التخطي إلى المحتوى الرئيسي

كتاب للصادق الرضي، كتاب لمحمد الصادق الحاج


صدر عن الدار العالمية للنشر كتاب العزيز محمد الصادق الحاج القديم الجديد (أخوات ميم.. النهلة توصد أزرقها)، كما صدر أيضاً للصديق الشاعر الصادق الرضي كتابه الذي يعتبره الأول (أقاصي) والذي يضم ثلاثة كتب من كتبه المنشورة (غناء العزلة، متاهة السلطان، أقاصي شاشة الإصغاء) فالكتب لم تنل رضى الصادق حتّى أصدرها تحت إشرافٍ صارمٍ على تحريرها وتصميمها (التصميم لمحمد الصادق الحاج بالمناسبة) مبروك.


أنقل لكم مقاطع من كتاب (أخوات ميم) و(أقاصي) لأشارككم انفعالاتي القاتلة....

محبتي الدائمة يا محمد والصادق


محمد الصادق الحاج




...فَلأَمُتْ. لأَمُتْ وحدي، محمولاً على مساماتِ سريرٍ نُسِجَ لي من وَيْلٍ بدين. ولْأَمُتْ إذَاً كما يليقُ بجريحٍ وحيدٍ أنْ يموت. وذلك الذي أغْضَبَني؟؛ ذلك الإنسان؟!، سوف لن يجدَه خَدَمُ الدَّينونةِ أبداً!. فبعدَ أن اْستوثَقْتُ لحظتَها مِنْ أنَّ الرَّقيبَ يَنْعَمُ داخلَ حمَّام المدرسة، فَتَّحْتُ أزرارَ قميصي بثباتٍ، وأنْزَلْتُ السَّحَّابَ الـجِّلْدِيَّ الـمُؤَصَّلَ في تكويني الصَّدريِّ فأحدَثَ ذلك فتحةً في حموضتي، قدَّرْتُ أنَّها تَسَعُ القَصْدَ وتزيد. قَبَضْتُ على ذراعِ المزلاج الصَّدِئِ وأدَرْتُها بحرصٍ مخافةَ تنكسرُ في يدي، وقد كان الصَّريرُ كافياً لإيقاظِ الرَّجلِ من حُمَّى الذُّهولِ بِلَوْثَةِ الخَلْقِ فِيَّ، لكنَّه بَدَا أشرسَ صدْقاً من أنْ ينجو. دفعتُ ضَلْفةَ النَّافذةِ إلى داخل صدري، وعندَمَا لمستُ الرَّجلَ بخِنْصَرِي أخذ بالتَّضاؤلِ حثيثاً حتى غاب داخل كَفِّي، وبخِفَّةٍ دَسَسْتُهُ في مياهي وأغلقْتُ عليه بالمزلاج، ثمَّ رفعتُ السَّحَّابَ ومضَيْتُ راكلاً على غير هُدَى نُعُوشاً سَمْرِيَّةً ودَهْشاتٍ مُصَنْفَرَةً بالأغاني، ثُمَّ خرجَ الرَّقيبُ من الحمَّام مُتَسَلِّلاً كالسَّارقِ تاركاً نِعْمَتَهُ تمسحُ الصُّفْرَةَ عنها بالمناديلِ تُلْقِمُها فتحةََ المرحاض، وكانت أصابعي مكلَّفَةً في تلك السَّانحةِ الوجوديَّةِ النَّادرةِ بتسليم أزرار القميص الطَّليقة إلى فتحاتها. وقبل أنْ تزولَ غِشاوةُ الهديلِ عن عينَي الرَّقيبِ فيراني، أنْبَتُّ جناحَيَّ الهائلين تسلَّقتُ الرِّيحَ رُخَّاً مريداً يبصُمُ بصرخته على مهبل الفراغِ البَانِي. «...». ذهَبَتْ نفسي، كما هو دارجٌ هناك، في المَلأِ الجَّانبيَّ من الصَّيف ـ حيث يَتَّخِذُ كَتَبَةُ ضفائرِ البَيِّناتِ الفِرْدَوْسِيَّةِ بُيُوضَ التَّماسيحِ قوالباً لتنشئةِ صفات الآدمييَّن المواليد وتعليبِها في رقائقَ حافظةٍ من جلودِ الأيَّامِ السَّاخنة، بحيث تتسَلَّمُها الأنْفُسُ القديمةُ المُسَخَّرةُ دون أن تُرْجَأَ طلباتُها كما كان يحصل لدى عهود الصِّناعات التوحيديَّةِ المنقوضة، فتَحْمِلُ النَّفْسُ من فورها ضفيرةَ الصِّفاتِ وتمضي بها إلى الخُلَقَةِ الآدميَّةِ الفارغةِ النَّيِّئةِ وتنفخها فيها ـ ذهَبَتْ نفْسي قبل أن أعرفها، وكانت متبرِّمةً قانطة. الذي حصل، أنها كانت تنتظرُ أن يُؤْذَنَ لها بإجازتها الدَّهريَّة الخامسة عندما كُلِّفَتْ بي، فقدَّمَت ورقتَها راغمةً تطلب الصَّفاتِ التي تطلبها عادةً كلّما أقبَلَت على خلقٍ جديد، وهي تثق في قدرةِ هذه الضَّفيرةِ التَّكوينيَّة على إبلاغِ الكائنِ إلى عَدَمِهِ نظيفاً سالماً. ولكنْ مِنْ قُصُورٍ في الدِّقَّةِ واْنصرافٍ عن الحدْبِ على سلامةِ التَّكوينِ، تسبَّبَ عاملُ تسليمِ الصِّفاتِ المهمِلُ في أنْ تُباغَتَ نفسي بعد مُضِيِّ أوانِ التَّعديلِ بأنَّه قد خُتِمَ عليَّ بقلبِ عنكبوتٍ، خلافاً لما كان مكتوباً على الطَّلب، إذ أنَّها ـ نفسي ـ كانت قد بيَّنَت بوضوحٍ رغبتها من أنَّها تريد لي في الموضعِ ذاته الذي حُمِّلَ بقلبِ العنكبوتِ قبضةً رصاصيَّةً مُحَلاَّةً بشريطٍ مِنْ خَوْفِ أوَّلِ ثمرةِ جَوَّافَةٍ طُبِعَتْ بالحياة، صِفَتُها جنونُ التُّرابِ الذي خَذَلَ الآدَمِيْنَ التِّسْعَةَ الفاشلين. لَكُنْتُ إذَاً آخَيْتُ بي جَوْهَرَ الطَّيَرَانِ النَّاصع!، لَكُنْتُ لَـحِقْتُ بكلِّ حَرَكَةٍ بعدَ حُدُوثِها وعرفتُ إلى أين تذهب!، لَكُنْتُ رأيتُ صورةَ النَّومِ ولمستُ صندوقَها النَّفْسِيَّ حينما تَنْدَسّ فيه عقبَ اْستيقاظي!، لَكُنْتُ أدركْتُ وِجْهَةَ الصَّوتِ تلوَ اْنقضائه وآنَسْتُ له بدناً!. والغبار؛ الغبارُ الرَّهيفُ الذي لوْ لم يكن لي قلبُ عنكبوتٍ لكان الآن يُنَزِّهُ قُرُودَهُ الجَّابرسيَّةَ في أفلاكِ ذاكرتي!، بلى، هو الغبارُ ذاتُه، هذا العالقُ بأمعاءِ صمتيَ الدَّقيقةِ مُحْتَضِنَاً ذبابَ النَّوايا المخلَّد، كنتُ، لولا غَلَطَ القِرَانِ الذي أفَاءَ عليَّ بالقلبِ الخاطئ، لا ريب سأسْقيهِ محلَباً وسجاجيدَ منسوجةً من سَهَرٍ وأيَّاماً وياقاتٍ مُنَشَّاةً بالزَّمنِ والقيامة. وَلَّا قَمْحُ السُّكون!، ذلك الوغدُ الـجَّميلُ الـجَّائر!، حامِي وُجُوهِ الفَرَاشَاتِ من يومِها التَّالي!، حاصِـرُ المكانِ في دمعة!. ذلك الـ...قَمْح!. كنتُ كَمْ سَأُسَهِّدُهُ في السَّارَّةِ الخاوِيَةِ بأعماقي، وأنتظرُ في شغفِ الطِّفلِ معجزاته، راقصاً يُخَاصِرُنِي حُسْنُهُ الشَّديدُ، ولو ستأتي نهايةُ الرَّقْصَةِ حاملةً رماحاً علينا، فقمحي ما كان ليمانع في التَّوَقُّفِ عند إحدى حافَّاتِ الطُّوَى لتناول قطعة من شهابٍ فاهمٍ، والاسترخاءِ منصتاً لانشقاق الكواركات الرَّتيبِ، وتنشيطِ النَّزِيلةِ الـجُّهَنَّمِيَّةِ في روحِهِ بنقطةٍ من مُسْتَقْطَرِ الزّجاجِ الطَّازج. «يَسْتَجْلِبُ مرقصُ الباطنِ الفضائيِّ السادسِ ثمارَ الزّجاجِ بالتَّهريبِ السَّالبِ من مشكاة النُّور المحمَّديِّ المتحجِّرة، عبر حقولٍ ساحليَّةٍ مُتْلَفَةٍ يسكنها المباشرون أصحابُ الـمِهَنِ الحُلْوَةِ، تحملها حميرٌ روائيَّةٌ حُرَّةٌ جَرَّايَةٌ إلى مخازنِ المرقصِ مخترِقةً أعمالَ الدُّنيا وصباحاتِ النَّاسِ واللِّينَ الكبيرَ الـمُتَرْجَمَ تحت كلماتِ المطهر المرَّة». هه...، ولي قلبُ عنكبوتٍ لكنْ، فَرَكْلَةٌ وحسب، هي ما اْستَحَقَّ هذا الهواء النَّزيه، ولأَمُتْ، مثلما للمستحيلِ أن يفعَلَ، صَمَدَاً في غابة الغياب.


