التخطي إلى المحتوى الرئيسي

حول حركة شعرية عالمية

حدثٌ عظيم
(تفاكير حول الحركة الشعريّة)
مأمون التلب – يوليو 2015م
تصوير: سليمان فضل الله

(1)
[مَن يشغل نفسه بالزينة والسلاسة فهو ضائع. هذا ما ينبغي أن تفعله: أَحِبّ الأرض والشمس والحيوان، احْتقِر الغنى، امْنَح الصدقة لكلّ من يسألها، ساعد الغبي والأحمق، كرّس دخَلَك وتعبك إلى الآخرين، ازدرد الطغاة، لا تجادل في اللّه، كن صبوراً متسامحاً أمام الناس، لا تخلع قبعتك أمام شيء أو رجل أو عدد من الرجال، كن منطلقاً مع غير المثقفين الأشدّاء ومع الصغار والأمهات، اقرأ هذه الصفحات في الهواء الطلق في كلّ فصل من كلّ سنة من سنين حياتك، أعد النظر في كلّ ما تعلمته في المدرسة أو الكنيسة أو أي كتاب، ابعد كلّ ما يهين روحك فسيكون جسدك نفسه قصيدة عظيمة، وسيكون له أغنى طلاقة ليس فقط بكلماته، وإنما بخطواته الصامتة أيضاً ووجهه وبين أهداب عينيك وفي كلّ حركة ومفصل من جسدك... على الشاعر أن لا ينفق وقته في عمل لا لزوم له. عليه أن يعلم أن الأرض دائماً محروثة مسمّدة له... قد لا يعلم ذلك الآخرون، أمّا هو، فعليه أن يعلم. عليه أن يزّج بنفسه في عملية الخلق مباشرةً. وثقته ستتفوّق على ثقة كلّ ما يلمسه... وتستحوذ على كلّ صلة].
مقدمة أوراق العشب، لوالت ويتمان
يوم الثلاثاء 28 يوليو 2015م، حَدَث حدثٌ عظيم، بالنسبة لي على الأقل. وتتلخّص العظمة في انعدام التخطيط: رأيتُ حركةً لم أخطِّط لها، أبداً، كما تفعل الأحزاب السياسيّة الفاشلة ذلك: تخطط وتخطط وتنسى، تماماً، أن العالم ليس خُطَّة! لقد نَشَأت هذه الحركة اليوم لوحدها، نبتت على الأرض كما تنبتُ الغابة. كنتُ أصرُّ أنني لن أضع خططاً ولا تنظيماً لفعالية اليوم ـ وما كنتُ سوى داعٍ للقاء ـ مع انطلاقة الحركة الشعريّة، وقد كانت النتيجة مذهلة: لقد تكوّنت الفعاليّة من تلقاء نفسها، تماماً كما يحدث للنبات منذ قرون. لقد بادر الناس بالقراءة حتّى ذُهلت!.
في البداية، تجمّع الناس في الساحة ولم أتعرّف على وجهٍ سوى الشعراء المتكوّمين في مسطبةٍ واحدةٍ فقط؛ الهادي راضي والمغيرة حسن حربية وغيرهم، في الحقيقة كنتُ لاجئاً بينهم، وكان ذلك شعوري تماماً. رأيتُ وجوهاً جديدة، والوسامة الشديدة تنتشر على الساحة لدرجةٍ أرعبتني، حقيقةً، رعباً جليّاً. البنات والأولاد حلوين، يأتي أحدهم ويقول لك: أن ود صاحبك فلان الفلاني!، مثلاً، أو أن ترى الكثير من الشابات والشباب يشتاقون اشتياقاً جادّاً جدّاً لقراءة الشعر. يا له من عالم. لقد مُنِحتُ الأمل في هذا اليوم، ولسوف أحافظُ عليه وأمنحه كلّ غالٍ وثمين.
بعد كل الغربة ظهرت الوجوه القليلة التي أشاحت في قلبي السلام: حسن بابلونيا تقدّم الوفد، وكمال عمر، بذراعه، أحاطني وأحاط روحي، ثم أنس مصطفى يظهر من بين الحشد. توالت المحبّات. بدأت بالخريطة التي اقترحتها نجلاء عثمان التوم، حيث أرسلت لي نصّاً كتبته بذريعة هذه الفعالية، فيما يتيقّن لي، باسم: (خريطة). للدرجة التي أستطيع أن أقول، بكل ارتياح، أن نجلاء، بكل هذه المسافة التي تفصلها عن هذه الساحة، قد خَلَقت خريطة الساحة كلها؛ إذ كان نصّها هو المُكوِّن للدوائر التي انتظمت في ساحة أتنيه بصورة سحريّة ساهم في إنتاجها الجميع.
