التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإيماغولوجيا - ميلان كونديرا - تنقيبات طينيّة (6)



 الإيماغولوجيا
ميلان كونديرا
تنقيبات طِينيَّة (6)



مقدمة طينيَّة:

نظّم مشروع (آغورا) للمكتبات العامّة (مشروع من المشاريع التي اندفنت في العام 2009م كنّا، أميليا تشارلس وشخصي، نعمل على تأسيسه في ذلك الوقت)؛ نظّم المشروع ورشةً إعلاميّة بالتعاون مع (طِيبَا برس) في مهارات العمل الصحفي باللغة الانجليزيّة والعربيّة، وكورس في التصوير الصحفي، وفي ختام الورشة قراءة قدّمتها من كتاب (الخلود) للروائي ميلان كونديرا عبارة عن قطعة يُناقش عبرها الكثير من المفاهيم حول الإعلام ودوره. وطبعاً، بما أن ورقتي كانت الأخيرة، وفي يومٍ منفصل؛ لم يحضر إلى القراءة سوى 3 صحفيين والأستاذ فيصل محمد صالح وأميليا، على أنو: يعني حنستفيد شنو من "كلام المثقفاتيّة" في الصحافة؟. وطبعاً كانوا على خطأ، لأن مقدّم المحاضرة كان كونديرا وأنا كنت مجرّد قارئ لا أكثر. أنعيدها هنا في التنقيبات الطينية؟ نعم، نعيدها، فإلى النص:

ــــــ
الإيماغولوجيا


يتبع رجل السياسة للصحافي. ولكن لمن يتبع الصحافيون؟ يتبعون لمن يدفع لهم. ومن يدفع لهم هي وكالات الإعلان التي تشتري مواقع في الصحف أو أوقاتاً في الراديو لنشر إعلاناتها.
للوهلة الأولى يمكن الاعتقاد بأنها ستتوجه دون تردد الى جميع الصحف التي قد يساعد توزيعها الواسع على تنمية مبيعات سلعة ما.
لكن هذه الفكرة ساذجة. لأن مبيعات سلعة ما، أقل أهمية مما نظن. يكفي أن نتأمل ما يحدث في البلدان الشيوعية: لن نستطيع التأكيد، بطبيعة الحال، على أن ملايين الملصقات التي تحمل صور لينين، والموزعة في كل مكان على طريقك، يمكن أن تجعل لينين أغلى على قلبك. نسيت وكالات إعلان الحزب الشيوعي "الشُعب الشهيرة المسؤولة عن التحريض والدعاية" نسيت غايتها العملية منذ زمن طويل، وأصبحت غاية لنفسها بالذات.. خلقت لغة، صيغاً جمالية "كان زعماء هذه الوكالات في الماضي، هم سادة الفن المطلقون في بلادهم".. أسلوب حياة خاصاً طورته لاحقاً، ثم أطلقته وفرضته على الشعوب الفقيرة.
ستعترضون قائلين بأنه لا توجد علاقة بين الإعلان والدعاية، كون الأول في خدمة السوق والثانية في خدمة الأيديولوجيا؟ ولكنكم لا تعرفون شيئاً.. منذ مئة سنة تقريباً، شكل الماركسيون المضطهدون في روسيا، حلقات سرية يُدرس فيها بيان ماركس. بسطوا مضمون هذه الأيديولوجيا لكي ينشروها بين حلقات أخرى قام أعضاؤها بدورهم بتبسيط ذلك التبسيط للتبسيط، نقلوه ودعوا له الى اللحظة التي وجدت الماركسية التي أمست معروفة وقوية في كل أنحاء الكوكب، وجدت نفسها وقد اقتصرت على ستة أو سبعة شعارات رُبطت معاً على نحو بائس يصعب معه اعتبارها ايديولوجيا، وبما أن كل ما بقي ما ماركس لم يعد يشكل أية منظومة من الأفكار المنطقية، بل مجرد سلسلة من الصور والشعارات الموحية "العامل المبتسم وهو يحمل مطرقته، الأبيض يمد يده للأصفر والأسود حمامة السلام تطير، الخ" يمكننا بحق الحديث عن تحول تدريجي عام وشامل للأيديولوجيا إلى إيماغولوجيا.
إيماغولوجيا! من هو أول من نحت هذا التعبير المتقن الجديد؟.. بول أم أنا؟ لا يهم. المهم هو أنه وجدت أخيراً كلمة تسمح بجمع ظواهر ذات تسميات مختلفة جداً تحت سقف واحد: وكالات إعلان، مستشارو رجال الدولة لشؤون الاتصالات، رسامون يصممون شكل سيارة جديدة أو تجهيزات صالة ألعاب رياضية، مصمو الموضة وكبار الخياطين، مصففو الشعر، نجوم الاستعراض الذين يملون معايير الجمال الجسدي التي تستلهم منها جميع فروع الإيماغولوجيا.
وُجد خبراء الايماغولوجيا بالطبع قبل انشاء المؤسسات القوية المعروفة اليوم، حتى هتلر كان له خبيره الايماغولوجي الشخصي الذي كان يُريه وهو مزروع أمامه بصبر، الحركات التي عليه القيام بها فوق المنصة لإلهاب حماس الجموع المحتشدة. إلا أن هذا الخبير الإيماغولوجي لو أنه تحدث في لقاء مع أحد الصحفيين عن الفوهرر واصفاً للألمان عجزه عن تحريك يديه بصورة صحيحة، لما بقي على قيد الحياة أكثر من نصف يوم لاذاعة أسرار من هذا النوع. اليوم لم يعد خبير الإيماغولوجيا يتستر على عمله، بل على العكس، أصبح يعشق الحديث عنه، بدلاً من رجل الدولة الذي يعمل لديه في الغالب. يعشق ان يشرح علناًَ كل ما حاول تعليمه لزبونه، العادات السيئة التي سيستخدمها في المستقبل، ولون ربطة العنق التي سيرتديها. ليس في هذا القدر من الغطرسة ما يوجب دهشتنا : لقد حققت الايماغولوجيا في العقود الأخيرة، نصراً تاريخياً على الايديولوجيا.
جميع الايديولوجيات هُزمت وانكشفت عقائدها عن أوهام وكفّ الناس عن أخذها على محمل الجد. أعتقد الشيوعيون مثلاً أن تطور الرأسمالية سيُفقر البروليتاريا أكثر فأكثر، ليكتشفوا يوماً أن جميع عمال أوروبا يذهبون الى أعمالهم بالسيارات، وودوا لو يصرخون أن الواقع يَغش. كان الواقع أقوى من الأيديولوجيا. وبهذا المعنى تحديداًَ تجاوزت الايماغولوجيا الواقع : الايماغولوجيا أقوى من الواقع الذي لم يعد أصلاً يعني للإنسان ما كان يعنيه لجدتي التي تعيش في قرية مورافية وتعرف كل شئ بالتجربة : كيف يُصنع الخبز، كيف يُبنى البيت، كيف يُقتل الخنزير وكيف يصنع منه لحم مدخَّن، بأي شئ يصنع لحاف الريش، رأي الخوري بالعالم ورأي معلم المدرسة. وباعتبارها تلتقي كل يوم بجميع سكان القرية تعرف كم جريمة أرتكبت منذ عشرة أعوام في المنطقة. كانت اذا صح القول، تضع الواقع تحت اشرافها الشخصي، بحيث لا يستطيع أحد حملها على الاعتقاد بأن الزراعة المورافية مزدهرة اذا لم يكن هناك ما يؤكل في البيت. في باريس يمضي جاري معظم وقته جالساً وراء مكتبه مقابل موظف آخر ثم يعود الى البيت، يدير التلفزيون لكي يعرف ما يجري في العالم، وحين يعلق المذيع على آخر عملية سبْر، ويعلمِه أن فرنسا تعتبر في نظر غالبية من الفرنسيين بطلة أوروبا فيما يتعلق بالأمن "قرأت هذا السبر حديثاً"، يُجنُّ من الفرح فيفتح زجاجة شمبانيا، ولن يعلم مطلقاً بأن ثلاث عمليات سطو وجريمتي قتل قد أرتكبت في اليوم نفسه وفي شارعه بالذات.
