التخطي إلى المحتوى الرئيسي

ضِدَّ الحَيَاة


كلٌّ في غرفته يمزّق الآخر

مأمون التلب

الصدفة والنظام

أغلب المعارف المكتسبة تأتي بالصدفة، يقولون. مقولةٌ أخرى: العالم متحرّك، بكل غموضه، إلى فَتْنِ الكائن البشري، وفي ذات الوقت، يضع أمامه كل المبررات التي تذهب بعقله باتجاه مملكة (الصدفة) الهانئة، حيث لا أسئلة حول المنبع، بل الاستمتاع بالماء المتدفق؛ الغرق الذي لا يتحمّل الكائن وجوده داخل الزمان. أعتقد، من هذه الزاوية، أن وجود النبع الغامض لكل لحظةٍ داخل الزمان، هو من أكبر الأسباب التي تجرفنا إلى الاعتقاد بصُدْفيَّته، قل، بعبثيّةٍ ما، تسلبنا الجمال والإحساس بالخلق.

هذه العبثية التي يرفضها كل شخصٍ عندما يتعلّق الأمر بالـ(نظام)، الاحتياج الجارف الأحمق للنظام؛ عندما يتعلّق الأمر بشيءٍ يوميٍّ كالذهاب إلى الحمام؛ تناوُل الوجبات المُقرّرة على البشريّ، لكننا نرحّب بالعبثية ما إن نلمس شيئاً خارقاً للعادة، ونحتمي بها من قوّتنا الكامنة، من خيالنا ومن قدرتنا على التصديق بأن (هنالك حياة أخرى)، ساريةٌ في أعصاب العالم، تمنحه هذا الوجه الغالي، المَغْلِيّ، وتلك الأحشاء الثائرة دائماً، مثلما نصدّق بوجود حممٍ أسفل الأرض عندما نراقب بركاناً، فلماذا لا نستطيع أن نرى هذه البراكين تشيع الفوضى في وجهٍ سعيدٍ ومستمتعٍ لآخر قطرةٍ بما اقتنصه لذاته من لذّة، سرقها وهرب، لن يلتفت وراءً، لن يخبر أحداً، إنه فعلٌ ينتمي، بكل تجلياته، إلى الطفولة.

كنتُ دائمَ التفكير في الحياة الأخرى، كيف تبدو تصوّرات الذين وصلوا إليها؟، ما النظرة التي يعودون بها إلى العالم كما نعرفه (جميعاً). (جميعاً) هذه تدفعني إلى تساؤلٍ آخر، هل لكلٍّ منهم نظرةً خاصة؛ زاوية خاصة يرى بها ذلك العالم، ومن ثَمّ تنعكس إلى عالمنا؟، أم لكلٍّ عالمه كما هي الحال هنا: آراء واختلافات في كل شيء، ولكنها مستورةٌ بالأفكار الجماعية، وهذه النقطة، على ما أعتقد، اجترارٌ لحديثٍ سابق.

طاقة العالم الآخَر المنبعثة إلى الخارج

وإن كنتُ دائمَ التفكير، إلا أن ارتباط فعل (سرقة اللحظات) ـ الهروب بها إلى كهفٍ بعيد، خارج أو داخل الإنسان، والتستُّر عليها ـ ارتباط هذا الفعل بالطفولة تسرَّبَ لي من كتابٍ أطالعه هذه الأيام بعنوان (إسطنبول، الذكريات والمدينة) للروائي (أورهان باموق)، تعالوا نقرأ ما كَتَبَ في لحظةٍ من لحظات تذكُّره لطفولته، بعد سرده حوادث عدَّةً تذهب به إلى عالمه الآخر:

(كنتُ أظنُّ طوال تلك السنوات أنني الوحيد الذي يمتلك هذه الموهبة الفاسدة والغامضة، وكان من الطبيعيّ ان أخفيها في عالمي الآخر، حيث كانت لمتعتي والشر الذي بداخلي سلطة مطلقة. كان هذا هو العالم الذي أَدْخُله حين أتظاهر، نتيجةَ السأم التّام، بأنني شخصٌ آخرَ في مكانٍ آخر. كان الهروب إلى هذا العالم الذي حجبته عن بقية الناس بالغ السهولة).

أما إذا كنا نريد ان نشاهد ومضةً من عالمه، تعالوا نقرأ ما كَتَبَ بعد هذه الفقرة بمدة قصيرة:

(كانت جدتي تقول حين أستغرق بوضوح في أحد أحلام اليقظة التي أُخرجها بعناية: "لا تهزّ رجليك هكذا، تصيبني بدُوَار".

كنت أتوقف عن هزّ رجليّ، لكن الطائرة داخل حلم يقظتي ما زالت تميل داخل الدخان المتصاعد من سيجارة جلينجيك وخارجه وهي ترفعها إلى شفتيها، أدخل سريعاً إلى الغابة التي بها كثيرٌ من الأرانب، وأوراق الشجر والثعابين والأُسُود، وقد سبق وأن تعرفت عليها من الأشكال الهندسية على السجاجيد. كنتُ دائمَ الغوص في مغامرةٍ من إحدى القصص المصورة: أمتطي حصاناً وأوقد ناراً وأقتل عدّة أشخاص. وكنت أسمع، بأُذنٍ واحدة؛ تنتبه دائماً للأصوات الخارجية، صوتَ غَلْق باب المصعد، وقبل عودة أفكاري إلى الهنود الحمر شبه العراة، ألاحظ أن إسماعيل البوَّاب صعد إلى طابقنا. كنت أستمتع بإشعال النار في المنازل، وقذف المنازل المشتعلة بالرصاص، والفرار من المنازل المحترقة عبر الأنفاق التي حفرتها بيدي، وببطء أقتل الذباب الذي حبسته بين حافة الشباك وستائر الحرير المعبقة برائحة السجائر. كان الذباب عندما يقع على حافة المثقبة فوق المدفئة يشبه قُطّاع الطرق الذين يدفعون في النهاية ثمن جرائمهم. وكان من عاداتي، حتى بلغتُ الخامسة والأربعين، حين أكون في تلك السحابة اللذيذة بين النوم واليقظة، أن أتلذّذ بأنني أقتل بعض الأشخاص. وأود الاعتذار لبعض أقاربي ـ مثل أخي القريب جداً من نفسي ـ وكثير من السياسيين ونجوم الآداب والثقافة ورجال الأعمال، الذين كانوا من أكثر الشخصيات المتخيَّلة ضمن ضحاياي. ثمة جريمة أخرى متكررة: قد أسرف في العطف على قطة، لمجرد أن أضربها بوحشية في لحظة يأس، وأخرج من هذا الموقف بنوبة ضحك تجعلني أخجل من نفسي، وبعد ذلك أُمْطِر هذه القطة المسكينة بمزيدٍ من الحب. وبعد ظُهر أحد الأيام، بعد خمسة وعشرين عاماً، وأنا أقضي الخدمة العسكرية وأشاهد سَرِيَّة كاملةً تتسكّع بين الكانتين بعد الغداء للحديث والتدخين، نظرت إلى سبعمائة وخمسين جندياً متشابهين وتخيلت أن رؤسهم مفصولة عن أجسادهم. وأنا أتأمل أعناقهم المدمّاة من بين دخان السجائر الذي غمر الكانتين، الذي يشبه الكهف بضباب، رقيق أزرق شفاف، قال لي أحد الاصدقاء من الجنود: «توقف عن هزّ رجليك يا بني. إني مجهدٌ وعندي ما يكفي»). هل أطلتُ عليكم؟.

رمالٌ مُتحرِّكة

مشاهد متداخلة بالأبيض والأسود، لـ(سلمى حايك) و(راسل كرو)، كلٌّ في غرفته يمزّق الآخر، أعني يمزّق حياةَ الآخر في بيته؛سلمى تمزّق صُوَر راسل، هداياه، كل الأطباق التي تناولا فيها الطعام تتحطّم!. في المقابل، يحطّم راسل الدُّمى الخاصة بها في بيته، اللوحات، يلقي بكتبها من النافذة؛ عنف؛ عنفٌ حُبيٌّ وغضبٌ لا محدود؛ إنهما العاشقان اللذان لا يعودان إلى بعضهما البعض إلا ليفترقا في فيلم (Breaking Up)، يحدُث في أرقى العائلات؛ كما يقولون.

ولكن، هل تصوّرتُ أن الفيلم رومانسيّ؟، في البداية، نعم، كنت أظنّ ذلك، وهو مشوّق يجذبك إلى المنطقة التي تتحطّم فيها العادات المكرَّرة في الأفلام الرومانسية، فبعد الانفصال والعودة، لأكثر من ثلاثين مرة، وبعد أن يخوض كلٌّ منهما تجارب مع أشخاص آخرين، بعد أن تشتعل الغيرة وتنشب كل أنيابها في جلودهما، بينما يتظاهران بالصداقة، يدخل (راسل) إلى مكتب سلمى ويطلب منها الزواج، الآن، بعد تلك اللحظة، يتخلّى الفيلم عن كونه رومانسياً.

يمكننا أن نراقبهما، بعد أن وافقت سلمى ـ بعد إلحاحٍ ومَكَناتٍ حُبِّيَّةٍ طَرحها راسل على أرض حياتها ومصيرها ـ يمكننا أن نراقب مشاهد نَقْل الأثاثات؛ الصناديق المليئة بالإطارات والمرايا؛ الدواليب الصغيرة والكبيرة، الشريط اللاصق يُسحَب على الكراتين بيدِ راسل، سلمى تَجُول ببصرها، تتحسّسُ به جَسَدَ شقتها الخالية؛ المُفرَّغة على ظهر شاحنةٍ تحت إشراف حبيبها المتحمّس. بعد قليل؛ قليلٍ جدّاً، تبدأ الصور التي كُنت أشاهدها من حينٍ إلى آخر، في منزل سلمى، بين مَشَاهد الفيلم السابقة عندما كان في طور الرومانسيّة؛ تبدأ الصور في تَفجير معنى وجودها، صورٌ لـ(آينيشتاين، فْرُويِد، ماركس)!.