في الساعة السادسة وخمس دقائق بالضبط، صَرختُ في العتبة في ساحة أتنيه، وأنا أرتجف من قمّة رأسي إلى أقمص قدميّ؛ أرتجف كالشجرة في مهبّ الخريف، بكلمات نجلاء الأولى:
(رأيت الرجل أخرساً مرتجفاً وهو يتلو قصيدة
لجمهور في كرب عظيم،
التنين يخرج من فمه في جزر ومد
والجمهور يقترب يبتعد تحت صهد الكلمات). (القصيدة كاملة في الأسفل)
وظللت أردد الأبيات إلى أن اقترب الجمهور، رويداً رويداً، وبعدها، فجأةً، رأيت وجه الشاعر حاتم الكناني مبتسماً، فقلت: يقدّم لكم القراءات هنا الشاعر حاتم الكناني. تقدّم حاتم، وانتقلت أنا لبقعةٍ أخرى. وبدأتُ بذات الخريطة، وأعقبتها بمقاطع من مقدّمة ديوان (أوراق العشب) لوالت ويتمان، ثم قرأت قصيدتي (مخدّرات)، وبينما أقرأ رأيت وجه محجوب كبلو بين حضور الدائرة، فشعرت وكأنني عدت إلى البيت.
(2)
أريد أن أصف شعوري، قليلاً، بهذه الحركة الشعريّة: إنني أراها تتكوّن بتلقائيّة تشاركيّة من الجميع. كنت قد فكّرت في عدة أفكار، منها توزيع منشورات شعريّة في العواصم الثلاث، وقد التقيت في الشارع، بالصدفة وأنا في طريقي من العمل إلى البيت راجلاً، عصام عبد الحفيظ الذي اقترح أن تكون مطبوعة على (A5)، أي أن تكون المقاطع المُختارة للتوزيع قصيرة ولكن يجب أن تَكون ذات قدرةٍ على إثارة التأمّل!.
ربما كان ذلك ما افتقدته في الفعاليّة الماضية؛ النصوص المستثيرة للتأمل كانت قليلة، بينما النصوص المستثيرة للعاطفة والانفعال والشعور بفداحة واقع اليوم وبؤسه أكثر؛ النصوص ذات الطابع السياسي تسثير الناس بكل تأكيد، وتصنع صورة (الشاعر الشجاع/البطل)، وبصراحة لقد فترنا من هذه الصورة الفاترة، فبتلك الصورة يخدم الشاعر حركة أخرى مكّارة، سلبته قيمته واعتداده بخياله؛ إنّها نصوص ترى المجرم واضح المعالم، والخيّر، كذلك، واضح المعالم؛ في حين أن عالم اليوم قد أصبح خالياً، تماماً، من المعالم..
إننا لا نريد أن نخلق مساحةً للتعبير عن الحريّة السياسيّة، نريد أن نصنع مساحةً لحريّة التأمّل في الحياة والكون، لهذا انزعجت كثيراً عندما يخبرني أحدهم: في زول بينبذ النظام عديل! فكنتُ أنخلع كالملسوع! في زول بينبذ النظام؟ وين ده؟ يا زول ماف زول عايز يسقط نظام هنا فنحن نعلم، بكل تأكيد، أن الأنظمة، جميعها، ساقطة منذ زمنٍ بعيد، والمؤسسات منهارة وتتفتّق في كلّ يومٍ عن أخبارٍ وخساراتٍ تُعرض على الملأ بما أتاحته الشبكة العنكبوتيّة من معلومات. لا شيء يقف على حَيلِهِ: (من سَلَفٍ كل شيءٍ مُحطّم – الصادق الرضي).
(وهذا رأي خاص جداً وغير مُلزِم لأحد).
(3)
المقترح الثاني هو (مارش شعري): أن يتم تأجير حافلة صغيرة الحجم، تتحمّل 10 ركّاب، شاعرات وشعراء، ليتم إرسالها، كل ثلاثة أشهر، إلى مدينةٍ سودانيّة تستطيع أن تنظّم فعاليّة شعرية في مكان مفتوح. (في اقتراحات من ناس كتار أنو القضارف تكون الأولى).
