التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجنونُ مُجتاحاً بهِ

الجنونُ مُجتاحاً بهِ

مأمون التلب




إلى وحيد، حفيظ، جِيْ، أنس، أفّه. هذا المقال ذاكرة حوارات دارت بيننا، حياة عاركناها في الدمازين، ومناطق داخلية لا علاقة لها لا بالمكان، ولا بالزمان.

(1)

ظهر لنا، من مكان مجهول ومن وجهة غامضة، في منتصف الشارع تماماً، حمارٌ مريض بجسدٍ مُخرَّطٍ بالقروح، أبيض شاحب يقترب من انتماءٍ رماديّ، ولا يهتمّ مثقال ذرَّةٍ باقتراب سيارتنا من جسده المُعترض، بل لا يهتمّ باقتراب أية سيارةٍ أخرى. يا ترى ما به؟.

اللامبالاة التي يعاني منها الحمار المريض _يقولون_ تُحلُّ بسبيلين، الأول يؤدي إلى الثاني؛ بمعنى أن السبيل الأول، وهو تعبيريٌّ لحدٍّ ما، هو تحدّيه المختلّ والجميل لحقّ الحيوانات الحديدية بالمرور على شوارعها الخاصّة، وهو إشارةٌ تؤدي للسبيل الثاني وهو الإزعاج (ربما الألم) الذي سيسببه لأفراد قسم الشرطة الطرفية من المدينة في ليلةٍ قريبةٍ جدّاً، سينتحر الحمار، كما انتحرت حميرٌ منبوذةٌ كثيرة، أمام قسم الشرطة، يرقد أمامهم حتّى يموت!. سألت: والشرطة لا تقتله؟ (كنت أفكّر في القتل الرحيم) قيل: لا، إنهم ينتظرون موته بصبرٍ جلوساً على الكراسي، ثم ينقلونه بعيداً ليتحلّل في الهواء الطلق لمدينة الدمازين.

كلما مرّ أمامي حمارٌ انتبهت لجمال عينيه (ربما نذكر جمال عيون الأبقار أيضاً)، أعني أن هذا الجمال تحديداً لا يُرى، سيخفق قلب الجميع إن شاهدوا غزالاً محبوساً في قفصٍ من شدّة التأثر بجمال عينيه، ولكن الحمار مبتذلٌ جدّاً، منذ صوته حتّى ظهره الحمّال ليل نهار، إنه المُعَاشر المتواصل للبشر، فهل يمكننا أن نلمح في تصرّف حمارنا المريض ظاهرةً ثوريّة؟، هل لأنه قابلهم بجماله كلّه، وبقوّته كلّها، وكان تسليةً لا بأس بها لطفولات أبناءٍ كُثر؟ أم لأن الليل فَتَنه، وغموض أضواء السيارات الضاربة على جراحه لتكشفها، وانحراف الحضارة أمام بهاء تقرّحاته، كسرُ عينِ الحضارةِ أمام أغلى كائناتها الحديديّة (السيارات) أمام أغلى كائنات الطبيعةِ (الحمير)، فهما يشتركان في العبوديّة الفظّة لنقل الكائن البشريّ، ولنقل ما خَرَج من ذهنه: ما يأكله، ما يشربه، ما يزرعه، ما يخترعه....إلخ.

لقد برقت هذه الثنائيات في ذهني وأنا أشاهد انحرافنا أمام تكبّر الحمار، وأشارت إلى جوهرٍ ما، يكمن في مدن النيل الأزرق البعيدة (الدمازين، الروصيرص) وفي أريافهما البعيدة، هذه الفرصة التي انكبّت أمامي ولم أترك من جسدها شيئاً حتّى نهشته، وتلذذت بدماء خياله. أعني الحيوان البشري المتخفّي، جنونه، جنون حضارته.

(2)