المشهد: سلمى تجلس القرفصاء أمام باب ثلاجتها المفتوح بضوءٍ ساقطٍ عليها، تتحدّث بيأسٍ عن قراءاتها المتكرّرة لآينيشتاين، تتحدّث عن نسبيّة العالم، وحبيبها يشتمّ رائحةً غير محبّبةٍ من خلال هذا اليأس، إنه يبدو خائفاً، ويُخفي خوفه بضجرٍ مصطنَعٍ يبثّه إليها، علّها تتوقّف عن هذا الخطاب الطويل، والمُرعب!. إنها لا تشرح النظرية فقط، بل كانت تحكي، من خلالها، عن العالم بحروباته واختلال موازينه، انهيار الأُسُس؛ اليقين؛ كُنت أرى، في تلك اللحظة، انعدام أمانها من عيونِ آخرَ يحنُّ عليكَ وينظر إليك في ظلامٍ وليلٍ طويل، أراها تحوم داخل أبراجٍ مشيّدةٍ وناطحات سحبٍ لا تدري ما الذي يجري بداخلها، ولماذا؟ وكيف تتمّ عمليات صناعة العالم الآن؟، وبأيةِ سرعةٍ بأيّ خفاءٍ بأيّة سريّةٍ تُدَار عقول البشرية السائرةِ في صحراء.. صحراء؟!، أم غابات متشابكة؟، سرابات؟، أم توحّشٌ يترقّب ويترصّد؟.

قالت إنها، رغم تكرارها لقراءة كتبه، لم تفهم ما الذي كان يريد أن يقوله (هذا الأحمق؟)، المتهوّر الذي قاد عالماً كاملاً إلى هاويةٍ غير معروفة. تنتقل بعد ذلك، حاملةً خنجرها المُغطّى بدم آينشتاين، لتطارد ماركس، وفرويد، بذات الكيفية، وتُعلن: (نحن لم نفهم هؤلاء الثالثة، ولكن.. أتدري ما الذي حدث من بعدهم؟، أصبح العالم غيرَ مفهومٍ لنا جميعاً، لم نَفهمهم، فأفقدونا معرفةَ العالم)!. انطلقت جيوشُ أَرَضَةِ الشكّ صوب الحياةِ بكلّ ما فيها. كانت تصرخ بهيستيريا دفعت بـ(راسل) إلى إنهاء الخطاب الذي خَسَف بطبيعيّة الفيلم، ودعاها إلى ركوب الشاحنة التي تَحمل ذكرياتها مُجسّدةً في أثاثات بيتها. كنت أسأل نفسي، بخبثٍ ربما: هل ستظلّ هذه الأثاثات هي نفسها بعد أن تنتقل إلى بيتٍ آخر؟؛ بيت يحمل بصماتٍ وذكرياتٍ لآخَر وآخرين؟.

المشهد: نائمان في سريرٍ واسع، كلٌّ يحتلُّ طرفاً بعيداً عن الآخر، ويُغطّون أجسادهم بمِلايةٍ واحدة، تبدأُ سلمى بجذب المِلايَة، كذلك يفعل راسل، ببطء، ثمّ يزداد الشدّ عنفاً، سلمى تجذب بعنف، راسل كذلك، تزداد القوّة والعنف، يزدادان عناداً وتصميماً للاستيلاء على (الغطاء)!، لا تكمن الكارثةُ هنا، تكمن في أن هذا المشهد لا يكتفي بكونه صراعاً على غطاء، وإنما تتخلله لقطاتٌ مُلهمةٌ جداً:

مشهد جانبي أوّل ـ خلال الصراع:

سلمى وراسل، بملابس الزفاف، في كنيسةٍ جميلةٍ وبرّاقة، يقفان أمام قسٍّ هادئ ومسالم الوجه والابتسامة، يصرخ راسل بوجهه: هل تقبل بها (يشير إلى سلمى) زوجةً لك في السراء والضراء؟، في الأوقات الصعبة والجميلة؟، في السعادة والحزن حتى يفرقكما الموت؟. (القس يبتسم بهدوءٍ في وجهه) تصرخ في وجهه سلمى بدورها: هل تقبل به (تشير إلى راسل) زوجاً لك في السراء والضراء في الأوقات الصعبة والجميلة؟ في السعادة والحزن حتى يفرقكما الموت؟. فجأة، يبدأ القس في القهقهة، فاقداً هيبته وطيبته، يقهقه عالياً بشرٍّ يتطاير من عينيه ويقترب وجهه منهما، يظهر راسل وسلمى وقد ارتسمت علامات الدهشة والرعب على وجهيهما، ينظران إلى الأسفل، تنزل الكاميرا معهما ، فيتضح أنهما، من الأسفل، لا يزالان بملابس النوم (بالجوارب أيضاً) بينما يرتديان، في النصف العلويّ، ملابس الزفاف!.

مشهد جانبي ثانٍ:

راسل وسلمى، في الكنيسة، بملابس الزفاف، يطوفان حول فرويد ـ الذي حلّ محلّ القس ـ ويُقرّعانه حول نظرياته النفسية، يتّهمانه بالغباء أحياناً، ويعْرِضان عليه ما وصل إليه العالم من تفتُّتٍ بعده. يراقبهما بوجهٍ مُقطّب، يدوران من حوله، يتحوّل فرويد إلى ماركس، يقفان أمامه ويصرخان بحدّةٍ ليُسْمِعَاه، من خلال شعارات وهتافات الثوّار، الذين يلوّحون بالأعلام الحمراء من خلفهم، ويقفون بأقدامهم على كَنَبات الكَنيسة، يصرخان ليخبراه بما وصل إليه العالم، أيضاً، من بعده، وتأثيرات أفكاره. يتحوّل ماركس إلى آينشتاين، والذي لا ينظر إليهما، بل يتابع ـ ربما ـ فكرةً تتهادى فوقه، يحاول أن يمسك الفراغ وينظر إلى الأعلى بشعرٍ مُشعّثٍ متصاعدٍ كدخاخين بيضاء، يقرِّعانه بقسوةٍ ويتبادلان الخطاب بقوّةٍ ثمّ... ثم يتجاهلان آينشتاين ويغرقان في حوارٍ عنيفٍ بينهما، هو يتحدّث حيناً، وهي حيناً بصراخ. تعود الكاميرا، من حين إلى آخر، إلى مشهد الصراع الرئيسي على السرير، سلمى تشدّ الملاية بقوّةٍ كبيرةٍ فيسقط راسل من السرير، تعود الكاميرا إلى مشهد الحوار الساخن؛ تصرخ سلمى فجأةً في وجه راسل: (هل تقبل بي زوجةً لك، في الحبّ والكراهية، في اليأس والأمل، حتّى يفرقنا الضجر، أو الخيانة، أو الموت؟)، تستمر في الصراخ: (هل تقبل؟)، تصرخ وهي تقذفه بالأزهار في وجهه: (هل تقبل؟). راسل ينظر إليها بفزع ودهشة فاغراً فمه.

ينتقل المشهد، بسرعة، إلى كنيسةٍ حقيقيّة، القس يقف أمامهما والأهل والأصدقاء يملأون مقاعد الكنيسة بابتساماتٍ فرحة، ويتطلعون إلى رَدّ راسل على طلب القس: (هل تقبل؟)، راسل بملامحه ذاتها يلتفت لسلمى وهي تتحدث من بين أسنانها: (قُل قَبِلت، هيّا)، يسألها: (هل هذه كنيسة حقيقية؟، ألسنا في حلم؟)، تردّ عليه: (لا أيها الأبله، قل: قَبِلت). يسقط راسل من طوله على بساط الكنيسة الأحمر، مغمىً عليه، بعد محاولاتٍ يائسةٍ لنطق الكلمة التي ستربطه، حتّى الموت، بحبيبته التي طاردها بعناد لتقبل بهذه الخطوة.. خطوةٌ على رمالٍ متحرِّكةٍ تُغطي سطح العالم... كلّه.

يوتوبيا التّشابه

ما الذي أقحَم هذا الفيلم في هذه الكتابة؟، أعتقد،إضافةً إلى اهتمامه بقضيّة الشكّ واختلال أُسس العالم على نحوٍ غير مسبوقٍ في التاريخ المعروف للبشريّة؛ ما سأتحدّث عنه لاحقاً؛ وقوفه (ضدّ الحياة) بمعناها المُسوَّق له في أغلب الأفلام الأمريكية، والمتمثّلة هنا في (ضرورة الزواج والاستقرار في نهاية المطاف)، كذلك (السلام، الحب، العدل...إلخ) استناداً إلى مسلّمةٍ منحوتةٍ من العقلية التقليدية والحاكمة للمجتمع الأمريكي وغيره من المجتمعات في العالم: (النهاية السعيدة للبشرية على صورة يوتوبيا التشابه)، لمزيد من الشَّرْح (الذي أَمْقَتُه)، فإن العالم يبدو، من بعيد، كُتلاً غير متناسقةٍ ومختلفةٍ عن بعضها، إلى حدٍّ أصبح معه ثمة مفهومٌ يُدعَى (الآخر). ولكن، كما أرى، فإن أمريكا، الدولة المتّهَمة دائماً، ما زالت تُحكم بعقليّة قديمة وكلاسيكيّة ومحافظة (طبعاً مجتمعاتنا ترى أنها متفوّقةٌ على أمريكا بـ«المحافَظَة»، ويعتقدون أنه مجتمع منحلّ أخلاقياً، وتبدو للعديدين نقطةَ تفوّقٍ خارقة)، لكن ما يبدو اختلافاً في العالم إنما هو الحيوات الفرديّة والحوادث المنشرة في «الميديا» وما تُخرجه الفنون، بمختلف أنواعها، من جديدٍ وغريبٍ دائماً عن الإنسان، الفكر والفلسفة، إضافةً إلى موسوعة (جينيس) بالطبع، وكتب الإثارة وأخبار المنوّعات التي نجد فيها غالباً (امرأة تَلِد كلباً) أو (طماطم على شكل وجه)..إلخ، ولا ننسى المُضلّل الأكبر: السياسة؛ والتي تجعل العالم، فعلاً، مُستغلقاً وعصيَّاً، معقَّداً وغير مفهوم، برغم بساطة النظر إلى الكائن البشريّ وتشريحه بعلوم الطبّ، والخبرة الحياتيّة.. لكن، دعونا ننظر إلى هذه الأشياء، وغيرها، وندقّق في الكيفية التي تُعرض بها المادّة/الخبر/الحدث السياسيّ-الاجتماعي/القصة/ الفيلم/الفن؛ (سأتحدث بعد قليل عن الفن المقصود هنا، فهو ليس «مطلق فن» وإنما هو روح محدَّدة من أرواح الفنون العديدة، وأظنّ أنها الغالبة، والسبب الرئيس في وجود عدد ضخم جدّاً من الفنانين، «المشهورين؟»)، إن نظرنا سنكتشف أننا بصدد تشابهٍ جذريّ بين العقليات التي تُنتجها، فَهُم، على الأقل، متّفقون حول القيم والمعاني الخيّرة، والتي صمد في مواجهتها فيلم: Breaking Up.

