التخطي إلى المحتوى الرئيسي

تنقيباتُ الجنوبيّ


تنقيب الظلام
تَنقِيباتُ الجَنُوبي
الجزء الأول


الشاعر أمل دنقل

مأمون التلب
15 يونيو 2014م


عندما انتقلت من جامعة جوبا إلى جامعة السودان، القسم (الجنوبي) كليَّة الهندسة، لتحويل دراستي من قسم (الحياة البريَّة) بكلية الموارد الطبيعيَّة إلى دبلوم هندسة إلكترونيَّات قسم الاتصالات؛ عندما انتقلتُ كنتُ مشوّشاً لاضطرابٍ أصاب بعض المسائل الفكريّة في منطقة الذهن، خارجاً من تجربةٍ سياسيّة قصيرة وفاشلة، كالعادة، ولكن، بفضل الأصدقاء مجدي وأبرسي، كنت قد تعرَّفت إلى كتاب الأعمال الشعريَّة الكاملة لسيدنا أمل دنقل، بل احتفظتُ بنسخة مجدي القديمة وجلَّدتها بكرتونٍ سميكٍ أبيض الواجهة أصبح، بعد زمنٍ، مسنداً لرسم الخيالات خلال بعض المحاضرات المملة وتلك المؤلمة.
سُحِرتُ عندما رأيت شجرة موسكو لأول مرَّة، وكم أتمنى يوميَّاً أن يخرجَ علينا أحدٌ بصورةٍ شمسيَّةٍ لذلك المكان في عزِّ تفجّراته بالطاقات الكتابيَّة*؛ كان معقلاً جُمِّعَ فيه عددٌ كبيرٌ من الكتاب الذين أصدروا كُتباً ونشروا عبر الملاحق والمجلات داخل وخارج السودان؛ في القصة القصيرة والشعر ولاحقاً في الرواية. غير ذلك فإن من ضلَّ طريقه إلى السياسة وظلَّ مُصادماً في حقلها إلى يومنا هذا، فإنَّ أفعالهم تظلّ شعريَّة، ويبقى إيمانهم بقضاياهم شعري، كذلك معاملتهم للناس، ومحبّتهم للجمال. وكلما فتحت مجلة (البعيد) الثقافيّة الالكترونيّة التي دُشِّنت في الشهور الماضية، لمؤسسها الجنوبي الطيّب المشرّف، أبتسم لرؤيتي صور أهل (الجنوبي) تتبعثرُ هنا وهناك على غلاف المجلّة الخارجي. وهذه الكتابة هي احتفاء بـ(الجنوبي) كموضوع قرَّرتُ أن أكتب عنه يوماً، وربما إن تأخرت فإنني سأنسى الكثير من التفاصيل، ده غير أنو الموت ما معروف.
(2)
لا يراودني شكٌّ الآن بأن خطّةً جميلةً قد أُحِيكَت. دخلتُ الجامعة الشاسعة مقارنةً بكلية الموارد الصغيرة المُتَوَحِّدة في ضاحية الكدرو بالخرطوم بحري. ذهبتُ إلى القاعات ككل طالبٍ مهذّب، واحتميتُ بما كان يُسمَّى وقتها بـكافتيريا "الحناكيش"! ـ حيثُ أطلّ وجه البيرغر لأوّل مرة ـ مقابل كافتيريات أخرى كـ(الشعبي) التي تفوح منها رائحة الفتّة والفول وقهوة أدروب العظيمة. قرَّرت أن أنهي دراستي أولاً وبعدين نشوف البيحصل شنو! يوميَّاً كنتُ منكبَّاً على كتاب أمل دنقل، في كافتيريا "الحناكيش" بسماعات أذنين لا تنفصلان عن حفرةِ الأذنِ إلا لحظة انطلاق المحاضرة، موصَّلة بجهاز كاسيت! (الجهاز ده كان نعيم، عبارة عن نعيم) حتى حفظت، لاحقاً، الأعمال الكاملة لأمل من الغلاف إلى الغلاف، بطريقةٍ أذهلتني في الحقيقة، وبينما بَحث الكثير من القراء عن أعماله الشهيرة مثل قصائد (لا تصالح)، و(كلمات اسبارتكوس الأخيرة)، والحريف بيكون قانِش (أوراق الغرفة رقم 8)، ولكن يا لهولك إن انفَتَحَت لك حفرة (العهد الآتي)، ذلك الديوان المحيّر جداً، والذي استوقفني وشدّني معه إلى أعماق إيقاعات العالم الداخليَّة، وحركات الطبيعة الأشدّ غموضاً وتعبيراً للكشف للإنسان عن مجاهل ذاته.
[ ]
جَلَسَ أمامي، فجأةً، زول صحّتو كويسة، ومن المحتمل أن تعتبره سميناً إن كنتَ قاسياً في حُكمك، وسيم وطويل ومرتّب مكوي الهندام، يحدّق فيَّ بابتسامةٍ مُريحة في الحقيقة. أزحت السماعة فإذا به يمد يده ويحني الكتاب ليقرأ وقال: ممكن؟. أخذ الكتاب (أمل دنقل عديل كده؟، يا زول؟ أمممم). أغلق الكتاب وقال لي، بلا مقدّمات: شايف البت ديك؟. ياتو بت؟. البت ديك ياخ! اللابسة كده وكده! أها، مالها؟. قال: (البت دي أنا بحبها، لحدي حسع ما قدرت أتكلم كتير معاها، لكن يا زول أنا بحبها عديل كده!). سكتّ، أطيل النظر إليه بابتسامةٍ مستفسرة. عرّفني باسمه، قال: أيمن!. وأُعرِّفه بلقبه: كان ذلك هو الشاعر أيمن خليفة!
(3)
