التخطي إلى المحتوى الرئيسي

اغتراب الموت - نص جديد




اغترابُ الموت
مأمون التلب
يونيو - سبتمبر 2015
نُشر بموقع: ألترا صوت





1

أصحو الليل كلّه
فتدهمني الطيور الجارحات بكل نهارها
وأنام النهار كله،
فتُشبعني خفافيش الليل المحترقة بالشمس؛ تُشبعني اخضرارًا:
ولقد شهدت قسوةَ الحياة تَخرق الأرض وتبلغ الجبال طولًا،
رأيتها تحفر جحورها بقلبي وتنبني، من دمي، لأجلها المُستعمرات الخرافيّة،
رأيتُ سريرها في الذاكرة مَحشوًّا بريش النعام المُرفّه،
وتسابقت خلايايَ لخدمتها بهمةٍ وإخلاصٍ نادرين.
لقد سلّمت هذه القسوة الأسلحة بيديَّ هاتين،
وقلت بارتجافةٍ مُبتسمة: اقتليني.
ونظرتُ في عينيها وهي تمُرِّرُ صوتها الحاد خلال الحروق،
هَتَكت ما يُهتَك، واشتدَّ إيقاعُها يوماً بعد يومٍ، كفصول العام.

وهنالك الهضبةُ التي قامت في العين تتضرَّع،
يطوف حولها ولدانٌ مُخلّدون، يقطفون شِعرًا زرعوه بأحلامهم،
وأقاموا بيوتهم الخالية المتشقّقة على حوافّه،
وأنا النّاظر من خلال جراحاتهم،
والهضبة لا تكفّ عن النموِّ وتقتاتُ على ما يُفرزهُ لحمي من دموع.

كم سأكتب، يا قسوة الحياة، عنكِ، وكم سأنال من جرائمي؛
أصطادها واحدةً واحدةً عبر غاباتٍ لم تُكتشف، ولكنها عليك ستثور؛
ستتفرَّع في قبلاتك المنسيّة،
وفي مُهاجمةِ الارتعاشات ليديكِ المشبّكتين بالنار والتراب.
حينها، وبكثيرٍ من الصبر، سأبحث عن قنابلَ زُرِعت لأجل الانفجار النهائي في آخر الممر،
ذلك الذي رَبَطنا ببعضنا كأمٍّ وابنه، وقالَ بحقيقةٍ عَرَّفتني، وهي لا تقلّ قسوةً عنكِ،
يا قسوةَ الحياة.

2

وفي الخنادق نامت الذكريات تحرسها المدافع،
وفي الخنادق أُغلِقت أهداب العين وهي تَرَى موت الأحباء مشتعلًا بسلامةِ أعضائهم،
وفي الأفق يُضرَبُ الرصاص حتّى يَصيرَ شَفَقًا تتلاحمُ لأجله أشعّة الشمس الساكتة،
وعلى الأرض تمشي الأشجار، جميعها، لا تحدّها حدودٌ، ولا تغفر لها الأنهار ذنوبها،
تصفّق حدّ ترى وجوه من عَرِفْتَ طالعةً من صوت الإيقاع،
تشتدّ الطبول لاجتذاب فنون الصواعق،
وفي الغرفةِ المقيتة الحاملةِ بكَ تتفتّح الورود رغمًا عنك،
وتتكالبُ عليك جيوش الأمل!
لن تقضي حياتك في الخندق،
ستخرج لأجل الاستسلام،
لأجل التحليق عاليًا بروحك المقتولة،
وفي نهاية الحرب التي ليست حربًا،
سيتكشّف خذلانكَ عن حيٍّ جارَ عليك ولكنهُ منك،
إنه أُمّكَ، وتلويحات نجاتك الأخيرة في مصبِّ النّهر.
في الخندق حياةٌ لا تُجاريها حياة.

3

وعلى سطح السلحفاة المُتسابقةِ،
تَصَاعَد الماء، وغَمَرَ كُلَّ ما أدرَكتُ وعَرِفت،
وجلَّ داخلي كل من لم يُخطئ
من سدرةِ المُنتَهى
إلى قلبك المُشتَهى،
قطعتُ دربًا جليلًا،
تنحني أَضْلُعي جميعها لتثبتَ صلتي بكِ،
فبكِ تشبَّثت أسماءُ بروقٍ كثيرة،
ودَانَت دورة الموت على الفروع الحادَّة،
التي كانت منك،
وأصبَحَت ضدَّ كلِّ شمسٍ تُشرق من اخضرارك.