رموزٌ مُحَطِّمَة

أدركتم، على ما أعتقد، أنهما لن يتزوجا من بعضهما البعض لبقيّة حياة الفيلم، ليس ذلك فحسب، بل سيتزوجان من أشخاصٍ آخرين، ويلتقيان بعد عدّة سنوات. والذي سيحدث بعد هذا اللقاء الأخير، سيوضّح، بصورةٍ أفضل، وأشد قسوة، أنهما حطّما (الحياة)، بالمعنى الذي تناصبها بها هذه الكتابة العداء، حطّما الحياة بالانطلاق من نقطتين:

1- معايشتهما لذلك الحب القويّ، وانتصاره ـ الحب ـ على نحوٍ مؤقت، على نوعية الحياة (الحقيقية والخيّرة) المُقدّمة لهم من قبل مجتمعهم عبر القوالب التي ذكرتها منذ لحظة. لم يكن الحبّ، شخصياً، أو قوّته هي التي دفعت بهما بعيداً عن هذا التيار الجارف، وإنما الرموز (ماركس- فرويد – آينشتاين)، أو بالأدقّ (الخلخلة) التي أحدثتها هذه الرموز لكل شيءٍ مفهومٍ بالنسبة لهما؛ غير مشكوكٍ فيه؛ وآمن، ومن ضمن هذه الأشياء: الحب!.

2- وهي الأكثر حساسيّة وجرأةً من الأولى؛ اللقطة التالية لافتراقهما، بعد عاصفةٍ من اللوم الموجّه للحبيب، و(الزَّرْزَرَة) حول انهدام الزواج؛ التكاليف التي صُرِفَت على الزِّفاف؛ المدعوِّين؛ والدة سلمى؛ بعد التجريح المباشر الذي مارسته عليه، يقرّران الانفصال مرّة أخرى بعد كلمةٍ أطلقها الحبيب في غضب: (أنتِ لا شيء)!، بعد ذلك ينتقل المشهد إلى منطقةٍ ذكيّة: هو على كرسيّ، وسلمى على كرسيٍّ إلى جانبه، مفصولان بقطعة خشبٍ ضعيفة. يتحدّث راسل عن تدرُّجات نسيانه لها، ففي يومٍ، بعد عامٍ، أدرك أنه لم يفكّر فيها، ولم يَرِد اسمُها في ذاكرته منذ شهرٍ تقريباً، عَرِف لحظتها أن كل شيءٍ انتهى، أنه تخلّص من مرضها العُضَال. هي كذلك، وعلى ذات النحو، وبجُمَل مختلفة. التقيا في فندقٍ ما في مدينةٍ أوروبية، خلال حفلٍ جمعهما، هو في الخمسين من عمره، وهي في الأربعين (تقريباً)، يسلّمان بحرارة، يتّفقان على موعد ويتحدثان: هي تُخرج من جيبها حافظةً تحمل صوراً لأبنائها الجميلين جدّاً، هو يُخرج أخرى مُحمّلةً بصور ابنه، هي لم تتزوّج من مثقفٍ قريبٍ من اهتماماتها، هو لم يفعل كذلك، هي تزوجت بمهندس كمبيوتر (ويكسب رزقاً جيّداً) كما قالت، هو كذلك.

(هل أنتِ سعيدةٌ في حياتك) يسأل بابتسامة مرتبكة. تقول بعد ارتباك: (نعم، بالتأكيد، نحن نحب أبناءنا، وفي استقرارٍ تامّ) هي تُعيد السؤال بعد فترة، هو يردّ بذات الطريقة، ثم.. يستغرب (بعد أن تزوجتُ، لم أتوقّع منك أن تتزوجي أبداً في حياتك)، هي تقول ذات الجملة، ينتهيان باعترافات الضجر المميت الذي يعيشه كلٌّ في حياته الزوجيَّة؛ كلٌّ في غرفته.

إن النقطة الجوهرية في الأمر هي التجريب، الذي ينتهي بالإنسان، وحيداً، داخل حياةٍ مشتركةٍ مع آخر في عالمٍ مُنهَدِم، وقد يظهر، بعد حينٍ وآخر، أنهما يحمدان للأقدار تلك القنبلة الرمزية التي نسفت الزواج القديم، للحب القديم، إن الحب، على الأقل، باقٍ كطيفٍ طائفٍ في نظراتهما إلى بعضهما في آخر لقطةٍ في الفيلم، بعد الحوار؛ الاعترافات، وهما مستندان إلى السرير بظَهرين حزينين، ينظران إلى ذلك الطيف السّالم من الحب القديم، تقول له: (يجب أن تذهب، الوقت تأخر)، يقول لها: (نعم، تأخر الوقت)، يستندان إلى بعضهما... ينامان.

أذكر أنني، كلما مررت بحقلٍ زراعيّ، وشاهدت (بؤس) الفزّاعات المنصوبة فيه على شاكلة (كيس نايلو حزين، ممزّق معلّقٌ على رأس عصاةٍ هزيلة)، كلما رأيتها تذكرت الزواج!. إن الطيور، طوال تاريخها وتجربتها منذ اختراع الفزّاعات (خيالات المآتة) لم تستطع أن تدرك أنها ليست بشراً، وإنما مجرّد أداة لإبعادها عن المحصول الجديد، فهي تواصل، حتى الآن، خوفها رغم انحدار مستوى صناعة الفزّاعات. كان البشر في الماضي البعيد يعتنون بها، يُلبسونها ملابس بشرية حقيقية، ويضعون على رأسها قبّعات، ويُكوِّرون الوجه ويضعون، أحياناً، عيوناً وشوارب، كان خوفُ الطيور مفهوماً حتى ذلك الحين، ولكن: (فزّاعات بهذا البؤس؟). إنني أشكّ في قدرة الطيور على التعلّم.

قاتلٌ مُتسلسل

إذاً؛ يبدو أن هذا البحث (ضد الحياة) يعمل على تنقيبٍ عن هذه الأعمال الأدبية والفنية والفكرية التي أُنتجت من تلك المنطقةِ المظلمةِ من (العالم الآخر)؛ حيث لا يزال «أورهان» الطّفل يمارس شروره، وما زالت العلاقات تنقطع وتتصل بين راسل وسلمى، حيث يتحوّل القتل إلى فنٍّ في رواية (العِطْر)، والوحدة والاختلاف التّام إلى مَسْخ فرانكشتاين، عندما يتحوّل الخيال إلى يقينٍ عند ريلكه لا محض تشبيهات وألعاب مجازية تستند في أساسها على الواقع الفعليّ لهذه التشبيهات وحركتها السطحيّة، والتي، بالتأكيد، ستجذب انتباه عددٍ لا بأس به من الجماهير التي تمرُّ من خلال السوق العربي وتتضجَّر من الحرّ والزحمة دون أن تنتبه إلى أغلى كائنٍ خُلق في السودان، والذي أُزيل بأمرٍ من حكومتنا بجَرّة قلم.

هذه الكتابة، من ناحيةٍ أخرى، ستتجه اتّجاهاً اجتماعياً أيضاً في تحليلها للظرف الاجتماعي السوداني حالياً، وخاصّة الأجيال الشبابية، الكُتّاب وغير الكتاب: الأطفال الذين يمتطون الدراجات النّارية في أشدّ الشوارع خطورةً، وبكل سرور؛ بكل فنّ. ولن أستطيع أبداً أن أغالب انتقاداتي للأعمال الفنية والأدبية التي تزحف على وجهها طلباً للحياة، أو هي في الحقيقةِ أعمالٌ مصقولةٌ بتلك الآلات الضخمة والمنتشرة في كلّ مكانٍ ككتب (نزار قبّاني)؛ وإنها لن ترى من العالم الآخر غير سطحه الطّافح في عالمنا الواقعيّ الملموس: (الطّائر يمثّل الحرية)، و(الحمامة تمثّل السلام)... بمناسبة حمامة السلام، دعوني أقتبس لكم من نصٍّ، هو أيضاً ضد الحياةِ بوجهٍ أو بآخر، للروائي المعروف (غونتر غراس) من روايته (الطبل الصفيح):

(إنني لا أودُّ أن أبعث الملل في أنفسكم من خلال وصف مشهدٍ مليءٍ بالأبراج والنواقيس التي لا تكفّ عن القَرْع؛ مشهد مدينة دانسغ المهيب الذي ما زال يحمل أنفاس العصور الوسطى، مثلما يُدَّعى، المشهد المحفور على آلاف اللوحات المعدنية الجيّدة، فأصفه من علوٍّ شاهق. لكنني في الوقت نفسه سأُحْجِم عن ذكر الحمائم، حتى لو قيل عشرات المرات وأُعيد القول بأن المرء يستطيع الكتابة عن الحمام بشكلٍ ممتاز. فالحمامة تبقى بالنسبة لي ليست بذات قيمة، بل إنني أرى النورس أكثر أهمية منها. أما مصطلح (حمامة السلام) فإنه يبدو لي صحيحاً فقط باعتباره مصلطحاً مغلوطاً ومتناقضاً. فمن الممكن أن أُحمِّل الصقر، أو حتى الحدأة مُفترسة الفطائس، رسالة سلامٍ بدلاً من أن أضع ثقتي بحمامةٍ مولعةٍ بالشجار والمشاكسة أكثر من مستأجري السماء كلهم. ويمكن القول باختصار: إن هناك حمائم فوق البرج. لكن الحمائم توجد عادةً فوق كلّ برجٍ محترم يَعتبر نفسه جديراً بهذه التسمية، بمعونة مرمِّمِه المسؤول عن حماية الآثار العمرانيّة القديمة).