الصادق الرضي
بئر الأحاجي
(عن كتاب أقاصي للصادق الرضي)


(1)

كلُّ شَيْءٍ محطَّمٌ سلفاً

ضوءٌ تكسِّره على فمكَ، ماءٌ

كلّه تَطْوِيهِ وتبقيه على التميمةْ

هل جمرةٌ تقطعُ خيطَ العنقِ المتدلي بصوتِ الوقتْ

تقشِّر ُالنورَ قصاصاتِ مرايا وصُنُوجْ

وهل واسعٌ كلُّ هذا الخرابِ ولا تصلحُ الريحُ إلاِّ لكنسه

لِمَسْحِ سطوته بإعادته ـ حقاً ـ لسطوته، واسعاً

عبر ثقب إبرةٍ، تنظمُ الرِّيحَ، ذاتَها

باتجاه الخرابِ الكثيفِ

بخيطِ

الظَّلامْ؟.

هل وَجَدْتُكَ تُصغي وتُرْزِمُ

من كائنٍ فيكَ، ثم صيَّرتَني وخرجتَ إليَّ

من الهيكلِ الكائنِ والأرض التي

تخلقها أنت حقاً بخطوتك الساكرة؟!.

هل أقولُ لكَ السرَّ

أُخْرِجُ بئرَ الأحاجي التي تتأكَّد فيها خطوطُكَ مرميَّةً

لتعيد لَيَّ الشَّيء

في قامةِ الظِّلالِ الجريحة

وهي تسير بيننا لتصيرَ غاباتٍ

وأناشيد من الأعالي للنقيض؟!.

كلُّ

شَيْءٍ

محطَّمٌ

من سقوفٍ ومَهَاوٍ

من الكهوفِ والأقبيِة من كرسيِّ السُّلطانِ والخندق

كؤوس المريسةِ وآلات الطَّربِ من شوارعَ وشبابيكْ

حتى هياكل الكائناتِ في الذاكرة حتى جواهرَ الكوكبِ

والتعب اليوميّ..

من سَلَفٍ

كلُّ

شَيْءٍ

محطَّمٌ والظلامْ.

(2)

ليقولَ، يكفي أن يفرِّغَ صوتَه من النُّعاسِ

ويمضي بخفَّةِ شمعةٍ

أو نجمةٍ

وحدها بقيتْ

تمشِّط الغرفةَ كلّها

أو تَنْقُضُ الفضاء.

هي

إبرةٌ تطرِّزُ صمتَه

هذه المرآةُ، بصبرِهِ ونَفَاذِهَا في العين

وهو

سلطانٌ يكابدُ صُدْفَةً ما

يجالدُ السُّلْطةَ بكأسِ القطرانِ

ليصرخ تكفي عناكبُ أصدقُ من صمتِها

أو جنادبُ ميتةٌ ـ حقَّاً

أو ضفادعُ ـ بالكادِ ـ تكفي

ليبكي

لتبقى بغرفته نجمةٌ وحيدةٌ

أو شمعةٌ

لفضاءِ دمعته.