عمليات سبر الرأي هي الوسيلة الحاسمة للسُلطة الإيماغولوجية، اذ تتيح لها أن تحيا في انسجام تام مع الشعب. خبير الايماغولوجيا يقصف الناس بالاسئلة؟ : كيف حال الاقتصاد الفرنسي؟ هل هناك عنصرية في فرنسا؟ هل العنصرية شئ جيد ام سئ؟ من هو أعظم كاتب في كل العصور؟ هل تقع هنغاريا في أوروبا أم في بولينيزيا؟ من هو رجل الدولة الأكثر اثارة في العالم؟
وبما أن الواقع هو اليوم قارة نزورها قليلاً، ولا نحبها كثيراً، ونحن على صواب من ذلك، فقد اصبح السبر نوعاً من الواقع الفوقي، أو بعبارة أخرى، اصبح الحقيقة. سبر الآراء برلمان منعقد على الدوام مهمته انتاج الحقيقة، بل لنقل انتاج اكثر حقيقة ديمقراطية عُرفت على الإطلاق. وبما ان سلطة خبراء الإيماغولوجيا لن تتناقض قط مع برلمان الحقيقة، فسوف تعيش هذه السلطة دائماً في الحقيقي، وحتى اذا عرفت أن كل شئ إنساني زائل، لن يكون بوسعي أن اتخيل أية قوة تستطيع تحطيم هذه السلطة.
بشأن العلاقة بين الأيدولوجيا والإيماغولوجيا، أضيف ما يلي أيضاً : كانت الايديولوجيا مثل عجلات هائلة تدور في الكواليس، وتعلن الحروب والثورات والإصلاحات. العجلات الإيماغولوجية تدور ايضاً ولكن ليس لدورانها أي تأثير على التاريخ. كانت الايديولوجيات تتحارب، وكل منها تستطيع محاصرة عصر كامل بفكرها. الإيماغولوجيا تنظم بنفسها عملية التناوب الهادئ لمنظومتها وفق الايقاع المرح للفصول.
ومثلما يقول بول : تنتمي الايديولوجيات للتاريخ وتبدأ الايماغولوجيا حيث ينتهي التاريخ.
لقد أخذت كلمة تغيير، العزيزة جداً على قارتنا الأوروبية معنى جديداً : لم تعد تعني مرحلة جديدة في عملية تطور مستمر "كما يفهمه فيكو، هيغل، أو ماركس" بل الانتقال من مكان الى آخر، من الجهة اليسرى الى اليمنى، من الأمام نحو الخلف، من الخلف الى الجانب الأيسر "من منظور كبار صانعي الأزياء الذين يصنعون قصة الموسم القادم". في النادي الذي ترتاده آنييس لم يقرر خبراء الأيماغولوجيا وضع مرايا هائلة على الجدران لكي يتيحوا لممارسي الرياضة مراقبة تماريناتهم على نحو أفضل، بل لأن المرأة كانت آنذاك رقماً رابحاً على روليت الايماغولوجيا. اذا قرر الجميع في اللحظة التي أكتب فيها هذه السطور، انه يجب اعتبار الفيلسوف مارتن هايدغر صانع مداخن وقذر، فلا يعني ذلك أن فلاسفة آخرين قد تجاوزوا فكرة، بل يعني أنه، على روليت الايماغولوجيا، وفي الوقت الحاضر، اصبح الرقم الخاسر، مضاد المثل الأعلى. يختلق خبراء الايماغولوجيا منظومات من المُثل العليا ومضادات المُثل العليا، منظومات لا تدوم وسرعان ما يحل أحدُها محل الآخر، لكنها تؤثر على تصرفاتنا، على آرائنا السياسية وأذواقنا الجمالية، على لون سجاد الصالون كما على اختيار الكتب بالقدر نفسه من القوة الذي أثرت به منظومات الايديولوجيا القديمة.
بعد هذه الملاحظات، استطيع العودة الى بداية أفكاري؟.. رجل السياسة يتبع للصحافي، والصحافيون يتبعون لمن؟ لرجال الايماغولوجيا. خبير الايماغولوجيا رجل قناعات ومبادئ يطالب الصحافي بأن تستجيب صحيفته "أو قناته التلفزيونية، أو محطته الاذاعية" لذهنية المنظومة الايماغولوجية في لحظة محددة.
هذا ما يتحقق منه رجال الايماغولوجيا من وقت لآخر حين يقررون منح دعمهم لصحيفة أو حجبه عنها. تحققوا في أحد الأيام من محطة اذاعية يعمل فيها برنار محرراً، ويقدم فيها بول، كل سبت برنامجاً وقائعياً بعنوان "الحق والقانون". وعدوا بتقديم الكثير من عقود الاعلانات للمحطة وباطلاق حملة ضخمة مع ملصقات في باريس كلها، ولكن بشروط لم يستطيع مدير البرامج المعروف بلقب غريزلي، إلا الخضوع لها : شرع شيئاً فشيئاً بتقليص جميع التحليلات، تجنباً لازعاج المستمع بتأملات طويلة، جعل محررين يقاطعون حديث محررين آخرين بالاسئلة، محولاً المونولوج إلى محادثة، أكثر من الفواصل الموسيقية، الى درجة الاحتفاظ غالباً بخلفية موسيقية وراء الكلام، وطالب الخفة المسترخية الفتية واللاهية نفسها التي طالما جَمَّلت أحلامي في الصباح الباكر، صانعة من نشرة الأ؛وال الجوية شكلاً من الأوبرا الهزلية. ونتيجة لحرص غريزلي على أن يبدو لمرؤوسيه بأنه غريزلي الشديد القوة دوماً، فقد بذل أفضل ما بوسعه لكي يحتفظ بجميع العاملين معه في مراكزهم. لم يتنازل إلا في نقطة واحدة. اعتبر رجال الايماغولوجيا برنامج "الحق والقانون" مضجراً الى درجة أنهم رفضوا النقاش بشأنه، مكتفين، حين يذكره أحد، بقهقهة عالية تظهر أسنانهم الشديدة البياض. بعد أن وعدهم غريزلي بحذف هذا البرنامج، شعر بالخزي لاستسلامه، وزاد من خزيه أن بول صديق له.
ــــــــ
ترجمة: روز مخلوف. صدرت عن دار (ورد)

