التخطي إلى المحتوى الرئيسي

غِلْظَةُ التَّأويلِ بالمُدْمَن




غِلْظَةُ التَّأويلِ بالمُدْمَن

مأمون التِّلب

حركة:

الفتاةُ

وهي تنظرُ من نافذةٍ

رَأَت جِلْدَهَا وقد أصبَحَ جُزءاً من إطار النَّافذة!

حليبَهَا مدهونَاً على الزُّجاج مشوِّهاً الليل أمامها،

وهي تنظرُ إلى الباب،

تَرَكَت شَعْرَها يمتدُّ ويتخلَّلُ مِقْبَضَهُ غامراً إيَّاهُ بالزَّيت ورائحة العُنُق.

عَضَّت شفتيها

سَالَ خَشَبٌ ضَعِيْفٌ

بَكَت: كُهُولةُ اليقين تفشَّت في الهواء؛

مزَّقَهَا طائرٌ أعْمَى يَتَخبَّط.

خطواتها لا تلمسُ الأرضَ ولا السَّماء

لن تُكلَّلَ بنَشَافِ بَشَرَاتِ أجدادِهَا،

حكاياتٌ مُشيَّدةٌ بالحرابِ تتقدَّمُ موكبَها

قرودٌ عشَّاق ينصبون فخاخاً رديئةً لفئرانِ غُرْفَتِها،

أصواتٌ مجهولةٌ تصبحُ شفَّافةً، لتصدِّق أجساد المكان وتخرجَ منهَا ملوَّثةً،

أمثالٌ تُضربُ لأجل هذا الحاضر المرتجف،

والأشجار ـ لأجل ذلك أيضاً ـ منحنيةً على جذورها تستخرجُ الرُّموز:

كم من خَلْقٍ حارَ واستعصى على التنفُّس وتوحَّش؟.

إدمان:

عندما يَنظُرُ الإنسانُ في المرآة

يَرَى الآخرين.

كلٌّ بملامِحِ حُبِّه يَتَسَلَّحُ

كلٌّ بملامحِ خيبتِهِ، أمامَ لغةِ الجسدِ، يتأرجح.

تَقفِزُ قطَّةٌ سوداءُ من النَّافذة

يَدْخُلُ تمساحٌ جائعٌ غَيْرَهَا

تَشْتَاقُ نُعُومَةَ الفَرْوِ

تَتَحَسَّسُ خُشُونَةَ الأنياب.

لا بأس

كُلٌّ بمرآتِهِ يُنافحُ ذاتَهُ بما كَسَبَت وما اكْتَسَبَت،

وحدَهُ خيالُ جسدِكَ في مقبرةٍ يَشهقُ دهشةً من تصرُّف قوَّتك أمامك،

كيف تنسَابُ مِن كُلِّ هذهِ الأيادِي

دُوْنَ ضَغِيْنَةٍ ولا مُوَارَبَة؟.

لا شَيء

رَمْزٌ أبجديٌّ ضَائِع.

حركة:

(ذهبْتِ وتغيَّرَ الكون، تألمتُ، وذهبتُ مباشرةً إلى سفينةٍ تقطع النَّار وكنتُ ريحَها، واحتميت بشوائب الإناء الذي تركتِهِ يتقلَّب ببرودته على يدي، كانت يدي طيناً متشقِّقاً ينبت فيه الصَّبار القليل، وكانت أحلامي تَصْغُرُ حتى تملأ ثقوبَه الخفيةَ وتنْزَلِقُ منها بمَرَحِ طفلٍ أعمَى يتحسَّس اللَّعِب.

