أن تكون قاطعة، تتحدّث الكاتبة إلى نفسها، إلى من في داخلها مِن مَن تطابقت هذه التأكيدات مع تأكيداتهم، توجّه إليه ما تراه روحها بوصفها روح شاعرة مُدرَّبة ذات خبرة تظهر في الاستماع الحكيم الذي تمارسه نجلاء للرؤى والأفكار المتكوّنة حول الغناء، ومدفوعة (بالحجب الأصيلة التي يغزلها الغناء السوداني حول نفسه). وبقدر ما كان النص صادقاً وجميلاً ونابعاً من الأعماق الحقيقيَّة التي تنطق من خلاله، كلّما غاصت الكاتبة في هذه الكتابة إلى (لاوعيها) وكيفَ يُرى هؤلاء البشر (وليس الغناء فقط)، وتدرّجات ألوان شخصيّاتهم الداخليَّة، من فتحات اللاوعي الجبَّارة ذات العواصف، تخرج هذه التعابير الجديدة (المجافية للمنطق والحس السليم). إن محبّة القراء للنص تنبع من تطابق هذه التأكيدات مع تأكيداتهم، فتراهم يبتسمون، بل ويقهقهون ـ مثلما فعلتُ في الحافلة التي تَجَرَّأتُ وقرأتُ فيها هذا النص ـ بل إن هذه القطعيات هي ما منحت النص ذلك البعد الأدبي والشخصي؛ هذا النص، كما علمتُ، مستَلهمٌ من حوارات دارت بين الشاعرة والكاتب عثمان حامد سليمان، حوارات ممتدّة ومُكتَشِفَة، كما يُمكن أن يُلاحظ القارئ، ولهذا خَرَج بكل هذه المحبَّة. وإلى الكاتب كان الإهداء. لقد عَرِفَت الكاتبة أن محاولتها لن تتم دون مجزرة (هل يمكن تشريح الأصالة؟ هل يمكن الكشف عن شعوبها الداخلية دون مجزرة؟ - النص). مجرزة الإصرار على الفهم، فإن لم تفهم فإن ما أمامك غامض وغير مفهوم، حتَّى وإن كان واضحاً وضوح الشمس بالنسبة للكثير والكثير من الناس!. على الشخص الذي يُصِر على إعمال مجزرة الفهم أن يترك النص ولا يعبأ به. لكن، أن يقرأه إلى النهاية ناهلاً من كنوزه لا يُعطيه الحق بارتكاب كل هذه المجازر، بينما تطلب الكاتبة، منذ البداية، أن نتجرَّد من أسلحة المجزرة، إن أردنا الاستمتاع بهذا النص.
إن كل متجرّدٍ من خلفيات النقد و(كيف تكون الكتابة عن الأغاني) سيرى أن هذا النص هو من أهم النصوص التي كتبت في حقل الثقافة السودانيَّة، إن صحّ التعبير، وإنني لا أشك بأن الكثير من الباحثين سيأخذونه كنَص متذوّقة مهووسة مسكونة بالشعر والأشباح، وترافق في كلّ يومٍ فناناً إلى مكانٍ ما في العالم، تدخله بلا خوف، وفي شجاعةٍ تُحسدُ عليها جدَّاً. وتقتحم بأفكار إنسانةٍ، أفكارٍ شخصيَّةٍ جدّاً، وشعريَّةٍ جدّاً، روح كل فن. فكأنها تقول: يا لحظّي وكل هذه الكنوز من حولي.
تتحدّث نجلاء عن بورخيس فتقول:
 [لكن!، كيف أتجاهَل المتعة التي حفَّتني طوال هذا الوقت؟، إنها تجربة حقيقية بالنسبة إليّ، وهذا ليس كلاماً مجانياً. لقد أحطتُ نفسي ببورخيس بإحكامٍ لم أكن أبداً سأنجح في الحصول عليه لو تَقَصَّدْتُه، لكن للمرَّة الأولى، فإنَّ الأشياء تبدو واضحة وجليَّة بالنسبة إليّ. أنا مفتونة بهذا الكاتب لجملة أسباب تتولَّد بشكل متأصِّل وحَفِيٍّ وجميل جداً. وفي حالتي فإن قضاء ساعات تحت وطأة إشارة واحدة عزَّت على الترجمة هو نوع من العذاب الفاتن. كما إنني اكتشفتُ أنه ما زال بوسعي التألُّم بسبب صورةٍ شعريةٍ كنتُ قد قرأتها مراراً، ما زال بوسعي أن أكون على حافَّة البكاء بسبب قصَّة (إنجيل مرقس).