ظلّت تشغل بالي الازدواجية، ربما التناقض، الذي تزخر به العديد من الروايات العالمية والمحلية عندما تلج تلك المنطقة الخطرة من التفكير الإنساني في مستقبله وتاريخ كوكبه: الحضارة واكتساحها، بل أحقيّة اكتساحها، وربما أشفق أحياناً على بعض المحاولات النوستالجيّة الحزينة للكتاب، وهم يتحدّثون عن آثار الماضي التي تُمحى، دون شفقةٍ، من قبل الأشكال الحِرباويّة للتجار!. أصبحنا لا نستطيع التمييز، حقيقةً: من هو التّاجر؟، لقد أصبح التاجر جزءاً أساسياً من الكيان البشريّ، وكأنه عضو إنسانيّ جديد أضيف إلى قائمة الأعضاء الطبيعية. فإن لم تكن تاجراً، فإن هذا الشخص التجاري القابع في أعماق البشرية منذ بدايتها يبدء في الصراخ عبر طُرق تفكيرك في كل شيء، حتى فيما يتعلّق بأمور الاعتقاد والحب والصداقة. هل التاجر بشع؟!، أطلقنا هذه التقييمات الأخلاقية على العديد من (الغرائز؟) الطبيعية في بداية مواجهتنا لها بطرقٍ عديدة: الغريزة الجنسية، غريزة الموت (كما يسميها فرويد) غريزة البقاء. وأعتقد، ربما، أن الغرائز البشريّة _المصنفة كغرائز أساسية والتي ولدت معه في جزئه الحيواني_ تحتمل أن يكون لها توابع أخرى؛ غرائز أخرى، مع دخول البشرية في منطقة التعامل كبشر: بمعنى أن المحاولات المستمرة للتخلص من ذلك (الحيوان الجميل الموجود داخل كل بشري) لم تتوقّف، وكانت الأخلاق والأفكار الثورية والأديان لهذا الحيوان بالمرصاد، جميعها، حتى السياسة شاركت في دحره (يساريّة ويمينية، شمالية جنوبية شرقية غربية..إلخ) بناءً على طلب الجمهور، ذلك الحيوان المخيف الذي لم يتبقّى له سوى غزو التفكير الداخلي السريّ الذي يخجل كل بشريّ من اطلاع الآخرين عليه، التاريخ السريّ للتفكير. في حالة إزاحة الستار عنه فجأة، لاقتتل الجميع، أو لتوقّف الجميع عن الحياة مكتفين بتراكض الحيوان في متاحف أخزافهم المنحوت عليها عباراة السموّ والخير والجمال.

لا أريد أن يظن القراء بأنني أفتري كذباً حول هزيمة الحيوان، فهزيمة أمّةٍ ما لا تعني إبادتها من الوجود، وإنما إذلالها. الحيوان تمّ إذلاله، وأصبح يطلّ من العيون، بطرقٍ حزينةٍ جداً ومكسورة كشبحِ بيتٍ هجرته أسرة الميّت، فإن تجرّأ وأطلّ بقوّته كلها من خلال شخصٍ مُغامر، فسيجد أمامه مجموعة لا بأس بها من الجُمل والعبارات والنظرات والمؤسسات والشركات والدول وتواريخ بطولات المقتولين لأجل هزيمته، سيجد المجموعة النّادرة أمامه.

أتذكر قصة الكلب المروية داخل كتاب (خُزي) للروائي الجنوب إفريقي (كويتزي)، حيث يتذكّر ديفيد، الشخصية المحورية للكتاب، أن كان لجيرانهم كلباً لا يستيطع التحكّم في شهوته الجنسية، فأينما وجد أنثى كان مصدر إحراجٍ كثيفٍ لأصحابه، فأصبحوا يضربونه (والعهدة على قوانين الضرب التاريخية في مواجهة الحيوان البشري) كلما ثارت شهوته، وكما جاء في النص (احتار الكلب في أمرهِ، ولم يعد يعرف كيف يتصرّف. وأصبح كلما شمَّ رائحة كلبةٍ تراقص حول الحديقة وأذناه متراخيتان بين قوائمه، يشم، محاولاً أن يختبئ)!. تحلل الشخصية هذا المشهد قائلةً: (لقد كان في المشهد شيء على جانب شديد من الخسّة أثار قنوطي. إن الإنسان، كما رأيت، يمكن أن يعاقب كلباً لأنه سبّب أذى، كأن يمضغ الخفّ. والكلب يقبل حكم العدالة في هذا المجال: الضرب مقابل المضغ. أما الشهوة الجنسية فأمر آخر. لا حيوانَ يقبل حكماً بالعقاب لأنه يتّبع غرائزه). تردّ عليه ابنته، شخصية أخرى في الرواية، _كما أتوقّع أن ردّها السؤاليّ دار في ذهن بعض قراء هذه الكتابة_ قائلةً: (إذن أنت ترى أنه يجب أن يُسمح للذكور أن يتبعوا غرائزهم بدون أي ضابط؟ أهذه هي الأخلاق؟). يجيب: (لا، هذه ليست الأخلاق. إن الجانب الخسيس هو أن الكلب المسكين قد بدأ يكره طبيعته. لم يعد بحاجةٍ إلى أن يُضرَب، فقد أصبح لديه استعدادٌ لمعاقبة نفسه. هنا بات من الأفضل رميه بالرصاص). تقول ابنته: (أو خَصْيه). فيقول: (ربما. لكني من أعمق أعماقي أعتقد أنه ربما كان يفضّل أن يُقتل. لعله كان يفضِّل هذا على الخيارات التي قُدِّمت له: من ناحية، أن يُنكرَ طبيعته، ومن ناحيةٍ أخرى، أن يُمضي البقية الباقية من حياته يقطع أرض غرفة الجلوس جيئةً وذهاباً، يتنهّد ويشمَّ القطة ويزداد بدانة).