الخطوط اللئيمةُ التي رَسَمْتِنَا بها ليلة عيدِ الكِبَار، تمدَّدَت، وعرفتُ أنني أحكي قصةَ أشخاصٍ آخرين سوانا، كنتُ حياتَهم المجهولةَ وهي تتماسك بتلك الخطوط. قُلْتِ حينَها أنكِ رسَّامة، وقلتُ لكِ أنا لوحاتُكِ التَّالفةُ الممزَّقةُ في جدول النفايات؛ الجدول الذي يصبُّ بلعناته ويصنع أخاديدَ غائرةً على فمِ النَّهر الكبير؛ النَّهر الذي يُلْقِي فيه كلُّ شيءٍ ببقاياه: ما أكَلَهُ المرضُ من لحمه، ما حَذَفَتْهُ الحروبُ من ذاكرةِ أطرافه، ما شوَّهَ بطنَهُ بالقرف، ما فَقَدَتْهُ العينُ من دموعٍ لا رجعةَ لها، ما يتصاعد من دُخَانِ خروفٍ ذُبِح، ما تَتْرُكُه النَّبْتَةُ لفَصْلٍ يجفِّفها، ما عَلَّمَتْهُ الغنيمةُ لمحارِبِي (أُحُد)، ما سَرَقَتْهُ الملائكةُ من أقدارِ البَشَر، ما تساقط من صَخْرٍ نُحِتَ، ما فَقَدَهُ الخدُّ لحظةَ الخجل، ما تسارع من ضرباتِ القلبِ وأنهى حياتَها، ما سقط من عَرَقِ الخوف، ما شذَّ من أحلامٍ تقاسَمَها أهلُ الكهفِ مع كلبهم.

ارسمينا مرةً أخرى، سأُوقظ ليلتَنا التي غنمناها بعد 30 سنةً من يوم الرسم، وسأتركها تعضُّ يدَك بقوةٍ كما فعلتِ أنت ذلك اليوم، سأخفِّفُ من عناءِ عينيكِ بهذا الفعل، سأتَّخِذُ لي هيئةَ خَطٍّ منها وأترك مكاني لوغدٍ آخرَ يشبهني، سأختاره دون أن تعرفي، ودون أن يعرف، وأزجُّ بهِ أمام جمالِكِ الكبيرِ، ليقضي حياتَه وأصبحُ أنا مُدَوِّنَ السيئات؛ مُغْفِلَ الحَسَنات، وأُشَرْبِكُ قبلتكما بظلامٍ خفيفٍ يليق بالشَّرْنَقةِ التي حبلت بكما ذات سنةٍ ضوئيَّةٍ عاشت في عينيك للحظةٍ ووَلِدَتْنِي ميِّتاً).

إدمان:

أكثرَ وَعْيَاً من تاركٍ حياتَه لطوفانٍ نائمٍ في سُرَّته،

سأقوم من موتي،

وأُسَلِّي أبناءَ الحياةِ بلحْيَةٍ محاربةٍ بالطُّول،

سيقفزون إلى حِجْرِي يتناولون قلبي ويتناوبون على إبكائه

يضحكون بدموعه المنويَّة،

يقذفون به من يدٍ إلى يد.

ثم

أقذفُ بهم إلى وجه آبائهم وأمهاتهم وأقول:

(تبَّت يدا أبي سهرٍ وقيظ، والعصر،

إنَّ أغوارَكم لفي مرآةٍ تتهدَّج).

سأغامر بوضعي كَمُوَاسٍ لاحتجاجاتهم الصغيرة ـ الأبناء ـ على أحضاني الضخمة،

سأُرَبِّيهم بما أُوْتِيتُ من غَمْرٍ سِرِّيٍّ في الموسيقى،

سأتواثَبُ من سريرٍ إلى سريرٍ أخبرُهُم بأحلامهم قبل أن يناموا،

سأستخرجُ كوابيسَهُم بسكاكينَ مائيَّةٍ وأشْرَبُها بعدَ خَلْطِهَا بدموع ربِّهم،

وأنتظر حتَّى الصَّباح.

سأقوم بهذا يومياً؛

أُدْمِنُهُم،

أدمنُ بقاءَ رغبةِ إنجابٍ في عيون البشر الطيبين.

حركة:

قيادةٌ لا غير، تَرْكَبُ في الخلفِ نظَّاراتٌ زجاجيةٌ تتواثبُ من مطبَّاتِ الأرضِ الكثيرة. في المرآةِ آلافُ الذئابِ تركضُ بهدوءٍ خلفَ العربةِ المجنَّحة، البراكين من تحتها تكحُّ بقوَّةٍ آثارَها الدُّخانية، لهيبٌ أموميٌّ يقتنصُ تحرُّكاتِ طيورٍ تحلِّقُ في السَّماءِ الممتدةِ من فوقه، لا سحب، لا شمس، لا ليل؛ بل حالةُ عناقٍ، يمكننا أن نسمِّي الوقتَ حالةَ عناقٍ أليس كذلك؟، ألا يحقُّ لسقف العربة الممزَّق أن يَضْحَكَ لجهلِهِ بتفاصيلِ العالَمِ المسجونِ داخلَه صفةً منْزُوعةً من طبيعتها لتُسْتَغلَّ لأغراضٍ (خَطِرة)؟. إن السَّقف لا يحمي مَن يجلسون تحتَه والحركةُ تصرخ، بل هو يحمي عينَ العالَم من مكامن وجه السَّائق، إذ كان الأمر بالنسبة له: قيادةٌ لا غير؛ قيادةٌ تضع التهوُّرَ والحكمةَ على حِجْرِها وتُرْضِعُهُما من ثديين حجريَّين لهما مادةٌ شَجريَّةٌ تسيلُ وتُوْدِي بحياتهما لأجل أُخُوَّةٍ غامضةٍ بينهما.