موضوع يجب أن نتحدث فيه: (مفروش) جماعة عمل الثقافيّة، باستمراريّته لثلاث سنوات، غيَّر وجه أتنيه، وحوّلها لمكانٍ يجمع عشّاق المعرفة والفنون. ورغم أنها كانت كذلك في الماضي، عندما تعرّفنا عليها ونحن طلاب في الجامعات، نأتي لنراقب، عن بعد، شعراء وروائيين وقصاصين عظماء، ونرتجف عندما نقترب منهم حاملين نصوصنا الشبابيّة لنعرضها عليهم ونقدّمها للنشر؛ إلا أن جماعة عمل الثقافيّة مدّدتها لتشمل الناس جميعهم، بمختلف أفكارهم؛ لقد أصبحت أتنيه ساحة مشهورة عالميّاً، بالمناسبة، ومحليّاً كذلك. بمجرّد أن تقول: أتنيه، إن الناس يفهمون عن ماذا تتحدّث. لذلك فإن كل مبادرة وفعاليّة تتم في تلك الساحة مكتوبٌ لها النجاح، وذلك يمثّل جزءً أصيلاً لنجاح فعاليّة تدشين الحركة الشعريّة.
أمر آخر، بالنسبة للتسمية (الحركة الشعريّة): فإن (شعريّة) هنا لا تعني فنّ الشعر فقط، إنها تعني جميع الفنون، ليس ذلك فحسب، بل هي تعني التأملات والأحلام وحركات الأعضاء وتقلّبات الفصول، إنها تعني انعكاسة الظلّ على وجهٍ واقعي، وترنيمة المشرّد النائم في حدائق الشوارع، إنها شعريّة الحياة، وجلال تعبيرها. إنها الحب. هذا، والسلام عليكم.
ما قرأت من نصوص:
خريطة
نجلاء عثمان التوم
رأيت الرجل أخرساً مرتجفاً وهو يتلو قصيدة
لجمهور في كرب عظيم،
التنين يخرج من فمه في جزر ومد
والجمهور يقترب يبتعد تحت صهد الكلمات
تقوس الأفق واحتد
وارتجف كل جنان مثل هر جبلي
عبر التنين فوق روؤس النبات
متعطشاً لمملكته الفريدة
مزدرياً اياها كونه عار دونها
قال لكل نبتة تكلمي لأراها
تكلمي يا درنات الماء
تكلمي يا سلعوة درب الاربعين
لكن انشقت الحملة عن اسطوانة إدارية
من كان لديه جثة لينطقها الآن أو يسجلها في الكمبيالات
قال طبيب اسماعيل باشا وهو يجري معادلة حسابية في رأسه لقد جمعت ستمئة أوقية من الغضاريف
أذان الشايقية، يا مولاي، ليست سيئة، لكنها تتعفن بسرعة
الرخويات في الخلفية
بطيئة بطيئة مثل اللغة
وفي آثارها على الرمل تهدر البرية بالترجمة
ما هذا العالم؟
البطن المبقور الحافل بالطرائد هذا العالم
القمر مرقطاً يسبح على ظهره في البازلت العالم
يضرب بفخذيه مستكشفاً فلذات التوصيل الجيد،
منقباً غيهب روحه عن القصدير
العالم كل من لا يذكر دودة قزه مسجونةً في خصية الاسكندر الأكبر
إنه لا يتذكر الله
ناهيك عنا عمال الدرت
طار ريش النعام طار الذي رفس الطيران طار المنزوع الفواح المحشور في أكياس قطنية
إلى مصوع
ثمة خريطة توضيحية يتبادلها جنديان مثل نارجيلة مملة
حول كيف يمكن لثورين فقط رفع قلبي بكلابة
اتبعوا الارشادات يا جماعة
باقي العملية إنزال عادي
على فئران قعر السفينة.
الصافرة برقت في خفاء البحر
الحلفاء الحلفاء الحلفاء في رحم مبقع وغريب
بدأت تجارة صغيرة قوامها الفورملين
العالم رائحة فورملين مهرب
ضاعت جثة البحر في امواج جثث العبيد
اجهضتنا السفينة
الإمكان احترق
وتوقفت اللغة، التي لم نعرفها أبداً، عن الوجود.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ثم قرأت مقاطع من والت ويتمان، مقدمة أوراق العشب، ديوانه الوحيد.
