التخطي إلى المحتوى الرئيسي

تنقيبات طينيَّة (11): أملٌ في خضمِّ الجحيم - جورج أورويل

تنقيبات طينيَّة (11)
أملٌ في خضمِّ الجحيم
جورج أورويل
              


مقدمة طينية:
لم يكتمل العملُ بعد، عمل قراءة واحدٍ من أعذب كتب المقالات التي طالعت، والذي عُنوِنَ بـ(لماذا أكتب)، لسيّدنا جورج أورويل، ولم، كذلك، أستطع مقاومة كتابة هذه المقدّمة الطينيّة وأرفقها بنصٍّ منه. ترجمه، مؤخراً، عن الإنجليزيّة الأستاذ علي مدن، من مواليد البحرين 1986، مترجم وكاتب مهتمّ بالسينما والدراسات الثقافيّة، ثمّ يلي ذلك سلسلة محترمة من الانتصارات الثقافيّة تمثّلت في كتاب في السينما بعنوان (زيارة إلى صالة فارغة)، ومجموعة قصصية مترجمة (نزهة في فناء البيت الأبيض)، وغيرها من الأعمال. صدر الكتاب (لماذا أكتب) عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر ووزارة الثقافة بمملكة البحرين بطبعته الأولى في العام 2013م. عن الكتاب يقتبس المترجم ـ على ما أعتقد ـ في الغلاف الخلفي هذا الاختيار المُفسِّر والرائع؛ مختصر، عميق، عن أوريل:
[أكثر ما رغبت به هو أن أجعل من الكتابة السياسيّة فنّاً. عندما أجلس لكتابة كتاب لا أقول لنفسي: "سوف أُنتج عملاً فنيّاً"، أكتبه لأن هناك كَذِبَة أريد فَضحَها، حقيقةً أريد إلقاء الضوء عليها، وهَمِّي الأوَّلِي هو الحصول على مستمعين. لكن ليس بإمكاني القيام بمهمّة كتابة كتاب، أو حتّى مقالة طويلة لمجلة، لو لم تكن أيضاً تجربة جماليّة. لست قادراً ـ ولا أرغب ـ أن أتخلّى كليّاً عن منظور العالم الذي اكتسبته في طفولتي. طالما بقيت حيّاً وبصحّة جيّدة سوف أستمر بشغفي تجاه أسلوب النثر، وبحبّ سطح الأرض، وبأن أجد البهجة في أغراض صلبة وقصاصات معلومات غير نافعة. ليس من المثمر كبح هذا الجانب من ذاتي].
(2)
أما في ما يخصّ هذه المقالة الكارثيّة التي أتت بعنوانٍ عجيبٍ وساحر، كما هي ذاتها مقالةٌ ساحرة: (بعضُ الأفكار حول العُلجوم الشائع)، فإنها أثارت فيّ ذكريات كثيرة حول رحلاتي البريّة طوال حياتي التي ربما رآها الكثيرون قصيرةً إلى الآن، ولكنها مُستّفة بالحياة في الريف والسفر بالبر. لذلك اخترتها، وهي تمثّل جزءاً عزيزاً من الطبيعة التي أحب.
الطريف في الأمر، تلك اللحظة التي دفعتني للابتسام، ثم الضحك، عندما قرأت كلمة (العلجوم)! قفز إلى رأسي السؤال: (يا ربي العلجوم ده شنو؟) وبدلاً عن أن أغوغله مباشرةً، دَلَفْتُ إلى المقالة، ثم سحرتني إذ هي تتحدّث عن عالمٍ مجهول اللغة بالنسبة لي ـ تماماً كما أستمتع بحمزة علاء الدين يغنّي باللغة النوبيَّة دون أن أفهمَ كلمةً ـ كائنات ونباتات وأزهار وطيور بأسماءٍ لا تخلق صورةً معيّنةً في الرأس سوى تلك التي يَهِبُهَا لك الكاتب بتصويره لها بالكلمات. فُتنتُ تماماً بهذا العلجوم، وكنت أذكّر نفسي بأني سأراه، طبعاً، بعد أن أنتهي من المقالة مباشرةً، ثمّ انتهيت وغوغلته: قفزت إلى شاشتي ضفادعٌ من جميع الأشكال والأنواع، ثم عثرت من بينها على المعنى في المقالة (أضع صورته بالأسفل): كم تحرَّكت داخلي من عواطف تجاه هذا الكائن الجميل، كما يحدث لي عادةً مع جميع الكائنات ما عدا تلك التي تُرعبني بالتأكيد، لا مجال، في تلك اللحظات، سوى التفكير في الهَرَب.