لا تتوقف مرافعة كويتزي، أو ديفيد، عند هذا الحد، مرافعة لا أراها دفاعاً أو انتصاراً أو حرباً من أجل الشهوة مثلاً، فقد تجاوز الأدب هذه الثنائيات منذ أمدٍ بعيد، حيث لا يكون الكاتب محارباً أو مدافعاً، وإنما عميقاً في تعبيره وخياله حول الأشياء، لا وجود للخطأ والصواب!. ديفيد هذا أستاذ الشعر والأدب الجامعي، متّهم في قضية تحرّش جنسي على تلميذته في الكلية، فيُدخله ذلك في حيّز (الخزي) الصارم، عنوان الرواية، والقضية في حقيقتها ليست قضية تحرّش، وإنما علاقة متوترة بين الرفض والقبول بالنسبة للفتاة، علاقة حبٍّ عاصفة تدخلها أطراف أخرى (حبيب الفتاة، أسرتها، المعلّمين، وطبعاً المدافعات السطحيات عن حقوق النساء). عليكم بقراءة الرواية.. ما يهمنا هو تحويل ابنته مسار الحديث لتعود له لحادثة التحرّش، مُداخلةً الأمر مع خطبة (الكلب)، فهو لم يدافع عن نفسه أمام مجلس محاسبة الكليّة، وكان المعلمين مُحرجين أمام سخط منظمات حقوق المرأة والصحافة والإعلام. طلبوا منه أن يعتذر فرفض وتمسّك بالاعتراف فقط. فُصل من الجامعة، واعتبرت لوسي، ابنته، أن أباها أصبح كبش فداءٍ لزملائه المعلّمين ليتخلّصوا من حرجهم. فقال لها: (أعتقد أن وصف كبش الفداء ليس الوصف الأمثل. كان تقديم كبش الفداء فعالاً حين كان لا يزال ينطوي على طاقة دينية. كانت آثام المدينة تُحَمَّلُ على ظهر كبشٍ ومن ثمّ يُطرَد، وتصبح المدينة نظيفة. (....) فجأة أصبح تنظيف المدينة يتمّ يدون عونٍ من الإله. وبات مطلوباً أفعال حقيقيّة بدل الإيحاء الرمزي. ثمّ وُلِدَ الرقيب، بالمعنى الروماني. أصبحت كلمة (الحذر) هي كلمة السرّ: حَذَر. الكلّ من الكلّ. واستُبدِلَ التنظيف بالتخلّص من الأعضاء غير المرغوب فيها).

يمكننا أن نقرأ أيضاً من رواية (جامع العوالم) لإيليّا ترويانوف هذا المقطع القريب: (من رواية جامع العوالم: (دعوني أقول لكم: الذي ابتدع العقاب لم يُميِّز في يومٍ من الأيام بين الذكاء والغباوة. لأن لا سوط في الدنيا يستطيع أن أن يمنعك من سلوك الطريق التي يدفعك إليها قلبك دفعاً. عندما يطغى الخوف أو القنوط أو الحنق أو الشوق على الأفكار، التي هي أهم ومن شأنها أن تميّز بين الأشياء، فإنك تفعل ما يمليه عليك قلبك، حتى وإن انتظرك كلّ عذاب الدنيا والآخرة. إن من اخترع العقاب كان لا يعلم إلأا الشيء القليل عن القيمة البشرية).