وهي تُرْهِفُ جِلْدَتَها

حدَّ تَسقط بالقاعِ

من الكأسِ

هذه المرآةُ/ هذا الضَّوءُ

هل تجرحُ/ هل يضمِّدُ ذاكرةَ التي،

وهي تذهبُ في العين ـ تذهبُ في مَائِهِ؟.

أين أبْصَرْتِنِي

يا التي تسيرُ بضَوْءِ الشُّرْفةِ وتجلسُ على قمرِ الجيرانْ

لماذا خرجتِ إلى النور وبعدُ لم نخلقِ الطائرَ الذي ينطقه

وصعدتِ

إلى جبل الصُّدْفَةِ

قبل أن يحدثَ غفرانٌ

أو تَجِيءَ خيوطٌ

تعيدُ لكِ اللَّعنةَ الأبديَّةَ

في الليلِ الزائلِ والنهارِ المغسولِ بليلٍ آخرَ

من وقتٍ تمشينَ عليه

إلى الشَّرفةِ والجيرانْ؟.

لا عفواً

كنتُ وراءَ الصُّدْفَةِ

نفسي ورائي ولي فوانيسُ أراكْ!.

كنتُ أقصى دهاليزِ المملكةِ

أُلملمُ زكائبَ البصيرةِ

على عكَّازِ الحسِّ

أرتِّبُ بداهاتٍ لا تَصْلُحُ إلا للخَرْقِ

وكنتِ دانيةً

تحسَبينَ كلَّ طرفةِ عينٍ تُقَرِّبُ

وتغفلينَ عن رعشاتِ الأصابع

وتهدُّج الأنفاس بالقربِ

من كثافة الظلمة!.

(كُلّ هذا الوصف

من جسد لاتِّساعِ العين ـ فيها

من رغبةٍ في امتلاك الرؤيا

ونَسْفِ السَّردِ وتوابع الاستطراد).

(3)

فجوةٌ

من الماضي، ثُقْبٌ

مبلَّلٌ بأصواتِ الرَّياحين، جرحُ

اللون،

كُلّها

عناصرُ

المفاجأةِ الأولى

لإدراك البُعْدِ عن توقُّع النُّبُوءَة!.

وها.. أنا أدهنُ ما تبقَّى لديَّ من الأعراس بما تبقَّى منها، لتسطعَ وردةُ أحزاني بما لا يُقَاسُ من الرَّهَافَةِ والحنان، أُخَبِّئُ تحت سُورِ السَّهوِ كَنْزَ تشرُّدي في متاهات اللَّغةِ وأقبيةِ الشرودِ

أُغطِّي

كلَّ شَيْءٍ

باحتمالٍ آخَرَ

وأُعْطِي للمعنى هباءاتٍ لا تُحْصَى كمن يُفْسِحُ

للظِّلِّ مساحةً ويتركُ الضَّوءَ واقفاً مِثْلَهُ

أجعلُ الجُّرْحَ يَبْرَأُ بالغرغرينة، ولا أتركُ لأيِّ صَوْتٍ

سوى اعترافِهِ بالفراغ.

أما النُّبُوْءَةُ التي جعلَتْني أتسوَّلُ السَّلْوى فَمِنْ

فتوحاتٍ رَمَتْني/ بأضدادها تُعْرَفُ وهي التي تجعلُ

من نفسِها صُدْفةً قَبْلَ أن يَحْدُثَ الإشراقُ

وتَصْدُفُ المعرفةُ وتَصْطَفُّ الملائكةُ لاختبارٍ

سَلَفَتْ مَحَابِرُهُ في اْلْتِقَاطِ العِبْرِ والعِظَاتْ.

هكذا لا أراني في لباسِ اليقين

إلاِّ

أُعَرِّي

كلِّ شَيْءٍ

من احتمالِهِ

وأعيدُ لنفسي يقيناً عميقاً بقراءةِ الأشياءِ من

قلبِ اللُّغَة/ تلك التي تعطي لك الأشياءَ من عمقٍ

سحيقٍ في البشاشةِ/ بالمعنى، تُعْطِيكَ مِنْ كُلِّ ما تَمْنَعُ

حتى لََتُصَرِّفُ أنت الأشياءَ نَفْسَهَا كأنَّكَ تقرأُ من نفسِك.

