التخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسالة إلى شاعر شاب – راينر ماريا ريلكه: تنقيبات طينيّة (4)


رسالة إلى شاعر شاب – راينر ماريا ريلكه: تنقيبات طينيّة (4)



مقدّمة طينية

لقائي [براينر ماريا ريلكه] حدث بطريقةٍ فريدةٍ جدّاً. كان ياسر محمد علي ورشا ميرغني يرحلّون أشياءً كثيرة، وهنالك كراتين مملوءة بالكتب كانت تجلس في زقاق من أزقة بيوتنا في وَدَّ البنَّا، والمؤجرة حالياً، وكنت آتي من حينٍ لآخر راجلاً من بيتنا القديم ببيت المال مخترقاً الأزقة الجالوصيّة المحبّبة ولا أستطيع منع نِفسي، دائماً، من تذكّر الشكلوتة، ورعبنا منها، إلى أن كَبرنا وتمتّعنا بها. كنت حينها طالباً بالجامعة: في نهاية الزقاق كانت كومة الكتب، نبشت إلى أن وقع على يدي عدد من أعداد مجلة الكرمل، مغبّر، وكانت ترجمة كاظم جهاد لـ(مراثي دوينو) ـ شخصيّاً ـ قابعةً هناك. ومنذ ذلك الحين أصبَحت سرّاً مقدّساً ألتهمه وأبكي، لم أستطع أن أمنع نفسي من البكاء حتّى وأنا أقدّمها على منبرٍ ـ به عدد قليل من الحضور الذي سُمّي عند الشاعر (خوان رامون خمينث) الأقليّة الهائلة ـ في إحدى ليالي (مركز عبد المجيد الثقافي)، ربنا يطراه بالخير، إبّان عملي مع زملاء لطيفين في أوّل عملٍ ثقافيٍّ خارج أسوار الجامعة، بعد تخرجنا. والذي اشتهرَ بعدها عندما شرّفنا بطفحانه بجمهوره الشاعر عاطف خيري في أول قراءةٍ له بعد عودته الأولى من أستراليا، الناس كانوا يتشعبطون ويجلسون على الأسوار، منبهري الأنفاس، يستمعون برهبةٍ لرُعود عاطف الشعريّة. كان عاطف قد قطع شوطاً كبيراً ـ مع بنات وأبناء زمانهم ـ في توطين شعره وسط الطلاب وفي الأندية الأدبية داخل وخارج الخرطوم، بتجديدٍ مهولٍ في الشعر نفسَه، هو ومن عاصرو، وقد كان وظلّ محبوباً يركب الناس له الباصات من المدن والأرياف السودانية ليستمعوا إليه يقرأ بعد كل عودة تتباعد في الأزمنة. نوستالجيا تقيلة جدّاً :)
على كلٍّ، لا أقليّة في جمهور الشعر في السودان، هذا ما تعلّمناه ورأينها في كل العصور السابقة في السودان حسب ما عشته ولمسته.
إلى اليوم، أعيد قراءَة أكوانها، ثمّ، أسعد بمطالعة رسائل ريلكه إلى شاعرٍ شاب، وأتذكر كم عَنَت لي وأنا شاب، وإلى الآن الكثير، بعد أن دَخَلنا مرحلة "الخال"، أقرأ الرسائل وأبتسم. تلك الرسائل نُشرت بملف (تخوم) الثقافي ـ صحيفة الأحداث، لاحقاً، هي و(المراثي)؛ ضمن باب (مختارات عالميّة) الذي كان الأمتع بالنسبة لي شخصيّاً، فقد نُشرت فيهِ أهوال!. كذلك نشرتُ ترجمةً إنجليزيّةً للرسائل، عن الألمانيّة، على صفحات الباب الثقافي اليومي لصحيفة (سيتيزن) الإنجليزيّة، إبّان عملي سكرتيراً وسط زملاء أعزّاء لا أستطيع عدّهم الآن، لهم التحيّة. وكذلك نُشرت في صفحة الشاعر على فيسبوك، والتي نديرها، مع أحباء محبّينَ له، والذي أصبح كرابطةٍ سريَّةٍ تجمع أُناساً من مختلف أنحاء العالم القارئ بالعربيّة. يعني ببساطة كده كَرّهناها النشر، لكنها لأول مرةٍ تُنشر بالمدونة، نتشرّف.
واحدة من الرسائل نقدّمها اليوم، في هذه الجمعة الشتائيّة الرائقة، ضمن التنقيبات الطينيّة، نُشرت ترجمة الأستاذ شهاب بوهاني على موقع (المسيرة الإلكتروني)، الذي له كبير الفضل في خدمة قراء الأدب العالمي في جهة اللغة العربية، كثَغْر. الترجمة مرفقة بسيرة ذاتية للشاعر.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رسالة الى شاعر شاب - راينر ماريا ريلكه