سنحاول أن نجول في العديد من الأعمال الأدبية والسينمائية، فالأمر لا يتعلّق بالقرن الحادي والعشرين فقط، وإنما بجميع القرون، حيث كان هنالك دائماً من يكتبون (حقولهم السوداء)(1)، سنبحث في هذه الفرضية، ونرى إن كنا سنعثر على (قاتلٍ متسلسل).

ـــــــــــــ

(1) (الحقول السوداء): تعبير لمحمد الصادق الحاج.

اللوحة من أعمال إيقور مالكوفيتش




الفزَّاعات البشريِّة

مأمون التلب

لا سِرَّ إلاَّ وهو ذائع

تحدثت عن الصدفةِ في بداية حديثي، لأنها، على ما أعتقد، من المداخل الواقعية جداً للحديث عن عالمٍ آخر، فإنني دائماً، للأسف، ومن خلال ما أكتبه من مقالات، أحتاج لأدلّة قريبة من الواقع والمنطق، بينما لا أجد غضاضةً في تجاهل ذلك، بل ركله إلى مذبلةٍ نائية، من خلال أعمالٍ أدبيّة. إن تحدّثت عن موادٍّ أخرى من مواد العالم الآخر مثل (الأحلام، الكوابيس، الجنون، الهلوسات، الشخصيات "الخارقة" في المجتمع السوداني...إلخ) فإنني سأكون بعيداً عن البحث لسببين: الأول هو بعد هذه المواد نسبياً عن الواقع المُصدَّق، (أصرّ على تسميتها بالمواد، لأنها مواد محسوسة بتأثيراتٍ مادّيّةٍ تماماً كما يؤثّر خنجرٌ على جسد)، إضافةً إلى أن أمثلتها، كذلك، ستكون بعيدة عن فرضيتي (السوداويّة) بتعبير باموق، أو (ضدّ الحياة). ولن تفيد كثيراً.

الصدفة، حسناً، أُلِّفت _لأجل ترسيخ وجودها_ العديد من أغاني العشق، وكُرِّست لأجل حياتها أراضٍ واسعة في الضمير والعقل البشريين، للدرجة التي أصبحت مبرراً لأغلب الأفعال البشرية، واغلب تشابكات الحياة تعقيداً، إنها (فزّاعة للبشر)، (تحفظهم) بعيداً عن (الحقول السوداء لـ"عالمهم الآخر").

إن الكاتب، الذي أبهرني تماماً، بقدرته على ربط أحداث حيواتٍ عديدةٍ لأشخاصٍ موزعين في بلادٍ ومدنٍ عديدة، ربطُ مصيرهم في كتلة تُمثِّل الفكرة الأساسية لروايته وغايتها، للدرجة التي تدفع بك إلى قذف كتابه في الحائط، أو أن تلعنه على طريقته (الخبيثة) التي يُحيي بها هذه الشخصيات في حياتك حتى ترتبط بهم كأصدقاء أو بني آدمين تهتم بمصيرهم. عندما تراه يسحقهم بتلك الخيوط الدقيقة، فإنك ستكرهه وتحبه في ذات الوقت؛ (ميلان كونديرا)، الذي نسف، تقريباً، نظرية الصدفة وأوضح (رعب العالم) بصورةٍ غير مسبوقة. أعتقد أنني وجدت مبرراً لانتقاد (أسامة عباس) لشخصياته التي تبدو أحياناً وكأنها غير موجودة، يقول أسامة أنه لا يتذكر أيّاً من شخصياته حتى بعد أن قرأ له العديد من الروايات، على العكس من شخصيات أخرى لروائيين آخرين مثل العقيد (أورليانو بوينديا) في مائة عام من العزلة لماركيز. فالسبب الرئيسي لـ(خفَّة كائنات كونديرا التي لا تُحتَمل)(2) أنه يحطّم الشخصيات من خلال روايته، فتظلّ عاجزةً وبلا إرادةٍ أمام الخيوط الدقيقة التي تربط العالم، الأحداث الدقيقة جداً التي تُحدث أثراً في التاريخ لا يُمحى، أحداث ليست ذات أهميّة، لكنها (ياللرعب) تُحرّك التاريخ القاسي للبشرية، يذكرنا ذلك بنظرية (أثر الفراشة) والتي أفسّرها بالجملة التقريبية التالية: (إذا خفق جناح فراشةٍ في الأمازون، فإنه يتسبب في عاصفةٍ في أستراليا)، ويذكرني أيضاً بمقطعٍ خالدٍ في ذاكرتي من روايةٍ لمحمد الصادق الحاج بعنوان (جُمعة المسبوق)، دعونا نطالعه سويةً:

(عَرِفَ (قمر العين) أنَّ حَرَكَةً ضئيلةً؛ أضْأَلَ ما يمكن، هي شرط وجود العالم؛ خميرته. ولمَّا كانت أضْأَل الحركات هذي لا تستطيع أن توجد بمعزل عن العالَم؛ ولا تستطيع أن تكون موجودة ما لم يكن العالم موجوداً، فإن العكس صحيح. كأنها تستدعيه لاإرادياً بعقل خيالها ليبرهن على وجودها، فلا يعود العالم من ثَمّ موجوداً لذاته، بل لكي يخدم تَصَوُّر هذه الحركة الضئيلة عن الوجود وعن ذاتها. كأنما لا يمكن لها أن توقن من وجودها إلا بالاستدلال عليه في الغير. بل إنها ربما ما كانت لتفهم أو تلاحظ وجودها قبل أن تتعرَّف عليه حولها؛ في وجود العالم، موضوعاً لها؛ صادراً عنها بالذات.

إنَّما، في إدراك الحركة الضئيلة هذي، ليس للعالَم أن يكون وجوداً عقلياً متوهَّماً، وإلاَّ غَدَت هي نفسها عندئذٍ وَهْماً، وإنها لَمِحْنَة!. تَعْلَم هذه الحركةُ أنها موجودة، لا لأنها موجودة عفواً، بل لأنَّ العالَم موجود؛ موجودٌ ليبرهنَ على وجودها، ولمَّا كانت هي التي استدعته، فهو إذَن ليس موجوداً لذاته، بل لكي يعمل كإشارة على وجودها هي، فلا بدَّ من أنه وَلِيد الذِّهن؛ موجود، لا بذاته، إنَّما، على وجه الضرورة الإدراكية. فكيف أمْكَنَ لها أن تكون موجودةً على شاكلة تختلف عن الشاكلة الخيَّالية التي بها يوجد العالَم؟. كيف لها أن تكون موجودة على الشاكلة المادَّيَّة هذه التي بها تَلمَس خيالَ العالَم فإذا به مادَّة، لا فكرة؛ مادَّة تضاهي مادَّة وجودها قِدَماً وكثافة؟. أليس ذلك مما يدعو إلى التحقيق في شَرْطِ الكَوْنِ (بالمعنى الصَّرْفِيّ، كَمَصْدَر) ويَحُضُّ على التدبُّر في إمكانِ أنَّ سِرَّاً؛ أيّ سِرٍّ، وهو حركة، لا يمكن أن يعيش خفيَّاً بالتَّمام ومعتزلاً الكَوْنَ (بالمعنى الجغرافِيّ، كطبيعة) وإلاَّ انْتَفَى الكَوْنُ (بِالْمَعْنَـيَيْن)، فينتفي السِّرُّ بالنتيجة؟

وإنَّ السِّرَّ الذي قَبِلَه كائنُ واحدٌ وحَمَلَه، لا يعود سِرَّاً إذاً؛ لأنه، كحركة، ضئيلة في هذه الحالة، لا يستطيع أن ينحصر في هذا الكائن، وإن مات الكائن دون أن يكشف عنه، فهو بالضرورة مكشوف أساساً؛ هو الذي، مُذْ وُلِد في عِلْم ذلك الكائن، لم يتوقف لحظةً عن إحياء العالَم كله حوله، يستحضره؛ يستدعيه، يكوِّنه، يولِّده، ينشِّطه، يجتذبه، ويحتويه في مداره، ليدركه كبرهان على وجوده. فكأنما السِّرّ هو الذي يَحْمِلُ الكائنَ، لا العكس!؛ كأنما السِّرّ هو الذي يَقْبَلُ الكونَ، لا العكس!، فلا سِرّ إذَن مطلقاً؛ لا سِرَّ إلاَّ وهو ذائع).

بالمناسبة، أدعوكم لمشاهدة فيلم (أثر الفراشة) الأمريكي (Butterfly Effect)، وقراءة قصيدة محمود درويش القصيرة، والتي عنون بها كتابه الأخير قبل رحيله: (أثر الفراشة).

منبع الألم

إن إصرار الصدفة على أن تُؤثِّر هو ما يشدّني في مقطع محمد الصادق، أن العالم يعمل أداةً إشارةً، ليس إصراراً على الوجود فحسب، وإنما على الوجود مركزاً للعالم كلّه، وهو ما يحدث بطريقةٍ أو بأخرى، ولكن المؤلم يكمن في أن هذه الحركة ستظلّ معزولةً وغير مرئيّة، رغماً عن كلّ تأثيرها فإننا سنلجأ، إن لم نستطع إبصارها، أن نُدخلها في حسابٍ بـ(بنك الصدفة المركزي) أو سننسب البطولة إلى فردٍ ما من نوعية الأبطال التاريخيين؛ ثوار...إلخ. ربما كان (خفاء) الحركة المشكّلة للعالم، هو المنبع الأصيل للألم البشريّ، إن الإنسان، عندما يُدركُ الحركة الصغيرة (أو الكبيرة) وهي خارجة منه ويدرك أثرها على العالم، يسعى، بكل جوارحه، لألا تظل هذه الحركة خفيّة وغير معلومة، إنه يسعى لأن يُبرز نقشه على جلد الحياة: أن لا تكون حركةً خفيّةً في حياةِ من تحب؛ في الحرب؛ في السلام؛ في الثورة؛ في المطبخ، وفي الفن.