وهكذا، كأن الحوار قد بدأ منذ سنواتٍ عديدة، تواصل تدفّق التيّارات فيما بيننا لساعات، ثمَّ عَرّفني إلى شلَّته المكوّنة من طلاب بأجسادٍ ضخمة، وبنيات صلبة، وبقلوبٍ مليئةٍ بالطفولة والضحك من أعماق القلب؛ قطيعٌ من الفيلة اللطيفة، أكثر من خمسة أشخاص، يجوبون ممرات الجامعة بحثاً عن ستّ شايٍ يلفّونها بالقهقهة: لا سياسة، لا أدب، لا بتاع؛ كانوا مهندسين. كنّا نسترق لحظات لنتحدث عن الكتب، ونقرأ الشعر، ونتحاوم في السوق العربي لوحدنا نثرثر، وذلك اليوم الذي طلب مني أيمن أن أختار له ألبوماً موسيقيّاً من الاستديو، على أن يكون عازف جيتار! رأيتُ صورة ياني Yanni لأول مرةٍ في حياتي ذلك اليوم، قبل سنوات من اندلاع فيديوهاته الخليعة الاستعراضيّة الفجّة التي ملأت أجهزة الكمبيوتر، وخرّبت علينا متعة الاستماع إلى ذلك الشريط الذي لم يعزف منه سوى مقطوعتين خلال تلك الجولات "الاستشراقيّة" التي قام بها بعد ذلك. كان يضع قدماً على صخرةٍ ربما وشعره يتطاير في الهواء، قلت لأيمن، بثقةٍ اتضح لاحقاً أنها جوفاء: (ده عازف جيتار كويس جدّاً، نشتري الألبوم ده). عندما عدنا إلى سطوح منزله بأركويت، اتضح لنا، طبعاً، أنو الزول ده لا بيعزف جيتار ولا يحزنون! لكنَّ العرق الذي تصبب من أجسادنا على المراتب ونحن نستمع في صمتٍ تام إلى الكاسيت وهو ينتهي ويُقلَب، وينتهي ويُقلَب، يا لهول الموسيقى عندما تدخل الجسد.
اقتحمنا مجتمعات (موسكو) بقوّة قلب، أنا وأيمن، وجلسنا إلى خالتي (الشَفَّة) كمحطّة أولى تمرّ بها ليتمّ تعميدك، بالقهوة، ابناً من أبناء أشجار اللبخ العملاقة ذات الجذور الهوائيَّة البوبـمارليَّة المتدليَّة بجانب الوجوه، فترسم بظلالها مشاهد مختلفة لبورتريهات شعراء وفنانين ومجانين يتوزعون بين البنشات الخرسانيَّة الصلبة؛ شجرة موكسو، اسمٌ غامضٌ مرعب يُشيرُ بلغته لعاصمة تحالفٍ من أشدّ التحالفات العالمية بطشاً وسريَّةً وغموضاً وتحدّياً. يحتلّ أعضاء الجبهة الديموقراطيَّة قسماً كبيراً من الشجرة، بذريعة عدد عضويتهم الكبير، وبذريعة الاسم يتصرّفون وكأنهم في (عاصمتهم). ولكننا كنا أوقح من أن نتركها لهم، جلسنا متجاورين أمام الشفّة في انتظار البت البحبّها أيمن، والتي أخبرته بأنه ستلتحق بنا في الشجرة.
عادةً ما يحدث التالي: بمجرّد أن يلامس كوب القهوة الفاضي أرضية الطاولة يمدّ أحدنا يده مفرودةً باتجاه الآخر: (جيب سَفَّة). عندما جلست بجانبنا الفتاة الفاتنة فعلاً، كنّا قد اقتربنا من إنهاء قهوتنا. وبما أنها المرة الأولى التي نجلس إليها بمفردنا، فقد أثار صوت كوب قهوتي وهو يوضع على الطاولة فارغاً فزَع صديقنا أيمن، العِندو كيس التمباك، فصرَخ في وجهي: هَدَاك السجاير، اشتري سجارة وجيب لي معاك وحدة (نشرب بيها القهوة دي)! قال ما بين قوسين من بين أسنانه. لماذا أحكي هذه القصة؟ لأن تصرفاتنا خلال السنوات التالية لدراستنا كانت بالتحديد عكس ذلك التهذيب المصطنع! لقد كنّا عبارة عن مفرقعات نارية تنطلق هنا وهناك في شغبٍ تطرح المسئلة تلوَ الأخرى، وتقتحم الطلاب الشِفُوت من أولاد وبنات دبلومات الهندسة. إلى أن جاء اليوم الذي تورّطنا فيه ورطتنا الجميلة بقيادة ما سُمّي حينها بـ(لجنة طلاب دبلومات)، وهو أمرٌ حدث بطريقة دراماتيكيّة طريفة.
(4)
في ذلك الوقت، يمكن أن نَصِف خبرتي سياسيَّة والتنظيميَّة بأنها ضعيفة، ولكنني على الأقل رأيت الهياكل التنظيميّة وكيفيّة عملها إبّان انتخابات اتحاد طلاب جامعة جوبا المَضروبة، كالعادة، والتي تمّ نسفها ليجمّد اتحاد الجامعة لسنواتٍ تالية. فقد خضت تجربة الانتخابات كصديقٍ للزملا، وكطالب تقدَّم بطلبٍ لتنظيم الجبهة الديموقراطية ظلَّ تحت (الفحص) لشهورٍ تطاولت، ولكنني، خلال تلك الشهور، احتككت بأولاد وبنات الجبهة الديموقراطية وتنظيمات أخرى، وفي خضمّ هذه المعمعة عثرتُ على الشعر بعد أن ضاع مني لسنواتٍ تمتدّ إلى آخر سنةٍ قضيتها برفقة الشاب الشاعر الفاتح التلب، والدي، في المملكة العربيّة السعودية عام 1998-1999م.