مقدّمة أوراق العشب | والت ويتمان
ترجمة: فاروق محمد يوسف
عن موقع المسيرة الإلكتروني
الأرض والبحر، الحيوانات والأسماك والطيور، السماء وأجرامها، الغابات والجبال والأنهار. هذه كلّها ليست مواضيع قليلة الشأن... ولكن الناس يتوقعون من الشاعر أن يكشف أكثر جمالاً ووقاراً مما هو مقرون دائماً بالأشياء الحقيقية الصمّاء... إنّهم ينتظرون منه أن يكشف الطريق بين الواقع وبين النفس. الرجال والنساء مدركون للجمال خير إدراك...إدراكاً ربّما لا يقلّ عن إدراكه هو له.
الصيّادون بجَلَدهم المندفع، الساكنون في الغابات،المستيقظون في الصباح الباكر، الزارعون للحدائق والبساتين والحقول، والحب الذي يكنّه النسوة الأصحّاء لأجساد الرجال، والراكبون البحار، الممتطون لصهوات خيولهم، الولع بالنور والهواء الطلق كل تلك الأمور دلائل قديمة متنوعة لإدراك الإنسان الذي لا ينضب للجمال ولتوطن الروح الشاعريّة في نفوس أولئك الذين يؤثرون الحياة في الهواء الطلق ولا يمكن قط أن يساعدهم الشعراء على الإدراك... يحاول البعض ولكنّهم لا يفلحون. الخصال الشاعريّة لا يمكن أن تعبأ في نظم مقفّى أو متجانس أو في مناجاة مجردة للأشياء، ولا تكمن في الشكاوي الحزينة أو في أغوار النفس. فائدة القافية أنّها نبذر بذور قافية أعذب وأوفر، وفائدة التجانس أنّه ينقل نفسه في جذوره المتغلغلة في الأرض غير المنظورة. إنّ صياغة القصائد الكاملة ووحدتها تبين قوانين العَروض بنموها الطبيعي وتطلع منها كما يطلع البرعم، دون زوغان أو تسيّب، كما تظهر أزهار الليلاك أو الورد على النبتة، وتتخذ أشكالاً متكاملة كأشكال الكستناء أو البرتقال أو البطيخ أو العرموط، وتنثر عطرها الخفي الذي لا نراه في الشكل. إنّ الطلاقة والزخرفة اللتين تتميزان بهما أبدع القصائد أو الموسيقى أو الخطب أو التلاوات غير مستقلتين وأنّهما خاضعتان. آيات الجمال كلّها تصدر عن جمال في الدم وجمال في الدماغ. إنّْ توافقت مواطن العظمة في رجل أو امرأة، هذا يكفي... هذه الحقيقة ستسود الكون... ولكن التنميق والتزويق لن يسودا الكون لو بقيا ملايين السنين. مَن يشغل نفسه بالزينة والسلاسة فهو ضائع. هذا ما ينبغي أن تفعله: أَحِبّ الأرض والشمس والحيوان، احْتقِر الغنى، امْنَح الصدقة لكلّ من يسألها، ساعد الغبي والأحمق، كرّس دخَلَك وتعبك إلى الآخرين، ازدرد الطغاة، لا تجادل في اللّه، كن صبوراً متسامحاً أمام الناس، لا تخلع قبعتك أمام شيء أو رجل أو عدد من الرجال، كن منطلقاً مع غير المثقفين الأشدّاء ومع الصغار والأمهات، اقرأ هذه الصفحات في الهواء الطلق في كلّ فصل من كلّ سنة من سنين حياتك، أعد النظر في كلّ ما تعلمته في المدرسة أو الكنيسة أو أي كتاب، ابعد كلّ ما يهين روحك فسيكون جسدك نفسه قصيدة عظيمة، وسيكون له أغنى طلاقة ليس فقط بكلماته، وإنما بخطواته الصامتة أيضاً ووجهه وبين أهداب عينيك وفي كلّ حركة ومفصل من جسدك... على الشاعر أن لا ينفق وقته في عمل لا لزوم له. عليه أن يعلم أن الأرض دائماً محروثة مسمّدة له... قد لا يعلم ذلك الآخرون، أمّا هو، فعليه أن يعلم. عليه أن يزّج بنفسه في عملية الخلق مباشرةً. وثقته ستتفوّق على ثقة كلّ ما يلمسه... وتستحوذ على كلّ صلة.
