التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرثيّة: شان، تعال نشتري بحراًَ من السوق الأسود


مقدّمة طينيّة:
في كلِّ بيتٍ جديدٍ أسكنه تظهر لي، من العدم، قطَّة جميلة وتعيش معي. بدايةً بالأستاذ (شان) الذي كتبت في حقِّه رثاءً في صحيفة الأحداث بعنوان (شان، تعال نشتري بحراً من السوق الأسود)، جلب عليَّ نقمة المناضلين إذ كيف يكتب كاتب، في صفحة كاملة، مقالاً عن قط؟ على العموم، سمّى صديقي الشاعر ورفيق سكني، محمد بابكر، قطتنا الجديدة في بيتنا الجديد باسم (التنينة)، تيمنّاً بابنة أخت بكري البقاري. هذه القطة العجيبة كَتَبَت مقال تنقيب الظلام المقبل، مرفق صورة المقال، ومرفقة مرثيّة عزيزي (شان) مع صورته التي عثرت عليها ضمن بحثي عن الكتابة. يا اخوانا: كيف سنشكر (غوغل) عليه السلام؟. 



شَان،
تَعَالَ نشتري بَحْرَاً من السُّوق الأَسْوَد!.
مأمون التِّلب 
الجمعة
30 مايو 2008م
وأنا أتذكَّر نقاءَ مخالبه، أتذكَّر ظنيَ السيء به، أيام كان يسير من خلفي، حيثما كنتُ يكون. كنت أقول إنني متوهِّمٌ كشاعرٍ يطلب الجنون، ويغلِّف أفعاله بالأساطير، كنت أقول: أنت لا تريد سوى أكْلٍ عَابرٍ، ألقيه من أعلى المائدةِ التي ترتصُّ فيها المأكولاتُ الشهيَّةُ مغلَّفةً بحنان أمٍّ بشريَّةٍ على الأقل. ولكن أين أمك، أبوك، إخوتك، رباط الجُّذور الذي ينسبك للنمر عند أساسٍ حيوانيٍّ مجنون؟.
لم تأتِ إلا من العدم. لستُ متوهِّماً؛ بذريعة الإشارات التي نَزَفتَهَا يوماً وراء يوم، بذريعة الكلمات التي نَطَقتَ بها، بذريعةِ اللغة التي طالما تيقَّنتُ بأن لا أحد يفهمها، بأنها (غامضةٌ) (وطلمسيَّةٌ) _بتعبير القُرَّاء_ وأنت فَهِمتَهَا، وكنتَ تحت َسياطي، سياطَ الواقعِ الوحش الذي ينهشُ كل غابةِ خيالٍ داخليٍّ بمخالبه، كلَّ نهرِ غموضٍ يخنقني منذ الولادة بلامعقوليتها، انتهاءً بكوننا نعيش على كوكبٍ دوَّارٍ، ونظنّ بأننا متفوِّقون على كل حيٍّ، وشيءٍ يعيش داخله. الأنكى والأَخجل؛ نظنُّ أننا نتفوَّق على بعضنا البعض لدواعٍ مضحكة، الأَقْتَلُ أننا نؤمنُ بواقعيتنا، وبعلم واقعنا المُتوَهَّم، رغم كل الفنون والكائنات والظلال ودوران الكواكب وخفقان الألوان. رغماً عن أن الإنسان إنسان. رغماً عن وجود كلمةٍ تُنطق هكذا: (واقع)، رغماً عن وجود كلمةٍ مَبحُوثٍ عنها تُدعى: (حقيقة).
شَانْ، عزيزي شَانْ. شِلْوَ روحي الطَّائر في اللغة، في الحيوان الدَّاخلي، في الكتلِ المنويَّةِ الكامنةِ في أحشائي.