كان ذلك بعد أن قرر ثلاثة شباب في السنة الخامسة، الأخيرة، أن يرحلوا ويسكنوا في بيت عزابة بأمدرمان، ود البنَّة، أي على بعد خطواتٍ من بيتنا. كان أحدهم عضو الجبهة الديموقراطية المخضرم مصطفى الحاج، القادم من مدينة ربَك، وأبرسي المجهول والغامض، غاوٍ بارع وفارس غرام شعري! بلسانٍ سليطٍ لا يُجارى، وضحكة مغرورقةٍ بالأصوات الداخلية لمعدة تُزغزغ. لا ينتمي إلى تنظيم، لكنّه مثقف، قارئ مطلع، ويحب أن يُقارع مصطفى الحاج ويدك أحصان أفكاره أمامي أنا تلميذ السنة الأولى القريب من الجبهة الديموقراطيَّة التي كانت (تبدو) في الجامعة وكأنّ أفكارها غير قابلةٍ للمساس! حوار مرح دائماً، ومصطفى ليس بالخصم الهيّن، هنا يظهر وجه مجدي مُختار الضاحك، بملاحظاته التي تدخل بجديّةٍ أحياناً تُناقض كل ما يُمكن أن تعرفه عن هذا الشخص من الوهلة الأولى؛ فهو قد هَجر السياسة لأسبابٍ تطول، درس بقسم الغابات ويعمل ويعيش الآن في كسلا مع أسرةٍ غايةٍ في الجمال واللطافة. طبعاً أصبحتُ صديقاً للسناير فجأةً، بما أنهم أصبحوا يسكنون ذلك البيت القديم بأشجاره القديمة الظليلة بود البنّة، على بعد خطواتٍ من بيتنا، بل إنني أكتشف الآن، وأنا أكتب هذه السطور، أن تلك كانت هي تجربة بيت العزابة الأولى في حياتي! دخلت بذلك إلى عالمٍ هزليٍّ وملوّنٍ بالأفكار وملي بالضحك والقهقهات، ليس في البيت فقط، ولكن طوال رحلة المواصلات الطوييييلة الممتدة بين مجمّع كلية الموارد الطبيعية في الكدرو، خارج مدينة بحري، إلى المحطّة الوسطى بحري، ثم منها نقطع كبري شمبات وتلتفت رؤوسنا في تحيّةٍ قديمةٍ يقوم بها أغلب ركّاب الحافلات التي تعبر النيل، نظرة من صديقٍ إلى صديقٍ قديم! لكم أن تتخيّلوا هذه الحافلات مليئة بالطلاب والطالبات من جميع المراحل، وقد كانت شللنا كبيرة بحيث بإمكاننا احتلال حافلةٍ كاملةٍ من محطّةٍ إلى محطّة، فتبدو الحافلة وكأنها الجامعة مُتحركّةً؛ كان عدد الطلاب قليل في الكلية النائية، لذلك اتخذت ذلك الطابع القروي الذي وسم جميع العلاقات فيها علاقات شخصيّة، الأمر الذي حوّل الخلافات، كذلك، إلى خلافات شخصيّة بشكلٍ واضح. ما أجمل العالم عندما يكون بكل ذلك الوضوح؟!
مع مجدي وأبرسي ومصطفى الحاج تتحوّل الرحلة إلى عرضٍ مدهش وعجيب! وهاكم مثال: كنّا نجلس في الكنبة الأخيرة من الحافلة النهاريّة الفُرنيّة المتجهة إلى الكدرو، أنا ومجدي، وبجانبنا جلس رجل تعبان ونعسان في ذلك الحر الفظيع، يتصبب العرق على وجهه ويترنّح رأسه وكأن رقبته تتحوّل لحماً لتعود فقريّة من جديد مع قرب الوقوع الخيالي للرأس داخل ذهن النائم. كان الرجل يترنّح، بفمٍ مفتوحٍ ببلاهة، وشخيرٍ ظريف! أخرج مجدي ورقةً حوّلها قرطاساً، وبدأ يُدخل طرف القرطاس الحاد في أنف الرجل المترنّح! ذُعرت فاشتبكنا بالأيدي ونحن نضحك، وقرطاسه يقترب من أنف الرجل! (مجدي ده كان راجل كبير في الوقت داك بالمناسبة، وعندو شيب كمان!) وفي لحظةٍ فتح الرجل عينيه إثر ملامسة القرطاس لطرف أنفه! قام مجدي بحركة رعناء محاولاً أن يبدو عاديّاً، ولكن أين سيستطيع أن يخبّئ ضحكتي أنا؟ أخرجنا من الحرج أن الرجل أدرك تفويته لمحطته فطفق يُطقطق ويد مجدي لا تزال في الهواء بقرطاسها، نزل الرجل ويد مجدي في مكانها، جلست مكان الرجل فتاة، ويد مجدي لا تزال في ذات الموضع الأنفي للرجل السابق، مما أدى إلى وجود القرطاس قريباً من أنف الفتاة التي، ما إن جلست، حتى انتفضت أمام ابتسامة مجدي البريئة وهو يقول لها: (معليش يا أختنا، لكن في الحقيقية نحن كنّا عايزين ندخّل القرطاس ده في نخرتَ الزول النزل قبل شوية ده لأنو كان نايم، وبعد ما نزل بقى ما عندنا حتة نودي ليها القرطاس ده، فممكن، هي هي هي، تخليني..) لم يكمل مجدي جملته فالفتاة كانت قد قفزت إلى المقاعد الأماميّة! وبحركةٍ غير متوقّعة انبطح مجدي، بوجهٍ يستطيع أن يصنعه هو، لا غيره، وجه طفل بريء حنون هائم وفاقد للحنان؛ انبطح على الكنبة الأخيرة وشابك يديه على صدره وبدأ يتمتم بشفتيه أشعاراً خياليّة صامتة، وعندما رأت الفتاة ذلك المشهد انفجرت بالضحك! لا يمكنك أن لا تنفجر من الضحك أمام الطريقة التي يُعامل بها مجدي الحياة! يا للبهجة ياخ! وعندما نزلت الفتاة من الحافلة التصق مجدي، بوجهه كاملاً، بيديه وصدره، كضب: طَج، في الزجاج الخلفي للحافلة!! فتشوّهت جضومه بطريقةٍ فظيعةٍ أدخلت الفتاة في نوبة ضحك جنونيّة لم تتوقف إلى أن اختفت من ناظرنا، ومجدي لا زال ملتصقاً!.