(3)
الناحية المهمّة في النص هي أنك لتُفاجأ بهِ يَنحَرِفُ ناحية السياسة، من داخله، بإشاراتٍ كامنةٍ في رحلة ملاحظته لحياة العلاجيم، ثم ينقشعُ عن دكٍّ نقديٍّ عنيف للحياة تحت ظل النظام الرأسمالي، ثمَّ يتكَوْكَنُ النص ـ يُصبح كونياً ـ إذ تَتَعرف على زمان كتابته بمجرّد أن يتنقّل الكاتب في أفكاره: إنني أعرف هذا النوع من التفكير لدى كتابٍ عايشوا جحيماً، لقد كُتب هذا النص المُشرق، المليء بالأمل والإيمان بالحياة والأرض، إبّان الدمار الذي سَامَ أوربا وبلد الكاتب (إنجلترا)؛ ثمّ أَنظُرُ إلى حالنا اليوم، في السودان مثلاً، واليأس المُنطلق من كلِّ فاهٍ، فأصاب بحزنٍ شديد على المُحبَطين. أو الذين يُوصفون بـ(غير الراضين): أرى صُراخ الإحباط والقرف والكراهيّة يعمّ المكان، فأتذكر هذه الجملة من مقال العلجوم: (أعتقد أنه عبر الإبقاء على حبّ المرء الطفولي لأشياءٍ مثل الأشجار والسّمك والفراشات و ـ بالعودة إلى مثالي الأول العلاجيم ـ يجعل من مستقبل المرء كريماً وسليماً أمراً أكثر احتمالاً، وأنه عبر الوَعظ بعقيدةِ أنْ لا شيء ينبغي الإعجابُ به عدا الفولاذ والخرسانة، يقوم المرء فقط بالتأكيد على أن البشر لن يكون لهم منفذ لطاقتهم الفائضة سوى في الكراهية وعبادة القائد).
إننا لا ندري الكثير عن شعوبنا التي أرى الناس تتحدّث عنها ككتل صمّاء، وتضعهم جميعاً بيضاً في سلّةٍ واحدة، أرى كذلك كيف يُحاكَمُون ـ جميع ـ وفقاً لأخلاقيّات فوقيّة: "المجتمع الأول" أو "العالم المتحضّر" أو "حقوق الإنسان" أو "الديموقراطيّة"أنه
 أو"العلمانيّة" أو "شرع الله" (يُحاكمون أيضاً ببشرٍ يدّعون تنفيذَ إرادة الله، أو المجتمع الإنساني، بجميع الأشكال والألوان، من كل الديانات والأفكار: يفقد الناس عقولهم في لحظات التحوّلات الكبرى، كما تفقدُ الطبيعة سيطرتها في لحظات الاندثارات الكُبرى والمُزلزلة، والتي تقود عادةً إلى نقطةٍ أفضل، وتكشف، بطُرُقٍ جارفةٍ، إفلاس جميع المؤسسات المُتحكمة والمسيطرة وخوائها الفعلي؛ عدم قدرتها على التأثير على أرض الواقع، لقد "انفلتَت الكوابح"، وها نرى الفضح والتعرية يتم من قواعد لم ينتبه لنموّها أحد، وقدرتها على التأثير.
من جميع هذه السقوف الفكرية الزائفة والمُفبركة المذكورة أعلاه تُدار ماكينة إنتاج الإحباط والغضب والقرف من البشر، تهبط العين الساخطة!، حيث يلعن الجميع شعوبهم وحكوماتهم ويجلدون ذواتهم. إذاً، فانتظروهم حتّى يُبادوا ونُقتَل معهم! ما الضير في ذلك؟ فعلاً، لماذا لا نستطيع أن نتأمل التاريخ الذي يحدث يوميّاً ونحن نَعلم أن لا حول لنا ولا قوّة في إيقافه من الانحدار لجحيم أسوأ وأسوأ في كلّ يومٍ يمر؟ نتأمل ونكتب ونلاحظ ونفكّر، بدلاً عن الانغماس في هدرِ الشعور التام في الغضب والإحباط؟ نحن فعلياً بدأنا، بمساعدة حكومتنا، في التأسيس لحركة توثيق شاملة لما يحدث. إضافةً إلى ذلك: لماذا لا نستمتع؟ يجيب أورويل أدناه.