عندما كنتَ تتجوَّل في البيت، في البداية، كنا نعلم أن البيت مسكونٌ بالكثير من القطط المشرَّدة _بزعم البشر طبعاً_ وكانت صرخات أمي ليلاً لا تزعجني، ولا تُذَكِّرني باللصوص، أبداً، كنت أعرف أنها القطط تلك التي تُحرِّك الأواني في المطبخ، والتي تنبش القمامة بحثاً عن حياتها اليوميَّة. صيحات أمي المباغتة نابعةٌ من خوفٍ متأصِّلٍ في تكوينها _أظنك خَبُرْتَهُ_ لقد كان جحيمها أن ترى قطاً راكضاً أمامها، دعك من قطٍّ واقفٍ دون حراك!.
كنتَ أنتَ ذلك القط الكبير؛ النَّاضج، والذي لا يخاف من تهديدات أميَ الطيِّبة بتلويحٍ آنيّ، تهرب جميع القطط، إلا أنت، تظل وكأن لغةً أُخرى يجب أن تُستخدمَ مع سليل ملكوتٍ شعريٍّ مثلك، وكانت أمي تتظاهر بتجاهلك، وأنت الجميل، جميل العين والفرو، جميل الجروح. الشائعات التي تردد حولك في بدايات أيامك معنا أنك (فَرَضتَ نَفسكَ) على البيت، وكانت أمي تحاول أن تقنعني في الليل، في اللحظات التي نتحدَّث فيها عن أكثر مسائل البيت مصيريَّة (لقد كُنتَ مصيريَّاً يا شان)، كانت تحاول إقناعي بطردك من البيت، بالتأكيد أمي ليست شريرة، ولكني أظنّك عذرتَها لخوفها الجذريّ من القطط. وفي يومٍ، كانت أمي تصرخ والوقت متأخر جداً وتُنادي عليّ، قالت لي (أخرِج هذا القط فوراً) خفت وقلت: (لماذا؟)، صرخت وهي تلاحق شبحاً متحركاً في الظلام يركض من خلف الكَنَبات الطويلة ومن تحت الطَّاولات (قلت لك أخرجه إنه هناك، أنظر _وتقذف بشيءٍ يُلبس في القدم تقريباً_ إنه هناك)، وعندما اتّجهتُ إليكَ تحت الكرسيّ، وجدْتُك هادئاً وقوراً لا يعكِّر نومك شيء، ابتسمت، ولكن أمي فاجأتني حين صاحت: (ليس هذا، إنه قطنا، أنا أقصد ذلك القبيح)!، صُعقت فرحاً بحرف (نا) هذا، ونظرت في الاتجاه الآخر، فإذا بقطٍّ مبهدل الجَّسد يقفز من الشباك.
لقد عمّدوك أخيراً، ابناً معترفاً به، رسميَّاً، بنومٍ هادئٍ يُمكن للأحلام أن تجد متّسعاً من الوقت لتَلسَع جدران ذهنك وتنفذ لجسدك، وتُحدثُ عليه علاماتٍ وأرقاماً وذكريات. كان ذلك في العام الثاني لحضورك، عندما كنت قد تعرَّفت بمحمد الصادق الحاج ذات مشروعٍ فاشلٍ كان يخطِّطُ له صديقنا الصَّادق الرضيّ، أنت لم تتعرَّف على الصادق بالمناسبة، أعتقد أنه كان سيتفهّم، تماماً، قدرتك على التحوّل والحديث، ربما لتلك العلاقات المريبة في أشعاره بين الحيوانات والحياة اليومية، فعلأً، إن الجَّمع بين الحيوانات ودلالات الطبيعة مع الحركة اليومية للملاعق والأكواب ونظرة الطفل وقلق فستان الجَّارة؛ كالجمع بين الأختين!. ما علينا، لا أستبعد أنك قرأت (أقاصي شاشة الإصغاء)، ففي نهاية المطاف، لم يسلم الطَّابق السفليّ من ضلفتي الوحيدة في الدولاب الوحيد من اقتحاماتك، فالكتب تعيش هناك.