يمكننا أن نجلس في دائرةٍ أسريّةٍ عصر يومٍ ونتحدث عن السياسة ببساطة، ويقول البارع منّا، سليل الأحزاب العريقة، أنه (لا يجب للدولة الفلانية أن تخطو هذه الخطوة، لأنها ستُقوّض كل المجهودات التي قامت بها الدولة الفلانية "الأخرى") ويواصل الشرح محاولاً أن يُسطِعَ بحديثه "خطوة" الدولة، فالخطوة في هذا الحقل يُعلن عنها أمام أجهزةٍ تنقل الحدث للعالم كله، وفي الحقيقة، لم تكن هذه الخطوة ذات تأثيرٍ عظيمٍ في الماضي كما تفعل الآن، فبمجرّد أن يعلن المسؤول، بوجهٍ رصينٍ، عن القرارات الجديدة، تكون "الحركة" قد أثّرت في العالم!، ليست هنا النقطة، وإنما في الضعف الذي عانت منه السياسة والدولة في التأثير طوال القرون التي سبقت الإعلام بشكله الحالي، فالـ"الحركة" السياسية لم تكن تؤتي ثمارها إلا بعد سنوات على مدنٍ تقع تحت طائلة الدولة الفاعلة: كانت تشبه تأثير الفنّ، وكانت تشوبها فِتْنَةٌ تشبه الفنّ أيضاً. تعالوا نُفكّر سوياً في (القائد) الحربي سابقاً، والآن. في الماضي كان هو أُس التأثير، بمعنى أن أسلوبه ورؤيته تُسقط على الطريقة التي يهاجم فيها جيشٌ الآخر، بل كان لكل جنديٍّ أسلوبه الخاص في استعمال السلاح الحربيّ، الآن، دخلت المناهج بأكتافها العريضة غرفة التعليم الحربي، فحتّى عندما يتفرّد أحدهم بمهارةٍ وقوّةٍ وأسلوبٍ في مواجهة العدو (كقائد)، فإنه، على أفضل الأحوال، سيُقلّد ميداليةً ويُرقَّى، في الماضي لازالت ترنُّ في فضاء القرون أسماءُ القادة، صرخاتهم لا تخمد، وجوههم مرسومةٌ بيدِ فنان. إنني لا أبحث عن تمجيدٍ لذلك الزمان أو هذا، ولكنني أشير بهذا الحديث إلى تراجع "بروز" (الحركات) الحربية في مواجهة (الحركات) السياسيّة، واختلال الميزان يأتي من انوجاد الإعلام الذي دعم المُحرِّك السياسي بصورةٍ واضحة، يمكننا أن نتصوّر (منبع الألم) كلّه رابضاً في عينِ أمٍّ فقدت القائد الذي يتباهى بنصره سياسيّون على شاشة التلفزيون، لأنها تراقب في تلك اللحظة (جميع الحركات) التي أصدرها جسد ابنها؛ لغته؛ روحه وحبّه وحياته؛ ترى الحركات تتفتّتُ على خَشْخَشات التلفزيون المشوَّشة باختلالٍ ما في الاستقبال والإرسال. وإن كان ميِّتاً، فإنه سيشاهد التأثير السيء جداً لجميع الحركات التي قام بها طوال حياته لخدمة آخرين. إنني أعني بوقاحة، أن كلّ حركةٍ تُبذل من منطلق، ولأجل الخير والعدل والسلام... إلخ، (إضافةً لكونها مَفعُولةٌ لأجل آخرين، أي كتضحية)، فإن روح فاعلها ستحوم حول كلّ شبرٍ في العالمِ مُفتَّتةً تُراقب تأثير فراشَتِهِ المُحيي لخراب العالم، الساند له. فكما كررت من قبل: لا بشاعة تُفعل باسم الشرّ، كل بشاعةٍ تُوجد باسم الخير.

فراشة الفنّ

لا وجود للتعريف، أبداً، إلا ويكون مؤقتاً، مرتبطاً باللحظة التي ينطق بها الكائن بالتعريف، مرتبطٌ بأنفاسه وحالته الراهنة، وحديثي هذا يدلّ على خداعي التالي لكم بتعريفٍ آنيٍّ آخر لـ(عملية الانتاج الفنيّ)، والتي لن تظل كما هي في المستقبل، إن لم أمت، فسأعود، كما فعلت سابقاً، أعرِّف وأعرِّف لكي أهدم ما سبق ببناءٍ مشتقٍّ منه. إن عملية الانتاج الفنيّ تشبه كثيراً تتبع ذلك (الجندي/القائد) لفراشة تأثيره، و(العَتَب على النّظر) كما يقولون، أو كما قال سيدي جلال الدين الرومي: (أيْنَ هِيَ القَدَمُ الجَّدِيرةُ بالتَّنزُّهِ في حَدِيْقَة/ أو العَيْنُ التي تَسْتَحِقُّ التطلُّعَ في الشَّجر؟.. أَرِنِي رجلاً عازماً أن ينقذف في النّار.). يمكننا ان نلاحظ بسهولة أن الرومي استخدم لفظتين سحريَّتين في هذه العبارة، وهما (الجدارة، الاستحقاق)، فهل يستحق كل فنانٍ فنَّه؟، كلنا نعرف أن انتاج الفنّ، واجادته، وتجويده، ومن ثم الانطلاق إلى آفاقٍ بعيدة؛ لا يعني بأيةِ حالٍ أن الفنان جديرٌ بما لديه. ربما دار في خلدك أيها القارئ العزيز أنني أشيرُ إلى (موقف الفنان الإنساني)، وتراجعه أو تقدمه عن سلسلة المواقف التي جذَّر ذاته فيها من خلال ما يكتب، أو فلنقل، بلغة السياسة، من خلال ما قدَّمه من شعارات. لا أقصد ذلك، بل أقصد (فراشة الفنّ) أو كما قال الرومي. تأثير فراشة الفنّ لا يراه إلا مستحقيّ الفن المذكورين في أبيات الرومي، ومستحقّي الفن ليسو بمنتجين فقط، وإنما كل من استحقَّ التذوُّق: الحياة وغموضها.

حسناً، نأتي لسؤالٍ محوريٍّ في هذه الكتابة: من هو المسئول عن (اقصاء) الماورائيات (الميتافيزيكس) عن المشهد الفكري والأدبي والسياسي والاجتماعي والفنّي؟. ثرثرت كثيراً عن الصدفة، وكونها مدخلاً مناسباً للحديث عن الماورائيات، وأعني تحديداً كون الإنسان لا يستطيع أن يصدّق أكثر من ما يراه ملموساً وماديّاً، بل انه لن يتحمّل وجود أية كياناتٍ أو محركاتٍ أخرى غير تلك التي استطاع الامساك بها، وتحليلها وتفسيرها، إن المضحك في الأمر، أن هذه الأشياء، المَقبوض عليها في حراسة يقينيات الإنسان، والمُفسَّرة، جاء تفسيرها بتأملٍ غامضٍ من مكتشفها، في حينِ كانت في الماضي ظواهر غير قابلة للتفسير، مثلاً: مرض (الصَرَع)!. ولا أريد منكم أن تعتقدوا بأنني أتزلّف للعلم بحديثي هذا، إنما كنت أريد أن أشير إلى أكثر الآليات بؤساً وخلوّاً من الفن والجمال، (وأقول "أكثر" هذه الصفات "الفن والجمال" لم تنتفِ تماماً عن العلم، فالفنان، دائماً، ما يخيِّب ظننا باستخراج فنّه من أشدّ المواد قبحاً وبعداً عن الفن)؛ وهي تسبر أعماق مجاهيلٍ أُعتبرت في الذهنيّة العامة من أفعال الجنّ، كـ(الصَرَع) طبعاً.

أقول، أن المسئولية تقع على عاتق ربط (الماورائيات) بالعاطفة والغموض والرعب؛ وهذه الثلاث ثيمات تُصنَّف، لحظة يبدأ العالم في اتخاذ قراراتٍ مصيريّة بشأن البشرية (كالحروب العالمية مثلاً) أو (حرب الجنوب)؛ كأدوات تجييشٍ فظيعة التأثير، ولا يأبه بها متّخذوا القرارات أنفسهم، هذا من ناحية. من ناحيةٍ أخرى، فقد عملت المحرّكات الضخمة لمصانع الأفكار العالمية، من أقصى يمينها إلى أقصى يسارها، إلى استغلال هذه الثيمات كمُستخفٍّ بها أو مناصرةً لها؛ إما أن تكون هي القوة الوحيدة المنتصرة في نهايات الزمان (كالإيمان) أو تكون هي التي تؤخر العلم والتقدّم البشريّ (في الحالة العلمانية)، ولكنهم لم يرحموا المادة في أصلها، هل يبدو العالم طبيعياً للدرجة التي يتم استغلال هذه الثيمات أو الاستهتار بها؟، هل يبدو خالياً من التعقيد والغموض والرعب، ومتّصل بسخافة (البساطة)؟!.

أنظرُ، في اللحظة التي أكتب فيها، من خلال نافذةٍ تُطلُّ على سطوح (إشلاق) سلاح المهندسين بأمدرمان، فأرى مجموعاتٍ من الزّنك المتوازي، تُشكِّل أفقاً معدنياً مسنوداً إلى عدد خياليٍّ من الطوب، أشجارٌ تخترق الانتظام المُكرّر لمهندسيّ هذه الاشلاقات بذات الشكل والمحتوى؛ غرفٌ مكرَّرةٌ، حتّى أنك إن زرت بيت جارك ظننته بيتك؛ أعمدة الكُهرباء تخترق الأفق المعدني وتُمسك بعضها البعض بأيادٍ نحاسيَّةٍ تحمل بداخلها الكُهرباء التي ستوقظ مذيع الأخبار على شاشة التلفزيون، وسلمى حايك وراسيل كرو ينفصلان عن بعضهما، تنقل الفيديو كليبات المُتمرِّدة لزنوج أمريكا وهم يصنعون تاريخاً من الايقاعات واللغات؛ هذه الأيادي النحاسية ستنقل النور النابع منذ (أديسون) حتّى وجه الزوجة وهي تتفحَّص وجه زوجها النّائم، حتّى طاولة العائلة الحاملة لصينيّةٍ عشائيةٍ باردة؛ حتَّى الكلاب المُراقبة حلول ظلامٍ يمنحهم حقَّ الحياة أخيراً؛ حتَّى ينام محمود الهدندويّ على كرسيِّه الذي لم يبارحه منذ أن أقام دُكَّانه الخالي إلا من الصابون والكبريت والخبز؛ حتَّى اختفاء بائع الحليب المَغربيّ عن الحياة وحلول المصانع الضخمةِ مكانه؛ مصابيح السيارات يوم رأس السنةِ تتقاذف أكياس الماء والبيض، كشَّافات مباريات كرة القدم ومن حولها عالمٌ من العواطف والكوابيس والصراخ والألفاظ البذيئة الجميلة جدّاً؛ المساجد التي ترفع دعواتها، يوميَّاً، ضدَّ الكفار (جميعاً) لأنهم ليسوا مسلمين، وهم، بنور أديسون، يدعون؛ غرف التعذيب الساطعة بنوره، أدوات التعذيب الكُهربائيّة، ثلاجات الطعام التي تُغذِّي آلاف الأفواه العائلية، منذ هُطول الليل وحتَّى سطوع الشمس على سطوح الزنك: كم حياةً عشتَ يا (أديسون)؟.