(3)

حسن، وإن تراجع هذا الحيوان، افتراضاً، وتمت هزيمته بطرقٍ عديدة (ولا أقول أن وجوده قد ألغي، فبديهة وجود الجسد البشري بشعره الكثيف وعيونه الحادّة تكفي دليلاً)، فإننا نعتمد على المبدء البسيط القائل بأن الطاقة لا تُفنى ولا تستحدث، أي أنه موجودٌ بطرقٍ شتّى، وإن ابتعد عن الدائرة التي اجتهد البشري بابتعاده عنها (دائرة التملّك، والجسد، الخوف، والغيرة...إلخ)، مالذي يمكن أن يحدث؟!، إن قارنا الأمر بالحرية التي تحدثت عنها في كتابةٍ بعنوان (قيود مقنّعة) فإنها (فِي الحَقِيْقَةِ لَيْسَتْ رِحْلَةً لِلبَحْثِ عَنْ الحُريَّة، وإنَّمَا اكْتِشَافٌ دَائِمٌ لِلقُيُودْ الخَفِيَّة، القُيُود المُتَنَكرِّةِ عَلَى شَكْلِ أَجْنِحَةٍ وسَمَاوَاتٍ بِلا حُدُوْد). لا جهد يذهب هباءً ولا طاقة تتبدّد، حتّى وإن اعتبر البشريّ أن فعله بلا فائدة، عبثيّ، لا معنىً له، فإنه يؤثر (سلباً وإيجاباً، وحتّى خارج الرسالة التي أراد أن يرسلها الفاعل) على العالم. أنت، لتتحرر، فإنك تبحث عن القيود الكامنة داخل كل حرية، والحريّات مراحل و(خُشُوم بيوت).

اتذكّر قصّةً تملك أن تخرجني من مأزق التعبير، كما هو معلوم للأغلبية فإنني مصابٌ برعبين رافقني الأول منذ الطفولة، والثاني تنامى مؤخراً؛ الأول خوفي من الكلاب، والثاني من الحشرات. وكما يفعل البشر عادةً عندما يلتقون بزميلٍ لهم في الخوف، تحدثت مع صديق مرعوبٍ من الكلاب مثلي، وحكى لي عن نصيحةٍ مُنيَ بها ليتخلّص من خوفه، قال له أحدهم: (إن هاجمك الكلب، فاركض نحوه ولا تتوقّف!)، بالتأكيد كان صديقي غبيّاً لدرجة تصديقه أن الكلاب واحد، وإنها لا تختلف أبداً، فأنت عندما تخاف شيئاً تراه ككتلةٍ واحدةٍ، وتعبّر عنه عادةً بكلمةٍ واحدة، وأنت، بالتأكيد، لن تريد أن تدخل في تفاصيل وعادات الشيء المخيف. من بعيد، يمكنك أن ترى مشهد صديقي يركض باتّجاه الكلب، والكلب كذلك يركض باتّجاه صديقي، عندما اقتربا بصورةٍ تقارب قُربَ التّقبيل، أثارا عاصفةً غباريّة هائلة بحكّ أقدامهما واستخدامها كفرامل على التراب، وإذا بك ترى كلاً منهما يركض في اتّجاهٍ معاكسٍ للآخر.

أعتقد أن مسألة الحيوان قد توضّحت تماماً.

(4)

هذه الحضارة الزائفة التي تُغطّي وجه مدننا، الحضارة المقصورة على اللبس والتكنولوجيا القادمة من شركات لا تؤمن، حقيقةً، بكل الأيقونات التي تستفيد منها في إعلاناتها التجارية (الشركات عابرة القارات التي تمتدح الديانة والعادات والتقاليد على حسب أغلبيتها السكّانية في البلد الذي تبيع فيه منتجاتها، أو القضايا التي تدعمها على حسب الموضة _مثل موضة التعددية في السودان_ حتى لتعتقد أنك في مواجهة كائنٍ يظنّ، جازماً، بسذاجة الشعوب)، كذلك تقوم هذه الشركات بدعم الفعاليات الاجتماعية المشحونة بشراً، بغض النظر عن الفائدة الفعلية التي تتلقاها الجماهير (لا ننسى طبعاً فِرَق النِكات التي ستنتصب أمام العلامة التجارية للشركة).

تراجع الحيوان على حساب التّاجر، واستخدم التاجر في حربه ضدّ الحيوان جميع السبل والقوانين والأسلحة بلا هوادة، ذات الأدوات استخدمها التاجر لتضخيم مساحته داخل الضمير والجسد والفعل الإنساني، كان فعل حربٍ وتغذيّة (كما هو حال الحروب دائماً، تبيد وتغذّي مستفيدين مجهولين يبيعون سِلَعَ الحرب)، واستند هذا الصراع في الأساس إلى تكوين قاعدةٍ أخلاقيّةٍ صلبةٍ لما يُعرف بـ(تكويم الثروات)، على حساب أن يكون المُكوّم (ظاهرياً على الأقل) بعيداً عن الحيوانيّة التي جعلها المجتمع البشري أدنى أشكال التردّي الأخلاقي، حتّى أصبحت أسماء بعض الحيوانات سبّةً يمكن أن ينتج عنها اشتباكٌ في الشوارع العامّة.