المهم، كنت أحكي لك أنني تعرفت بمحمد الصادق في ذلك الوقت، بالتأكيد أنت تذكره، فقد عشنا سويَّةً لعامٍ كاملٍ تقريباً تحت سقف غرفةٍ واحدة، لكنني أتفهَّم غضبَك المبرر منه، فهو، ببساطة، وجد بيتاً آخر ولم يقم بزيارتنا في البيت لفتراتٍ طويلة، الأمر الذي صَبَغ رحيلك البغيض بحرقةٍ لاذعة، لقد كنا وحدنا في هذا المنزل يا شان، وكانت هلوساتي كلها موجّهة لك، بكائي الجَّامح. كان محمد الصَّادق يتلقَّى الكثير منه، وكنت تشاركنا بنظراتٍ ثابتةٍ كظلال جدران الغرفة. بالمناسبة: ألم تكن للغرفة اسم؟، لقد سمينا البيت الذي غادَرَنا إليه محمد، سميناه (شُوشَا)، تيمُّناً بالفتاة المتخلفة ذهنياً، والمتقدمة حسِّيَّاً وذوقيَّاً وجمالياً وبديهيَّاً، التي تعيش في رواية الكاتب... يا إلهي، لا أتذكر اسمه الآن، ولكنني سأذكره لك فيما بعد.. نعم نعم الرواية كانت موجودة في المنزل لفترةٍ طويلة، ولكن قل لي، ألم يكن للغرفة اسم؟، في ليلةٍ تغيبنا فيها عن الوعي كان محمد يهذي بأمرٍ مشابه، ولكننا نسيناه في اليوم التالي. أوه تذكرت، الكاتب اسمه (إسحق باشفيس سنجر) أرجو أن يكون صحيحاً. لدينا الكثير من الفئران في بيت الشعراء والكُتَّاب والخواجة (لِيَام مورغن) وفرفر أخي وحِبُّو، انضم إلينا مؤخراً مُعِدّ برامجٍ تلفزيوني، وعازف باص جيتار مبتدئ يدعى (سْكُونِسْ) _لن تجد صعوبة في نطق اسمه_ أو محمد محمود. الكثير من الفئران، طبعاً، لتلعب معهم!، فكما تقول أمي إنك (خوَّاف) ولا تقتل الفئران، رغم أنني وجدت جثَّة أحدهم في سطح المنزل، ولكنني ظننت أنه، غالباً، ما يكون قد اصطاده قط آخر وأهداه إليك في مناسبةٍ غراميَّةٍ غامضة. لماذا لم تكن لك علاقات غرامية يا شان؟، لم أشاهدك يوماً في وضعٍ جميلٍ كهذا، ربما كنت، في الأصل، راهباً في جبال (التّبت). كنت أريد أن أسألك حول شريعتكم هذه: القط يأكل الفأر، ما رأيك، بصراحةٍ، فيها؟ رأيي أنا؟ أعتقد أن البشر قد استخدموها بصورةٍ أبشع من ما هي عندكم، أتعرف لماذا؟ لأنهم، فوق وحشيتهم، يبررون ذلك بـ(الأخلاق)!، هل تصدِّق؟. نعم بالتأكيد تصدق. أما  أنتم، فتفعلون ذلك وتعرفون أن الأمر مجرَّد (جوع) و(بقاء على قيد الحياة)، نحن؟ يجب أن ينصِّب أحدنا، نفسه، حامياً للمجتمع أولاً بذريعةٍ ما، وفي قلبه ذلك الخوف من انهيار هذا التجمّع البشري، الشبحيّ، المسمى (المجتمع). ربما يسطو على حكومةٍ بليل، ربما يسيّر جيوشاً جرارةً لحرقها مع آخرين في الطرف الآخر، ربما يُعلِّم خدود ابنته أو اخته بأصابع حمراء من شدَّة الضَّرب، ربما يُغلق على زوجته أقفال العالم لأنها جميلة، ربما ربما يا عزيزي، ربما ينتحر، لأنه لم يستطع سوى أن يكون محافظاً على نفسه، لأنه غير مفهومٍ من الآخرين. بمناسة القط والفأر، ما هو رأيك في مسلسل (توم أند جيري)؟، ربما ستضحك الآن، ولكنني أريد أن أستفسر عن تلك العلاقة الملفَّقة بين القط والكلب الذي يظهر كضيفٍ على الحلقات من وقتٍ لآخر، عندما يحاول الكاتب أن يُخرج فأره العزيز من بلاهة (توم)، فأنا لم أشاهد في حياتي كلها كلباً يطارد قطَّاً، بالعكس؛ لقد كنتم دائماً تخيفون الكلاب، إن الكلاب تخاف وتتحاشى القطط. أليس كذلك؟.