البساطة فن الفنون، وجلال التعبير، والنور المضي للأدب. ليس أفضل من البساطة... ولا شيء يمكن أن يعوّض عن التطرّف والمغالاة أو عن الافتقار إلى التحديد. أنْ تنساق لقوّة الدوافع وأن تنفذ إلى أغوار الذهن وتعطي كلّ موضوع تعبيرَه الواضح تلك قابليات ليست عادية وليست غير عادية جداً. ولكن أنْ تتكلّم، عن طريق الأدب بالصحة واللامبالاة كحركة الحيوان، وبالمشاعر التي لا يمكن اتهامها كمشاعر الأشجار في الغاب أو العشب على قارعة الطريق ذلك هو النصر الأكبر في الفن. إذا التقيت بإنسان قد حقق هذا، فقد التقيت بأحد أسياد جميع الشعوب والأزمان. والرضى الذي يصيبك حين تتأمل هذا الإنسان لا يقلّ عن الرضى الذي ينتابك وأنت تتأمل طيران النورس على الخليج أو حصاناً أصيلاً في حركته المتوقدة أو منظر الشمس في رحلتها عبر السماءأو منظر القمر فيما بعد.
أعظم الشعراء ليس له أسلوب متميّز، وإنّما هو مجرى للأفكار، لا أكثر ولا أقل، وهو مجرى لمكوّناته هو. إنّه يُقْسِمُ لفنّه: أنا لن أكون متطفلاً، ولن أضع في كتاباتي أي أناقة أو أثر أو أصالة تتعلّق كالستار بيني وبين الآخرين. أنا لن أدع شيئاً يتعلّق في طريقي، حتّى لو كان ذلك أثمن الستائر. الشيء الذي أقوله هو هو بالضبط. سأدع لمن يريد أن يمجّد أو يدهش أو يسحر أو يواسي أن يفعل ذلك، أمّا أنا فستكون غاياتي كالغايات الكامنة في الصحة أو الحرارة أو الجليد وسأكون مثلها غير آبه بالملاحظة. الشيء الذي أمرّ بتجربته أو أصوّره سيخرج من تركيبتي دون أن يأخذ جزءاً منه. ستقف أنت إلى جانبي لتنظر معي في المرآة.
المحك المباشر لمن يريد أن يكون شاعراً أعظم هو الحاضر. فإن لم يغمر نفسه بالزمن المباشر كما لو كان ذلك موجاً بحرياً هائلاً... وإن لم يجتذب وطنه إلى نفسه، قلباً وقالباً، ويتعلّق بجيده بحب لا يدانيه حب ويغمس عضلاته بمحاسنه ومساوئه... وإن لم يكن هو نفسه الزمن متجسداً... وإن لم يتفتح أمامه الأزل الذي يكسب التشابه لجميع الفقرات والأمكنة والعمليات والأشكال الحية والجامدة، والتي هي قيد الزمن، وينهض من غموضها ولا محدوديتها المستعصيين على الإدراك في الشكل الحاضر المتغيّر، وتمسّكه مرامي الحياة المرنة، فيجعل الفترة الحاضرة مما كان إلى ما سيكون، ويكرّس نفسه لتصوير هذه الموجة التي أمدها ساعة، وهذا الابن من أبناء الموجة الوسماء الستين دعه إذن ينضم إلى مجموع الناس وينتظر تطوره...
بقي المحك الأخير للقصائد وللأخلاق والأعمال. الشاعر المتكهن هو الذي يمتد نفسه إلى المستقبل ويحكم على العمل ومنجز العمل بعد تغيّر الزمن. هل يعيش العمل خلال القصائد؟ أما زال قائماً دون كلل؟ هل سيكون نفس الأسلوب واتجاه العبقري نحو نقاط شبيهة مرضياً الآن؟ ألم يجمّده اكتشاف علمي جديد إلى الوصول إلى صعيد فكري وحكمي وسلوكي أعلى حتّى صار موضع ازدراء؟ هل انحرفت ذات اليمين وذات الشمال العشرات والمئات الألوف من السنين في مسيرها لأجله؟ هل بقي موضع حب بعد تواري التراب زمناً طويلاً جداً؟ هل يفكّر فيه الشاب مراراً؟ والمرأة الشابة، هل تفكّر فيه مراراً؟ وهل يفكّر فيه متوسطو العمر والكهول؟ القصيدة العظيمة تظل شائعة في كل العصور في كل الدرجات ولكل الألوان البشرات والأقسام والطوائف وللمرأة بقدر ما للرجل وللرجل بقدر ما للمرأة.