لأستلف هنري ميللر ـ مرةً أخرى، في كتابه المتأخر "رامبو وزمن القتلة ـ حول "مكابح العالم التي لن تعمل"، كتب في العام 1955م: [لقد حلَّ الانجراف الكبير. أما الحمقى فيتحدثون عن الترميمات، والتدقيقات، عن الانحيازات والائتلافات، عن التجارة الحرّة والاستقرار الاقتصادي، والإصلاح!. لا أحد يؤمن من الأعماق بأن وضعيّة العالم يمكن تصحيحها. كل واحد ينتظر الحدث الكبير، الحدث الوحيد الذي يشغل تفكيرنا ليل نهار: الحرب القادمة. نحن عبثنا بكلّ شيء، فلم يبقَ بيننا من يعرف كيف. ومن أين يصل إلى التحكّم. المكابح لا تزال موجودة، لكن أتراها ستعمل؟ نحن نعرف أنها لن تَعمل. قد انطلَقَ المارد. لقد أمسَى عصر الكهرباء متخلّفاً وراءنا، كأنه العصر الحجري. عصرنا هو عصر القوّة، القوّة الخالصة الصريحة. اليوم... أمامنا: إمّا الجنّة أو النار، ولا وسط بينهما. وكل الدلائل تُشير إلى أننا سنختار النار. حين يعيش الشاعر جَحيمَه، لا يعود باستطاعة الإنسان العادي أن ينجو من الجحيم. هل سمّيتُ رامبو مٌرتدَّاً؟.
نحن، جميعاً، مرتدُّون. لقد كنَّا نرتدُّ منذ فجر التاريخ. وأخيراً لحقَ بنا القدر. سيكون لنا (فصل ـ نا ـ في الجحيم).. لكلِّ رجلٍ وامرأةٍ وطفلٍ ذوي علاقةٍ بهذه الحضارة. هذا ما كنّا نتوسّل حدوثه، وهو الآن... هنا!. ولسوف تبدو (عدن) مكاناً مريحاً].
الغريب في الأمر أنني لاحظتُ، وبدهشةٍ كبيرة، مدى انتشار رواية (1984م) لجورج أورويل مؤخراً، هل هذا من قبيل الصدفة؟ هذه الرواية التي ستخبرك بأن لا فكاك من تفاهة العالم أبداً؟ وأن لا حل في الأفق في وجود جميع هذه الأمبراطوريات؟ وجدته مفروشاً بالإنجليزية والعربية، لدى أغلبيّة الفراشة في الخرطوم؛ كتاب مُقَرصَن، والناس يشترونه بلهفة!. عهد (الأخ الأكبر) يتمدّد ويجتاح المكان كلّه، وها هي العيون التي تُراقب في يدِ كل واحدٍ منا: هاتفاً ذكيّاً.
ستعتبرونني من النوعيّة التي يُمكن أن يُطلق عليها: المتفاؤلون البلهاء. لكن مهلاً، إنني متفائلٌ بالجحيم، بل إنني أعيشه يوماً بعد يوم، ليس شخصيّاً فقط وإنما في كل ما حولي. إلا أنني ربما سأحتفظُ بحبي الطفولي وسطه، وله، إذ ما يُثير الحواس لا يتوقف عن الحدوث، ولن. هذا ما يمنحني العزاء. شكراً عزيزنا جورج أورويل، الذي كتب؛ لاحظَ وفكَّرَ ووثق واختلف وهو في قلب الجحيم.
إلى النص، والذي يحكي في مجمله عن تحوّلات فصل الربيع الذي يأتي في بريطانيا بعد الشتاء الطويل، والذي ـ الربيع ـ لا نعرف عنه الكثير في مدينتنا الخرطوم، فهو يأتي لمدة يومٍ واحد أو ربما يومين فقط كل عام؛ ستلاحظ التغيّر الجذري في سلوك البشر، لكن لن ينتبه أحدٌ منهم أن الذي يمضي هو فصل الربيع، وسترى الدهشة على وجوه الناس: (الجو ده مالو الليلة، حاجة غريبة مش؟) إلى أن ينتهي الربيع.