مالذي كنا نتحدث عنه يا عزيزي شان؟، كنت أحكي لك عن علاقتي بمحمد من قبل أن تلتقيه، لم أحْكِ لك هذه الحكاية من قبل، عاد محمد من منفاه الجّحيميّ في القاهرة، حيث قُبِلت طلبات الهجرة لكل من معه (أمير شمعون وعاطف خيري وعادل القصاص وغيرهم).. وظل هو هائماً حتى التقاه شخصٌ سرابيٌّ وانتهره في الشارع العام: (عُدْ إليهم)، لا أتذكر بقية تفاصيل هذه القصة ولكن أعتقد أن محمد بإمكانه أن يرويها لك بصورةٍ أفضل. عاد محمد والتقينا في خضم المشروع الفاشل، أعقبته ورشةٌ فاشلةٌ أيضاً عن قصيدة النثر، وقابلته وجهاً لوجهٍ في (رُطَانَة الشظَايَا)، كانت هذه شهادته حول الكتابة التي قدمها في تلك الورشة، وكنت، كما تعلم جيداً، أعمل (جِمِّيعاً) لمثل هذه الأشياء بعد أن أمضيت وقتاً طويلاً من عمري القصير في طباعة بحوثٍ تافهةٍ في محلات الشهداء الكَمْبيوتريَّة، فبعد أن قررت هجران الهندسة كليَّاً، كان عليَّ أن أهرب من ذلك الجحيم، حيث كان الطلبة (الحربيون؟!) ينقَضُّون من كل المناهج السطحية الغارقة في هذياناتٍ خرقاء، ويُخضعون وقتي وأصابعي للعمل والشَّوْشَوَة. فكانت طباعة أعمالٍ أدبيةٍ، كرطانة الشظايا، جنَّةً أبدية، عندما بدأت في طباعة شهادته الأدبية، كانت الساعة حوالي الحادية عشرة مساءً، وكنت قد انتهيت تقريباً من بقية الأوراق المُقدَّمة، وكان من المفترض، نسبةً لسرعتي في الطباعة، أن أنتهي منها في غضون ساعتين، هل تعرف متى انتهيت من ذلك الورق المُسكر؟، لقد كانت الساعة حينها السادسة والنصف صباحاً. اتصلت به في ذلك الوقت المتأخر، والتقينا في السابعة والنصف في محلات الشهداء تحت ظلٍّ رحيمٍ لسِتّ شاي عابرة، ومنذ ذلك اليوم، لا أعتقد أننا افترقنا كثيراً.
لماذا أحكي عن محمد الصادق؟، أنت تعرف لماذا، لأنه كَشَف لي بعض الأسرار عنكم أنتم (القطط)، فبعد أن زرتني في المنام، بعد ليلةٍ من العمل الشَّاق في غرفتنا المجهولة الاسم، أنا ومحمد وأنت، حكى لي محمد عن سيرةٍ سريَّةٍ للقطط، قال: (في الأصل، منذ قرونٍ بائدةٍ، كانت القطط حافظات تُحشر فيها أسرار الكون كافَّة، وكانت هذه الأسرار تُستخرج عن طريق جهازٍ تم اختراعه في تلك الحضارة التُي أُبيدت عن وجه الأرض، الجهاز يشبه (السي دي روم)، تستخلص الأسرار المناسبة، ويُطلق القط، بعد ذلك، ليعيش حياته. ولكن بعد أن اندثرت تلك الحضارة، ظلت القطط تهيم على قلبها في العالم، حاملةً أسرار الكون لا زالت، ولا جهاز يُشفي حشاها المحترق، قلقها الدَّائم).
في ظلام النوم، أتاني رجل آسيويّ الملامح، يبدو أنه من الصين أو اليابان، قال لي: (هذا القط الذي يعيش معك اسمه "شان") واختفى. صحوت من النوم، نظرت إليك، كنتَ ممدداً بخبثٍ ظاهرٍ تحت كرسيٍّ مهشَّم الحديد، كنا ننظر إلى بعضنا لوقتٍ كافٍ، قلتُ لك بخوفٍ قليل: (شان؟)، راجياً أن لا ترد عليَّ بأية حركة، أوحتى إشارة.
