التخطي إلى المحتوى الرئيسي

نسيان العالم - مأمون التلب

نسيان العالم
بمناسبة اليوم العالمي للشعر 21 مارس 



إلى رشيدة حبيب الله، أمي
أيضاً أسماء عثمان الشيخ

(هؤلاء الشعراء سيولدون. وعندما تنتهي عبودية المرأة المطلقة، وحينما تكون المرأة قادرةً على أن تعيش لذاتها وبذاتها، وعندما تنال حرّيتها من الرجل – البغيض لحد الآن – سوف تكون شاعرةً هي الأخرى.؟ ولسوف تكتشف المجهول، فهل تكون عوالمُ أفكارها مختلفةً عن عوالم أفكارنا؟ سوف تكتشف أشياء غريبة، لا يمكن سبر غورها، أشياء مرعبة وشهيّة، أشياء سوف نتبناها، سوف نفهمها).
رامبو – رسالة الرائي

(1)
ما هي عوالم الأفكار؟. نستطيع أن نتصوّر، ونؤمن، بوجود عوالم أخرى،يمكن للبشريّ أن يرتادها، وربما كانت الفنون، والشعر بمناسبة سنويّته، باباً يؤدي إلى هناك. ولكن أليس هنالك فارقاً ضئيلاً بين العوالم و(عوالم الأفكر)؟ أي المكان الذي تعيش فيه الأفكار، وملامح الزمان الذي يغطّي جسدها  ويُرجفها، يجعلها حيّةً فاعلةً ومؤثّرة: عالم الشعر.
(2)
يبحث الشعر عن شراسةٍ ما تكمن في مقاومة عوالم الأفكار للإنكشاف والوضوح، الشراسة التي تصل إلى حدّ أن تكون عوالم الأفكار مختلفةً عن عالمنا اختلاف نوع، ولكنه ليس نوعاً ماديّاً، بل نوعاً (منطقيّاً وقانونيّاً)، أي أن القوانين التي تحكم عالمنا، والمنطق المطلوب من كل حركةٍ وفعلٍ وقرارٍ يتّخذه الكائن (التبرير)؛ هؤلاء، نُسفوا بطبيعة عوالم الأفكار: كأن يهبط إنسان على سطح القمر دون مزوِّدٍ أوكسيجينيّ: سينفجر.
(3)
يعتمد الشعر في وجوده على ذاك الإنفجار، إن حاجته لـ(لقانون ومنطق الواقع) تكمن في (انفجاره)، وكلما كان دويّ الإنفجار عالياً (أي أن تكون عوالم أفكار الشاعر في أشدّ رفضها لما يمنحه الواقع، بسهولةٍ، من مجازات وتعبيرات جاهزة ومُعلَّبة، مزينة بشرائط الحلوى، بل ما يمنحه الواقع من تجارب سطّحها تراث البشرية بمعادلاتٍ جاهزةٍ لحل المعضلات)، عالياً داخل الجملة الشعرية، كلما كانت إصابتها أَمْضَى.
إذاً اختلاف التجربة، اختلاف مادّتها هو الأصل في الشعر؛ أعني التجربة في الحياة، وليس أحْزن من أن ترى شاعراً يُعاصر في حياته أحداث يوميّة عاديّة، بالأصح: يفشل في تحويل كل ما هو عاديٌّ، في عينيه، إلى بابٍ يُخرجه إلى العالم الحقيقيّ، الواقع المسمّى زوراً: خيالاً. ويخرج من الوهم المسمّى بهتاناً: واقعاً.
هل، لذلك، قال حسن أبو كدوك، وسط دوّامات الحوارات الشعرية والحياتيّة التي تدور بيننا منذ زمنٍ قصير، أن الشعراء سيظلون مراهقين قليلي الأدب. ولن تردعهم مصدّات البشرية المُرصعة بكلماتٍ مثل: الخيانة، الأخلاق...إلخ: ما يَجِب. وفي حواراتنا أشار حسن إلى جهةٍ ما، مُلَخِّصاً الفارق الحضاري الذي بيننا وبين الأمم المتقدّمة (والتي ستظلّ مهيمنةً علينا طالما ظللنا نواجهها بأوهام صلابة القلوب ونقائها): "إنهم، ومنذ الثامنة عشر من عمرهم يُطلقوا مُتحرّرين بلا قيودٍ ليكتشفوا تضاريس الكون بلا خططٍ مسبقةٍ من قبل أهلهم أو من أخرجوهم لهذا الكون". سفر داخلي، خارجي.
(5)
وكيف يكون الكائن منتمياً لأحدٍ وهو الذي لم يختر أحداً؟، لقد أنجبوه لأن إثنان اتّفقا أنهما يحبّان الأطفال، أو لأن إثنان لم يكونوا حذرين بما فيه الكفاية. حسنٌ، أستطيع أن أتفهّم الفكرة التي ترتكز على الصرف المادي والعاطفي الذي يُغرقون به الكائن المولود وعلاقة ذلك بانصياعه الدائم لمنجبيه وعوائلهم (التي ربما تكون عريضةً جداً)، وهي تشبه تماماً الجهد الذي يبذله الشاعر في تعلّم اللغة والقواعد، الكتابة على الورق أو على جهاز كمبيوتر، التدقيق والتشكيل والنشر والعلاقة مع الناشر والصحف بهيئات تحريرها، والدولة بمقصّاتها الرهيبة، المجتمع بأخلاقه وعيونه التي تتابع كلّ ذرةٍ تطير في الهواء ومآل تلك الذرّة واخواتها؛ كل هذا يشبه الصرف المادي والعاطفي "المتمثّل في هَرِي الكَبِد وغليان الدّم": كيف يكون الكائن منتمياً إلى أحد؟ مكان أو زمان؟ إن الكائن منتمٍ (إن كان من انتماء) إلى أنه بشريّ، إنسان، تزينه الأخطاء بكل جمال، ويمشي عارضاً ضُعفه ونقصانه بكل هيبةٍ ووقار.
