التخطي إلى المحتوى الرئيسي

تنقيب الظلام


نقطتان ناريّتان

بين أرضٍ غارقةٍ وبلابل تحتدم

مأمون التلب




صورة لصفحة من كتاب (الفردوس المفقود)







(1)

نقطتان انفجرتا في الوجود، والذي يبدو من موقعي الذي أُجلستُ فيه منذ ذلك اليوم؛ يوم انفجر المركزان، مملاً وقاتلاً؛ عملياً هادئاً كارثيّاً من شدّة تعوّد العين والجلد والخيال عليه. وكأن البشرية تَعِدُ، منذ ذلك اليوم، أنها ستصمد بنارها الملتهبة أمام جليد العالم الرّاكض بقوّةٍ، جيوشاً نظمتها مؤسسات ودول لا يطرف لها قلب. وكأن البشرية تختار أن تمثّل بجسدها، بقدراته المحدودة، تنفض أعضاءه السطحية كفزّاعةٍ محدودةِ التخويف، وتقول: ها هي الحياة تخرج منّا، خارقة مليئة بالمجهول والحُمّى. يا هادية، كنت سأصرخ، كما صرخ سيد صوصل لسعاد ماسي قبل سنوات في مسرح قاعة الصداقة من المقاعد الخلفية: يا سعاااااد. فقالت له، بهدوءٍ منزليّ: (أيوه). صَرَخَ كأنه يردم هوّةً بين الحياة والموت: أنا بحبك يا سعااااااد.

(2)

"هيرمَان بِلْ" يجلس أمام بوّابةٍ نوبيّة ليوقّع على كتابِهِ الوليد في ذلك اليوم، الحدث الأول من بين الحدثين، من اقتنوا الكتاب يقفون في صفّ طويل، رأيت الصحراء من خلفهم، ورأيت مملكةً غارقةً تُؤكّد وجودَ قارّةٍ غارقةٍ في المحيط الأطلنطي، والذي سُمّي عليها، (أطلانتس). لا أدري كيف احتمل شعب السودان هذه الجريمة التاريخيّة التي تمّت بناءً على اتّفاقيّةٍ موقّعةٍ على ورق؟. تُلامِسُ قلبي دمويّة المقارنةِ بين الورق والجدران التي انتصبت في بيوت حلفا القديمة، معلنةً عن شعبٍ كاملٍ من الفنانين التشكيليين، شعبٌ يتقن، أيضاً، فنّ الابتسام والرقص البحريّ. إن كان للنيل منبعٌ الآن، فهو ينبع من حرارةِ الألوان التي غَرِقتْ في جوفه. والتماسيح المنقوشة على الجدران، قطعاً، هي التي توالدت من بعد مُشكِّلةً عائلة التماسيح الباقية ببطن النيل.

لم أصدّق عينيّ وأنا أراقب الصور المتناثرة في صفحات كتاب (الفردوس الفقود) الذي كتبه وصوّره هرمان بِلْ، قبل عام 1964م، عام الهجرة. الهجرة؟ قل الإبادة الجماعية لمجموع خيالٍ وبصمات ذكرياتٍ محفورةٍ في ذلك المكان الذي اهتدت فيه البشرية لتشييد حضارةٍ كانت من الممكن أن تُسمّي السودان سوداناً، بجانب بقيّة الحضارات السودانية التي أُبيدت بالحروب في شماله وجنوبه وشرقه وغربه، حضارات أُبيدت فقط لأن جماعةً ظنّت، آثمةً، أنها الأسمى والأحق بتقرير مصير الجدران والبيوت والعمدان والنيران التي كان من المفترض أن تُضرم لإضاءةِ ليالٍ كثيرةٍ، وولادتٍ كانت أحقَّ بأن تُغسل بمياه النيل قريباً من بيوتها، أفواهٍ لم تُقبّل أرضاً لحظةَ صلاتها، وخيانات طيّبةٍ تملأ الحياة حبّاً مُجرماً وضليلا. هذه الجماعة لا زالت تظنّ، وتستحوذ: كيف أستطيع، الآن، أن أقول بأن هنالك مكاناً اسمه السودان، بعد أن شاهدت صور هرمان بيل؟.

لقد انتابت السودان موجة من التهجير إلى قاع الأرض، تهجير كل شيءٍ لصالح شراكاتٍ (قيل وطنية، وبضع عالمية) ومع دولٍ لا تُفكِّر إلا بأحقيتها الاقتصادية بتغيير وجهه، هذا السودان، وبنهب ممتلكاته البشرية، وفي المقابل يمكن أن يقدّموا لنا _بدعمهم السخي_ عمرو خالد (هل أقول أستاذاً أم داعيةً) ليزيدنا بلّة انفصالٍ وانفصامٍ شخصيٍّ على طين آذاننا المُغلقةَ من صرخات إنساننا المشرد، المهزوم، المُقتلع، المحروق؛ صرخاتٌ مترددةٌ منذ مئات السنوات.