أنت تتفهم خوفي أليس كذلك؟ طبعاً أنت تعرف؛ لأننا نحن البشر نخاف من أن يكون هنالك (غير) على الإطلاق، نخاف أن يُسحق غرورنا وأوهامنا بالتفوّق، لذلك، كما ترى، لا نكفّ عن نهش بعضنا البعض، بعد أن تأكدنا، بلا معقوليَّةٍ بحتة، أننا سيطرنا على الطبيعة وعرفنا مداخلها ومخارجها. لا نستطيع أن نعيش دون أن نتيقن بأننا (أمَّةٌ مختارةٌ)، لا نستطيع أن نعيش بدون أن نَرْفَعَ من شأن (سحناتنا) بذات الأسباب والمبرارات التي تَرفع بها جماعةٌ أخرى من البشر من شأن سحناتها علينا، هل ترى هذه الـ(نا)؟، إن البشر لا يستطيعون أن يعيشوا من دونها. مالذي أدخلنا هنا يا عزيزي؟، فقد رددت عليَّ بـ(نعمٍ) ماويَّةٍ بصوتك الواثق، الثَّابت. سَكَتُّ لفترة طويلة، وناديتُ عليك مرة أخرى، وكان ردك سريعاً مع تقدّمٍ باتِّجاهي لتعرف: مالذي أطلبه؟، أم لتزيد من رعبي يا مُستهبل.
في أيامك الأخيرة، عندما كنت تُجالس الموتَ في أزقَّة البيت ومتاهات قلبي، كان أبي يتصل يوميَّاً ليسأل عن أحوالك، هل فوجئت؟، أنا أيضاً كنت محتاراً، فقد كان يسأل بإلحاح وبعاطفةٍ واضحة، أنت لم تقابله طوال حياتك، وأنا لم ألتقه منذ ثمان سنوات، هو يعيش الآن في تلك البلاد المُغلقة، المملكة السعودية (لاحظ لاسم المملكة)، أعتقد أنك استمعت إلى مكالماتنا كثيراً.  قال لي أبي ضاحكاً: (أصدقائي هنا يضحكون من مكالماتي هذه، فكنت أقول لهم: نحن آل التِّلب، نتعامل مع الإنسان كما الحيوان)، أعرف أن حالة الضحك والسخرية ستنتاب العديد من الناس، (وقد فعلت بالمناسبة، حتى الأطباء في الصيدليات كانوا يبتسمون ويتهامسون بعد ابتعادي عندما كنت أسأل عن "فيتامين" لك، رغماً عن أنهم يكتبون عادةً في لافتاتهم "أدوية بشرية وبيطرية"، لا عليك، فهم يعالجون الحيوانات الدَّاخلة في مسألة رأس المال المادّي فقط؛ كالأبقار والدّجاج ...إلخ)، ستنتاب موجة الضحك السخرية العديد منهم، وربما نعتوا هذه الرسالة بـ(حركات شعراء حداثة)، ألم تسمع بهذا الاسم الفظيع من قبل يا شان، يسمون أخوكْ ومحمد الصادق وبقية الفوضويّين الذين عكَّروا مزاجك في غرفتنا، مثل أحمد النشادر ونجلاء التوم وغيرهم، يسمُّونهم (كتَّاب الحداثة)، لن تعرف كم أغتاظ من هذا الاسم الجزافي، فبعد أن نلحق بك يا عزيزي، سيسمون المقبلين من الشباب بالحداثيين أيضاً، إنني أتسائل: لماذا يظل من يسمّون (خالدين) للأبد؟ كأنهم لا يعانون من المرض المسمَّى (جسداً بشرياً)، هل تعرف ماذا يشبه هذا الاسم بالنسبة لي؟ أن تطلب مني أمي مثلاً أن أُحضر لها (ماءً)، وفي اللحظة التي أذهب فيها لأحضر الماء، تُسميني أمي، بدلاً عن اسمي، (جالب الماء)، وبعد أن تشرب سيتغير الاسم ليصبح (السَّاقي)، وبعدها (المشكور) وهكذا دواليك، من الأسماء المضحكة المرتبطة بالجيل والشباب والسودانيين والصوماليين...إلخ.