ــــــــ

بعض الأفكار حول العُلجوم الشائع
جورج أورويل

(نُشرت للمرة الأولى في صحيفة التريبيون Tribune 12 أبريل 1946م)

قبلَ السّنونو، قبل النرجسِ البرّي، وليس بعدَ زَهرة اللبن الثّلجيّة بكثير، يُحيي العُلجوم الشائع مجيء الرّبيع بأسلوبه الخاص، أي بالخروج من حفرةٍ بالأرض، حيثُ مَكَث مدفوناً منذ الخريف السابق، والزَّحف بأقصى سرعةٍ ممكنةٍ نَحوَ أدنى رُقعةٍ مناسبةٍ من المياه. شيءٌ ما ـ رَجفة من نَوعٍ ما في الأرض، أو ربما مجرّد ارتفاع بدرجاتٍ قليلةٍ في الحرارة ـ قد أَخبَرَهُ أنَّ وقتَ النهوض قد حان: على الرغم من أنّ القليل من العَلجومات يبدو أنّها تَنَام على مَدار السّاعة وتُفَوِّت سنة من حينٍ لآخر ـ على أية حال، قد حَفرت الأرض والتقطتها أكثر من مرّة، أحياء وبحالةٍ جيّدةٍ ظاهريّاً، في منتصف الصيف.
في هذه الفترة، بعد صيامه الطّويل، يتحلّى العلجوم بمحيّا روحاني جدّاً، مثل كاثوليكيٍّ إنجليكيٍّ صارم نحو نهاية فترة الصوم. حركاته متثاقلة لكن هادفة، جسمه مُنكَمش، وبالمقارنة عيناه تبدوان كبيرتين على نحوٍ غير طبيعي، هذا قد يسمح للمرء بأن يلحظَ ما قد لا يتسنَّى له في وقتٍ آخر، بأن العُلجوم لديه أجملُ عينٍ عندَ أيّ كائنٍ حيّ، إنها مثل الذهب، أو بدقّةٍ أكبر مثل الحجر شبه الكريم الذهبي اللون الذي يراه المرء أحياناً في حلقات الخواتم، وأعتقد أنه يدعى بـ(تشريسوسبيرل).
بعد أيامٍ قليلةٍ من الوصول إلى الماء، يركّز العُلجوم على استعادة قوّته عبر التهام حشراتٍ صغيرة، في الوقت الراهن قد انتفخ إلى حجمه الطبيعي مجدّداً، ثم يمرّ خلال مرحلةٍ جنسيّةٍ مُفرطة. كل ما يعرفه ـ على الأقل لو كان ذكر عُلجوم ـ هو أنه يريد وَضع ذراعيه حول شيءٍ ما، ولو أنّك عَرَضت عليه عصا أو حتّى إصبَعَك، سوف يتشبّث به بقوةٍ مفاجِئة، ويأخذ وقتاً طويلاً ليكتشف أنه ليس أنثى العُلجوم. كثيراً ما يأتي المرء على كتلاتٍ بلا هيئةٍ من عشرةٍ أو عشرين علجوماً يتقلّبون مراراً في الماء، الواحد منهم متشبّث بالآخر دون تمييزٍ في الجنس، لكن على مراحل يفرزون أنفسهم إلى أزواج، مع الذكر حسب الأصول جالساً على ظهر أنثى، الآن صار بإمكانك التمييز بين الذكور والإناث؛ لأن الذكر أصغر وأغمق لونا، ويجلس في الأعلى، وذراعاه مشبوكتان بإحكام حول عنق الأنثى. بعد يومٍ أو يومين يوضع البيض في سلاسل طويلةٍ تُمدّد نفسها على الأعشاب المائيّة، وسرعان ما تُصبح غير مرئيّة. بمُضيِّ القليل من الأسابيع سيعجّ الماء بالحياة، حيث أعدادٌ هائلة من الشَّرَاغيف الضئيلة التي تنمو بسرعةٍ مضطردة تُنبِتُ أرجلها الخلفيّة ثم الأماميّة ثمّ تُلقي ذيولها جانباً: وأخيراً عند منتصف الصيف، الجيل الجديد من العلاجيم، أصغر من ظفر الإبهام، لكنها كاملةٌ في كلّ جزء، تزحف خارج الماء لتبدأ اللعبة من جديد.