أُبْصِرُ

لكنِّي مفتونٌ بتيهٍ مظلمٍ في مكانٍ بعيدٍ

عن العالمِ، عنه أُعَبِّئُ ذاكرتي بالحلازينِ

أفتحُهُ كمكانٍ قصيٍّ على أقربِ نقطةٍ

للتَّلاشي

لأناديكِ

مفتونٌ بفجاجِ الماضي وبَلَلِ الأصواتِ، بجروحِ اللَّوُنِ

والثقوبِ لأدْعُوَكِ، لأنَّكِ من عنصرِ المفاجأةِ، لأنني من قصيِّ

... ما سَيُقْبِلُ.

(4)

كُلُّ شَيْءٍ مُحَطَّمٌ

سلفاً. وأنتَ حين تَشْرَعُ في الاستيقاظ

لا تدرِكُ عُمْقَ الصرخةِ حَقَّاً، لَصِنْوُكَ

ذاكَ الذي يتألَّمُ في مكانٍ بعيدٍ، يحاولُ ينهضُ،

كُلُّ شَيْءٍ مُحَطَّمٌ خَلْفَهُ وأمامَكَ سلفاً. في

الظَّلامِ ـ مكانِ النُّورِ تُحَدِّقُ، نَبِّهْ ظِلَّكَ النائمَ

اْحْصِدِ الفَرَاشَاتِ التي تَلْفُظُها الأحلامُ

اْنْقُضْ دَوائِرَ السَّلاسَةْ، خُطُوطِ التَّوهُّجِ

لا تحترسْ.

المكانُ

الجديدُ ـ البعيدُ هو الصُّدْفَََةُ التي تخطِّطُها ولا وقتَ يملأُ الفَرَاغَ،

بالحُجُرَاتِ المهجورةِ تحسبُ الأيامَ؛

بالعناكبِ الثَّاكلةِ والجرذانِ المريضةِ والضِفْدَعِ الميِّتِ تَوَّاً وهو يَبْحَثُ عن حياةٍ عميقةٍ بالجِّوَارِ السِّرِّيِّ تُشَخْبِطُ في حطامِ الموقِدِ بِبُودْرَةِ السَّلاحِفِ سِحْرِ الثعابينِ التي

قَضَتْ لتعودَ في الممالكِ المفقودةِ بحكمةِ الذي لن يَجِيء،

بِصَبْرِ الدُّودَةِ تُحْكِمُ الإِصْغَاءَ للصُّوَرِ التي تُرعِبُ، وتغنِّي مثلَ ذئبٍ

جريحٍ للأعالي؛ للولائمِ المسمومةِ والنُّورِ الشَّحيحْ.

أين كانت كُلُّ هذه الدَّمَامِلُ؛ كيف صاَر لها لَذْعُ الخَمْرِ في الجَّوفِ الملتهب، ومن أين تأتي صُّورُ الطُّفولةِ، كيف كُلُّ هذي القُرَى تَسْكُنُ رائحةَ البَولِ التي تأتي عميقاً مُشَرَّبةٌ بها رُوَثُ البَهائِمِ، كيف تبدو دفعةً واحدةً تتكشَّفُ مخلوطةً بِلُهاثِ المرأةِ الأولى: على حائطِ الحمَّامِ تُسْنِدُهَا، تَشُمُّ لُزُوجَةَ العَرَقِ وتُدْنِيكَ، لماذا كُلُّ هذا الشَّوكِ يطلُبُ خُطْوَةً موسومةً بالتِّيهِ، كيف تُوْلِجُ، كيف تُنْضِجُهَا، لأيِّ قِطَافْ؟، هِيَ الحَرْقُ الذي حَدَثَ أين الثُّقْب؟.

يَبْقَى كُلُّ هذا الليلِ، تَبْقَى خِبْرَةٌ الرَّائي ولا تهتمّ ما يَحْتَرِسُونَ، كُلُّهُ مٌحَطَّمٌ سَلَفَاُ أيْنَهُ الفَانُوسُ الصَّدِئ؟.