عزيزي شان، أرجو أن لا أكون قد مغَّصت عليك هدوءك، في صباح اليوم الثاني من رحيلك، ولكنني أود أن أتذكر أيامك الأخيرة. لقد كان دافعي الأساسي لكتابة هذه الرسالة إليك، هو الاعتذار عن ما بَدَر في (خاطري) من أفكارٍ سطَّحَتْكَ، وعن كلماتٍ قاسيةٍ قلتُها لك في لحظات غضبي من هذه الحياة. أعرف أنك تملك قدرةً لا بأس بها على الانتقام منِّي، أذكر أنني في يومٍ كُنتُ قد أغلقت كل منافذ الغرفة، الباب والنوافذ، ولم أترك لك مساحةً لتخرج منها لتوهانك الليليّ، كعادتكم أنتم القطط، أجسادكم مُشرَّبةٌ بالليل، وعيونكم تُشعُّ بأضواء الظَّلام الحقيقيّ. في وقتٍ متأخرٍ كنت تشدّ ملاءة السرير وتصرخ، كنت أصحو بين فترة وفترةٍ وأصرخ في وجهك أيضاً أن (اصمت)، كنت تواصل المواء بصوتٍ مزعج، كنت تطلب أن أفتح لك الباب، وأنا تجاهلتك واعتبرتك مجرَّد (حيوان) لا أكثر. أذكر عادتك المريبة في النوم، كنت لا تنام إلا على الملابس التي كنت أخلعها في نهاية اليوم، قميصي المبتل بعرق النَّهار والليل، حتى وإن كانت هنالك ملابس أخرى في الغرفة الفوضويَّة، كنت تبحث عن القميص وتحشر نفسك بين ألوانه. في تلك الليلة، وبعد ازعاجٍ استمر لساعةٍ، صمتَّ فجأة بلا مقدمات، وأنا عدت لنومي البشريّ، في الصباح، لم أجدك نائماً على القميص، وجدتك في طرف الغرفة تبتسم!، نظرت باتجاه القميص، فإذا به مشحونٌ بفضلاتك، خريطةٌ من الفضلات تفضلت بها عليَّ جزاءً على تجاهلي. وأنا الآن أكتب لأعتذر عن هذا التجاهل.  
 تذكر بالطبع تلك اللحظات، عندما أغضب من الحياة، كنتَ تراقبني من تحت السرير، وبعد لحظاتٍ تجدني مستلقياً إلى جانبك تحت السرير وأثرثر، أحياناً كنت ترد مُجاملاً عندما أوجه إليك الحديث، وأحياناً تظل صامتاً، وعند بعض الأسئلة تهرب بسرعةٍ وأنا أزحف من خلفك، نقفز فوق السرير، ألحق بك إلى النافذة، أغلقها، ثم أُعنّفك بصورةٍ غير لائقةٍ بعلاقتنا ومقامك، كنت أقول إنك مجرَّد قط، ولستَ حاوياً لأية أسرار، كنت أنظر في عينيك وأنت تتعجَّب في قوَّتي التي تصل بي لحد البكاء بصوتٍ عال. أعتذر عن ما ورَد على خاطري حولك، كنت أُبرِّر سيرَكَ خلفي إلى أي مكانٍ أقصده داخل البيت، بأنك مجرَّد قط جائع، تنتظر هبةً طعاميَّةً مني، كنت أقول وأفكر، ولم أنتبه إلى أنك تنتبه وتحس بذلك كله، لذلك أقدمتَ على جرح غروري في الليلتين الأخيرتين من حياتك.