نعم، هو يتحدث إلى الناس في الشوارع وفي كل مكان، ولن تشعر، بتاتاً، بأي ضيقٍ إن تحدث إليك مجدي. له قدرة عجيبة على التواصل السحري مع الغرباء، ولن تُذهلك مقدراته إن رأينا قدرة الأطفال على الإنسجام التّام معه، فهو منهم وفيهم. يحدث أن ننهض في المحطّة الأخيرة وتكون الحافلة بأكملها تقهقه، خمس طالبات من جامعةٍ أخرى، لم نرَ وجوههنَّ لأننا نجلس خلفهنّ، ظللن يُقهقهن طوال الطريق بصوتٍ عالٍ وهنّ يستمعنَ إلى خطبةٍ مُرتجلةٍ من مجدي قصد بها جذب الانتباه، ودون أن يلتفتنَ، وعندما وصلت الحافلة إلى محطّتها الأخيرة طفق مجدي يغني بكل عوارةٍ مُصَفِّقةٍ مهولة وترنيحةُ رأس: (كانت لحظات ما أحلاها!! تِرِرِم تِرِرِم)! لينفجرن بالقهقة بلا كابح!.
(5)
هذا المجدي هو من أعادني إلى الشِّعر مرةً أخرى، أعادني إلى شعفٍ قديمٍ بأن سلّفني، لمدة ثلاث سنوات، نسخةً من الأعمال الكاملة للشاعر أمل دنقل. أقول أن مجدي كان مهتمّاً بتعليمي الحقيقي، وكان جادّاً فيه إلى أبعد الحدود؛ نذهب إلى بيته في أقاصي الثورات، وسط عائلته العزيزة على قلبي، يُخرج الأوراق من كراتين ويقلّب الكتب من مكتبته؛ أشعار، الكثير من الشعر! وكأنني وجدت الكنز. يجلس مجدي ويقرأ وأنا فاغرٌ فمي، تماماً كما كنت أفعل مع الفاتح التلب في جلسات سأتحدث عنها لاحقاً. كان صعق الشعر مميتٌ بالنسبة لي، لجسدي الذي كان يتكهرب من لغةٍ أعرفها منذ قرونٍ بعيدة، يعرفها كل إنسانٍ ويحلم بها، وخلال هذه الرحلة العظيمة في الآداب والحوارات الخلاقة التي يُديرها معي مجدي، بأسئلةٍ حفّارةٍ ومستثيرة لملكات النقد وإدارة المسائل الفكرية والنظر إليها من زوايا متعددة. وعندما غادرت جامعة جوبا فهمتُ أن السياسة ليست طريقي على الإطلاق، وأطلقت شغف المراهقة القديم الذي بدأ بتدوين أشعار بوب مارلي على مجلد كبير وبألوان حبر ملوّنة وبخطّ إنجليزي أفخر به جدّاً (عكس العربي طبعاً). شغف بدأ في غرفة مظلمة أرقد داخلها الليل كلّه دون أن أنام، غرفة بلا نوافذ، مكيّفة جيّداً، وبها جهاز مسجّل وسماعة رأس تغمر ذلك الظلام بموسيقى أخرجت جميع النساء والرجال الذين ينتصرون ويُخفقون، يتقاتلون ويتألمون، يحبّون وينفجرون بالطاقات الهائلة الموهبة إليهم، أبطال خارقين، بإمكانهم الطيران، بإمكانهم استثمار مكوّنات الماء والنار والتراب المبصومة داخلهم، في أعماقهم، منذ الأزل. قبل ذلك كان المسرح، وكانت الموسيقى، وكانت سنوات لا تُنسى وأصدقاء غُرباء.
هبّت عليَّ رياح الجنوبي وتنسّمت رائحتها عندما نُقِل الشاعر عبد الرحيم حسن حمد النيل (الملقّب وقتها بأبوذكرى، لا يزال في الحقيقة) إلى كليّة الموارد الطبيعية بجامعة جوبا، قادماً من كليّة الهندسة، الجنوبي. كنّا نجلس على مسطبة النشاط، بجانب الشجرة التي كان من المفترض أن يدُقّ على جزعها، بعد سنوات، استقالة جماعيَّة من تنظيم الجبهة الديموقراطيَّة بعنوان (أسوءٌ وحشفُ كيل؟!)، لمجموعةٍ من أعزّ الشيوعيين على قلبي، أجسّدهم في شخص سيّدنا (ماو)، أو (معاوية ود بت التّلب) كما أحب أن أتذكر اسمه؛ نجلس على مسطبة النشاط: مسحورٌ أصغي لطريقة عبد الرحيم المثيرة في الكلام، والحديث عن الشعر، وتوصيفات أصابعه في الهواء ونظراته الباحثة عن أشياءٍ مجهولةٍ مخبئةٍ بين أوراق الأشجار. يقرأ أبياتاً من حينٍ وآخر، ويخبرني عن سرّ توقيعه بـ(أ م. أبو ذكرى). ثم نتحدث عن أناسٍ في الجنوبي.
 (7)
نسبةً لخلافٍ أسريّ ـ سأظلّ مديناً له بالانقلاب العظيم الذي حدثَ لحياتي ـ عدنا للسودان في العام 1992م، ومنذها عشتُ حياتي الجميلة الثريّة في السودان، إلى يومنا هذا، مع تقطّعاتٍ هنا وهناك؛ ومن تلك التقطّعات مغادرتنا إلى المملكة لمدّة عام ما بين 1998-1999م؛ كانت تلك السنة حاسمة تماماً في تحديد وجهة قَذفَتي الحياتيَّة ناحية الكتابة والخيال. أتذكّر الآن، بوضوح، تلك الليلة الشعريّة التي نظّمها اتحاد الكتاب السودانيين بمركز عبد الكريم ميرغني الثقافي، احتفاءً بعودة شاعر السودان العظيم محمد المكي إبراهيم، وقد اختارت اللجنة التنفيذية للاتحاد، في بادرةٍ ذكيّةٍ، مجموعة من الشعراء للقراءة بجانبه من مختلف الأجيال؛ نجلاء عثمان التوم، عبد القادر الكتيّابي، محجوب كبلّو، وشخصي. بعدها بأيّامٍ نشرت صحيفة الخرطوم تقريراً عن الليلة، وسافرت الجريدة بطبعتها إلى المملكة العربيّة السعودية. رنَّ الموبايل: مكالمة من خارج البلاد:
-      ألو، مأمون؟
-      أيوا! الفاتح أبوي؟
-      آي، جاوب على السؤال ده: عندك أي علاقة بالشاعر الاسمو مأمون التلب القرا مع محمد المكي إبراهيم؟.
-      أيوا! ده أنا!
-      مع محمد المكي إبراهيم يا مأمون؟ شاعر أمّتي؟
-      أيوا، ههههه
طاخ! أغلق الخط! من الغضب. له الحق في الزَعَل، فهو الخالق الفعلي لهذه التجربة، المُسَرِّب الإجرامي العظيم، فاتحُ الثقب الأسود! منذ أن افترقنا في العام 1999م لم أخبره بعلاقتي مع الشعر، بتاتاً، ولم يسمع بها إلى عبر ذلك التقرير المنشور في العام 2007م. ما أثار غضبه هو امحاء اسمه واسم أبيه وجدّه من قائمة البيانات، ومؤخراً ظلَّ يبدأ مكالماته التلفونيّة ضاحكاً بقوله: (أهلاً يا مأمون الفاتح حسن عثمان)! وهو اسمي في الدوسيهات الرسميّة البليدة، وبعد عثمان يأتي اسمُ التلب، والذي يعني: الجمل كبير السن في القافلة، والذي يحمل أثقلَ الأحمال! (يا له من اسمٍ مسؤول جدّاً: جَمَلٌ صحراويٌّ "مَحمُولٌ" طاعنٌ في السنِّ ومأمون). لا يهمني ما حُمِّلَ إليَّ من اسمي ـ إذ تظلّ الأسماء زائفة وصُدفيَّة إلى حدٍّ كبير ـ بقدر ما أبتهجٌ بكوني ابنُ صاحب الضحكة المجلجلة المقهقهة العظيمة، صاحب العطسة المسرفة في الصخب: أبونا الفاتح التلب، فانتَقَلَت جميعها إلي. عَرِفتُ من خلاله أن الضحك جزء عزيزٌ من تكوين العالم، أما من رشيدة ورثتُ دموع الفرح الطافحة من ضحكها الذي تتمايل فيه بجسدها كله، وكذلك دموع الحزن القريبة. عرفتُ، لاحقاً، أن هذه المكوّنات العجيبة هي شرط غرقك أو نجاتك في الدولة السودانيّة وهي تمرُّ بأشدّ ملامح تاريخها تجهّماً وتوحّشاً.
(8)
كنتُ قد تهيّأتُ تماماً لآتي بتلك الأفعال الاختلاليَّة، والتي صُنِعَ بعضها من صدى شخصٍ كان يَعيش في الجنوبي، ويحكي القاص العجيب علي عيسى عنه الأساطير، فكأنك تراه وكلب في رفقته يتجوّلان في الجامعة، أو أن تراه بعين خيالك يَعبر المسافة بين الخرطوم والقضارف مشياً على الأقدام. لا يتوقف الحديث هنا عن الشخص، بل يتعداه بتطعيمٍ يُجيدُ فنّه السيّد علي عيسى؛ تطعيمٌ بالنصوص والمقولات. هل أستطيع أن أحكي عن ما كان يدور في ذهني في ذلك الوقت الرهيب؟ عندما يُوجِعُكَ شعورٌ عميقٌ بالذنب والشك في كلّ شيء؟ ظنّ البعضُ أنني جُننت؛ كنت أحدهم، وعرفتُ لاحقاً إنني كنتُ مذهولاً لا غير. في اللحظة التي يختارُ الشعر أن يجتاحك ويتحدّث عبرك فإنه يغمرك بالرؤى، يهزّ قناعاتك بصلابة الأشياء والأفكار، ويحوِّل العالم. فجأةً يُصبحُ كلّ شيءٍ، وكل لحظة، على قدرٍ فائقٍ من الأهميّة للدرجة التي تسيلُ بها عبر الأزمنة والأمكنة، ترتجفُ من الحمَّى وتمثّلات الكوابيس، وتُقدِمُ على كلّ فعلٍ يأمركَ به داخِلك، تصبحُ كشّافاً للأرواح، ومنشغلاً باكتشاف ما فيك. نعم، عن كمال خليفة كنّا نتحدّث، الشاعر والرسام والكاتب والصوفيّ، كانت أصداء وجوده تتردد في الجنوبي (كان قد غادر الجامعة في زمننا) من خلال سرد علي عيسى الممتع، والذي تجلسُ للنَهلِ منه فاغراً فاهكَ من كمال وهول ما تَسمع. أخبرني علي عيسى أن كمال كان يوزّع الزهور على الفتيات التي يُعجبنه، فقط يسلّم الزهرة ويبتعد؛ لن يتحدث إليها أصلاً، ولن تستمر العلاقةُ لأكثر من تلك اللحظة. لاحقاً، وبينما الذهول يرجّ عالمي، قمت بهذا الفعل ولكم شعرتُ بأنني حُر: قطفت عدة زهرات وتنقّلت بين الكافتريات الموزّعة على مساحة الجنوبي الشاسعة، بطبقاتها الاجتماعيّة وفئاتها المختلفة، من الكافتريات الشعبية إلى "الراقية"، أُجيل بصري بسرعةٍ خاطفةٍ فأدرك مثلاً أنني سأمنح الزهرة لتلك الجالسة وسط أصدقاء صاخبين وهي تضحك بمرح، فأذهب بكل تهذيبٍ أمد وردتي وأخرج، عندما ألامس الشمس في الخارج والرياح تهب أشعر أنني حرٌّ وطائر.