 قضيتُ ليلةً جنونيةً رفقةَ ثلاثةٍ من كتبك يا بورخيسي العزيز، وكنت أتنقَّلُ ما بينها كأنني أتطهَّر من نسياني لك على ذلك النحو القاسي. لقد تحدَّثتُ إليك كما تحدَّثتَ أنتَ إلى ديليا إيلينا سان ماركو في غيابها الأبديّ، كنتُ موقنةً من أنك ستسمع تلك الخطرفات إذا كنتَ أنتَ بورخيس فعلاً، وإذا كنتُ أنا فعلاً تلك الشَّظِيَّة. شرحتُ لَكَ أنني سعيدة بهذه الحَفْلَة المغمورة المهمَلة التي لا تضمَّ إلا روحَيْن ورمادَ جسدٍ كان لك ذات يوم، وهذه الكتلة المتشعِّثة التي هي حواسِّي. لكنَّ كتبَكَ في سريري، وحَوْلي ما يكفي من أساطيرك، ورأسي تدور فعلا ً. أفكِّرُ في مُحْيِي الدين بن العربي، وهو يحترق، وحيداً، في ذهنك المعقَّد. شرحتُ لك أنني سعيدةٌ بي؛ إذ لم يسبق لي أن احتفلتُ بشخص على هذا النحو، أبداً، وبصراحة؛ فإن ذلك يفرحني ويمدُّني بالإيمان. إنني أحِبّ حياتي إذاً، وهي شديدة الوطأة، وحتى لو أَضْحَكَ هذا التصريحُ المتعجلُ أسامة عبَّاس، فإنني لا أشعر برغبة في إخفاء ما أنا فيه من استثارة. يا له من سودانٍ فاجع!، لكن إذا كان بوُسْعِ بِنْتٍ أن تَشْهَقَ الفضَّةَ، في ليل الخرطوم، تحتَ سماءٍ محمَرَّة بسببِ أمطارٍ تهطلُ دائماً في مَحَلِّيَّةٍ أخرى، إذا كان بوسعها أن ترمي بخرقةِ النومِ في شمَّاعةٍ عليلةٍ وتنكفئ على شموعٍ أوقدها كاتبٌ يرطن قصيدتَهُ بالإسبانية في بوينس آيرس عام 1960م. إذا كان من الممكن، في هذا العالم الخائف الضلِّيل المهيبِ الجالسِ كله الآن إلى كأس العالم 2006م (يا لها من قَعْدَة) أن أكون حرةً لدرجة أن أفكر لدقائق طويلة في كلمة (عندليب)؛ يا إلهي!، عندليب؟، عندليب؟، عندليب؟، وإذا كان رَجْعُ هذه الكلمة قد أَجْلَسَ بورخيس إلى قصيدة، وأصابني بشجنٍ غائم، ألا يعني ذلك أن هذه الليلة،ربما، هي ليلةُ ليالي العنادل في كل قصائد العالم؟، ربما لا!، لكن، لَكَمْ يروقني أن انتظمَ في عقدها لو كانت هنالك رابطة أو جمعية من ذلك النوع. لا بدَّ أن الحياةَ فعلاً خارقة!؛ إنها جميلة وعجيبة وتنطوي على أسرارٍ صغيرةٍ ماحِقَة. للحَقّ؛ لم أكن على هذه الدرجة من التأكُّد ولا الشَّفافية حين أَوْرَدَتِ العبارةُ نَفْسَها في مقالٍ يَنْضَحُ بالحب ويتورَّط في تبجيلِ شخصٍ كان يرعِبُهُ التصوير الفوتوغرافي.
 لكنني الآن أرى بوضوح: لقد تعرَّضْتُ لتشويشٍ كبيرٍ أَلْحَقَ الأذى بحساسيتي. أصبحتُ ثرثارةً وكثيرةَ التَّشَكِّي، لم أعد أغَـنِّي في (تجريب)؛ ولا حتى بيني وبين نفسي. ضاعَ مني شيءٌ يشبه صوتي، تلعثمتُ في شوراع الحياة، وأدركتُ حظِّي من الفشل في الخروج بأيَّةِ حكمةٍ من السَّيْر المنضبِط أو المتعرِّج فيها. اختبرتُ الصَّلَفَ والأنانيةَ وـ الأهَم ـ؛ الأكاذيبَ المعمولةَ بِرَوَقَانْ بَالْ، والتي تندرج أيضاً تحت مسمَّى (الصَّغائر..) أو (الكبائر..)؛ إنَّما (الإنسانية) بالأخير، مهما كان حجمها. اختبرتُ الصداقةَ الجميلةَ الأنيقةَ التي تَرَحْمِنْ الوجدان وتغسل العَنَت. اختبرتُ جسارتي على فقدان صوتي من أجل معجزةٍ أجمل؛ يَمَامَةٍ، يمكن لشاعِرَةٍ أن تحمِلَها وتْحَمِّمَا وتْسَرِّحَا في عتمةِ الأمومةِ الغيرِ مسموحٍ لأيِّ رجلٍ، مهما كانَ، أن يتحقَّقَ من جروحها وأعنابها. اختبرتُ القيامةَ وتفاحةَ الصَّفْحِ ووَرْدَةَ الكرامةِ وتهيُّبَ الذّهابِ إلى الجَّسَدِ في الضَّعْضَعَةِ والتَّحَدُّثِ إليه من أمام حجاب أنْ حَيَّ على الحياة]*. 