لقد كنتُ مؤمنًا تقيًا بكِ؛
كنتُ العصافير التي سُجِنَت،
والأزهار المُهداة لحبٍّ لم يرَ الشمس،
كنتُ قنينة القلب الدَاهِيَة،
وكذلك ما بُهتت لأجله المصائر.

فيما يخصُّ البَين ـ بينَ كل هذا القتل ـ
كانت الفراشات تُزغرد،
ويَنتَحِب العسلُ على شفاهِ السفَّاحين؛
كانت الخليَّة أمومةً مسعورة،
وها هي تَنشَرُّ ـ لأجل الحرب  ـ كأنما لم تكُ جزءً من أمومتها.
في هذه المعركة تُقَدَّمُ القتامة كزهرةٍ في إناءٍ بذيء،
ويُختَتَم المشهد برقصٍ لم يَعرِف له أحدٌ مثيلا.
إنه رقصُ الماء،
وما تَلَتْهُ من جذور.

4

لن تخذلك الأرض.
....
إن توجَّهتَ بوردتك لظلٍّ منسيٍّ، وأهديته عطرَها،
وتناسَلت من يدك الجدران والقيامات واحدةً تلوَ الأخرى،
وفي لحظةٍ خانكَ القهر السائل بعروقك، ولم يَتَماسَك دَمُكَ إلى نهاية المطاف؛
إن لم يَشاهدك أحدٌ وأنتَ تقتلع قلبك من جذوره، وتحدّق في كلّ ما ثَقَبه وأحنى ظَهرَه وأذلّه،
إن لم تقل لك امّك الأرض: اذهَب فأنت الطليق الحُر؛
لن تأمن شرّ الأرض.

....

غير ذلك، فلن تَخذلَ الأرضُ أيَّ جرحٍ حَصل فيكَ ولم تتفهّم طبيعة وجوده،
إن طبيعته تتكشّف في المستقبل الذي وُلدتَ لتصنَعه بيديك،
يداك التي تُهدي الوردة، وتقطع عن أنفساها نسيان الظلال.

5

للعين ذرَّةٌ غامقة،
تُبحرُ فيها البحار،
وينْسَاب عبر نَظَرِهَا انسِيَابُ الأنهار.

في العينِ يشتاقُ الترابُ ـ الذي لا يملأ العين ـ  أن يَكونَ تُرابًا،
وترتمي المرايا في أحضان نَفسها المُلتَهبِة بفقدانِ الصورة؛
فيها يلتقي الظلُّ بسيفِ سيِّدهِ،
وتشتاق الحياة أن تَكونَ حياةً.

في العينِ الحقيقيّةِ غَلَبةُ المصير تَصيرُ طريقًا،
ومن كل هَرَبٍ وتوهانٍ يُركِّبُ المصيرُ روحه
كانت العينُ تُصبحُ أشدَّ روحًا وأكثر انتباهًا؛
في العين كانت الأشباح أشدُّ افتتانًا،
وكان الهواء أشدّ اجتسامًا من الغيم وأمطاره،
وكان الحب يُثير أغلال الأرض الكثيرة فتنزرعُ باستسلامٍ قديمٍ،
وكأن الخلايا تُشاهد هذه المحاكمات،
وتسترق النظرَ للشهوات المستديمة وهيَ تَنحل!

تستلهمُ النارُ أغنيةً من ثلج،
تشتدّ بها انفصالًا عن ما كان مؤرِّخًا لسلامة صوتها،
إن الملائكة تُنجز كل جمالٍ رِفقًا بسلامتها،
كذلك تنتفض ملاهٍ قديمةٍ أنشأتها الشمس في كل ذرةِ دمٍ غادرتها،
وكل قطرة حبٍّ جحدتها،
كما تنبت التربة كل ما قاوم الآفات، كذلك يجتهد العالم الأرضي لإرضائها،
وهي المدللة، تنساب، عبر شاماتٍ توزّعت على جسدها، الأنهار التي قَهرت النار،
صاحبة الظل يوم لا ظل.

6

لقد أطلقتُ لكِ الجناحَ الكبير،
فتحتُ لك المضيقَ الذي لَن يضيق.
كنتُ أكثرَ من زهرٍ تكبَّر على بذور من قَلَّموا أظافره،
وكنتُ، أقصرَ من هذه الروح القليلة التي ربما كانت تربةً، قديمةً، لكنك هذه الجذور.
ربما كنتُ مريضًا،
بل أنا مريضٌ،
مثلما أشارت لك الشواطين الكتيرة،
ربما كنتُ أسوءَ من ذلك.