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

The Beauty of the Silly - نجلاء عثمان التوم

 The Beauty of the Silly  نجلاء عثمان التوم


إلى عثمان حامد سليمان
هل يمكن تشريح الأصالة؟ هل يمكن الكشف عن شعوبها الداخلية دون مجزرة؟ أنا مدفوعة هنا بالحجب الأصيلة التي يغزلها الغناء السوداني حول نفسه فيبدو لنا أحياناً شيئاً محيراً، لامع الحيرة. عندما نتجرد من العصاب الذي نسميه الفهم، وننطلق في رحلة متحللة من كل غاية، ونستمع إلى الأغاني السودانية بأرجلنا ومصاريننا، نشعر أن الطاقة التي تتهدج في الجو هي، ولا شيء خلافها، الهوية. لكن تظل أصالة هذا الغناء شيئاً غامضاً جداً وعصياً على التعيين. ثمة إستراتيجيات، أعتقد، أيّدت هذه الجذوة التحتية. أولاً تحتجب الأصالة، في معظم الأحيان، في تمويهات هزلية تنتجها قوالب شبه ثابتة محكومة بشهوة الرجز، والطلاقة الشعبية، والنبرة العادية في الكلام. فالغناء في الأساس هو مكان التغزل في اليومي والعادي في أقرب نسخه إلى الواقع. وكلما تشبثت الأغنية بسوقيتها المعروقة، كلما تصير إلى درجة من أصالتها الصحيحة. لكن الفن هو دائماً تدخل معقَّد، فلا نجاة من سطوته، لكن التحايل عليه ممكن. فعندما تبدأ أغنية ابتهالية، فيها تسجيل لمغامرة البلاغ العشقي والوصال الكامل، بعبارة “الحج…

تَرَانيم مَحموديَّة - شذرات متفرّقة في ذكرى اغتيال الأستاذ

تنقيباتُ الجنوبيّ

تنقيب الظلام