لقد استطعنا، بقدرةِ قادر، أن نُطوِّع العالم ليصبح عاديَّاً، للدرجة التي اخترعانا كلمة (طبيعيّ)، إنني أدعو كلّ قارئٍ أن يتأمل في أوّل مخلوقٍ إنسانيٍّ يقابله، أن يجرّده، وأن لا ينظر له كشبيهٍ له؛ إنسان، يد عين وجه تعابير ارتجافات إشارات يأكل يشرب يستيقظ ينام يحلم يُهاجم يقتل يغضب يُحب يكره: فمٌ يتحرَّك بلا تفسير: أنظر للإنسان مجرَّداً وستعرف مدى رعب الحياة على الأرض، مدى غرابتها ولاطبيعيتها: انظروا للحرب والسلام من هذا المنظور، هل من وجودٍ لهما؟ للعدل؟ للإنسانية؟. لقد بذلنا كل عاطفتنا حبنا وحقدنا وجمالنا وانعقاداتنا والتباساتنا وانفلات اللحظات من بين أيدينا؛ انشناق الحب على يد التّعدد؛ انكسار الأفكار على بحر العالم المتحرّك الهائج؛ فقط لكي نطمئنّ على أن العالم طبيعي، أن الحياة طبيعية، أن يخرج شيءٌ من رحمٍ نسميه ابناً ونفرح به، أن يموت ذات الإبن، ومن حوله المجاملين والمحبّين و(أولاد الحلِّة) يبحثون عن تربةٍ مناسبةٍ لإخفائه؛ لكي يظلَّ وحيداً بدهشته، أن ننساه، ونتناسى تكويننا الذي يحمل الموت داخل كل عضوٍ فيه. هل يُعقل أن يُسمَّى كل هذا بـ(طبيعيّ)؟.

ضد الحياة؛ قاوموها، وانظروا من خلال الموت.

درب الفراشات

كثيراً ما كنت أستمتع بالمصطلح السودانيّ: (رِكِب الفِيْلَة) أو (ساكِّي الغزالة)، وهي، كما تعلمون، تعني أنه قد جُنَّ، فقد عقله، وما إلى ذلك. ويبدو أننا سنتحدث الآن عن مصطلحٍ جديد، يلامس الجنون قليلاً، ولكنه لا يُمثِّله تماماً، وهو (درب الفراشة)، ولنتخيل بالخيال الشعبي، وبذات الكيفية التي تُركبُ بها الفيلة أو يُلاحق الغزال؛ نتخيل تتبعُ درب فراشة الفنّ. إن الأمر يبدو لي كأن تُصوِّر فيلماً بالأبيض والأسود، فمن قبل أن تضع عينيك على الكاميرا، كان العالم ملوّناً، وبعد أن تشاهده من خلال العدسة والتسجيل، فسيكون الأمر كإعادة تلوين المشهد بالأبيض والأسود، وليس انتزاعاً للألوان كما يُخيَّل للبعض. يقول بيتهوفن أنه استطاع أن يؤلّف موسيقاه العظيمة بعد أن أُصيب بالطَرَش، فقد استطاع، من بعد، أن يستمع للصمت في داخله: الصمت بين الجُمل الموسيقيّة، بين النغمات. وأعتقد كذلك أن العالم أدرك قيمة التصوير بالأبيض والأسود من بعد اكتشاف التصوير الملوَّن؛ لأنهم استطاعوا أن يستمعوا (بأعينهم) للصمت (الأبيض والأسود) بين الألوان. ولكن، هل نستطيع أن نتصور الشخص الذي استطاع أن يُدرك قيمة التصوير، بالأبيض والأسود، من قبل اختراع التصوير المُلوَّن؟ بإمكاني أن اتصوره في مشفى للمجانين لبقية حياته. ما عَلِيْنَا، مالذي كنت أريد توضيحه بهذا المثال؟، حسناً، تذكَّرت: العالم الذي يتحوَّل في لحظة إزاحة العين من العالم الملوَّن إلى العدسة الملوَّنة بالأبيض والأسود.

تتبع درب الفراشة يؤدي إلى عالمٍ آخر، والذي افتتحنا هذه الكتابة بالحديث عنه، أقصد، استَعنِّا بأورهان باموق ليتحدث عنه، وعن طاقته المنبعثة للخارج؛ إذ تخرج دوامات خياله العَرْقَانة لتلامس الأجساد الصلبة الأخرى، والتي لا تستحق، في الحقيقة، أن ترى شجرة!.

إنها مفاتيح، سلسلة مفاتيح... حسناً؛ مفتاحٌ واحدٌ داخل كلّ فرد.. أووووه: (أبوابٌ متعددةٌ للعالمِ الآخر بتعَدُّدِ كائنات هذا العالم، هل اتضح الأمر؟!. بمعنى أن المفتاح يولد مع كلّ شخص، مفتاح أخرس؛ مستوٍ، لايحتوي على تعرجاتٍ لتميّزه عن بقية المفاتيح، أو ليكون فاتحاً لبابه الخاص، المؤدي للعالم الآخر، ولن يعرف الكائن طريقه إلى ثقبِ بابهِ دون أن يتتبع الفراشة، أو على أقلِّ تقديرٍ، إن لم يستطع رؤيتها، أن يتتبع أثرها. بذات الكيفيّة، يولد الباب مع الكائن، بابٌ أخرس، وثقب مفتاحه مُصمَت؛ كُتلةٌ من المعدن؛ شفاهٌ لم تُشقّ بعد؛ كلمةٌ لم تُنطَق؛ عَينٌ لم تُفتَح: مولودٌ جديد.

الفرق الوحيد بين المولود الجديد والباب، أن المولود يتمّ الاستحواذ عليه، بسرعةٍ شديدة، ومن أوّل لحظة، ويُساطُ بالتلقين والتعليم والتَلْغِيْغ (من لغة): بسرعةٍ شديدة يُعرفِّون الجمال في ذهنه وخياله، يُعرِّفون الخوف، الموت، الحب، الاخلاص، العدل، الخطأ، الصواب، الأسماء، البحر، الشجرة، ملامسة التربة بالأقدام، معنى أن تكون طبيباً، الزواج يُكمل الحياة، فتاتة الشامبو جميلة لحدٍّ بعيد، إن الثورة ستنتصر للدين المُستهدف، اليهود صراصير الأرض، أمريكا وباءٌ كما الإيدز، تهطل الأمطار من السحب لأن الماء يتبخّر، السراب هو (ياللبشاعة) انعكاس السحاب على الأرض، لاتلمس النّار، هذا جدارٌ ولن ترى من خلاله، لاتنظر لاتنظر لاتنظر، كُن مهذباً، كُن (وَدْ ناس)، كُن، كُن كُن كُن كُن كُن كُن كُن كُن كُن كُن كُن. فيكون.

أما الباب، فلا يتأثر، العالم الآخر جسدٌ شَرِه، وحشٌ أكَّال خيالِ بَشَر، وهو جائعٌ باستمرار، لهذا يخططف الفنان تلو الفنان، لا يقبل بجسدٍ لا يستحقُّ السير على حديقة، أو رؤية شجرة، الفنان وجبته الدَسِمةُ الحيّة. والفنان هنا، كما خمَّنتم، ليس هو منتج الفنون فقط، وإنما الإنسان الذي استطاع العالم أن يُعبِّر من خلاله عن ذاته الغامضة، الحركة الضئيلةُ المُهمَّشة وغير المرئيَّة، النِّزاع الفتَّاك بينه وبينه، المذهول من وجود العالم، المرعوب منه، والذي لا يرى الطبيعيّ إلا من وراء ما يعتقده العالم طبيعيِّاً. أما الانتقال إلى العالم الآخر، والعودة منه شيءٌ آخر: (دخول الحمام لا يشبه الخروج)، ولكن الحمام مختلف، إنه لا يأخذ منك، بل زيد طينك البشريّ بلَّة.

المفاتيح مبذولةٌ الآن للجميع، للذهاب والعودة دون خوف وتضحيات ولاخطر: أمامكم الفنون جميعها، فقد خاطر هؤلاء بتهريب مفاتيحَ عامَّة، بإمكان كلّ شخصٍ في العالم أن يستخدمها، ولكن في حدود، وهذه الحدود هي وجود الشواغل اليوميّة والقوانين، نحن محميُّون من الانغماس ورؤية العالم كما رؤوه، نحن محميُّون بعماءِ الواقع، بالبديهيات: الشمس تشرق من الشرق. نحن محميُّون بالذهاب إلى العمل، والوقوع في الحب، والثرثرة، والحديث عن الكتب في تجمّعاتٍ بلهاء، محميّون بالحكومات التي تشغلنا عن (الحياة في العالم الآخر) بأفعالٍ لا تُصدَّق، محميّون بوجود بشرٍ يؤمنون بالعنصرية حتّى القرن الواحد وعشرين بعد ميلاد سيدنا المسيح.

ولكن، إصبع العالم الآخر تمتدّ إلى عالمنا، ضدَّ الحياة، وتؤشر: أنت، هناك.. نعم أنت صاحب النظّارة، تعال معي، اتبعني فقط وسترى: وتُحلّق الفراشة، ولاتعاود السكون.

ــــــــــ

اللوحة من أعمال إيقور





Shine(3)

اسمي ديفيد، ديفيد جودجلف، وأنا مُستغلٌّ في هذه الكتابة من قِبَلِ كاتبها لأوضح لكم كيف انتقلت للحياة الأخرى، أو، في الحقيقةِ، كيف فرَّطت فيها والتهمتها كاملةً ولم أخلِّف منها سوى جسدي الموجود معكم في هذه الحياة، نعم، أنا صاحب النظارات، والذي أرى الآن اصبع العالم الآخر، المرصعّة بالشر والظلام، تُشير إليّ. عشت في القرن العشرين، وربما لازلت على قيد الحياة، من يدري، ولكن قصَّتي حقيقيّة، ولست من (بنات؟) أفكار هذا الكاتب. أخبرني أبي أنني ابنٌ محظوظ، أن أباه لم يمنحه فرصة العزف على كمانه الذي وفَّر لأجله اموالاً كثيرة، تعرفون ما الذي فعله أباه؟ لقد حطَّم الكمان.