(وَصَلْنَا المكان، انزلوا، لا تنسوا الستائر، والنِّيرانَ الصغيرةَ لا تتركوها وحدها؛ ستبكي، احفروا المقاعدَ الخلفيةَ للعربة؛ ستجدون مخدراتٍ من الصنف الأخيرِ كَحَتْنَاهَا من أجنحةِ أكثرِ الملائكةِ إيماناً بلاحيلته، انبشوا الزُّجاجَ الخلفيَّ والجانبيَّ؛ ستجدون النَّظراتِ التي وَعَدْتُكُم بها قديمةً، معتَّقةً، تصلُح للشراب. وَصَلْنا الزمان، انزلوا).

سَيْرٌ لا غير، حول أسوارٍ محجَّبةٍ بذهبٍ مطليٍّ عليها؛ مسنَّنَةِ الأطرافِ تنتظر الغرسَ والتبرعم. الأشجارُ الطفيليَّةُ المتسلِّقَةُ تلبسُ الفضَّةَ وتُقَبِّل بعضها بعناقٍ مجفَّفٍ يَسْتَقِي قوَّتَهُ من نظراتِ الاحتقارِ الموجَّهةِ إليها، لا أحدَ هنا في المكانِ؛ خلف الأسوار، فقط (المكان) جالسٌ يتبادل التحديقَ مع نفسِهِ ويثرثرُ مع الهواءِ المشكِّل له. إذاً وَصَلَ الحشدُ بكآبته كلِّها ومحدوديَّةِ حُبِّهِ وسَجَدَ لـ(المكان)، نُسِفت الوِحدَة، عُزْلَةُ البكاءِ تفتَّتَت وحَالَ لونُها ليصبحَ شمسَ هذا اليومِ الغريب: سَيْرٌ مُبْتَلٌّ بعَرَقِ هذه الشَّمْس.

إدمان:

طُعْمٌ؛

صُدْفةٌ عملاقةٌ تحملُ السَّمكةَ ذاتَ الأجنحةِ نحوَ البرّ

بلهاثٍ أقرب إلى قُبَلٍ تائهةٍ للموت

كأنَّ جيشاً من حصونٍ يتكالبُ على فمها الصغير.

البحرُ كارثةُ وَجْهِهِ المتلوِّنِ حسب أعماقه.

هذه الطيور التي تمرُّ بمناقيرِها عبرَ البحر

باتِّجاهِ الحقول

مسلوبةً، ومُجَازَةً بأختامِ الرِّيحِ الحيَّة،

كيف تحمَّلَت وِزْرَ آلافِ الفزَّاعات

دون انتباهٍ

طيلةَ القرون؟

لذَّةُ المخاطرة؟، عزاء التَّدوينِ على الأجنحة؟

رقَّةُ المراوغة؟

تسريبُ الشَّكِّ عبرَ التلفُّتِ الأخضر؟

لاشيء؛

إنها حرية التَّوَهان،

وصلافةُ الخطفِ الأبديِّ لاستمرار السُّلالة.

عشقُ الأشكالِ المتحوِّرة؛ خيالُها المبتسمُ الخالد،

رهبةُ أعماقِ الحركة.

الحقلُ يبكي عليها.

وهذا الحقلُ، في صباحٍ كهذا، مصحوبٌ بقرقعةِ المصائد

مستَلٌّ من تهافتِ أقمشةِ الفزَّاعات بسهولةٍ حتميَّةٍ

هذا الحقل مخطَّطٌ، مجترٌّ بنظامِ المواسم

والشَّاحناتُ، بمللٍ قديمٍ صدئ، تقف عند أطرافه

مستعدَّةً لإثارة غبارها المستعار من أرضٍ محقونةٍ بسمادٍ كيميائيٍّ،

وكيف، طوال الحياةِ، تدمنُ مسايرةَ الفصول لتبزغ أسرارُها على اليدِ طيبةً

ليستريحَ الجرادُ من التَّخمين؟،

تهديدُ الأمطارِ وصلواتها؟،

لذَّةُ عطاءٍ غير مستحقّ؟،

لتظلَّ مأوىً لغرامياتٍ سريَّة

هل كانت الحقول أعضاءَ الأرض الجنسية، ولا ترتوي من مداعبة النموّ والقطف؟.