ولكن، لماذا لا تبصرينَ الجناح الكبير،
ألا يُمَثِّلُ جزءًا عزيزًا منكِ أنت؟ حبيبتي؟
الله في الأرض، والشياطين في السماء.

في الجناح الكبير تُحتضر الأرض،
وتُفاقِمُ من عيون الطيور الساقطة على تربتها:
على التربة رأيتُ كيفَ تُصبِحُ الجثث أسماءً وناس،
على التربةِ رأيتُ عيونَ الطيور تنمو، تزدهر بالخفافيش، وتتنقّل من ظلامٍ إلى ظلام. كيف لم نكتشف سلامة الجناح الكثيف؟ كيف لم أكتشف تفاهة انتظاراته، وثقته، البائرة، في البشر وأنواعهم.
أجيبكَ يا سيِّد: لأن النماذج التي تدعي الطيران هي الأسوء، لأن السماء ذاتها مُخَرَّبة، لأنها انتحت ناحية الأرض يا حبيبتي، لأنها لن تكوننا إن لم نكن جاهزين لاستقبال الطيران البشري، لأنها لن تستقبلنا إن لم نكن جاهزين لانقضاضها علينا، ولأن السحاب ـ السحاب القليل ـ لا يتقبّل روحاً أخفَّ منه، روح الماء التي تَبَخَّرت، وأهدتنا الحياة.

7

ينحدرُ صوتك، مثلما تنحدر الدمعة،
كما تسقط الثمرة الناضجة، ومثلما تنضح الصحراء بالواحات
وتُغلقُ الغاباتُ أمطارها بسهولةٍ على جثثٍ كثيرةٍ قُتِلت لأنها تعيش في الجنّة.
الجحيم يلاحق الجنان، والجنان ترتجي رحمةَ "ملائكة الجحيم".

ساحةٌ تلتحم فيها آلاف القرون لثيرانٍ لا فرقَ ينبتُ في نخاعِ أيِّ عظمٍ مُكَوِّنٍ لما يُقاومونه،
يُقاومون أمواج بحرٍ قديمٍ لم يعد موجودًا، يلتقطون قفاز تحدٍّ من يدٍ لم تعد موجودةً.
وهكذا،
تتعاقب المياه على جمالك كما تتعاقب الخيارات بتغيّرات النيل.
نستمع لما يَنْحَتُ الموجات نَحتًا، يصنع من الماءِ جدارًا عازلًا،
بل يخلق النهر، ويسميه نيلاً، بصوتك فقط.

8

سامحيني أيتها النار،
فقد لَفظتُ اسمكِ ولم أفقِد القلب
وتَمَسَّحت بظلِّك ولم تحترق جَنابتي،
بالأمس القديم كتبت سيرتك،
وكانت خيانتي تحدثُ على أتمّ وجهٍ مُسلِم
تُهت في شوارع الخرطوم كأنني لم أُخلَق من جلدها،
تهتُ تُحنقني العبرات وفي القلب أيتها النار كنتُ تفورين،
دخلتُ بيتَ العرق، وجلست إليكَ أيّها النيل، وكَفرت بكلّ شيء.
وجدت جدارك يا محمود وبكيت عليه،
سَلَّختُ أظافر روحي على خشونته الصادقة،   
وبه كُتِبَت أصابع الساحر.
منذ متى لم أتذكرك أيتها النار؟
لماذا أَهملتُ وجودك في جسدي؟
لماذا يُنكُر الكل وجودك الجسدي الأصيل؟
رأيتُ بأمِّ ظِلّيَّ اختبائك في الشمس،
رأيت، مذ أصبحتُ بشرًا، الضوء الذي تُلهبين به مشاعرنا؛
الخوف الذي نخافه منك،
جمال رقصه في عروقنا ونحن نقترب من بعضنا البعض.
هروبنا من مُعضلة الخطيئة الجميلة، التنكّر لها، ونَبذُ محتوياتها الخالدة.
أيتها النار، يا معضلة الوجود البشري
يا التي تختبئين في مكتبة الأفكار،
وتُقلقين أمان كل شيءٍ ثابت؛
(كيف يجهلونك؟) وأنت تَنبتين شجاعةً في العروق المتمرّدة؟
في اختراق الجدران، وصوت تحطيم الحواجز؟
كيف يجهلوك؟ وأنت في نَبضة الوَتَر
في جلال الموسيقى السائل رأفةَ بنا ورحمة؟.