لم يقتصر الأمر على الثروات فقط؛ وإنما طال الصراع الحيواني التجاري حدود الفقراء، حتّى جعلهم متمسّكين بفقرهم بصورةٍ مريبة، وهي صورة التغاضي الأعمى عن عجائب الثروات الأسطورية التي يحظى بها البعض، (مشكّلةً أجساداً أسمنتيّةً هائلة الطول)، مقابل شعاراتٍ تملأ الطرقات (أحياناً تحت شعار "تهذيب الذوق العام") القناعة كنزٌ لا يفنى!. _بينما لا نرى شعارات من قبيل (كلمة حقٍّ في وجه حاكمٍ ظالم) ملصقة في الطرقات!_. يقنع الفقير بفقره طالما أنه بعيدٌ عن الحيوان، فإن اقترب منها أحدهم، دهسوه بكل ما يملكون من قوّة، لأنه يمثّل النموذج الأفظع والأسوء من التّاجر مكوّم الثروات (المادية والمعنوية والقيميّة)، فقوة المجتمع لا تظهر إلا في مواجهة الحيوان، بينما كسب التّاجر الجولة، وارتفعت أفاعيله إلى المستوى المطلوب من الإعفاء الأخلاقي. لذلك لا أعتقد أن ظواهر الاعتداء على الأطفال وتشويه وجوه النساء جاءت من العدم.

(5)

أخلص إلى النقطة الجوهرية في هذا المقال، أن الانتباهة التي حدثت في الذهن التجاري سوَّدته على الجميع، على كل شيء، وهي الانتقال من المرحلة العملية إلى الدخول في جسد الحيوان، مثلما يدخل الجنّ في الجسد البشريّ؛ أي أنه انتبه إلى الحيوان المسكين المُبعد، المكروه والمدان دائماًن انتبه إلى أنه أصبح معزولاً ولا يجد طريقاً للعودة للحياة البشرية ليخرج طاقته التي لا تفنى ولا تستحدث. وعندما أقول أن التاجر لَبِس الحيوان، أعني أنه انتبه للفراغ العاطفي الذي أحدثه إغراق الحيوان داخل الإنسان، واستهدف العاطفة البشرية. دعونا ندخل في الأمثلة على استغلال التاجر الحيوانيّ للعاطفة البشرية:

(أ)

قبل مدّة، بدأت تسجيلات الهلال والمريخ أمام بوابة الاتحاد العام لكرة القدم، والذي يقع، مباشرةً، أمام مبنى مكاتبنا بشارع البلدية (كلكم تعرفونه طبعاً) فنبع سوق كالبركان وسط الهتافات والعرق، سوق يتجوّل بين المشجعين والمختصمين؛ وسط الصراخ والترقّب والانتظار؛ انتظار الجماهير، على مدى أسابيع، أمام البوابة في انتظار إعلان نتائج التسجيلات؛ نَبَعت ستتات الشاي الغريبات عن المكان، نبع أشخاصٌ يأتون منذ الصباح الباكر، يحملون جوّالات زرقاء وحمراء، يخرجون من بطنها أعلاماً وشعارات، قبعات شعارية، فنيلات. هؤلاء ليسوا هم التجار الحقيقيّن، ولكن المصانع التي تنتج هذه الشعارات والأعلام، ولكن المخططين الذين من الممكن أن يكونوا مشجعين للفريق الآخر، ولكن رجال الأعمال...إلخ.

(ب)

لا يتعلق الأمر بالأحداث السعيدة فقط، لكنه، كذلك، بالأحداث المأساوية. لقد أصبحت حرب غزّة مادّة جيدّة لبعض المؤسسات والمحلات الصغيرة لتروّج عن نفسها!. علّقت إحدى المطاعم في الخرطوم قماشةً بالأحمر والأصفر تدعم بها أهل غزّة، وتحت شعرات التنديد كُتب: ألذّ شاورما في العالم!!.