 كلانا يعرف تماماً أنك لا تقبل بأن تُمسّ من أي شخص، وإن قبلت، على سبيل المجاملة، فإن ذلك لا يدوم لأكثر من ثانيتين، هذه العادة تشملني أنا أيضاً، فأنت لا تستثني أحداً. ربما تسمح لنفسك بملامسة أقدامي، عندما تكون جائعاً، أو عندما تغار من مكالماتي المتأخرة ليلاً على الهاتف، ومن حينٍ لآخر، لا تبخل عليَّ بخربشةٍ طفيفةٍ عندما تغضب من نسياني لك لأيامٍ دون توجيه حديثٍ أو دعوةٍ للعشاء.
ولكن، في الأسبوع الأخير، أصابك ذالك المرض الغريب. أخبرتني أمي، بجزع، أنك لم تتحرك منذ ليلة الأمس من تحت السرير، قالت إنك ربما متّ، ذهبتُ ووجدتُك خائر القوى، نحيل البطن، ومتغضّن النظرات، مهشَّم الصوت، ولا تستطيع النهوض، جلبتُ كل ما توفَّر من أكل، شراب، حليب، لم تأكل، لم تشرب سوى الماء، وظللت هكذا لأيام. أحضرتُ الأدوية التي وصفها الطبيب البيطري، ولم تستجب لها، كنتَ يائساً مني، متفائلاً بهجرانك لهذا العالم. فماذا فعلت؟.
رغماً عن أنك لم تكن تستطيع النهوض، إلا أنك، عندما تراني، تحاول بأقدامٍ راجفةٍ أن تقف وتلقي بتحيتك اليومية، ولكنك تسقط مرةً أخرى، تقف وتمشي من خلفي مترنحاً؛ ليس لأنك تطلب عشاءً كـ(مجرَّد قط)، ليس لشيءٍ سوى أن تشرح، وبكثيرٍ من الوضوح، جراحك الملوثة ببصماتي، ببصمات غروري البشري، كنتُ أجلس باكياً على الأرض، وكنتَ تصر على الوقوف، تحاول أن تمسح وجهك بيدك فتسقط على ظهرك بطريقةٍ حزينة، كأنك تمثالٌ مبنيٌّ من الماء، مبنيٌّ بنظراتي الرَّاجفة من إجرامها، وعماها.
شان يا عزيز، ما رأيك أن نشتري بحراً من السوق الأسود؟ ربما حفرْنا في مائه، بمخالبنا البرمائيَّةِ، أزقةَ بيتٍ جديد، سندعو الأصدقاء طبعاً، لا تستعجل في حكمك على خطتي، فنحن، بالتأكيد، لا نريد أن نكون وحيدين، كرغبةِ كل الكائنات، بحرٌ في السَّماء؟ لا أدري، دعني أفكر في هذا الأمر. ليس من داعٍ لوجود شمس ولا قمر، لا نريد مراكزَ هنا، أرجوك، يكفي ما تكبَّده قلبك من صَلَف قلبي، ويكفي ما ناله قلبي من أوجاع خفقانه. لا بأس، سأنتظر، ربما سيكون انتظاري طويلاً، أنت تعلم، عندما بكيت عليك لليلةٍ كاملة، قبل رحيلك بيوم، في تلك الليلة التي سمحت لي فيها أن ألمسك لساعاتٍ، أن أحتضنك دون مقاومة، أن ألمس يديك ووجهك ورأسك الصغير وعنقك الرَّاجف، تعرف أنني كنت أبكي على الكثير، لا أريد أن يُطال في عذابي بمراقبتكم تغادرون واحداً واحداً. عزيزي شان، أنت تعرف من هم، إنهم من يعرفون حقيقتك، وتمور أجسادهم ودماؤهم وخيالاتهم وأسماؤهم الحقيقيَّة بأسرار الكون، إنهم قطط بشرية، ولا جهاز، للأسف، لاستخراج شيءٍ منهم. إنهم يحاولون، بطرقٍ بائسة، أن يخترعوا أجهزةً قريبةً منها، أحياناً يخرج القليل، ولكن الكثير، البحر الكثير الغامض، والذي لن يُفسِّر العالم، بل يحطِّم وضوحه، للأسف يا عزيزي، دائماً ما تُصنَّف الأسرار في خانة الكشَّافات، ولكنها، كما كوَّنتك قطَّاً تائهاً في الأحلام، وكما صمَّمت لغتك لتصبح كبقية القطط، فهي تقتل الطمأنينة، وتذبح اليقين على أعلى قُبلةٍ تبادلتها جثث العالم في لحظةٍ واحدةٍ، عندما تنكمش القبور على بعضها، وتذرُفُ وجهَك.