لاشيء؛

إنها أعضاءُ الموتى تُطلُّ من الأرضِ حقولاً مصنوعةً بمشيئةِ البشر

خوفَ تخويفِهم؛ تخرجُ بأوراقٍ،

وتَعصِفُ بحياتها مع تقلُّبِ الفصول.

هذا الحقلُ تُسعِدُهُ الفئران، جريئةً تلتفُّ بجِيْرةِ الجذور،

بحِيْرةِ التُّربة من شكلِ عيونها الدمويِّ الرهيب!.

حركة:

في الشَّارع المظلم

الكلبُ يلتفُّ حولَ جسده، محاولاً أن يقضمَ ذيلَهُ؛

الضَّوْء كَشَفَهُ بمُعَانَاةٍ، الضوءُ القادم من بابٍ فُتِحَ بقوَّةٍ،

وامرأةٌ، تتدحرج جثةُ زوجها أمام بيتها؛ أمام الكلب،

تصرخ.

يخرجُ الليل من فمها مبللاً،

يقتنص ليلَ العالم،

بيدين متَّسختين بالنُّباح؛ بملاءات السرير المتعرِّقة.

بيوتُ الشَّارع تمَّحي، تبقى ظلالها، وأشباح سكَّانها تتعانق

مَنْ يَنظرُ للسماءِ سيرى النَّوافذ معلَّقةً تنتظرُ المُنتَظِر،

سيرى الأبوابَ ترتجفُ بأثقابِ مفاتيحها، وأقفالها؛

وشتاءٌ مكيَّفٌ على بلوغ النَّشوةِ يصدر عن حديدها الصدئ.

من سوف يخبر التَّاريخ بالحدث

سوى عظامه المتبخِّرة بذاكرة التُّراب المسنّ؟.

أنظرُ إلى أسنَانِ الحَيّ، فلا أرى أَثَراً للحمي،

أنظرُ إلى السُّموم الخارجة من أجسادٍ مريضةٍ

فلا أرى وجهي يتموَّج على سطحها الشَِّائك.

كأن الحياة سيرةُ رضوضٍ تُصدِرُها الأجسام أصواتاً وسيوفَ معنىً.

انتظرتُ أن ينتهي كل هذا

الكلب ينقلب إلى الجِّهة الأخرى ليعضَّ ذيله فيعضّ أنفَ كلبٍ آخر!.

المرأة تصمت،

كل ما في الوجود يتسمَّر داخل عينها،

إنها لحظةُ وداعٍ تليق بفستانها الممزَّق

وشَيْبُهُ سيظلُّ معلَّقاً بأنفاسها الصاعدةِ والهابطة.

هذا العمر

_وما تليه من تسمياتٍ للزمان_

لا يصلح لأن يقضي إدمانه داخلَ خوفٍ هوَ مسيِّرُ كلَّ شيء

أيامها القادمات تساقَطَت أمامها مطراً أسودَ

مَحَى الكلبَ من الوجود،

محى ثيابَ زوجها المزيَّتة بأحداقها،

وأنا كنتُ أحفظُ الإيقاعَ لبيوت الشَّارع،

وأشباح سكَّانها

ليرقصوا عناقَهُم بهدوء.

إدمان:

الشمعةُ وحيدةٌ لأنها بلا حُرَّاس.

الرِّيح تغتالُها

إدمانُها في صمتِ الهواء من حولها

وما يستجدُّ من أجسادٍ تتمتَّعُ ببخلِ ضوئها.

هذه الجدرانُ تمتلكها بقوَّةِ التَّفريط الكامنة في الجَّماد

والأجسادُ الملتبسةُ في سريرٍ ضيِّقٍ تثير ظلالَها الكامنةَ في نارها

هي لا تعرف مقدار الأمنِ والسَّلام الذي تَبعَثُهُ في (حلول الظلام)؛

هي قوَّةُ الظلام مجسَّدةً في ثوبٍ يذوب بالتدريج،

كأن عينَ العالم غافلةٌ عنه،

لأن صوتَه متكوِّمٌ في انسحاب الحياة للنوم.