لقد كان لكَ كثيرٌ من الأحزانِ العظيمةِ التي انقضت.
وها أنتَ تقول إن هذا الطابع العَابِر، هو ما صَعُبَ عليك احتمالَه لقسوَتِه.
وأنا أدعوك إلى أن تفكّر جيداً: أَلَمْ تختَرِقكَ هذه الأحزان في الصميم؟.
ألم تتغير فيكَ أشياءَ كثيرة؟ بل ألم تتغير أنتَ ذاتَك، في نقطةٍ ما أو موضعٍ ما من كيانك، فيما كُنْتَ حزيناً؟.
إن الأحزان التي نحملها فتَطْغَى على أصواتنا ونحن بين الناس، هي وحدها الأحزان الخَطِرَة والسيِّئة. إنها تُشبِه تلك الأمراض التي تُعَالَجْ عِلاجاً سَطحيَّاً وسَخِيفاً فتتراجع قليلاً ليكون ظهورها - بعد ذلك - مرعباً. إنها تتراكم في الداخل، وهي من الحياة؟.
ولكنها حياة لم تُحيَا، حياةٌ يمكنُ أن تَقتُلَنَا.
لو كان بإمكاننا أن نرى أبعدَ قليلاً مما تُتِيحُه معرفتنا، وخلفَ الأبواب الأمامية لحَدْسِنَا، لكان بوسعنا أن نَحتَمِلَ أحزاننا بثقةٍ أكبر من تلك التي نحتمل بها أفراحنا.
ولعلَّ مردُّ ذلك، إلى أن أحزاننا تُمَثِّل اللحظات التي يَنفُذُ – خلالها - إلى داخلنا شيءٌ جديدٌ ومجهول!.
وفي تلك اللحظة تَصمُتُ أحاسِيسُنَا، في تردِّدٍ خَجُول، ويتراجع فينا كل شيء، فيخيم سكون ويستوي ذاك الجديد الذي لا نعرفه، صامتاً، هناك في الوسط.
وإني أعتقد أن جُلَّ أحزاننا هي لحظات توتر تُشعرنا بالعجز عن الحركة، فرط ما بنا من صَمَمٍ تجاه حياة إحساساتنا المَوسُومة بالغرابة. ومعنى ذلك أننا وحيدون مع ذاك الغريب الذي نَفَذَ إلى داخلنا، ومعناه أيضاً، أن كل ما هو مألوف ومعتاد لدينا، قد أُخِذَ مِنَّا، وأننا نجدُ أنفسنا وسطَ مرحلةِ تحول؛ حيث لا نقدر على الوقوف دون حراك. وسأُفسِّر لك الآن لماذا يكون الحزن عابراً؟
إن ذاك الجديد الذي انضاف إلينا فصار فينا، قد نَفَذ إلى قلبنا، ألى أكثر مخابئه حميميةً؛
حيث ينتفي ليمتزج بالدم فنكفّ عن إدراك ما هُوَ، ويمكن أن يُخيَّل إلينا أن شيئاً لم يحدث، والحالُ أننا تَغَيَّرنا مثلما يتغير بيتٌ بدُخُولِ ضَيف. لا نستطيع أن نقول من الذي دخل، وقد لا نعرف ذلك أبداً، ولكن مؤشرات عديدة تجعلنا نفكِّر في أن المُستَقبَل هو الذي اقتَحَم دواخلنا بهذه الطريقة كي يتحول فينا، زمناً طويلاً قبل حُلولِهِ الفِعلِي.
لهذا السبب يكون من المهم أن يبقى الإنسان وحيداً ومُنتَبهاً، عندما يكون حزيناً: لأن اللحظة التي يبدو أن لا شيء يأتي خلالها أو يتحرك، هي اللحظة التي يدخل مستقبلنا - خلالها- فينا. وهذه لحظة أقرب إلى الحياة من اللحظة الأخرى الصاخبة، حيث يأتينا المستقبلُ كما مِن خَارج.
وبقدر ما نكون هادئين وصابرين ومنفتحين -في حزننا- بقدر ما ينفذُ فينا هذا الجديد عميقاً دونما مُعَكِّر. وبقدرِ امتلاكِنَا لَهُ، بقدر ما يكون قَدَرُنَا: قدرنا الذي عندما يطلع يوماً ما من ذاك "الجديد"، ليقترنَ ببقية الأقدار، نشعرُ في أعماقنا كم نحن أهلٌ وأقارب. إنه من الضروري ألا يَداهَمَنا شيء غريب، عدا ما هو لَنَا منذُ زمنٍ بعيد: وفي هذا الاتجاه بالذات يتشكَّل تطورنا تدريجياً، في هذا السياق وجب أن نعيد التفكير في عِدَّة مفاهيم متعلقة "بالحركة".
ولقد تَسَنَّى لنا أن ندركَ تدريجياً، أن ما نسميه قدراً، يخرج من الإنسان؛
ولا يداهمه من الخارج، ولم يدرك عددٌ كبيرٌ من الناس ذلك: لأنهم لم يمتلئوا بقدرهم - فيما هو يحيا داخلهم - ولم يُحَوِّلُوه فيهم؛ لقد بدا لهم "غريباً"، إلى حدِّ جعلهم يجزمون - في رعبهم المربك - أنه لم يحلّ فيهم إلا للتوّ: وهم يُقسِمون على أنهم لم يجدوا في ذواتهم شيئاً شبيهاً به، قبل ذلك.
و مثلما أخطأنا طويلاً بخصوص حركة الشمس، فإننا نتمادى في أوهامنا حول حلول (هذا الغريب).
