التخطي إلى المحتوى الرئيسي

نَتَقَدَّمُ على الجَبهة - نجلاء عثمان التوم

نَتَقَدَّمُ على الجَبهة
نجلاء عثمان التوم



نَتَقَدَّمُ على الجَبهة،
نتقدم كلَّ ساعة،
 غادرنا القيامة وتقدمنا،
قضينا الليلة في الجحيم حيث، أيضاً، لا يحصل كلُّ نفرٍ على حِصَّته،
لأننا فقراء والعدل عدونا.
لكننا نتقدم؛
بلِيَت أجسامنا وعَلَّقنَاها في قِنَنِ الجبال،
المشابك غير كافية؛ لا جديد.
نزحف والأرض عارية نزحف تحت قَصفِ اللمم،
الوادي كله قبر الجبل يلثم والشِّقة والبذل
تلك موسيقى الرَتل،
 تدحرجت مؤخرة
الجلود تَصِلُ السفح متأخرةً،
والأشلاء تطير وتحطُّ على الجندل مثل هندباء برية.
تَقَدَّمنا وخَفَتت الموسيقى.
لا تسألوني عن الروح  حتى لا أنفجر بالضحك،
ليتني أنفجر،
لكنني أتقدم،
مع رَهط الغرغرينا الملكي،
لم يَبقَّ شيء لندُوسَ عليه،
لا  أرض تحت جحفل الإنسانية،
في مسيرة بلا أبعاد؛
لكننا قَبَّلنا أحذية التركي والمتورك لنحصدها
كرَّسنا الأجيال لبناء الفيضان،
فَعَلنا كلَّ ذريعةٍ ونُوح،
وكان انطلق القطار الغارق وصَفَّقنا،
جاءت الفلاتية بالغلمان وأعطت كلّ هلال قطعة سوبرانو،
يجو عايدين،
يجو عايدين،
لم نعد أبداً؛
لأن صوت عَشَّة كان أشد إيلاماً.
 لم نعد ابدا و ترجل تاجر العبيد،
توغلنا توغلنا
لم نكن نعرف أن البعوض حليفنا،
  هللويا يا باتمان!
ايوة نعم عملنا نوبات حراسة: الزريبة مؤمنة.
لكن كيف نقبض على كل البعوض؟
عليك أن تصدر أشدّ الروائح عفونة،
 نعم؟ يس سير أيوة زُرَاط
البعوض لا يَتَحمَّل الغازات، هههه، هذا بعوضنا ونعرفه جيداً.
لا شيء يجدي،
لأن العَمَل أكثر من الرجال،
والعالم كذلك.
لكننا سِرْنا في السدود حتى ابتَلَّت جوارب الخديوي،
وبَالَت التماسيح في الجاكيت الوردي.
لن تفهم أبداً يا فرعون،
لا نستطيع قتل الفُورَاوي قبل يكون،
كيف نقتُلُ غيبَ الله؟
لن تَفهم يا حِكمدار،
الرطانة تُهَدِّدك،
لا تَصرُف لي حذاءً أريد قدماً، أريد أقدامي.
لا، لا يمكن أن نكون مجرد أشلاء،
حتى الأشلاء في حاجةٍ إلى سياق،
غَنِّي لنا يا عشة،
غني يا عَشُوش،
لا نستطيع التوقف.
لا نستطيع النوم.
لا نستطيع العودة.
هو صوتك هو ربّ الجهة،
صوتك الشجر نحن غابة تتقدم،
غنّي،
هو صوتك هو يا عشوش.
قَبَّلنا ثوبك الزراف،
قَبَّلنا حذائك لأنه جميل،
لديك سن من الفضة تنهري بها العازفين،
آه
تنهشينا بها.
قَبَّلنا حذائك الجميل.
علينا التقدم الآن،
علينا التقدم،
لا نستطيع التوقف عن القتل
تحياتنا للجيل، تحياتنا لحنتوب.




تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تَرَانيم مَحموديَّة - شذرات متفرّقة في ذكرى اغتيال الأستاذ

The Beauty of the Silly - نجلاء عثمان التوم

 The Beauty of the Silly  نجلاء عثمان التوم


إلى عثمان حامد سليمان
هل يمكن تشريح الأصالة؟ هل يمكن الكشف عن شعوبها الداخلية دون مجزرة؟ أنا مدفوعة هنا بالحجب الأصيلة التي يغزلها الغناء السوداني حول نفسه فيبدو لنا أحياناً شيئاً محيراً، لامع الحيرة. عندما نتجرد من العصاب الذي نسميه الفهم، وننطلق في رحلة متحللة من كل غاية، ونستمع إلى الأغاني السودانية بأرجلنا ومصاريننا، نشعر أن الطاقة التي تتهدج في الجو هي، ولا شيء خلافها، الهوية. لكن تظل أصالة هذا الغناء شيئاً غامضاً جداً وعصياً على التعيين. ثمة إستراتيجيات، أعتقد، أيّدت هذه الجذوة التحتية. أولاً تحتجب الأصالة، في معظم الأحيان، في تمويهات هزلية تنتجها قوالب شبه ثابتة محكومة بشهوة الرجز، والطلاقة الشعبية، والنبرة العادية في الكلام. فالغناء في الأساس هو مكان التغزل في اليومي والعادي في أقرب نسخه إلى الواقع. وكلما تشبثت الأغنية بسوقيتها المعروقة، كلما تصير إلى درجة من أصالتها الصحيحة. لكن الفن هو دائماً تدخل معقَّد، فلا نجاة من سطوته، لكن التحايل عليه ممكن. فعندما تبدأ أغنية ابتهالية، فيها تسجيل لمغامرة البلاغ العشقي والوصال الكامل، بعبارة “الحج…

الجرح في القلب على مسؤولية صاحبه - فيصل محمد صالح

الجرح داخل القلب على مسئوليةِ صاحبه! بقلم الأستاذ فيصل محمد صالح
الراحل: معتصم جلابي
مقدمة طينيَّة: لم أستمتع بكتابةٍ سرديِّةٍ وشعريّةٍ في الآونة الأخيرة كما تفجَّرتُ دموعاً ومحبّةً وتذكّراً وأنا أطالع ما كتبه حبيبنا فيصل محمد صالح في حقِّ صديقه الراحل الأديب معتصم جلابي. وقد قال فيصل في نهاية الكتابة: [وبعد، إذا سبقت لك معرفة معتصم جلابي، فما أن يُذكر اسمه أمامك، حتى تضئ ابتسامة عريضة كل قسمات وجهك، دون أن تستطيع مقاومة إغرائها! لكن سرعان ما تفجعك، في اللحظة التالية، خاطرة رحيله، فتنحدر منك دمعة صغيرة تزاحم تلك الابتسامة، تحاول طردها لتحل محلها، ولكن .. هيهات!]، وقد كان، رغم أنني عرفتُ معتصم جلابي طفلاً، في الرياض بالسعوديّة، كصديقٍ مقرّب ومحبب لأمي رشيدة وأب الفاتح؛ إلا أن الذي يعرفه يُدرك، وغالباً سوف يدرك القارئ لهذا النص؛ أنه لا يكترث بالأعمار، فكان تعامله معي نديّاً وحقيقيّاً وجادّاً إلى أبعد حد، وقد كان المفضل بالنسبة لي من بين أصدقاء أسرتنا الصغيرة. وقد أصرَّ فيصل في النص أنه هجر الشعر والأدب لأنه يفتقد إلى الموهبة، وهذا لعمري إدعاءٌ مردود بذريعة هذا النص ذاته، فهو قصيدة، وهو قصة، …