(ج)

(إن كنت تحب الرسول (ص) فأرسل رسالةً في الرقم التالي.. مشروع...إلخ) قرأت هذه العبارة إعلاناً عن مشروعٍ لتجميع الصلوات عن طريق الرسائل القصيرة!، وقلت: أليست الرسالة أقصر عندما يصلّي فردٌ لوحده دون حساب؟، قالوا: يريدون أن يثبتوا لبقية المسلمين (على شكل: نحن أكتر شعب بيحب النبي) عن طريق صفعهم برقمٍ فلكيّ!.

(د)

فُتحَ سوق جديد عندما كثرت ظاهرة الحجاب بين الفتيات، أيضاً، نبتت محلات تجارية تضع على لافتاتها أسماءً إيمانيّة تحتكر بها قيمة العفّة والنقاء (العاطفيّتان) بالإشارة إلى: تعال واشتري العفة والنقاء من هنا. لقد أصبحت هنالك سلسلة محلات تُدعى: (للزيّ الشرعيّ)، دون انتباهٍ، ولو قليلاً، للاختلافات الحادة بين المذاهب والملل الدينية حول: ما هو الزيّ الشرعيّ، وكيف يكون؟. لا يهمنا هنا الحوار الديني بقدر ما يهمنا الإشارة إلى سطو التاجر، والذي يسعى في نهاية الأمر إلى الربح وليس لإصلاح المجتمع، على الحيوان العاطفيّ داخل الإنسان.

(6)

إذاً، لا يبدو الحيوان غرائزياً تماماً، وإنما عاطفياً بحتاً؛ فالمفكّات والصواميل والمسامير العاطفية (فالرغبة، الاندفاع، التهوّر، الغضب، الحب...إلخ) تتحكم بماكينة الغريزة الضخمة. الآن، ها هي غريزةٌ جديدةٌ أمامكم أيها البشر: التّاجر.

وها هو الحيوان الحقيقيّ، مريضاً، بظهرٍ قرّحته سياط الأخلاق والقوانين، ليستبعد تماماً من وجوده في كلّ شيء؛ في الفن، الأدب، الموسيقى، الحديث اليوميّ، النظرة، لسلطة...إلخ. لذلك تعرفون لماذا ذكرت الحمار في أوّل المقال: لأنه مثّل لي ذلك المُبعد الذي يقف في وجه الحضارة الحديديّة، بكامل جمال عينيه، بكمال حزنه المتقرّح، ليذهب، في النهاية، للمنطقة النائية التي تنتحر فيها الحمير. ينتحر فيها الحيوان الداخلي للبشري، تاركاً جثّته للصقور التّاجرة تقتات على لحمه القديم.


اللوحة من أعمال إيقور مايزكيوتش

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تَرَانيم مَحموديَّة - شذرات متفرّقة في ذكرى اغتيال الأستاذ

The Beauty of the Silly - نجلاء عثمان التوم

 The Beauty of the Silly  نجلاء عثمان التوم


إلى عثمان حامد سليمان
هل يمكن تشريح الأصالة؟ هل يمكن الكشف عن شعوبها الداخلية دون مجزرة؟ أنا مدفوعة هنا بالحجب الأصيلة التي يغزلها الغناء السوداني حول نفسه فيبدو لنا أحياناً شيئاً محيراً، لامع الحيرة. عندما نتجرد من العصاب الذي نسميه الفهم، وننطلق في رحلة متحللة من كل غاية، ونستمع إلى الأغاني السودانية بأرجلنا ومصاريننا، نشعر أن الطاقة التي تتهدج في الجو هي، ولا شيء خلافها، الهوية. لكن تظل أصالة هذا الغناء شيئاً غامضاً جداً وعصياً على التعيين. ثمة إستراتيجيات، أعتقد، أيّدت هذه الجذوة التحتية. أولاً تحتجب الأصالة، في معظم الأحيان، في تمويهات هزلية تنتجها قوالب شبه ثابتة محكومة بشهوة الرجز، والطلاقة الشعبية، والنبرة العادية في الكلام. فالغناء في الأساس هو مكان التغزل في اليومي والعادي في أقرب نسخه إلى الواقع. وكلما تشبثت الأغنية بسوقيتها المعروقة، كلما تصير إلى درجة من أصالتها الصحيحة. لكن الفن هو دائماً تدخل معقَّد، فلا نجاة من سطوته، لكن التحايل عليه ممكن. فعندما تبدأ أغنية ابتهالية، فيها تسجيل لمغامرة البلاغ العشقي والوصال الكامل، بعبارة “الحج…

تنقيباتُ الجنوبيّ

تنقيب الظلام