إن المستقبل ثابت، يا عزيزي،
وأما نحن فإننا نسبح في الفضاء اللانهائي... فكيف لا يَشكُل الأمر علينا؟.
وحتى نعود إلى موضوع العزلة، فإنه بات جلياً - أكثر فأكثر- أنها ليست شيئاً يمكن أَخذُه أو تَركُه.
نحن متوحدون، ويمكن أن نوهم أنفسنا بأن الأمر ليس كذلك، بيدَ أنه يَحسن أن نفهم أننا متوحدون، ويحسن بكل بساطة أن ننطلق من هنا، وحينها سيعترينا الدوار بالتأكيد، لأن كل النقاط التي أَلِفت عيوننا أن تقع عليها، ستُسحَب منا؟ فينتفي كل قريب، ويتناص كل بعيدٍ في بعده. إن كلّ من ينقل - فجأة ودون سابق إنذار - من غرفته قِمَّةَ جبلٍ شاهق، يعتريه نفس الإحساس بالدوار:
إنه يُشَارف على الامّحَاء بفعل حالةٍ من الضبابية لا مثيل لها.
ويفعلُ كَونه تحت رحمة شيء لا مسمى. إنه يُخَيَّل إليه أنه سَقَط أو أُلقِيَ به في الفضاء فتحطَّم وتناثر ألف قطعة: فأي الأكاذيب، لا يبتدعها عقله، في هذه الحالة، حتى يستعيد حواسه؟!.
وبهذه الطريقة تتغير- بالنسبة إلى من يغدو متوحداً- كل المسافات والمقاسات، وتحدث هذه التغيرات فجأةً.
وتماماً مثل الرجل الذي فوق قمة الجبل، فإنه يشكل تخيلات غير معتادة وإحساسات غريبة، يبدو وكأنها تنمو فوق كل ما هو مُحتَمل. غير أنه من الضروري أن نحيا هذا أيضاً. علينا أن نحتمل وجودنا أكثر ما يمكن.
وحتى ما كان شديد الغرابة، ينبغي أن يكون ممكناً في هذا الوجود. وهنا تكمن الشجاعة الوحيدة التي نحن مطالبون بها:
أن نكون شجعاناً أمام ما هو أغرب وأبعث على الدهشة، وأقل قابلية للإيضاح. واذا كان تخاذل الناس - بهذا الصدد- قد ألحق ضرراً بالغاً بالحياة؟ فإن التجارب المعيشة التي نسميها "انبثاقات"، وكل ما نسميه "عالم الأرواح"، والموت: كل ما هو شديد الالتصاق بنا.. وجد نفسه بفعل المقاومة اليومية خارج الحياة، إلى حد أن الحواس التي كانت تسمح بالإمساك به، اعترافاً الضمور. دون أن نتحدث عن الله، بيد أن الخوف مما هو غامض لم يفقر وجود الفرد فحسب: وإنما ضَيَّق بفعل تأثيره العلاقات بين البشر، فاجتُثَّت من مجرى نهر الإمكانات اللانهائية، لتُرفع فوق ضفة نهرٍ جرداء، لا شيء يُدرِكُها. لأن الكسل ليس وحده القادر على جعل العلاقات البشرية تتكرر رتيبةً، لا تتجدد، وإنما هنالك أيضاً الخجل أمام كل تجربة جديدة وغير منظورة، نشعر أننا دون مستواها. وحده، من هو مستعدٌّ لكل شيء ولا يرفض أمراً، حتى ما كان غامضاً: سيعيش العلاقة مع شخصٍ آخر مثل شيء حيٍّ يَستَنفِدُ تجربته الخاصة.
وإذا مَثَّلنا هذا الوجود بغرفة كبيرة نسبياً، فإن معظم الناس لا يتعلمون سوى معرفة زاوية من الغرفة. أو مكان ما من النافذة، أو جزء (صغير من الأرضية)، يمشون عليه ويجيئون، وهكذا، فهم يجدون نوعاً من الأمان، ومع ذلك، فكم هو إنساني هذا اللاأمان المحفوف بالمخاطر، والذي يدفع السجناء- في حكايات إدغار ألان بو إلى تلبّس أشكال زنزاناتهم المعتمة والمرعبة، حتى لا يكونوا غرباء عن مخاوف إقامتهم.
ولكننا لسنا سجناء، وليست هناك أية فخاخ حولنا:
لا شيء هنا ينبغي أن يخيفنا أو يعذّبنا، فنحن في الحياة مثلنا في أكثر العناصر ملاءمةً لوجودنا، فضلاً عن أن آلاف السنين من التكيف، جعلتنا نشبه هذه الحياة، إلى حدِّ أننا- إذا بقينا ساكنين - بالكاد نميّز أنفسنا عن كل ما يحيط بنا بفضل نوعٍ من التماهي السعيد. ولسنا محقّين في أن نكون حَذِرِين من عالمنا، لأنه لا يناصبنا العداء وإذا كانت فيه مخاوف، فهي مخاوفنا نحن، أو فيه مغاور، فتلك المغاور لنا. وإذا كانت في هذه المغاور مخاوف، فعلينا أن نحاول حبّها. ويكفي أن ننظم حياتنا وفق المبدأ الذي يدعونا إلى التمسك بالأصعب حتى يستحيل ما يبدو لنا اليوم شديد الغرابة، أكثر الأمور إلفةً وأوفاها.