(9)
هكذا كانت الحياة تبدأ في الجنوبي، تبدأ داخلي، رحلة استكشاف شاسعة. كنتُ أكتب الشعر على ورق A3 الذي يُستخدم عادةً في حصص الرسم الهندسي (التي كانت أوراقنا، أنا وأيمن خليفة، تُسلّم ملطّخةً بالعرق فتنقص دراجاتنا جدّاً ونحن نضحك، حتّى أن أيمن أنجز مرةً رسمه الهندسي دون أن يلطّخ ورقته، وبعد أن انتهى، نظر إلى الرسم الهندسي الميّت، الخطوط الصارمة والبراجل المتداخلة، نظيفاً يجلس على بورد الرسم فقال: نضيفة شديد مُش؟ نظرت فقلت: غريبة، ضحكنا بخفوت، أتبعه هو بأن مسح بكفّ يده على الورقة فلَطَخَها بقليلٍ من الوسخ، وقال: كده أفضل! يا إلهي، كنتُ سأموت من القهقهة يومها!). أُقَسِّم الورقة الكبيرة بقلمٍ سميكٍ إلى قسمين، وأكتب النص الشعري كمسوّدة نهائية على الجانبين (أعتقد أن بعض الأصدقاء يحتفظون بنسخٍ من تلك الأوراق الغريبة) بخط كبير وسميك، فأبحث عن أيمن وأرمي أمامه رزمة الورق وأقول: نص! فيضحك هو كالمجنون ويتلوّى من الضحك، وأنا طبعاً معه. أتذكّر نظرة الصادق الرضي عندما دخلتُ عليه في مكتبه بصحيفة الأيام، ورميتُ أمامه برزمة من تلك الرزم، لم نكن أصدقاء مقرّبين وقتها كما هو الحال اليوم، كنا شعراء ننشر في الملحق الثقافي لصحيفة الأيام. عثمان شنقر يجلس في مكتبه ويتظاهر بالأهميّة كعادته، والصادق ينظر إلى الورق، يلفّه، يدخله إلى درجه ويشكرني. فأشكره، وأغادر. كان ذلك عندما كانت مكاتب (الأيام) ضمن مباني أتنيه، عندما كانت أتنيه أعمالاً كاملةً تضجّ بالكتاب والفنانين إلى ساعاتٍ متأخرةٍ من الليل.
يمكنني أن أقول بأنني درستُ الشعر في الجنوبي، وقرأت الأدب بشغف، ومن ناحيةٍ لم أتعلّم شيئاً عن الهندسة. فمثلما فَعل الشاعر إبراهيم
 جعفر إبّان دراسته للفلسفة بجامعة الخرطوم، حيث يقول معلّقاً على مقالةٍ كتبتها مؤخراً أمتدحُ فيها الكسل:
وعكس ما يحدث عادةً في الكليّات الجامعيّة، تم تجاوز الاتختلافات السياسيّة بين الكتاب والفنانين الذين ضمّهم الجنوبي، وتحطّمت الأسوار الاجتماعية العبيطة التي تفرضها التنظيمات السياسيّة عادةً، إذ أن ما جَمَعنا هو ما يجمع البشر في كلّ مكانٍ في العالم: المتعة بجمال الحياة، حب المغامرة والتجريب والشغف بالمعرفة، والأهم من ذلك، اكتشاف الذات (لو فضّل فيها ذات ذاتو!).
(10)
لقائي بالشاعر أيمن خليفة كان الانطلاقة الحقيقيَّة لتأسيس قاعدة وحركة ثقافيَّة منظّمة، تحوّلت، في السنوات الأخيرة من الجامعة، إلى ابتكارات فوضويَّة في تحطيم مركزيَّة النشاط الجامعي والثقافي، كذلك لم يكن صوتنا غائباً عن شؤون طلاب دبلوم الهندسة حينها، والذين كانوا منفصلين، بصورةٍ أقرب إلى الطبقيَّة، عن طلاب كليَّة الهندسة البكالاريوس. فكوّنا في السنة الدراسيّة الأولى ما اصطُلِحَ عليه بـ(لجنة دبلومات)، والتي كانت تعمل في قضايا المناهج والتعديلات الجديدة وغيرها، دون انفصالٍ عن قضايا الجامعة والطلاب الكبرى. ولشرح ذلك عليَّ أن أعود لخلفياتٍ تاريخيَّة حول الجامعة.
كان دبلوم هندسة جامعة السودان من أقوى الدبلومات ربما في إفريقيا، فهو حلقة الوصل بين المهندسين العاملين في المكاتب وبين العمّال المُنفّذين لخرائطهم؛ إنهم اليد العاملة مع اليد العاملة، إن صَحَّ التعبير. تجدهم في مواقع العمل، في الصحراء والجبال، في القرى البعيدة والنائية، تماماً كما يفعل (أفّه) اليوم، وهو خرّيج الدبلومات، بتنقلاته العظيمة بين مدن السودان وقراه الفاتنة؛ في الشرق والغرب والجنوب والشمال. إنهم الذين يكتسبون خبرة الاحتكاك الفعليّ مع البشر، في كل مكان، يُستضافون في البيوت ويتعلّمون الكثير عن ثقافات هذه الشعوب السودانية الباهرة. في المكان الذي وُجدَ فيه الإنسان لأوّل مرّة، وإليه عاد. إنهم طلاب دبلومات؛ الأشدّ التصاقاً بقضايا مجتمعاتهم وشعوبهم، والأشجع من بين الجميع. فما الذي حدث؟ حوّلت الجامعة هذه الدراسة إلى دراسة خاصّة، أي تم تخصيصها، وأصبح انتماء الناس إليها مرهونٌ بالمال. لم تكن هذه هي المشكلة بكل تأكيد، بل كانت في أنّهم قاموا بتعديل المناهج الدراسيّة لمستوىً منحط! قام بعض الطلاب ببحثٍ حول الفروقات المنهجيّة التي صاحبت خصخصة الدبلومات، ووجدوا أن الفرق بينهم وبين من درسوا حسب المناهج القديمة كبيرٌ وشاسع! غضب الناس من الخدعة المالية الفاسدة التي وقعوا بين أنيابها، فانتفضوا في القاعات.