ياه..

عذريَّةُ الليل شمعةٌ

لا يمسّها سوى المطهّرون.

(ألـ) إدمان

(ألـ) تَخْمِينٌ مُبَاشِرٌ بين ما يَنَالُهُ العملاق ذو العين الواحدةِ

وبين مملكتِهِ التي تَغلي الآن، رافعةً رِقاع الدَّعوات العظيمة

لأصنامٍ تُنبِتُ ضَغِيْنةً يَنْظُرُ بها النَّهر للشَّمس.

مدينته يسيطرُ على شوارعها كلابٌ يتغامزون بأنوفهم،

يشمّون رغبةَ كلِّ واحدٍ في الآخر، في الفَرْو المشرَّد.

(ألـ):

تخمينُ النَّجاةِ من العاهة،

بترساناتها المكوَّمةِ على أبوَابِ الجسَدِ تتسوَّلُ الحَوَاس

إدمانُ الضَّربِ

فجوةُ الإيمائةِ لحديقةٍ تَحْتَرقُ بالجفاف.

تَوسَّعَ العالمُ في حدقةِ حجرٍ مُلقىً على كاهل شذوذٍ يعبر،

يا لهُ من لوحةٍ تَنْزِفُ أنفاسَ ألوانها وتتحجَّب بالمستقبل؛

يا له _الحجر_ رميةُ الحظِّ

على خطوط يدٍ تُعذِّبُ الماضي باسْتِحْضَارِهِ مستغرَقَاً.

شلَّةُ الأحجَار تَرْكُضُ

_مجرَّةً من الكَوَاكِبِ المُتَنَافِرَةِ بمدَارَاتها_

حولَ الأرض،

حولَ عينِ الإنسان؛

هذه (ألـ)الشَّجرة

غُصْنٌ

طائرٌ على (ألـ)غُصن،

بيضُ (ألـ)طَّائِر،

مواليدُ برج (ألـ)الطَّائرِ يتعلمونَ (ألـ)تحليق،

(ألـ)سَمَاءٌ تستغلُّ مهارةَ حَرَكَتِهِم داخلَ هوائِهَا (ألـ)مرتعش برقَّةِ تخبطاتِهِم (ألـ)أوليَّة، (ألـ)فزَّاعة تنظرُ إليهِمِ من حقولِ جُوعِهَا للتخويفِ، واحساسها بكينونةٍ تَلِيْقُ بتمزُّقِ ملابِسِهَا، ضعفُ حيلةِ (ألـ)أغصانِ يَشْتَهِي مَخَالِبَهَا (ألـ)صغيرة.

الطِّفلَةُ عند الزاويةِ تُشَاهِدُ وتبكي،

الطفلُ عند الزاويةِ يقضم فُسْتَانَهَا القديم بعُيُونِهِ ويتألَّمُ بفَمِهِ الصَّغِير،

الفقرُ يعضُّ الألمَ، يمضغ غرائبيَّة حياتِهِ في خضمِّ الجوع والابتسامةِ والظُّلم الجميل.

الطيورُ تحطُّ على دموعِ الفتاةِ وتشيِّد مستعمرات خَيَالها

الطفل يتقوَّضُ عند حدودٍ دنيا من إصغاء الخدودِ المبتلَّةِ باللعبِ،

وتخمين الضربَات

البيتُ، بيتُ العالم

التضوُّر للمجهول، وبياناتُهُ تترقرقُ من عجزها جذوراً تخترقُ جروحَ الصُّراخِ الحائم في الهواء ،

هواءٌ تتنفَّسُه الأمُّ

يتنفَّسُه بيضُ الطَّائِرِ في الماضِي.

غموضُ العالم يتعدَّى الأزهار الميّتة على عنقٍ وحيدٍ بلا جَسَد،

يتعدَّى مكالمات أطواقِ النجاة السابحة على نهرٍ جفَّ لتوِّه،

يتعدَّى إشارة الإصبع الضائعة في كوم قشٍّ مُحتَرِق.

أيةُ مؤامرةٍ سيدبرها الفأر الصغير؟ وهو يقف مقلوباً داخِلَ عَيْنِ القِطّ؟.

أية مُوَارَبةٍ تنسجها لمسةُ الحبِّ عبر آلةٍ موسيقيةٍ تكتنـز الهواء كلَّهُ لتَحْيَا؟.