كيف لنا أن ننسى الأساطير القديمة التي كانت في بدء كل الشعوب: أساطير التنينات التي تنقلب، في اللحظة القسوى، أميرات؟ فربما تكون كل التنينات في حياتنا أميرات جميلات ومِقدَامَات، تنتظر رؤيتنا يوماً ما، ربما يكون كل مرعبٍ يحتاج مساعدةً، ويريد منا أن نساعده!.
عزيزي السيد كايبس، لا ينبغي أن تخاف، عندما ينهض أمامك حزنٌ أكبر من كل الأحزان التي صادفتك؟.
أو عندما تمر كآبة على يديك وعلى جميع حركاتك، مثل النور وظل السحب، ينبغي أن تشعر أن شيئاً ما يحدُثُ لك، وأن الحياة تحضنك، ولم تنسك ولن تتخلى عنك، لماذا تريد أن تطرد من حياتك كل نوعٍ من الاضطراب، أو الوجع والاكتئاب، وأنت لا تعلم شيئاً عما تعمله هذه الحالات فيك؟.
لماذا تجلد ذاتك بالتساؤل عن مصدر كل ذلك، وعن مآله؟.
وأنت تعلم أنك في مرحلة تحولات، وأنه لن تكون لك رغبة أكبر من رغبتك في أن تتحول.
وإذا كان ما يحدث لك مشوباً بالمرض، فاعلم إذن، أن المرض وسيلة يتمكن بها الجسم من التخلص من كل ما هو غريب عنه؟ ومن ثمة، فليس علينا إلا أن نساعده على أن يكون مريضاً كلياً وعلى أن يُعَبِّر عن نفسه، لأنه بذلك يستطيع أن يتطور.
عزيزي السيد كابيس، كثير من الأشياء تحدث الآن في ذاتك، وينبغي أن تكون صابراً مثل مريض، وواثقاً مثل من يتماثل للشفاء: لأنك قد تكون هذا وذاك معاً، وفضلاً عن ذلك فأنت - أيضاً- الطبيب الذي ينبغي أن يَسهَرَ على نفسه.
وفي كل مرضٍ هنالك أيام لا يستطيع الطبيب خلالها إلا أن ينتظر، وهذا ما ينبغي أن تفعله اليوم باعتبارك طبيب نفسك.
لا تراقب نفسك كثيراً، ولا تخرج باستنتاجات متسرعة مما يحدث لك: دعه - فقط - يحدث. وإلا فإنك ستنقاد ببساطة إلى إلقاء نظرات لومٍ (أخلاقية) على ماضيك، الذي يساهم بالتأكيد، بكلِّ ما يَهبُّ الآن للقائك، في حين أن كل ما يعتمل فيك الآن من تيهِ ذاك الولد الذي قد كنتَ، ومن أمانيه وتطلعاته، ليس هو ما تتذكره، وتدينه.
إن الوضعية الاستثنائية لطفولة متوحدة ومحرومة، وضعية في غاية الصعوبة والتعقيد، فهي منذورة إلى تأثيرات مختلفة في نفس الوقت.
يجب أن نكون حذرين إزاء الأسماء، فكثيراً ما تتحطم حياةٌ على اسم الجريمة وليس على الفعلِ ذاته.
هذا الفعل الذي هو بدون اسم، والذي قد كان ضرورة دقيقة من ضرورات الحياة، وكان يمكن أن يُدمَج فيها دون صعوبة. وإذا بدت لك القوى المبذولة كبيرة، فذلك لأنك تمنح الانتصار أكثر من قيمته: فهذا الانتصار ليس الأمر "العظيم" الذي تعتقد أنكَ أنجزته، حتى وإن كنتَ محقاً فيما تشعُر به، العظيم هو أنه كان هنالك شيء أمكنَ لكَ أن تضعه مكان هذه الحماقة، شيء حقيقي وواقعي.
وبدون ذلك فإن انتصارك ما كانَ يمكن أن يكون إلا ردة فعلٍ أخلاقيةٍ عديمةِ القيمة؟
في حين أنها غَدَت بهذه الطريقة مرحلة من مراحل حياتك. حياتك - عزيزي السيد كايبس - التي أفكر فيها حاملاً لك كثيراً من الأماني الطيبة.
هل تذكر كيف كانت حياتك تتطلع إلى الخروج من الطفولة والتوجه نحو "الكبار"؟
إني أراها الآن وهي تتطلع - منفصلةً عن الكبار- إلى الأعظم؛ لذلك فهي لا تكف عن أن تكون صعبة، ولكنها لذلك أيضاً، لن تكفّ عن النمو. وإذا كان لي أن أقول لك شيئاً آخر، فهو ما يلي:
لا تعتقد أن من يحاول مواساتك يعيش دون عناء، بين الكلمات السهلة والهادئة التي تمنحك الراحة أحياناً. إن في حياته الكثير من العناء والحزن.. حياته التي تظل بعيدة، دونك.
ولو كان الأمر على غير ذلك، لما كان له أن يجد كلماته أبداً.
المخلص: وينير ماريا ريلكه
فوروبوج، السويد
في 4 نوفمبر 1904
ترجمة شهاب بوهاني | خاص بالمسيرة الإلكتروني