دخلنا القاعة أنا وأيمن خليفة، فوجدنا الطلاب يصرخون في المنصّة ويتغالطون. ذهبنا وسألنا فأخبرونا بالأزمة. وبما أن أيمن كان محبوب الجماهير، فقد صعد إلى المنصة وصرخ فيهم: هوي هوي خلّونا نتفاهم. صمَت الجميع وكنت، بالصدفة، إلى جانبه في المنصّة. بدأنا بشرح المسئلة التي شُرِحت لنا، وتحدثنا عن الخطوات التي من الممكن أن تتبع، من مخاطبة لإدارة الكليّة والجامعة، بخصوص إعادة المنهج القديم كما هو. وفجأة وجدنا أن الطلاب قد انتخبونا كممثلين لهم في هذه المُحاورة. هكذا تكوّنة لجنة (دبلومات) والتي كان لها شأنٌ كبيرٌ في أحداثٍ لاحقةٍ حدثت في جامعة السودان، هكذا.
ثم شكّلنا (سواعد)! تلك الجمعية الثقافيّة التي تأسست في الجنوبي، وكم كان ممتعاً أن (نشوت الكولين)، كما كان يُسمَّى، بأشعارٍ غاية في الغرابة. و(الكولين) هو النداء الذي نصرخ به في الكافتريات وأماكن تجمّعات الطلاب و(موكسو) للإعلان عن ندواتنا الثقافيّة في ساحة النشاط الجامعي. أجمل ما نحبّه هو لحظة صمت الجميع عندما يصرخ أحدنا بالنداء، كان ذلك الصمت هو الباعث للحريّة الداخليَّة التي تجمعنا، شعور بالانتماء للفضاء والشعر والحياة. شعورٌ بالانتماء إلى كواكبٍ أخرى، وكائناتٍ أخرى. كان لأيمن شنطة تافهة تُحمل بقبضة اليد، تُشبه تلك المسمّاة بـ(تَمَكَّنّا)، يرميها في أقرب في الأرض بعنفٍ يُلجِمُ ألسنةَ الجميع، ثمّ يبدأ في الصراخ بالأشعار. أتذكر شعاري المشهور لأمل دنقل:
(المجدُ للشيطان معبود الرياح
من قال (لا) في وجه من قالوا (نعم)
من علَّم الإنسان تمزيق العدم،
من قال (لا) ولم يمت،
وصار روحاً أبديَّة الألم).
كنّا نُذكي صورة الروح الإنسانيّة في مكانٍ هندسيٍّ قاتلٍ لكل روح. يا لبياخة الهندسة ويا لتفاهتها وتهافتها، حيث يتم قمعُ الإبداع والتمرّد داخل الجميع، حيث يُسيطر الفِكر القاتل للجسد والحياة، في ذلك المكان كنّا نصرخ بالأشعار ونُخرجُ أرواحنا، بكل ما يُشكّلها، للجميع.
لفت نشاطنا الفظيع نَظَرَ التنظيمات السياسيَّة المتغطرسة التي تعتقد أنها الفاعل الوحيد في العالم! هذه السذاجة الفجَّة التي يتميّز بها السياسيّون، والأهميَّة الكهلة التي يولونها لأنفسهم. فبَعثوا بـ(كادرٍ؟) من الجبهة الديموقارطيّة للتقرّب منّا، وكان هذا الكادر، لسوء حظّهم، الشاعر العظيم والكاتب محفوظ بشرى. يا لها من أيامٍ يا محفوظ!  أتذكّر الشاعر أحمد حمدنا الله وهو يصعد درجات السلّم الموازي للنشاط للحاق بإحدى محاضراته، ووقف عندما سمعني أهدر بأشعار أمل دنقل:
(الجنوبي يا سيّدي يشتهي أن يلاقي اثنتين:
الحقيقة، والأوجه الغائبة).
هل كانت قصيدة أمل دنقل الأخيرة، آخر قصيدةٍ كتبها قبل الموت، والتي عنوانها (الجنوبي)، هل كانت تلك القصيدة مرسلةً إلينا؟ نحن الجنوبيين؟ لا يراودني شكٌّ في أنها كذلك، كُتبت هذه القصيدةُ لنا، وبها صعدنا إلى عوالم الحياة الثريَّة. نعم، نحن جنوبيين، وفي هذه الصفة نُقالعُ أهل جنوب السودان في هويّتهم المُزيّفة؛ فإن كانوا هم جنوبيين جُغرافيَّاً فنحن جنوبيين روحيَّاً. ونحن الأحق بهذا اللقب الجميل: الجنوبيين، وعنهم أحكي، وعنهم أتحدّث.
نهاية الجزء الأول
15  يونيو 2014م
هامش:
* اتضّح لاحقاً، بعد أن بدأت هذه الكتابة، أن مدحت حفيفي يحتفظ بصورٍ شمسيّة لشجرة موسكو، نتحدث عنها في الحلقات القادمة.
مُلحق:
الجنوبي
(القصيدة الأخيرة)
أمل دنقل
صورة
هل أنا كنت طفلاً
أم أن الذي كان طفلاً سواي؟
هذه الصورة العائلية؛
كان أبي جالساً، وأنا واقفٌ، تَتَدلَّى يداي.
رفسةٌ من فَرَس
تَرَكَت في جبينيَ شَجَّاً،
وعلَّمت القلبَ أن يحترس!