هَاتِ الإبريقَ واْغْتَسِلْ من اللَّذَّةِ السَّالفة. اِبْتَدِرْ شَمساً تخصُّكَ بحَدْسِ الصَّرخةِ التي توقظُ صِنْوَكَ، ذاك الذي يتحرَّقُ منها عميقاً بمكانٍ بعيدٍ،

تحاولُ تنهضُ لكنَّه يَتْبَعُ ـ من ثُقْبِهِ ـ صرخةَ المرأةِ

تَصْفَحُ لكنَّها لن تعود...

تُغَطِّي بِصَبْرِكَ

كُلَّ هذا اللَّيلِ بالحبرِ

تغطِّي كُلَّ هذا الكونِ

باللَّيلِ، تغطِّي نجمةً بَقِيَتْ

تُغَطِّي

كُلَّ هذا الكَوْنِ

حتى جِئْتَ تُغَطِّي ظِلَّه.

كُلَّ

هذا

اللَّيلِ

تمنحُهُ الحطَامْ!.

(5)

الغابةُ في البِئْرِ تَخشُّ:

من القمرِ هَارِبٌ جَدْوَلُ ماءٍ صَافٍ

وَرَاءَ الشَّجَرِ العاري الذي يكسو حديقةَ

الماضي ويجعلُ الغَابَةَ أقْرَبَ من قِرْشٍ

بعيدٍ لا يُرَى في البِئْرِ

تجعلُ مِنْ ذِكْرَى لقائِنا نقطةً عميقةً

يتلاشَى فيها عالمُ الرَّغْبَةِ،

فيهِ تُجْهَضُ أَبْكَارُ الأَماني.

والتَّعَرُّفُ بالظِّلالِ العَذْبَةِ من تلاويحِ الخناجرِ

بُحَّةُ الصَّمْتِ الذى يُشْعِلُ كُلَّ شَيْءٍ

في حُطَامٍ تَسْطَعُ الأَشْياءُ مِنْهُ

كَأَنَّه عيدٌ ويُعْلَنُ كي يَعودُ/ لأيَّ شَيْءْ؟!.

الغَابَةُ ـ السِّرُّ الذي يحملُ الأماني

وتحمِلُهُ الفضيحةُ أو خَوْفُها

تأتي إليك بكلِّ هذا القُطْنِ

والسِّيرةِ التي تُرْعِشُ الشَّفَةَ العَطِنَةْ

مُقَدِّمةً كأسَ الموقفِ

من عُسْرِ التَّفَاهُمِ حَوْلَ ذِكْرَى.

غَابَةٌ تأتي من البِئْرِ التي ـ في دمعةٍ ـ تغرق، من ضَوْءٍ.

ويأتي شارعُ الغابةِ والماضي

على كوبِ شايٍ أو تبادُلِ أغنياتْ

تأتي ميادينُ المدينةِ؛

كُلُّها،

في هذه اللَّحْظَةِ

لكن، كيف تأتينَ سافِرةً

من الموتِ العديدِ إلى صَمْتٍ أثيرٍ

بين صَوْتِ البَرْقِ في المَطَرِ المفاجِئِ

أين أدْعُوكِ لِكَهْفٍ

نُرَتِّبُهُ على هذا الخرابْ؟!.

أنا

أُصَدِّقُ كُلَّ هذا الموتِ

من أجْلِ أَنْ أَلْمَحَ

النَّجْمَةَ

التي

تَحْفَظُ

لَمْعَةَ دهشتي

حين وُلِدْت.

ذاك يعني إِنَّ هذا العُمُرَ

أَرْهَفُ من فَرَاشةٍ تأكلُها النَّارُ

أو يَسْحَقُهَا العبيرُ

أَدَقُّ من سَمِّ إبرَةِ النَّهْدِ الذي لم يَشْهَدِ

اللَّعْقَ كثيراً

ذاك يُوْحِي

بالتَّقَعُّرِ تَحْتَ سِنِّ النُّورِ

بالحُلُمِ بالأشْيَاءِ ناصِعَةً وراءَ اللِّيلِ

يعني إِنَّ هذا الجُرْحَ أَبْرَأَُ

من طَعْنَةِ العُمُرِ.

اخْرُجِي من جحيمِ المعجزاتِ والتَّفَرُّدِ نادمةً

لن يَعُودَ اْتِّسّاخُ المرايا دليلَ اْنْسِجامٍ

يعودُ الحُطَامُ، بلا لعنةٍ

ليقولَ أكْثَرَ من نعيمٍ لا يُقَدَّسْ.