هذه الأرض دائرةٌ داخلَ كلِّ ما يدور

مُحدِثةً دوَّاماتٍ من الحمَّى والصَّقِيعِ الشائخ،

وكل كائنٍ يبحث عن قوَّته في موته،

ويترنَّم بإيقاعٍ مائيٍّ شفَّاف؟.

(ألـ):

في النِّهاية، والبداية

وما بينهما نُطَفٌ مِن لقاءٍ عابرٍ ضَمَّهم وتذبذبَ في الذُّبُول.

عزيزي ميم، عزيزتي ميم

لن تعرف مدى الصعوبات التي مررت بها لأصل إلى هذه الحالة المتّزنة التي تجعلني أقف عند نافذة البيت، وأحياناً من على السقف، وأراقب تحركاتك في الظلام، في السماء المتعالية على طلاَّبها. لن تعرف مدى الإظلام الذي حاق بحدقتي السوداء أصلاً لأتمكن من مراقبة حركة شفاهك بين فينة وأخرى، وهما تنطبقان على عالمٍ من الكلمات الصامتة، غير المنطوقة، على عالمٍ من التآويل المتشابكة التي تربط السياسة بالفلسفة بعيون الأفكار الحربية وكنوز الحكايات السحرية في أيام الخسف والنسف القادمة على هذه البلاد الضلِّيلة، والدة الضليلين الذين، إن طفروا على سطح جلدها، نعلم كم اقتربت ساعة الذبح الكبرى، لحظة تتساوى مخيلة المأذنة مع أنَّةِ قبضةٍ تضربُ فكَّ حارسٍ ليليٍّ مخمورٍ يتسلَّى بأغانٍ قديمةٍ في ذاكرته المترنحة!.

عزيزي ميم، عزيزتي ميم

لا أعرف ما يمكن أن يقال في ساعةٍ كهذه، انتصافُ خفافيشٍ في الدَّم كساعاتٍ مصَّاصةٍ، وانقلابُ خنافسٍ على ظهرها وهي تضحك في ساحات القلب المخرَّقةِ بالجرائم الجماعية المُرتكبة عن قصدٍ سيء الظنّ في براءته!. ياللهول، كم تبقّى من وقت لأحصل على مصابيح غرفتك المعلَّقة بخيوطٍ عدميةٍ وأعصرها على نهديّ وأبكي بحليبي على ضوئها. هل تعرف هذا الوقت؟، يشبه تماماً الحالة المرتبكة من وقوفك لتتبوَّل في شارعٍ عام وتظهر، فجأةً، سيارة مملوئة بعائلة تتضاحك وبضوءٍ ساطع عليك!. يشبه تماماً وقوفك أمام (زبالةٍ) معروفةٍ للجميع كمكانٍ للبول العام وبجانبك شخصٌ يشاركك العمل على إخراج المياه الصفراء الجميلة بأمانٍ يكتنف قلبيكما بضرورة إنجاز العمل بإخلاص!، يشبه تماماً، وبالضبط مُطلقاً؛ أن تستدرج بَوَّالِي المكان العام للبول في الشَّارع العام المحترم، وتأتي بعوائل المدينة وتكشفون المكان بآلاف السَّيارات الفخمة والمحطَّمة، وتشعلون حفلاً من البول والأطفال والولادات القيصرية والانتشاء الآمن الزوجيّ بلا هوادة.

عزيزي ميم، عزيزتي ميم

من الذي صنع الزَّمان إن لم يكن تجويف الصدر المملوء بلحمٍ نابضٍ، حيواناً دمويِّاً شرهاً للحركة وضَخِّ الدِّماء؟، من الذي صنع المكان إن لم تكن النَّظرةُ الجَّارحة لمحتويات الهواء المسلَّح بقضبان قوس قزح؟، من هو صاحب البال الآمن، والذي يشاهد كل هذا التكوين دون إفصاحٍ عن طبيعةِ بكائه طبيعة غضبه طبيعة حنانه طبيعة يديه طبيعة أنيابه طبيعة عَرَقِه الملتهب طبيعة أغوار ثيابه الممزقة طبيعة تلقينه للرسالات؛ أعني طبيعة شفاهه طبيعة قُبَلِهِ؛ أعني طبيعة تربة رحم أمِّ حواسِّه المعطَّلة!.