ذكرتُ طور وضع بيض العلاجيم؛ لأنه أحد ظواهر الربيع الأكثر جاذبيّة لي، ولأن العلجوم، على النقيض من القنبرة الطائرة وزهرة الربيع، لم يعرف قط التشجيع من الشعراء. مع ذلك أَعي أن الكثير من الأشخاص لا يحبّون الزواحف أو البرمائيّات، لكنني لست أقترح من أجل الاستمتاع بالربيع ينبغي عليك أن تُبدي اهتماماً بالعلاجيم، هناك أيضاً الزعفران والسّمان والوقواق وبرقوق السياج..إلخ. المغزى هو أن مباهج الربيع متوفّرة للجميع، ولا تُكلِّف شيئاً. حتى في أكثر شوارع لندن قذارةً يفصح مجيء الربيع عن نفسه عبر إشارةٍ أو أخرى، حتى لو كان ذلك مجرّد رقعة سماء أكثر زرقةً بين المداخن، أو لونٍ أخضرٍ زاهٍ لبرعمٍ بكر في موقع قُصف. بالفعل إنه لأمرٌ لافتٌ كيف تستمرُّ الطبيعة بالوجود على نَحوٍ غير رسمي، كما هي في قلب لندن ذاته؛ رأيت صقر العاسوق مُحلِّقاً فوق محطّة ديبتفورد للوقود، وسمعت أداءً من الدرجة الأولى من قبل شحرورٍ في شارع أويستن، لا بدّ أن هناك مئات الآلاف منها ـ إن لم يكونوا بالملايين ـ من الطيور التي تعيش داخل دائرةٍ قطرها أربعة أميال، وإنها لفِكرةٌ سارّةٌ أنه ما من واحدٍ منها يدفع نصف بنس للإيجار.
أما عن الربيع، فإنه حتّى الشوارع الضيقة والكئيبة في محيط بنك إنجلترا هي ليست قادرة على استثنائه تماماً. إنّه يأتي متسرّباً في كلّ مكان، مثل أحد تلك الغازات السامّة الجديدة التي تمرّ عبر كلّ المرشحات، يُشار إلى الربيع عموماً كـ(معجزة)، وخلال السنوات الخمس أو السّت الماضية فإن هذا الاصطلاح التعبيري البالي أخذ زخماً جديداً. بعد أصناف الشّتاء التي توجّب علينا احتمالها مؤخراً، يبدو الربيع خارقاً فعلاً؛ ذاك أنه بات من الأصعب والأصعب تدريجيّاً الإيمان أنه سوف يأتي فعلاً، في كلِّ فبراير منذ عام 1940م وجدت نفسي أعتقد أن هذا الشتاء سيكون دائماً، لكن بيرسيفون ـ كما العلاجيم ـ تُبعَثُ دوماً من الموت في اللحظة نفسها تقريباً. فجأة في نحو نهاية مارس تحدث المعجزة والمكان البائس المتهاوي الذي أعيش فيه يتحوّل بسموٍّ. نحو مركز المدينة في الساحة أشجار جنبة الرباط السّخاميّة أضحت خضراء ولامعة، والأوراق تكثَّفت على أشجار الكستناء، والنرجس البري قد ظَهَر، والمنثور قد همّ أن يتفتّح، زي الشرطي يظهر بلا شكٍّ كظلٍّ لطيفٍ من اللون الأزرق، وبائع الأسماك يُحيِّي زبائنه بابتسامة، وحتّى عصافير الدوري تكتسي بلونٍ مختلفٍ تماماً، حيث شعروا بدفء الطقس وجرأوا على أخذ حمام، هو الأول منذ سبتمبر الماضي.
هل هو من الشرّ أن يستمتع المرء بالربيع والتغيرات الموسميّة الأخرى؟ ولطرح السؤال بشكلٍ أكثر دقّة: هل هناك ما يستحق الاستهجان سياسيّاً، بينما نحن كلّنا نَئِنُّ، أو على أي حالٍ يجدر بنا أن نَئِنَّ تحت وطأة أغلال النّظام الرأسمالي، أن نشير إلى أنّ الحياة هي في كثيرٍ من الأحيان تستحقُّ أن تُعاش أكثر بسبب أغنية الشّحرور، أو شجرة الدردار الصفراء في شهر أكتوبر، أو أيَّة ظاهرةٍ طبيعيّة لا تكلّف المال، وليس لديها ما يسمّيه مُحرِّرُو الصحف اليساريَّة: زاوية تناول طبقيّة؟ مّما لا شكّ فيه أن الكثير من الأشخاص يعتقدون بهذا الأمر، أعرف من التجربة أن إشارةً تفضيليّة لـ(الطبيعة) في إحدى مقالاتي هي كفيلةٌ بأن تجلب رسائل مسيئة بتحامل، ورغم أن الكلمة الأساسيّة في هذه الرسائل هي عادةً (عاطفي)، فإن فكرتين مختلفتين يبدو أنها تختلطان في الرسائل: أحدها أن أي استمتاع في الآلية الفعليّة للحياة يشجّع نوعاً من الصوفيّة السياسيّة. ينبغي على الناس - حسب هذه الفكرة - أن يكونوا غير راضين. ومن