تعليقات

  1. "محمد الصادق الرضي"

    أو لنشقى بالقراءة

    الله يسامحك يا مأمون

    ردحذف
  2. Hi!! Your blog are very nice and more info. I hope follow my blog and please click my google ads.

    ردحذف
  3. مندهشة انا من كل هذا الابداع
    مشكلة هذا الزمن الغير جميل اننا نعثر في مثل هذه النصوص بالصدفه .. ويا لها من صدفة حميله

    اعجبتني المدونه والنص

    دمت بكل الادب الصادق الرضي وتسلم علي اختيارك تلب

    صافي الود

    ردحذف
  4. ياسلام ي أ\ الصادق

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تَرَانيم مَحموديَّة - شذرات متفرّقة في ذكرى اغتيال الأستاذ

The Beauty of the Silly - نجلاء عثمان التوم

 The Beauty of the Silly  نجلاء عثمان التوم


إلى عثمان حامد سليمان
هل يمكن تشريح الأصالة؟ هل يمكن الكشف عن شعوبها الداخلية دون مجزرة؟ أنا مدفوعة هنا بالحجب الأصيلة التي يغزلها الغناء السوداني حول نفسه فيبدو لنا أحياناً شيئاً محيراً، لامع الحيرة. عندما نتجرد من العصاب الذي نسميه الفهم، وننطلق في رحلة متحللة من كل غاية، ونستمع إلى الأغاني السودانية بأرجلنا ومصاريننا، نشعر أن الطاقة التي تتهدج في الجو هي، ولا شيء خلافها، الهوية. لكن تظل أصالة هذا الغناء شيئاً غامضاً جداً وعصياً على التعيين. ثمة إستراتيجيات، أعتقد، أيّدت هذه الجذوة التحتية. أولاً تحتجب الأصالة، في معظم الأحيان، في تمويهات هزلية تنتجها قوالب شبه ثابتة محكومة بشهوة الرجز، والطلاقة الشعبية، والنبرة العادية في الكلام. فالغناء في الأساس هو مكان التغزل في اليومي والعادي في أقرب نسخه إلى الواقع. وكلما تشبثت الأغنية بسوقيتها المعروقة، كلما تصير إلى درجة من أصالتها الصحيحة. لكن الفن هو دائماً تدخل معقَّد، فلا نجاة من سطوته، لكن التحايل عليه ممكن. فعندما تبدأ أغنية ابتهالية، فيها تسجيل لمغامرة البلاغ العشقي والوصال الكامل، بعبارة “الحج…

الجرح في القلب على مسؤولية صاحبه - فيصل محمد صالح

الجرح داخل القلب على مسئوليةِ صاحبه! بقلم الأستاذ فيصل محمد صالح
الراحل: معتصم جلابي
مقدمة طينيَّة: لم أستمتع بكتابةٍ سرديِّةٍ وشعريّةٍ في الآونة الأخيرة كما تفجَّرتُ دموعاً ومحبّةً وتذكّراً وأنا أطالع ما كتبه حبيبنا فيصل محمد صالح في حقِّ صديقه الراحل الأديب معتصم جلابي. وقد قال فيصل في نهاية الكتابة: [وبعد، إذا سبقت لك معرفة معتصم جلابي، فما أن يُذكر اسمه أمامك، حتى تضئ ابتسامة عريضة كل قسمات وجهك، دون أن تستطيع مقاومة إغرائها! لكن سرعان ما تفجعك، في اللحظة التالية، خاطرة رحيله، فتنحدر منك دمعة صغيرة تزاحم تلك الابتسامة، تحاول طردها لتحل محلها، ولكن .. هيهات!]، وقد كان، رغم أنني عرفتُ معتصم جلابي طفلاً، في الرياض بالسعوديّة، كصديقٍ مقرّب ومحبب لأمي رشيدة وأب الفاتح؛ إلا أن الذي يعرفه يُدرك، وغالباً سوف يدرك القارئ لهذا النص؛ أنه لا يكترث بالأعمار، فكان تعامله معي نديّاً وحقيقيّاً وجادّاً إلى أبعد حد، وقد كان المفضل بالنسبة لي من بين أصدقاء أسرتنا الصغيرة. وقد أصرَّ فيصل في النص أنه هجر الشعر والأدب لأنه يفتقد إلى الموهبة، وهذا لعمري إدعاءٌ مردود بذريعة هذا النص ذاته، فهو قصيدة، وهو قصة، …