هوامش:
 
* من: الوردةُ والعندليب، مقدّمة (بورخيس، سيد المتاهة)، (ترجمة وتقديم: نجلاء عثمان التوم).

* اللوحة: غدير أبو سنينة.




 

تعليقات

  1. مأمون التلب عابد الشعر لو بيديه أن يلمس أي شئ فيتحول الى شعر ولو كان الثمن فقدانه لخصائصه،مثله في ذلك و عابد الذهب حين رغب وتمنى أن يهب القدرة على تحويل اي شئ لذهب بمجرد أن يلامس يديه،تحققت له رغبته وبات قادراً على تحويل كل ما تطاله يداه ويلامس أنامله لذهب، غير أنه بعد أن يتحول للمعدن الأصفر النفيس، يفقد خاصية الحياة ويصار الي جماد!! ولم تنجى من لعنة الذهب هذه حتى بنته الحبيبة حينما أقبلت عليه معانقة فتحولت لتمثال ذهبي بلا حياة.

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

The Beauty of the Silly - نجلاء عثمان التوم

 The Beauty of the Silly  نجلاء عثمان التوم


إلى عثمان حامد سليمان
هل يمكن تشريح الأصالة؟ هل يمكن الكشف عن شعوبها الداخلية دون مجزرة؟ أنا مدفوعة هنا بالحجب الأصيلة التي يغزلها الغناء السوداني حول نفسه فيبدو لنا أحياناً شيئاً محيراً، لامع الحيرة. عندما نتجرد من العصاب الذي نسميه الفهم، وننطلق في رحلة متحللة من كل غاية، ونستمع إلى الأغاني السودانية بأرجلنا ومصاريننا، نشعر أن الطاقة التي تتهدج في الجو هي، ولا شيء خلافها، الهوية. لكن تظل أصالة هذا الغناء شيئاً غامضاً جداً وعصياً على التعيين. ثمة إستراتيجيات، أعتقد، أيّدت هذه الجذوة التحتية. أولاً تحتجب الأصالة، في معظم الأحيان، في تمويهات هزلية تنتجها قوالب شبه ثابتة محكومة بشهوة الرجز، والطلاقة الشعبية، والنبرة العادية في الكلام. فالغناء في الأساس هو مكان التغزل في اليومي والعادي في أقرب نسخه إلى الواقع. وكلما تشبثت الأغنية بسوقيتها المعروقة، كلما تصير إلى درجة من أصالتها الصحيحة. لكن الفن هو دائماً تدخل معقَّد، فلا نجاة من سطوته، لكن التحايل عليه ممكن. فعندما تبدأ أغنية ابتهالية، فيها تسجيل لمغامرة البلاغ العشقي والوصال الكامل، بعبارة “الحج…

تَرَانيم مَحموديَّة - شذرات متفرّقة في ذكرى اغتيال الأستاذ

تنقيباتُ الجنوبيّ

تنقيب الظلام