9

لماذا تخاف من أشباحٍ تتحدث إليك؟
من الصقور التي ترقصُ بتناغمٍ كيميائيٍّ خارج نافذتك؟
لماذا تهرب من كونك كائناً فضائياً؟ أهذه كلمة السر؟ كائنٌ فضائي؟.
لماذا نرتبط بالأرض بقساوةٍ لم يحدث مثلها في تاريخ الجذور؟.
لماذا هي النار تلعب بأحلامنا كما تلعب النار في القلب، ومنها تومضُ في الجسد؟

10

الذي يَخلقُ إلهتي
الاقتراب من الهاوية، تقبيلُ الهواءِ المُرعب والاستخفاف المريع بما كان وما سيَكون، السقوط وتحطيم الدُماغ في لحظةٍ واحدةٍ لن تَحدث لأنها موجودة!. دائمًا، عندما أَصِلُ إلى حافة الهاوية يتمُّ إنقاذي بأكثر الطرق تعقيدًا.
مثلما تتفتّح الوردة في الجفاف،
وتمامًا كما ينشقّ من الواقعِ حلمًا،
وكما تنسابُ نِسَبُ الموت مع ما يجاريها من جَهلِ الأحياء.
شهادة القبر أحملها بيديَّ هاتين، وأسلّمها لكم؛
منذ أن رأيت كل وجهٍ أحببته،
ومنذ أن قالت الأرض لي: كُن. فكُنتُ.
الاستماع المستمر، المرهق، للموسيقى،
مراقبة البحر ينشقّ ويلتئم،
مراقبة النهر الذي لا يُعبَرُ مَرَّتين،
قلق التحديق في الكواكب الأخرى أثناء النوم،
قلّة حيلتي وهي محصورةٌ في جسدٍ مُستَهلكٍ بالخمور والمخدرات،
النار التي لن تنفكَّ من التَصريخ والعواء في العروق،
الجلسة القديمة بجانب صخورٍ لم يَنحت عليها أحدٌ حَرفًا،
الاقتراب المُسن من الافتراس الشَرس لحيوناتٍ فَقَدت براءة شراستها،
الاحتقان الجليل لما يمكن أن يَغرق في طوفان الأنواح الكثيرين،
الاغتراف الخلاَّق لموت المحبّة الخالصة،
سلامة القبلة التي لن تحدث،
وانشداد الحياة للحياة.
على عمومِ العاطفةِ فكوكبنا لن يموت، وإن مات كل شيءٍ فيه.
وإن صارَ الموت حقيقته الكونيَّة، فالموت حياة!
يا إلهتي، أيتها الأرض، متى أعود إليك؟.

ــــــ
لوحة: فان غوخ
Van Gogh, Pietà (after Delacroix), September 1889. Oil on canvas, 73 x 60.5 cm. Van Gogh Museum, Amsterdam.
ـــــــ
رابط النص:


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

The Beauty of the Silly - نجلاء عثمان التوم

 The Beauty of the Silly  نجلاء عثمان التوم


إلى عثمان حامد سليمان
هل يمكن تشريح الأصالة؟ هل يمكن الكشف عن شعوبها الداخلية دون مجزرة؟ أنا مدفوعة هنا بالحجب الأصيلة التي يغزلها الغناء السوداني حول نفسه فيبدو لنا أحياناً شيئاً محيراً، لامع الحيرة. عندما نتجرد من العصاب الذي نسميه الفهم، وننطلق في رحلة متحللة من كل غاية، ونستمع إلى الأغاني السودانية بأرجلنا ومصاريننا، نشعر أن الطاقة التي تتهدج في الجو هي، ولا شيء خلافها، الهوية. لكن تظل أصالة هذا الغناء شيئاً غامضاً جداً وعصياً على التعيين. ثمة إستراتيجيات، أعتقد، أيّدت هذه الجذوة التحتية. أولاً تحتجب الأصالة، في معظم الأحيان، في تمويهات هزلية تنتجها قوالب شبه ثابتة محكومة بشهوة الرجز، والطلاقة الشعبية، والنبرة العادية في الكلام. فالغناء في الأساس هو مكان التغزل في اليومي والعادي في أقرب نسخه إلى الواقع. وكلما تشبثت الأغنية بسوقيتها المعروقة، كلما تصير إلى درجة من أصالتها الصحيحة. لكن الفن هو دائماً تدخل معقَّد، فلا نجاة من سطوته، لكن التحايل عليه ممكن. فعندما تبدأ أغنية ابتهالية، فيها تسجيل لمغامرة البلاغ العشقي والوصال الكامل، بعبارة “الحج…

تَرَانيم مَحموديَّة - شذرات متفرّقة في ذكرى اغتيال الأستاذ

تنقيباتُ الجنوبيّ

تنقيب الظلام