القصيدة العظيمة ليست نهاية للرجل والمرأة وإنّما هي بداية على نحو ما. هل تخيّل أحد بأنّه يستطيع أن يجلس أخيراً ويخضع لسلطان ما ويستريح راضياً بالشروح، ويدرك، ويحس بالقناعة والإشباع؟ الشاعر العظيم لن يوصل إلى مثل هذه الحالة... إنّه لا يجلب التوقّف أو ستراً للسمنة أو اليسر. إنّ لمسة منه تدفع إلى العمل. أنْ اقتاد أحداً، فقد اقتاده بقبضة ثابتة أكيدة إلى أصقاع حيّة لم يصل إليها قليلاً... وليس ثمّة راحة بعد هذا.
أنّهم يرون الفضاء وذلك البريق الذي لا يزول والذي يحوّل البقاع القديمة والأنوار القديمة إلى فراغات ميتة. ومن يرافق ذلك الشاعر يرى مولد وسير النجوم ويتعلّم أحد المعاني.
هنا سيكون إنسان انتظم من بين الصخب والفوضى... الأكبر يعلم الأصغر ويدلّه على الوسيلة... وكلاهما سينطلقان دون خوف حتّى يجد العالم الجديد لنفسه مداراً وينظر نظرة غير وجلة إلى مدارات النجوم الأصغر ويكتسح تلك الحلقات المستمرة ولن يستقر ثانية؟
________________________________________
. من مقدمة (أوراق العشب) والت ويتمان، أحد مؤسسي قصيدة النثر الأمريكية (1819-1892)
ــــــــــــــــــــــ
وفي النهاية قرأت قصيدة (مخدرات)، من أعمالي الخاصة. وكانت تلك النهاية. بعدها تدوّرت الدوائر لوحدها، فأطلت علينا وجوهٌ لم نعهد لها من مثيل، وكان الأمر أشبهَ بالحلم. قد حدثَ حدثٌ عظيمٌ في حياتي اليوم، وسيستمر. محبتي لكل من حضر، ولكل من لم يحضر.
ــــــــــــــــ
مُخَدّرات
النباتاتُ أَنشَبت مخالبها وأصدَرَت لحناً قديماً أُوحِيَ إليكَ،
فترى وجهتك القديمة على الأشجار:
في أمسجة اللحاء أشرَقَت قدرتُكَ على التغيُّر،
في الجَذر أصبَحتَ المُقاومة،
وفي الزهرة كنتَ الحب.
في ما يلي ذلك كانت المائدةُ العظيمةُ تُعدُّ بهمَّةٍ واتقان،
تتبرَّجُ ـ لأجل الخذلان ـ جميعُ النباتات،
بل تتضافر قوى الأنهار أيضاً،
يَتَجَابنُ ظلُّ الشمس،
والقمر السافل يُمزِّق رمزيّته كأن لم يكن هناك!.
وأنت!
تستَمِعُ باتقنٍ وتفانٍ، تتلقَّى التقريع تلوَ الآخر،
ثمَّ تُخذَل،
تُفقدُ بِيَدِ نفسك التي تُلقيك نرداً مُبهرجاً بالكوارث!
أنت تستمع للأصوات الحقيقيّة الغامضة،
لكنّها تُهشَّمُ أمامك بالحديد والنار.
بحواسكَ الألف تُداهم أحلاماً ولن تُدرك الخيط الأسود من الأبيض.
بحواسّكَ المُخَدَّرة تسيرُ في أحلامٍ تخاف من قدرتها على الانوجاد،
حتّى ولو في خيالٍ ضيِّق الأفق،
محموم القلب،
ومكلوم الجسد.
(2)
لست أدري كيف يُولدُ الضُعف في جسدٍ،
مُهاباً من جميع المكوِّنات،
بل تسجد لأجله الأنهار الداخليّة الباعثة على الرفض، والتشرّد.