قلتُ أراقب حركتك، أنقلها إلى جسدي بنظرتي، ماصَّاً رجفات الأجفان اللاإرادية، أسخِّن المغص البائن على جبينك وأشربه في الحال وأهرب من بيت أبي وأمي، أهرب من العشّ من البحر من عرين الأسودِ وأعالي الأشجار المكسَّرة بقفزات القردة من كهفٍ تمزِّقه روائح الفرائس من طاقم الأعماق الغارق في سخط نقوشٍ بدائيَّةٍ، أهربُ حامِلٌ بقلبي على أسنَّةِ المرآة.

ديسمبر 2007 – يناير 2008م

اللوحة من أعمال ماريو سانشيز

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تَرَانيم مَحموديَّة - شذرات متفرّقة في ذكرى اغتيال الأستاذ

The Beauty of the Silly - نجلاء عثمان التوم

 The Beauty of the Silly  نجلاء عثمان التوم


إلى عثمان حامد سليمان
هل يمكن تشريح الأصالة؟ هل يمكن الكشف عن شعوبها الداخلية دون مجزرة؟ أنا مدفوعة هنا بالحجب الأصيلة التي يغزلها الغناء السوداني حول نفسه فيبدو لنا أحياناً شيئاً محيراً، لامع الحيرة. عندما نتجرد من العصاب الذي نسميه الفهم، وننطلق في رحلة متحللة من كل غاية، ونستمع إلى الأغاني السودانية بأرجلنا ومصاريننا، نشعر أن الطاقة التي تتهدج في الجو هي، ولا شيء خلافها، الهوية. لكن تظل أصالة هذا الغناء شيئاً غامضاً جداً وعصياً على التعيين. ثمة إستراتيجيات، أعتقد، أيّدت هذه الجذوة التحتية. أولاً تحتجب الأصالة، في معظم الأحيان، في تمويهات هزلية تنتجها قوالب شبه ثابتة محكومة بشهوة الرجز، والطلاقة الشعبية، والنبرة العادية في الكلام. فالغناء في الأساس هو مكان التغزل في اليومي والعادي في أقرب نسخه إلى الواقع. وكلما تشبثت الأغنية بسوقيتها المعروقة، كلما تصير إلى درجة من أصالتها الصحيحة. لكن الفن هو دائماً تدخل معقَّد، فلا نجاة من سطوته، لكن التحايل عليه ممكن. فعندما تبدأ أغنية ابتهالية، فيها تسجيل لمغامرة البلاغ العشقي والوصال الكامل، بعبارة “الحج…

الجرح في القلب على مسؤولية صاحبه - فيصل محمد صالح

الجرح داخل القلب على مسئوليةِ صاحبه! بقلم الأستاذ فيصل محمد صالح
الراحل: معتصم جلابي
مقدمة طينيَّة: لم أستمتع بكتابةٍ سرديِّةٍ وشعريّةٍ في الآونة الأخيرة كما تفجَّرتُ دموعاً ومحبّةً وتذكّراً وأنا أطالع ما كتبه حبيبنا فيصل محمد صالح في حقِّ صديقه الراحل الأديب معتصم جلابي. وقد قال فيصل في نهاية الكتابة: [وبعد، إذا سبقت لك معرفة معتصم جلابي، فما أن يُذكر اسمه أمامك، حتى تضئ ابتسامة عريضة كل قسمات وجهك، دون أن تستطيع مقاومة إغرائها! لكن سرعان ما تفجعك، في اللحظة التالية، خاطرة رحيله، فتنحدر منك دمعة صغيرة تزاحم تلك الابتسامة، تحاول طردها لتحل محلها، ولكن .. هيهات!]، وقد كان، رغم أنني عرفتُ معتصم جلابي طفلاً، في الرياض بالسعوديّة، كصديقٍ مقرّب ومحبب لأمي رشيدة وأب الفاتح؛ إلا أن الذي يعرفه يُدرك، وغالباً سوف يدرك القارئ لهذا النص؛ أنه لا يكترث بالأعمار، فكان تعامله معي نديّاً وحقيقيّاً وجادّاً إلى أبعد حد، وقد كان المفضل بالنسبة لي من بين أصدقاء أسرتنا الصغيرة. وقد أصرَّ فيصل في النص أنه هجر الشعر والأدب لأنه يفتقد إلى الموهبة، وهذا لعمري إدعاءٌ مردود بذريعة هذا النص ذاته، فهو قصيدة، وهو قصة، …