هيرمان بل تصوير طلال عفيفي


(3)

هل نسيت بشير عبّاس؟. الحدث الثاني؟، ما يُؤكِّد الفن، وما يمحوه؟. لقد بكيت، بكينا. احتفالٌ ببلادٍ غارقةٍ لا بدّ أن يُخرج أثقاله بفرحٍ مُهدىً للبنات (كما قالت نجلاء التوم) البلابل. دخل بشير عبّاس، عرّاب البلابل، إلى المسرح الدائري بقلبه كلّه. البنات انتبهن لوجوده وهنّ يغنّين أغنيةً نوبيّةً، قفزن من المسرح وخيطٌ من الدمع يقهر الجاذبيّة الأرضية يخرج منهن ملتحماً مع دموع بشير التي انتبهت ليوم نُضوبها عندما رأت البلابل يركضن، دون أن يتوقفن من الرقص، باتجاهها. غطّت أجنحة البلابل السماء، النّازفة شوقاً، داخل بشير، ولم تترك فيها شبراً بلا ظلّ مُحرّقٍ بالدموع.

أيتها الرياح المسكينة التي لم تعبر، ذلك اليوم، مسرح النوبة. أيها الجزء المظلم من القمر لقد فوّتَّ اليوم، أيتها الشمس المسكينة التي رأت، مراراً وتكراراً، أهوال السودان، أهوال الأحياء الزّاحفين في سوقنا العربيّ، حياة العطش والقهر والجهل والتجاهل وعدم الحياء. لقد فوّتِّ الليل أيتها الشمس، على الأقل كان من الممكن أن تَضربي موعد خسوفٍ مع القمر، على الأقل، لتنطفئي بنيران البلابل.

البلابل تصوير طلال عفيفي

(4)

البشرية بَنَتْ صرحاً من الأصوات.

أتخيل اللحظة التي استمع فيها الإنسان لصوته!. صوت الطبيعة من حوله كان موجوداً، وكان مجرّد حيوانٍ يصرخ ألماً وخوفاً؛ هذا الاختراع الخارق أخرجه من مأذقٍ كونيٍّ خطير: أن ينظر في عيون شيءٍ خارجه دون أن يُسمعه صوت خوفه وألمه المحفور عميقاً بداخله؛ تلك العصور الكارثية لم تختلف كثيراً، وإنما تنقّلت الأسلحة وتحوّلت لتُضرم نار التعوّد في الإنسان. احترقوا، وأصبحوا يسيرون بملابس مشتعلةٍ وشَعرٍ حَرِيْقِيٍّ، ويسلّمون على بعضهم البعض في الشوارع، ولا يتذكرون فزع سماع الصوت المفهوم لأول مرة. بالتأكيد عَرِفَ الإنسان أنواعاً من التواصل اللغويّ غير الصوت؛ لقد كان مجرّد النظر يعني شيئاً، كما هو الآن (ولكنه خفيّ). إلا أن سوء التفاهم، على ما أعتقد، هو الذي دفعهم للبحث عن صِيَغٍ محكمةٍ ليحاكموا بها بعضهم. ولكنهم لم يَفطِنوا إلى أن سوء التفاهم، بوجود "الإحكام" سيتحوّل إلى حقيقةٍ خفيّة؛ أعني أنه سيتوسّع ليصبح الحقيقة المطلقة. الآن، يعتقد البعض أن العالم والبشر والمجتمعات يختلفون عن بعضهم البعض!، أن أديانهم وثقافاتهم وسياساتهم واقتصادياتهم (لغاتهم؟) تجعلهم مختلفين!. يا لهول سوء التفاهم!. دائماً ما نسمع تلك النغمة المكررة عن (لقد أوّلت حديثي، لم أكن أقصد ذلك، لقد حرّفت المعنى، إنهم يتلاعبون بالنصوص، العيب ليس في النظرية وإنما في التطبيق إنهم مجرّد انتهازيين مندسّين)!. من يخبرني: كيف يكون زمان بلا انتهازيين، نظريةٍ بدونهم؛ بمجرد وجود البشر سيكون الانتهازيون حاضرين. كيف ستنجوا الأفكار الجماعية منهم؟ ما دامت جماعية، ما دام للأفكار أعداء؟.

من كتاب الفردوس المفقود


(5)

تَدَرَّج سوء الفهم ليصبح حقيقة الفكر البشري المطلقة، بينما كان القصد أن يتخلّصوا منه باللغة. هل لذلك نَبَع الفن؟. عندما اخترقت اللغة مجال البشرية كانت نوعاً من أنواع الفن العديدة؛ الرسم الهيروغلوفي والحروف والنحو...إلخ. عندما استطاع البشر أن يستخدموها _اللغة_ بتلك الصور السطحية والجافّة (أتذكر الورقة التي سُلِّمت لتجار الأكشاك بسوق أمدرمان تقول: نرجو إزالة "المخالفة" خلال 24 ساعة!! كلمة "المخالفة" بكل جمالها ومعناها الأعمق تتحوّل إلى "مخالفة" بقدرة قادر) عندما استطاع البشر أن يقدموا على جريمتهم تلك، عادة اللغة إلى أصلها الحيواني: الفن.