ـــــــــــــــــــــــــ
رينيه كارل فيلهلم يوهان يوزيف ماريا رايلكه الشهير بـ (راينر ماريا ريلكه (4 ديسمبر 1875 - 29 ديسمبر 1926) شاعر نمساوي – بوهيمي/ رومانسي / حداثي، ويعد واحدًا من أكثر شعراء الألمانية تميزًا. ركّز في شعره على صعوبة التواصل في عصر الكفر والعزلة والقلق العميق، وهي المواضيع التي وضعته كشخصية انتقالية بين الشعر التقليدي وشعر الحداثة.

أشهر أعماله بين قراء الإنجليزية هي "مرثيات دوينو" (بالإنجليزية: Duino Elegies)؛ أما أشهر أعماله النثرية فهما "رسائل إلى شاعر شاب" (بالإنجليزية: Letters to a Young Poet) والسيرة شبه الذاتية "مفكرات مالتي لوريدس بريجي" (بالإنجليزية: The Notebooks of Malte Laurids Brigge). كما كتب أكثر من 400 قصيدة بالفرنسية، في حب موطنه الذي اختاره في كانتون فاليز في سويسرا.
يسمُّونه الشاعر الذي قتلتْه وردة!؛ ففي أحد صباحات تشرين الأول من العام 1926، خرج ريلكه إلى حديقة مقرِّه السويسري لكي يقطف، كعادته، بعض ورودها. لم يكترث عندما جَرَحَتْ يدَه إحدى الأشواك، ولم يَخَفْ حين ظهرت لديه في المرحلة نفسها بوادر اللوكيميا. استسلم بعد أقل من شهرين ووافته المنية.