تعليقات

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تَرَانيم مَحموديَّة - شذرات متفرّقة في ذكرى اغتيال الأستاذ

The Beauty of the Silly - نجلاء عثمان التوم

 The Beauty of the Silly  نجلاء عثمان التوم


إلى عثمان حامد سليمان
هل يمكن تشريح الأصالة؟ هل يمكن الكشف عن شعوبها الداخلية دون مجزرة؟ أنا مدفوعة هنا بالحجب الأصيلة التي يغزلها الغناء السوداني حول نفسه فيبدو لنا أحياناً شيئاً محيراً، لامع الحيرة. عندما نتجرد من العصاب الذي نسميه الفهم، وننطلق في رحلة متحللة من كل غاية، ونستمع إلى الأغاني السودانية بأرجلنا ومصاريننا، نشعر أن الطاقة التي تتهدج في الجو هي، ولا شيء خلافها، الهوية. لكن تظل أصالة هذا الغناء شيئاً غامضاً جداً وعصياً على التعيين. ثمة إستراتيجيات، أعتقد، أيّدت هذه الجذوة التحتية. أولاً تحتجب الأصالة، في معظم الأحيان، في تمويهات هزلية تنتجها قوالب شبه ثابتة محكومة بشهوة الرجز، والطلاقة الشعبية، والنبرة العادية في الكلام. فالغناء في الأساس هو مكان التغزل في اليومي والعادي في أقرب نسخه إلى الواقع. وكلما تشبثت الأغنية بسوقيتها المعروقة، كلما تصير إلى درجة من أصالتها الصحيحة. لكن الفن هو دائماً تدخل معقَّد، فلا نجاة من سطوته، لكن التحايل عليه ممكن. فعندما تبدأ أغنية ابتهالية، فيها تسجيل لمغامرة البلاغ العشقي والوصال الكامل، بعبارة “الحج…

الجرح في القلب على مسؤولية صاحبه - فيصل محمد صالح

الجرح داخل القلب على مسئوليةِ صاحبه! بقلم الأستاذ فيصل محمد صالح
الراحل: معتصم جلابي
مقدمة طينيَّة: لم أستمتع بكتابةٍ سرديِّةٍ وشعريّةٍ في الآونة الأخيرة كما تفجَّرتُ دموعاً ومحبّةً وتذكّراً وأنا أطالع ما كتبه حبيبنا فيصل محمد صالح في حقِّ صديقه الراحل الأديب معتصم جلابي. وقد قال فيصل في نهاية الكتابة: [وبعد، إذا سبقت لك معرفة معتصم جلابي، فما أن يُذكر اسمه أمامك، حتى تضئ ابتسامة عريضة كل قسمات وجهك، دون أن تستطيع مقاومة إغرائها! لكن سرعان ما تفجعك، في اللحظة التالية، خاطرة رحيله، فتنحدر منك دمعة صغيرة تزاحم تلك الابتسامة، تحاول طردها لتحل محلها، ولكن .. هيهات!]، وقد كان، رغم أنني عرفتُ معتصم جلابي طفلاً، في الرياض بالسعوديّة، كصديقٍ مقرّب ومحبب لأمي رشيدة وأب الفاتح؛ إلا أن الذي يعرفه يُدرك، وغالباً سوف يدرك القارئ لهذا النص؛ أنه لا يكترث بالأعمار، فكان تعامله معي نديّاً وحقيقيّاً وجادّاً إلى أبعد حد، وقد كان المفضل بالنسبة لي من بين أصدقاء أسرتنا الصغيرة. وقد أصرَّ فيصل في النص أنه هجر الشعر والأدب لأنه يفتقد إلى الموهبة، وهذا لعمري إدعاءٌ مردود بذريعة هذا النص ذاته، فهو قصيدة، وهو قصة، …