هيئتي مضحكة: فمٌ دقيق، وقَدُّوم طويل (بلغتكم) كالفأر، وزجاج نظّارتي أغبشٌ دائماً. بعد عودتي من المسابقة الموسيقيّة التي اشتركت فيها كعازف بيانو منفرد، بحضور أبي الذي كان يراقبني بينما يرتجُّ جسدي بالموسيقى على منصَّةٍ مُثقَّبةٍ بعيون هيئة التحكيم المُدقِّقة، بعد عودتي خائباً مهزوماً، رغماً عن أنني، مثلما قال أبي وأحد أعضاء هيئة التحكيم، كنتُ الأفضل، وأذكر أن عضو هيئة التحكيم، وأستاذ الموسيقى، قد زارنا وأكّد رأيه وقال: لقد كنت الأفضل بطريقة "غير طبيعيّة"، الأمر الذي لا يعجب الكثيرين)!، أقول، بعد عودتي من الهزيمة المُبطنّة بانتصارٍ ما، هزمني أبي في الشطرنج، وأسكتنا جميعاً، وأدار أسطوانة الموسيقى، انطلقت سيمفونيّة (راحمنينوف) الثالثة، وعبثت بالعالم لفترةٍ، قاطعها طرقٌ على الباب.

في الليل، بعد منتصف الليل، كنت منفرداً بالبيانو الخشبي، أحاول أن أستعيد السيمفونية الثالثة، سمعني أبي بالطبع، جاء وجلس بجانبي، وقال لي: هذه المقطوعة هي الأصعب على الإطلاق، طوال تاريخ العالم، وتستعصي على العزف. قلت له: علِّمني يا أبي. رأيت حدود مهارته يلتمع في عينيه الشرستين، ولأجل هذا البريق، سلّمني لاستاذ الموسيقى _وعضو لجنة التحكيم الذي (رآني)_ في اليوم التالي من تلك الليلة. وعند باب الأستاذ، كان أبي يحمل دفتراً مُدوَّنةٌ عليه نوتة السيمفونية الثالثة لراحمينينوف، طلب من الأستاذ أن يُعلِّمني، وأن يبدأ بها. جحظت عينا المُعلِّم، وصرخ بوجه أبي مستنكراً، مبرراً استنكاره بأنني ولدٌ صغير، ولا أقوى على احتمال هذه العاطفة، وأكّد لأبي أن البدأ بموتسارت في مصلحتي. أعجتني إشارته إلى صِغرِ عاطفتي كصبي، بدلاً عن قلَّة المهارة. لكنني لم أفهم إشارته إلا بعد سنواتٍ عديدة.

بعد سنواتٍ عديدة، حرمني أبي عبرها من مِنحٍ عديدةٍ استحققتها بعد انتصاراتٍ متواليةٍ حققتها في المسابقات على مستوى مدينتنا، وبلادنا. فقد كان يرى أن بُعدي عنه وعن عائلتي سيتسبب في ضياعي وهلاكي، فالعائلة عندنا مقدَّسة. بعد سنوات، تمرّدت على أبي، والذي نفّذ تهديده بأن يحرمني من العائلة إن ذهبت إلى لندن لدراسة الموسيقى. ذهبت.

انتظمت بالدراسة تحت إشراف أستاذٍ عجوزٍ في السنّ، وكان تركيزه ينصبّ على نقلي من المهارة التقنية في العزف على البيانو، إلى العاطفة؛ التطرف الأعمى للعاطفة، وغلبتها على كلّ شيء. اقتربت منافسات الأوركسترا، وأخبرته باختياري السيمفونية الثالثة للمشاركة في المسابقة. جحظت عيناه كما فعل معلّمي الأول: بدأنا التدريب.

في البداية، اهتمّ العجوز باتقاني للسيمفونية، وشدّد عليّ أن أحظفها عن ظهر قلب، حتّى أعزفها مغمض العينين، بعد أن برهنت له بربطي لقطعةِ قماشٍ على عينيّ أثناء العزف، طلب مني أن أنساها، وبدأنا بالتنزّه في الطرقات، والحديث عن الحياة والبشرية وكل شيء. قبل فترةٍ قصيرة من المسابقة، بدأنا مرةً أخرى في التدريب، ولكن هذه المرة كان العجوز يُترجم المقطوعة إلى كلماتٍ أقرب إلى الشعر، وقال مُفسِّراً: (إنهما فيلان يركضان)، وقال: (هذه السيمفونية ليست مقطوعة واحدة، إنهما مقطوعتان متداخلتان، ويصعب تمييز واحدةٍ من الأخرى إلا إن استعطت أن تُحسّ بأنهما يتباريان ويتصارعان على السيادة المطلقة على السيمفونية).

في يوم العرض، وضعت نظارتي البلهاء على البيانو، وبرفقة مجموعةٍ من العازفين، بدأنا المقطوعة التي حَبَست أنفاس الحضور، فقد ظنّو أنني لن أتمكن منها. والآن، هل أقول (ليتني لم أستطع عزفها)؟ أم أشكر ذلك منحنيّاً؟. لقد دخل إصبع العالم الآخر للمسرح، رفع ذقني عالياً بينما أصابعي تجري على البيانو بجنونٍ عملاقٍ، تدفَّق عرق أيامي على أرض المسرح وراحمنينوف يجلس على إصبع اليد، ويمدّ لي مفتاحاً خشناً، مبرقعاً بالتعرجات والدم والليل والنزاعات القلقة، تركت جسدي هناك يُعزَفُ، وذهبت معهم إلى (هناك) القابعة داخلي بهدوءٍ ماكرٍ، تلعب الشطرنج، وتستمع لأسطوانةِ أبي. بعد انتهاء المقطوعة، ووسط التصفيق، انهار جسدي على المسرح، ذهبوا به لمستشفى الأمرض العقلية، ومنذ ذلك الوقت، لم أستطع أن أُعبِّر لأي بشرٍ عن ما رأيته وأكلته كاملاً، كنت أقول دائماً: إنه غامض، وغير قابل للتعبير. لم أُشفَ من مرضي تماماً، أصبحت أتحدث بصورةٍ متقطّعة، وبالكاد، أربط جملةً مفهومة، فاستعضت عن الحياة بالبلاهة؛ أصبحت أبلهاً يجوب شوارع لندن، بابتسامةٍ أبديّةٍ ظافرة.. زارني أبي بعد انقطاع 20 عاماً، وقال لي: أنت ولد محظوظ، هل تعرف مالذي فعله أبي بالكمان الذي ادخرت المال لأجله؟، قلت له: لا أعرف.

شكراً ديفيد، يمكنك الآن أن تعود لحياتك، أرجو أن لاتكون قد تضايقت، واعذرني على الجمل المترابطة التي جعلتك تتحدّث بها، وعلى البلاهة التي، ربما، نزعتها عنك.

سياج الظلام

بدوري، احتفظت باسطوانةٍ لراحمينينوف منذ عامٍ تقريباً، مجمل الشعور الذي أحسسته تجاه موسيقاه كان (الرعب)؛ فهو يستخدم تعقيد النغمات السريع والخافت لخلق بؤرةِ توتّرٍ خلاّبةٍ، كأنه يفرك عصى ببعضها بسرعةٍ فائقةٍ على أكوام الثلج الرابضةِ داخل المستمع، وفجأة؛ تحسُّ بمجازرَ تُرتكب في الكتلةِ الموسيقيّة التي ملأت الفراغ، مجازر طيّبة. كيف تكوّنت هذه المُخيَّلة؟ كانت تُعيدني لومضات رعبٍ انقضَّت علي في الفترة ما بين عاميّ 1998-1999م، حيث عشت في أسوء المُدن التي زرتها في حياتيّ، وفي أغرب بلادٍ متناقضة: الرياض – المملكة العربية السعودية. سكنتُ، أنا وأخي محمد التلب، في غرفةٍ غريبةٍ من نوعها، ليس بها نوافذ، ولها بابان خشبيَّان ومُكيِّف هوائي، لم نكن نعرف أحداً في تلك المدينة الكبيرة جدّاً لشهورٍ عدّة، ولم تكن هنالك وسائل للترفيه؛ كنَّا نُغلق الغرفة منذ الساعة 12 ليلاً، وعندما تُغلقُ الغرفةُ يَنغلق العالم المرئيّ، يصبح الظلام جسداً كثيفاً، نُصبح أعضاءاً لهذا الجسد، يُحرِّكنا كيف شاء، ويشكّل أحلام يقظتنا بشهواته. أتذكر حواراً في فيلمٍ أمريكي، بين فتاة ورجل، وهما على وشك النوم داخل مركبٍ طافٍ على المحيط، تسأله عن عدد المرات التي نام فيها والبحر من تحته، فيقول أنها المرة الأولى، تقول له أن البحر يتدخل في الأحلام، فهي مختلفة ولا تشبه أحلام اليابسة!. اليابسة، اليابسة كانت الضوء، والظلام بهذه الصورة لم أعايشه من قبل، بحرٌ متدفّقٌ من حياةٍ أخرى، إن فَتَحْتُ عيني أو أغلقتها لا فرق. لم نتبادل الحديث كثيراً، أنا وأخي، في الحياة، ونُدرك في ذات الوقت انهماكنا المتواصل في تغذية الحبّ الرابط بيننا، حتّى في تلك الغرفة الحالكة لم نتحدث؛ كانت هنالك مُسجّلات وشرائط كاسيت وسماعات أُذن، كانت الموسيقى تغوص داخلي بكشَّافٍ مُظلمٍ وتبحث عن قصصٍ لم أعشها، مستعمرات من الشخصيات الهَرِمة والمغامرات الطّائشة، كانت تدور القصص في رأسي وتدور، أنسجها فتتناسل، أبكي بحرقةٍ على موتِ أحدهم، أضحك بصوتٍ عالٍ من موقفٍ جديدٍ ومُبتكر، حتّى يبتلَّ الفراش بالعَرَق، أرتجف أحياناً من النشوة، وأحياناً يئنُّ جسدي لأنه يُريد أن يلمس بيده، ويشتمّ بأنفه، ويتذوق بلسانه ما أعيشه بعيداً عنه، حتّى هذه اللحظة أعتقد ان الدافع الرئيسي للكتابة كان رغبتي في أن يشاركني جسدي هذه المُتعة، اريد أن أطوِّر قدراتي على الكتابة والخيال للدرجة التي يموت فيها جسدي إن تخيّلته ميِّتاً، ويحيا إن أحييته. تستمر هذه الخيالات والارتجافات حتّى الصباح، حيث نشرب سويةً، أنا وأخي سرَّاً، سيجارة الصباح على سطح المبنى ونراقب شروق الشمس. لكن، من بين النشوات والاكتآبات العديدة كانت لحظات الرعب قليلة، كان الرعب يهاجمني بضراوةٍ لأن جسدي يتماشى مع الخيال ويتبعه، يُستَعبد ولا أجد فكاكاً، فألتصق بالموسيقى كأمٍّ أخرى، كملاذٍ من انفصال الجّسد، هذه الموسيقى المجرَّدة تماماً هي التي ربطتني بالواقع، من يصدِّق؟!؛ هذه اللحظات تعود بسيمفونيات هذا الرجل؛ لقد نَشَأت في الظلام، لا شكّ.