خرج الشعر عن مألوفه منذ آلاف السنوات، ولم يستطع أن يكتفي بوجوده المباشر؛ أن يعبّر عن تلك الأفكار الجماعية ويجمّلها، أن يقتات على فُتات التصفيق والاستيعاب. لقد تَغَمَّض واخترق النفس البشرية الحقيقية؛ القديمة الجاهلة الخائفة؛ التي سَمِعت الصوت لأول مرة، والتي كانت، من قبل، تتخاطب بالنظرة. نلمح تجريداً في الآثار والنقوش القديمة، ويأتي البعض في هذا الزمان ليسميه (حداثةً) زوراً وبهتاناً، يسميه تجريداً زوراً وبهتاناً (حتى أن القائمين على المؤتمر الصحفي الثقافي في الحزب الشيوعي السوداني قالوا _معرفين الفن التشكيلي الملتزم_ أنهم سيعرضون اللوحات المفهومة؛ ذات المعنى؛ والمرتبطة، يا للهول، بشعار المؤتمر العام للحزب الشيوعي السوداني). كنا نتمايل بالمعنى المتدفق من حناجر البلابل بينما يغنين باللغة (النوبية). نحن لا نفقه شيئاً من أمر تلك اللغة، ولكنها، بموسيقاها الداخلية؛ وبموسيقى أرواح البلابل الداخلية، فكّت شفراتها، نفضت عنها إرث البشرية، بسوء تفاهمه المستمر، وانتقلت لمرحلتها الحيوانية: الفن.

(اتْبَلْبَلْنَا وعُمنَا).

(6)

لأول مرة: اللغة عندما سُمعت، النار عندما أَحْرَقَت، البحر عندما أغرقَ، الحيوان لحظة افتَرَسَ، البشري عندما قبَّلَ، الآلة الموسيقيّة عندما بانت في الخيال، الرئة لحظة تنفّست، الطعام عندما تملَّح، السيرةُ عندما كُتبت، العنكبوت عندما أفرزت خيطاً، الجلد عندما سَمِعَ الغناء، المرأة لحظَة حَمِلَت، الحصان يحسّ بالراكب في ظهره، الجماجم عندما تعرَّت، الصراخ عندما ارتدَّ صدىً، عندما جلس أحدهم داخل كهفٍ. لأوّل مرة: من رأى الكابوس، من أحبّ حلماً، من قَتَلَ، من نهشته الغيرة، من تجمّل بالمكياج، من سار على الحبل، من سَرَقَ، من فكّر في الدولة، من خَرَق النظام، من شوّه وجهه بالنار، من لَمِس الشامة، من توحّم، من تخيّل السلك الشائك، من اصطاد السمكة، من رأى الأسد، من صنع السوط، من من من من من من من من من من...... من؟.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تَرَانيم مَحموديَّة - شذرات متفرّقة في ذكرى اغتيال الأستاذ

The Beauty of the Silly - نجلاء عثمان التوم

 The Beauty of the Silly  نجلاء عثمان التوم


إلى عثمان حامد سليمان
هل يمكن تشريح الأصالة؟ هل يمكن الكشف عن شعوبها الداخلية دون مجزرة؟ أنا مدفوعة هنا بالحجب الأصيلة التي يغزلها الغناء السوداني حول نفسه فيبدو لنا أحياناً شيئاً محيراً، لامع الحيرة. عندما نتجرد من العصاب الذي نسميه الفهم، وننطلق في رحلة متحللة من كل غاية، ونستمع إلى الأغاني السودانية بأرجلنا ومصاريننا، نشعر أن الطاقة التي تتهدج في الجو هي، ولا شيء خلافها، الهوية. لكن تظل أصالة هذا الغناء شيئاً غامضاً جداً وعصياً على التعيين. ثمة إستراتيجيات، أعتقد، أيّدت هذه الجذوة التحتية. أولاً تحتجب الأصالة، في معظم الأحيان، في تمويهات هزلية تنتجها قوالب شبه ثابتة محكومة بشهوة الرجز، والطلاقة الشعبية، والنبرة العادية في الكلام. فالغناء في الأساس هو مكان التغزل في اليومي والعادي في أقرب نسخه إلى الواقع. وكلما تشبثت الأغنية بسوقيتها المعروقة، كلما تصير إلى درجة من أصالتها الصحيحة. لكن الفن هو دائماً تدخل معقَّد، فلا نجاة من سطوته، لكن التحايل عليه ممكن. فعندما تبدأ أغنية ابتهالية، فيها تسجيل لمغامرة البلاغ العشقي والوصال الكامل، بعبارة “الحج…

تنقيباتُ الجنوبيّ

تنقيب الظلام