أتَذَكَّر،
سَالَ دمي.
أتَذَكَّر،
مات أبي نازفاً.
أتَذَكَّر،
هذا الطريق إلى قبره.
أتذكر،
أختي الصغيرة ذات الربيعين،
لا أتذكر حتى الطريق إلى قبرها المنطمس.

أَوَ كان الصبي الصغير أنا؟
أم تُرى كان غيري؟

أُحَدِّق:
لكن، تلك الملامح ذات العذوبة
لا تنتمي الآن لي.
والعيون التي تترقرق بالطيبة،
الآن لا تنتمي لي،
صرتُ عني غريباً،
ولم يتبقَّ من السنوات الغريبة،
إلا صدى اسمي،
وأسماء من أتذكرهم ـ فجأةً ـ
بين أعمدة النعي،
أولئك الغامضون: رِفاق صباي
يُقبِلُون من الصمت وجهاً فوجهاً فيجتمع الشمل كل صباح،
لكي نَأْتَنِس.

وجه

كان يسكن قلبي
وأسكن غرفته.
نتقاسم نصفَ السرير،
ونصفَ الرغيف،
ونصف اللفافة،
والكتب المستعارة.

هَجَرته حبيبته في الصباح فَمَزَّق شريانه في المساء،
ولكنه يعد يومين مَزَّقَ صورتها،
واندهش!.

خاضَ حربين بين جنود المظلات،
لم يَنخَدِش!
واستراح من الحرب،
عاد ليسكنَ بيتاً جديداً،
ويكسب قوتاً جديداً،
يُدَخِّن علبة تبغٍ بكاملها،
ويجادل أصحابه حول أبخرة الشاي.
لكنه لا يطيل الزيارة.

عندما احتَقَنَت لوزتاه، استشار الطبيب،
وفي غرفة العمليات،
لم يصطحب أحداً غير خُفٍّ
وأنبوبة لقياس الحرارة.

فجأة مات !

لم يحتمل قلبه سريان المخدر،
وانسَحَبَت من على وجهه سنوات العذابات،
عادَ كما كان طفلاً؛
سيشاركني في سريري
وفي كسرة الخبز، والتبغ
لكنه لا يشاركني .. في المرارة.

وجه

من أقاصي الجنوب أتَى،
عاملاً للبناء.
كان يصعد "سقّالة" ويغني لهذا الفضاء،
كنتُ أجلس خارج مقهىً قريب،
وبالأعين الشاردة،
كنتُ أقرأ نصفَ الصحيفة،
والنصف أُخفِي به وَسَخَ المائدة.

لم أجد غير عينين لا تُبصِران
وخيط الدماء.

انحنيتُ عليه أَجُسّ يَدَه.
قال آخر: لا فائدة؛
صار نصفُ الصحيفة كل الغطاء،
و أنا... في العراء.

وجه

ليتَ أسماء تعرف أن أباها صعد،
لم يمت.
كيف يموت الذي كان يحيا،
وكأنّ الحياة أَبد
وكأن الشراب نفد
وكأن البنات الجميلات يمشين فوق الزبد؟

عاشَ منتصباً، بينما
ينحني القلبُ يبحث عما فَقَد.

ليت "أسماء"
تعرف أن أباها الذي،
حَفِظَ الحب والأصدقاء تصاويره
وهو يضحَك،
وهو يُفَكِّر،
وهو يُفَتِّش عما يُقيم الأَوَد .

ليت "أسماء" تعرف أن البنات الجميلات
خَبَّأنه بين أوراقهن،
وعَلَّمنه أن يسير،
ولا يلتقي بأحد .

مرآة
- هل تريد قليلاً من البحر؟
- إن الجنوبي لا يطمئن إلى اثنين يا سيدي
البحر و المرأة الكاذبة.
- سوف آتيك بالرمل منه.
وتلاشى به الظل شيئاً فشيئاً
فلم أَستَبِنه.


- هل تريد قليلاً من الخمر؟
- إن الجنوبي يا سيدي يَتَهَيَّب شيئين :
قنينة الخمر والآلة الحاسبة.
- سوف آتيك بالثلج منه.
وتلاشى به الظلُّ شيئاً فشيئاً
فلم أستَبِنه.

بعدها لم أجد صاحِبَيَّ
لم يعد واحدٌ منهما لي بشيء

- هل تريد قليلاً من الصبر؟
- لا ..
فالجنوبي يا سيدي يشتهي أن يكون الذي لم يَكُنه؛
يشتهي أن يلاقي اثنتين:
الحقيقة والأوجه الغائبة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

لماذا الحرب؟ - رسالة تسيغموند فرويد إلى آينيشتاين

تَرَانيم مَحموديَّة - شذرات متفرّقة في ذكرى اغتيال الأستاذ

The Beauty of the Silly - نجلاء عثمان التوم

 The Beauty of the Silly  نجلاء عثمان التوم


إلى عثمان حامد سليمان
هل يمكن تشريح الأصالة؟ هل يمكن الكشف عن شعوبها الداخلية دون مجزرة؟ أنا مدفوعة هنا بالحجب الأصيلة التي يغزلها الغناء السوداني حول نفسه فيبدو لنا أحياناً شيئاً محيراً، لامع الحيرة. عندما نتجرد من العصاب الذي نسميه الفهم، وننطلق في رحلة متحللة من كل غاية، ونستمع إلى الأغاني السودانية بأرجلنا ومصاريننا، نشعر أن الطاقة التي تتهدج في الجو هي، ولا شيء خلافها، الهوية. لكن تظل أصالة هذا الغناء شيئاً غامضاً جداً وعصياً على التعيين. ثمة إستراتيجيات، أعتقد، أيّدت هذه الجذوة التحتية. أولاً تحتجب الأصالة، في معظم الأحيان، في تمويهات هزلية تنتجها قوالب شبه ثابتة محكومة بشهوة الرجز، والطلاقة الشعبية، والنبرة العادية في الكلام. فالغناء في الأساس هو مكان التغزل في اليومي والعادي في أقرب نسخه إلى الواقع. وكلما تشبثت الأغنية بسوقيتها المعروقة، كلما تصير إلى درجة من أصالتها الصحيحة. لكن الفن هو دائماً تدخل معقَّد، فلا نجاة من سطوته، لكن التحايل عليه ممكن. فعندما تبدأ أغنية ابتهالية، فيها تسجيل لمغامرة البلاغ العشقي والوصال الكامل، بعبارة “الحج…