مهمّتنا نحن أن نضاعف حاجاتنا وليس ببساطةٍ أكثر أن نزيد من استمتاعنا بالأشياء التي نملكها مُسبقاً. الفكرة الأخرى هي أن هذا هو عصر الآلة، وكون المرء ينحى نحو النفور من الآلة، أو حتّى ترغب بالحدِّ من سيطرتها هو منظور متخلّف ورجعي وسخيف قليلاً. هذه الفكرة عادةً ما تُدعم عبر مقولةِ أنّ حب الطبيعة هو نقطة ضعف الأشخاص المتحضّرين الذين ليس لديهم أي فكرةٍ عن ماهية الطبيعة الحقيقيّة، أولئك الذين يجب عليهم حقَّاً التعامل مع الأرض (هكذا يحاجج) لا يحبّون الأرض، ولا يشغلهم أدنى اهتمام بالطيور والزّهور إلا على صعيدٍ نفعيٍّ تماماً: لكي يحب المرء الريف عليه العيش في المدينة، وأخذ نزهةٍ بين الحين والآخر فقط في نهاية الأسبوع خلال الفترات الأكثر دفئاً من العام.
هذه الفكرة الأخيرة هي خطأ على نحوٍ يُمكن برهنته: الأدب القرووسطوي على سبيل المثال يشمل الأغاني الشعبيّة، وهو مليء بحماسٍ للطبيعة يكاد يكون جورجيَّاً، والفنون الزراعيّة للشعوب مثل الصينيين واليابانيين تتمحور دائماً حول الأشجار والطيور والزهور والأنهار والجبال. الفكرة الأخرى تبدو لي خطأ على نحوٍ أكثر دهاءً: مما لا ريب فيه أنّه يتعيّن علينا أن نكون غير راضين؛ لا يجدر بنا أن نكتفي بإيجاد طرقٍ لتحصيل الأفضل من عملٍ سيِّئ، ومع ذلك إذا أَبِدْنَا كل بهجةٍ في الآليات الفعليّة للحياة، ما هو المستقبل الذي نعمل على تحضيره لأنفسنا؟ إذا لم يستطع الإنسان الابتهاج بعودة الربيع، لِمَ يتعيّن عليه أن يكون سعيداً في يوتوبيا تقتصد في العمل والجهد؟ ماذا سيفعل بالرفاهية التي تجلبها الآلة له؟ شَكَكتُ دائماً أنه لو أن مشكلاتنا الاقتصاديّة والسياسيّة حُلّت حقاً، ستصبح الحياة أبسط بدلاً من أن تكون أكثر تعقيداً، وبأن المتعة التي يحصل عليها المرء من اكتشاف أول زهرة ربيع سوف تُظهِر أكبرَ قدرٍ من المتعة التي يحصل عليها المرء من أكل الحلوى المثلّجة على نغمة أورغن ويرلتزر. أعتقد أنه عبر الإبقاء على حبّ المرء الطفولي لأشياءٍ مثل الأشجار والسّمك والفراشات - وبالعودة إلى مثالي الأول العلاجيم - يجعل من مستقبل المرء كريماً وسليماً أمراً أكثر احتمالاً، وأنه عبر الوَعظ بعقيدة أن لا شيء ينبغي الإعجابُ به عدا الفولاذ والخرسانة، يقوم المرء فقط بالتأكيد على أن البشر لن يكون لهم منفذ لطاقتهم الفائضة سوى في الكراهية وعبادة القائد.
على أي تقدير فإنّ الربيع هنا ـ وحتى في المنطقة الإداريّة (1) في لندن ـ لا يمكنه إيقافك من الاستمتاع به. هذا تأملٌ مُرضٍ. كم مرة وقفت وأنا أرى العلاجيم تتكاثر، أو أرنبين بريين يقومان بمباراة ملاكمة في حقل قمحٍ ناشئ، وفكرت بكل الأشخاص المهمين الذين سوف يمنعونني من الاستمتاع بهذا لو أمكنهم، لكن لحسن الحظ ليس بوسعهم عمل ذلك، طالما أنك لست مريضاً فعلياً أو جائعاً أو خائفاً أو محبوساً في سجنٍ أو مخيّم عطلة، الربيع ما يزال هو الربيع. القنابل النووية تتراكم في المصانع، وأفراد الشرطة يطوفون عبر المدن، والأكاذيب تتدفق من مكبّرات الصوت، لكن الأرض ما تزال تدور حول الشمس، لا الديكتاتوريّون ولا البيروقراطيّون ـ مهما اعترضوا بعمقٍ على العَمَليّة ـ قادرون على إيقافها.