الموسيقى أعلى أشكال التجريد، ولكنها كانت البوابة التي تربطني بالواقع، لا أرى الواقع إلا من خلالها، ولا أحسّه بدونها، للدرجة التي أفضِّل فيها العماء على الطَرَش. استمعت للغناء السوداني مذ كنت طفلاً، حتّى كبرت وقلت: محمد أحمد عوض، النور الجيلاني، ومحمد وردي وخضر بشير، ساورا، توقّفت. قلت: بوب مارلي وبراين آدمز وسيلين ديون، توقّفت. مرّت سنوات لم أحتمل بعدها الصوت البشريّ المفهوم، لا أريد لغةً مُفسَّرة، بحثت في الموسيقى الكلاسيكيّة فوجدت دوائي (بفضلٍ من رندا محجوب)؛ وانتبهت إلى أبديّة التجريد. ذهبت أبعد من ذلك، بدأت في الاستماع لأغانٍ من بلادٍ كثيرة؛ أمريكا الجنوبية، مالي، نيجيريا، الكونغو، فرنسا، روسيا، إيطاليا، فكان الصوت البشريّ، بالنسبةِ لي، آلةً موسيقيّة أخرى بجانب الآلات، إنني أتمتّع بمطلقات اللغة، بلا مكانها ولا جنسيتها ولا زمانها؛ إنني أسمتع لموسيقاها، _وفي قمَّة التطرُّف_ أحتقر المعنى.

من خلال راحمينينوف؛ رأيت (الآخر) في سيجارة، إنها لا تحترق كاملةً، هي دائريّة، يحترق جزء منها والآخر يبقى مُتلبِّساً بالجفاف، وبعد قليلٍ يحترق؛ كالقمر، يُضاء جزءٌ منه بواسطة الشمس التي هي خارج الذات، والآخر يبقى مُعتماً، ألن يحين الوقت الذي نُدرك فيه أنهما واحد؟، الآخر مِنْهُ وفِيْه؟ كلٌّ ضحيّة الآخر؟ كلٌّ في غرفته يمزّق الآخر؟.

يقين خيالي

إن الدقة التي تتمتَّع بها أجهزة الكمبيوتر، تدفعك للخوف من لمسها في (عضمها) الصلب؛ ربما يستطيع الشخص أن يكتسب مهاراتٍ في مجال البرامج وكيفيّة معالجة الفايروسات، لكن الجسد الصلب للكمبيوتر، فهو يُخيفني؛ شيءٌ بهذه الدقةِ يجب أن يرتبط بالرقة والحساسيّة أيضاً. وخلال زيارةٍ مرعبةٍ لإحدى مكاتب تصليح الكمبيوترات (اللابتوب) لعطلٍ أصاب جهازي، كان جسدي يقشعرّ من اليقين التّام الذي يتعامل به (باشمهندس مهند) مع الجهاز: يفكّك جسده بسرعة وبصورة عنيفة أحياناً دون أن يرمش له جَفن، يدخل أداةً حارقة ويكوي جزءاً صغيراً لا أعرف كيف رآه بالعين المجرَّدة، يرميه بعيداً ويعود للمفك ليضرب جزءاً آخر، فأبعد بصري عن كامل العملية، وأنتظره بعد المجزرة ليخبرني بأنه جاهز وقد أعيد تصليحه!.

هذا العنف الذكيّ والجريء في التعامل وملامسة واقتحام كل ما هو دقيق ومخيف بالنسبة لمن يتعاملون معه في حدود ما يُعطيهم إيَّاه، بل حتّى التخلّي عنه في حالة انعدام الاجابة المناسبة الصادرة عنه، أو عندما يخرج عن طوره ويُصدر إشاراتٍ غريبةٍ وليست من طباعه؛ هذا اليقين هو أكثر ما شدَّني لأشعار رانيه ماريا ريلكه الشاعر الألماني الأشهر. كتبنا قبل سنتين، أنا ومحمد الصادق، المقطع التالي من كتابنا المشترك (يَك)، حول قصيدة ريلكه (مراثي دوينو):

((مراثي دوينو)، المكتوبة خلال عشر سنوات، هذه القصيدة لا تبحث عن (إثبات) لما تطرحه، لا تبرر ولا تُقنِع، إنها تملك يقينيات طفولية، و(منطقها) محشوٌّ بضبابٍ كهلٍ، منطقٌ زاهدٌ عن الظهور، وهو خلف ستار القصيدة متوحشٌ وقاتل، إن الشاعر يُلقي بيقيناته بصورة مستمرة وبكثافة (ما وراء طبيعية) بحيث تظن أنه مُلِمٌّ بكل أسرار الكون، هذه اليقينيات ليست (حِكَماً)، هي تبدو كذلك، ولكنها ليست حِكَماً بأي حال. هو يفسِّر مصير الإنسان قبل حضوره؛ أثناء؛ وبعد رحيله بشكلٍ قاطعٍ ومطلق، هو لا يستخدم الجمال الفنِّي والتعبيري فقط ليدفع بالقارئ إلى الإيمان بيقيناته _حتى ولو لحظياً_ بل تهاجم طاقةٌ يولِّدها الشعر من خلال ثقةٍ عاليةٍ تضعك أمام خيارٍ واحد. ولنعد إلى نقطة (العشر سنوات): وبمجرد التأمل في طول هذه المسافة، وكمِّ التجارب التي صُبَّت داخل قوالب حياة الشاعر وذاته؛ يتضح ببداهة أن تصنيف لحظته كـ(حالة) هو تصنيف ضعيف ومتهالك، إذ لا يمكن أن تكون هذه (الحالة) مستمرة خلال كل هذه السنوات دون أن تهدأ!، وقد قال (الجُّكُّو) معلِّقاً على ذات القصيدة بأن الشاعر قد وقع على (ثقبه) أو (حفرته) لا أذكر تحديداً، والكلمتان تحملان دلالات مكانية، السؤال الأهم: هل كان هذا الثقب (المكان) خارج ذاته؟. الأرجح أنه مكان متنقل داخل الذات، مكان أكثر خلوداً؛ حياةً من الكائن الحيّ، إذ تبدو الحياة الظاهرة في (الحركة) كدلالة حياة وتقييماً سطحياً لمسألة (الحيوية). وربما كان فعل الكتابة عبارة عن خلقٍ لأماكن أكثر خلوداً من الذات المحصورة بجسدٍ ميِّت، الجاهل لما بعد الموت. هل يمكننا أن نقول أن الأشياء الأظهر حياةً هي الأقل حياةً؟ سإذا ما اكتشفنا عمق معنى (حياة؟) ورأينا أنها أكثر من حركة أعضاء؟). انتهى.

ـــــــــــــــــــــــ

(1) (الحقول السوداء): تعبير لمحمد الصادق الحاج.

(2) الجملة بين القوسين، تصرُّف في عنوان رواية لكونديرا ، العنوان (خفَّة الكائن التي لا تُحتمل)، ومعنى العنوان لا يحمل ذات المعنى المقصود في الكتابة أعلاه.

(3) Shine فيلم أمريكي مقتبس من قصة حقيقيّة.



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

لماذا الحرب؟ - رسالة تسيغموند فرويد إلى آينيشتاين

تَرَانيم مَحموديَّة - شذرات متفرّقة في ذكرى اغتيال الأستاذ

The Beauty of the Silly - نجلاء عثمان التوم

 The Beauty of the Silly  نجلاء عثمان التوم


إلى عثمان حامد سليمان
هل يمكن تشريح الأصالة؟ هل يمكن الكشف عن شعوبها الداخلية دون مجزرة؟ أنا مدفوعة هنا بالحجب الأصيلة التي يغزلها الغناء السوداني حول نفسه فيبدو لنا أحياناً شيئاً محيراً، لامع الحيرة. عندما نتجرد من العصاب الذي نسميه الفهم، وننطلق في رحلة متحللة من كل غاية، ونستمع إلى الأغاني السودانية بأرجلنا ومصاريننا، نشعر أن الطاقة التي تتهدج في الجو هي، ولا شيء خلافها، الهوية. لكن تظل أصالة هذا الغناء شيئاً غامضاً جداً وعصياً على التعيين. ثمة إستراتيجيات، أعتقد، أيّدت هذه الجذوة التحتية. أولاً تحتجب الأصالة، في معظم الأحيان، في تمويهات هزلية تنتجها قوالب شبه ثابتة محكومة بشهوة الرجز، والطلاقة الشعبية، والنبرة العادية في الكلام. فالغناء في الأساس هو مكان التغزل في اليومي والعادي في أقرب نسخه إلى الواقع. وكلما تشبثت الأغنية بسوقيتها المعروقة، كلما تصير إلى درجة من أصالتها الصحيحة. لكن الفن هو دائماً تدخل معقَّد، فلا نجاة من سطوته، لكن التحايل عليه ممكن. فعندما تبدأ أغنية ابتهالية، فيها تسجيل لمغامرة البلاغ العشقي والوصال الكامل، بعبارة “الحج…