تعليقات

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تَرَانيم مَحموديَّة - شذرات متفرّقة في ذكرى اغتيال الأستاذ

The Beauty of the Silly - نجلاء عثمان التوم

 The Beauty of the Silly  نجلاء عثمان التوم


إلى عثمان حامد سليمان
هل يمكن تشريح الأصالة؟ هل يمكن الكشف عن شعوبها الداخلية دون مجزرة؟ أنا مدفوعة هنا بالحجب الأصيلة التي يغزلها الغناء السوداني حول نفسه فيبدو لنا أحياناً شيئاً محيراً، لامع الحيرة. عندما نتجرد من العصاب الذي نسميه الفهم، وننطلق في رحلة متحللة من كل غاية، ونستمع إلى الأغاني السودانية بأرجلنا ومصاريننا، نشعر أن الطاقة التي تتهدج في الجو هي، ولا شيء خلافها، الهوية. لكن تظل أصالة هذا الغناء شيئاً غامضاً جداً وعصياً على التعيين. ثمة إستراتيجيات، أعتقد، أيّدت هذه الجذوة التحتية. أولاً تحتجب الأصالة، في معظم الأحيان، في تمويهات هزلية تنتجها قوالب شبه ثابتة محكومة بشهوة الرجز، والطلاقة الشعبية، والنبرة العادية في الكلام. فالغناء في الأساس هو مكان التغزل في اليومي والعادي في أقرب نسخه إلى الواقع. وكلما تشبثت الأغنية بسوقيتها المعروقة، كلما تصير إلى درجة من أصالتها الصحيحة. لكن الفن هو دائماً تدخل معقَّد، فلا نجاة من سطوته، لكن التحايل عليه ممكن. فعندما تبدأ أغنية ابتهالية، فيها تسجيل لمغامرة البلاغ العشقي والوصال الكامل، بعبارة “الحج…

تنقيباتُ الجنوبيّ

تنقيب الظلام