ـــــــــــــــــ
نُشرت للمرة الأولى في صحيفة التريبيون Tribune 12 أبريل 1946م
 
إشارة:
كَتب الشاعر حاتم الكناني عرضاً شيّقاً للكتاب نُشر في البعيد، إذ هذه النسخة التي أطالعها ملكه في الحقيقة. 

صورة لنوع من أنواع العلجوم:
 

تعليقات

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

لماذا الحرب؟ - رسالة تسيغموند فرويد إلى آينيشتاين

تَرَانيم مَحموديَّة - شذرات متفرّقة في ذكرى اغتيال الأستاذ

The Beauty of the Silly - نجلاء عثمان التوم

 The Beauty of the Silly  نجلاء عثمان التوم


إلى عثمان حامد سليمان
هل يمكن تشريح الأصالة؟ هل يمكن الكشف عن شعوبها الداخلية دون مجزرة؟ أنا مدفوعة هنا بالحجب الأصيلة التي يغزلها الغناء السوداني حول نفسه فيبدو لنا أحياناً شيئاً محيراً، لامع الحيرة. عندما نتجرد من العصاب الذي نسميه الفهم، وننطلق في رحلة متحللة من كل غاية، ونستمع إلى الأغاني السودانية بأرجلنا ومصاريننا، نشعر أن الطاقة التي تتهدج في الجو هي، ولا شيء خلافها، الهوية. لكن تظل أصالة هذا الغناء شيئاً غامضاً جداً وعصياً على التعيين. ثمة إستراتيجيات، أعتقد، أيّدت هذه الجذوة التحتية. أولاً تحتجب الأصالة، في معظم الأحيان، في تمويهات هزلية تنتجها قوالب شبه ثابتة محكومة بشهوة الرجز، والطلاقة الشعبية، والنبرة العادية في الكلام. فالغناء في الأساس هو مكان التغزل في اليومي والعادي في أقرب نسخه إلى الواقع. وكلما تشبثت الأغنية بسوقيتها المعروقة، كلما تصير إلى درجة من أصالتها الصحيحة. لكن الفن هو دائماً تدخل معقَّد، فلا نجاة من سطوته، لكن التحايل عليه ممكن. فعندما تبدأ أغنية ابتهالية، فيها تسجيل لمغامرة البلاغ العشقي والوصال الكامل، بعبارة “الحج…