ربما من نظرة الأقوياء يَتَولَّد، ربما من ثقتهم في اللهب المتصاعد من نارهم،
اللهب المضيء لدرب التوهان، المتفجّر في شراهة الخذلان المستمر،
وكأن العالم هو الجحيم مُستمرّاً،
مُتبرعماً في رائحة الوردة المهداة لقبر الأم،
محشوراً في المسافة الضيّقة بين ثقة النساء في الرجال،
مقضوماً بسرطان الأسلحة، خالقُ جنّة القتلة.
(3)
أنا ابنُكِ
إنني القلق الذي نَحُلَ جسده فأصبح شبحاً تتحارب لأجله جيوش الضعاف!
هل أصبح الأمل مَبصوقاً لهذا الحد؟
إلى أن أصبحت المجاعات سيدة الأحلام وحَبُّوبتها؟.
كيف يساعد القويُّ منَّا ضُعفَ ظِلال من قُهِروا؟
يحدث ذلك:
بمقاومة الضعاف لظلال من خانوا أمانة الشمس،
من خذلوا الجذور التي سَمّتهم،
وخانوا المياه الدقيقة التي كانت تتسرب! إلى أين؟.
إلى جوف النهار،
وفحشاء الليل،
وسموم ما كان إلهيّاً ومقدّساً.
(3)
إنني أرجوكَ يا من ملأت حياتي بالأمل،
يا من قَلَّبتَ سرير جثثي العديدة، وسَمَّيت كل واحدةٍ منها اسماً،
أرجوكَ يا من كتبت اسمي على آلاف القبور،
وسلّمتني قلباً ضعيفاً.
كيف أَنبُتُ في تربةٍ لا تصلحُ للصراخ والعويل؟
كيف أتفرَّعُ في قبلةٍ إن لم تكن مجروحةَ القلب،
ومُسدِلةً ستائر الرحمة على كعبة من أُحب؟.
الشعر هَدِيّةٌ مُفرحة،
وهو مصيبةُ من لا يُدرك لعنةَ الدموع،
وقلّة حيلتها في عالمٍ كهذا.
إذاً، ها نسجدُ لأجل الاستغاثة القديمة.
لأجل مُشاهدة الحروب من كهوفٍ تُطاردنا أينما كنّا،
هذه الحدود الغريبة عن حدود الجسد،
وأحوالِ سُكّانِه.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

The Beauty of the Silly - نجلاء عثمان التوم

 The Beauty of the Silly  نجلاء عثمان التوم


إلى عثمان حامد سليمان
هل يمكن تشريح الأصالة؟ هل يمكن الكشف عن شعوبها الداخلية دون مجزرة؟ أنا مدفوعة هنا بالحجب الأصيلة التي يغزلها الغناء السوداني حول نفسه فيبدو لنا أحياناً شيئاً محيراً، لامع الحيرة. عندما نتجرد من العصاب الذي نسميه الفهم، وننطلق في رحلة متحللة من كل غاية، ونستمع إلى الأغاني السودانية بأرجلنا ومصاريننا، نشعر أن الطاقة التي تتهدج في الجو هي، ولا شيء خلافها، الهوية. لكن تظل أصالة هذا الغناء شيئاً غامضاً جداً وعصياً على التعيين. ثمة إستراتيجيات، أعتقد، أيّدت هذه الجذوة التحتية. أولاً تحتجب الأصالة، في معظم الأحيان، في تمويهات هزلية تنتجها قوالب شبه ثابتة محكومة بشهوة الرجز، والطلاقة الشعبية، والنبرة العادية في الكلام. فالغناء في الأساس هو مكان التغزل في اليومي والعادي في أقرب نسخه إلى الواقع. وكلما تشبثت الأغنية بسوقيتها المعروقة، كلما تصير إلى درجة من أصالتها الصحيحة. لكن الفن هو دائماً تدخل معقَّد، فلا نجاة من سطوته، لكن التحايل عليه ممكن. فعندما تبدأ أغنية ابتهالية، فيها تسجيل لمغامرة البلاغ العشقي والوصال الكامل، بعبارة “الحج…

تَرَانيم مَحموديَّة - شذرات متفرّقة في ذكرى اغتيال الأستاذ

تنقيباتُ الجنوبيّ

تنقيب الظلام