(6)
ولماذا ذكر رامبو، في المقطع أعلاه، الشاعرات دون غيرهم؟ المرأة الشاعرة؟، لأنها تشبه تماماً عوالم الافكر، أعني هي ذاتها، بوجودها، وليست المرأة وحدها بل كل المَرفوضين بطبيعتهم: المُهانون عرقيّاً، المثليين...إلخ. أعني تماماً أنه عالم مجهول شعريّاً، لم يُعبَّر عنه ولم يُرى، يجب علينا أن نُصعق ونحن نمرّ على تعبيرات الكاتبة فرجينيا وولف التي لن تراها عين رجل إلا في حالةٍ واحدة: أن يحرر الرجل المرأة الكامنة فيه. والرجل المقصود هنا هو الرجل الشاعر. ببساطة:
1- الكتابة أنثى داخلية لم تتحرر: وتعبير أنثى هنا لا يحمل معنىً جنسيّ، وإنما يشير إلى عالمٍ منسيّ، غير مرئيّ، مباركٌ بغموضه وبعده عن تصوّرات الشاعر (ذكراً كان أم أنثى)، عالمٌ مَرَّدَهُ الإنسان بإقصائه، باعتباره مكاناً محرّماً، عالمٌ حُجِّب وأغلقت عليه كل الجدران، وعُجنت داخله كل المواد المُجمِّدة
2- الأنثى كتابة خارجية لم تتحرر: ويا ويلكم من الجمال عندما (يحدث) التحرير، حتى ولو كان تحريراً لحظيّاً. أعني أن التحرير اللحظي يحدث كلّ يوم، داخل كل أنثى؛ في التصور والخيال والرغبة.
(7)
أما الصورة الحقيقيّة والنهائية للفن، الشعر، الكتابة، الموسيقى، الرسم...إلخ، فهي صورةٌ يوميّةٌ لا تدري كيف بعدها يرتضي شاعر أن تقترب كتابته من أيةِ كتابةٍ أخرى دون أن يقتل نفسه: الولادة. إن الكائن المولود لا يشبه أحداً في شكله، بصمته، جيناته، سلوكه، شَعْرِهِ، أنفه، رائحته، مستقبله، شرِّه، خيرهِ، قواميس لُغته المتبدّلة، خرائط شعوره، أسمال دواخله المبلّلة بجراح تجاربه الجدّ شخصية؛ المحرجة.
(8)
ولا زلت في سنوات الكلاب لغونتر غراس مُنصعقٌ، وإنني أرى الفنان يختار الحياة الفنانة، أرى الإنسان لا يرضى إلا بالشعر ويرفض الأدب والتهذيب والخير صارخاً: يا للملل. موزّعاً بين فتاةٍ يعشقها حتى الموت وهي مُسببة الكوارث ف الرواية، وأخرى هي غاية الرقة والتهذيب، يصف هاري مقارنته بين الفتاتين قائلاً: (محبوبتي تولا، رغم أن جيني كانت مهذبة ومملة عندما تجلسين بجانبها أو أمامها، لكنها كامنت قادرة على كتابة الرسائل بشكلٍ مشوِّق وبأسلوب ساخر وقح. وكان لعينيها التي تبدو من الخارج مثقلةً بالرموش وحزينة وغبيّة، مَلَكَةُ تفحّص الأشياء واختبارها بحدّة وجفاف، حتى عندما تقف هذه الأشياء على أطراف الأصابع تحت أضواء خشبة المسرح وتُعبِّر عن بجعةٍ محتضرة.
(9)
أيها الشاعر في يومك العالمي، أيتها الفنانة الطبيعية يا أم في يومك العالمي: ابحثوا عن العالم، لا تُحدِّدوا أبنائكم، اطلقوهم واعتصروا قلوبكم بمرارتها وأشواقها حتّى يتمكّنوا من الانتصار على مرارة الحدود الأخرى، ليس الشاعر من يكتب الشعر، الشاعر من يجد الشعر في الحياة، يتعثّر به، يلوك ثناياه، يمتصّه امتصاصاً، وما الشعر المكتوب سوى مرآة بائسة لشعريّة الحياة، يسرّحون فيها شُعُورَهُم ويمكيجون أحلامهم ولا يحسّون بالوحدة: إذ أن الذي يظهر في المرآة ليس هُوَ، الإبن، وإنما عدد وقح من الكائنات الداخلية، التعدد الحقيقيّ الذي يفوق التعدد الذي تصطرع لأجله البشرية الآن. صبراً، فحرب تعدد الداخل آتيةٌ لا ريب.
انظروا إلى المُضحك الذي يقول أن الدول والبلاد منفصلة بحدود وهميّة تخيلها بعض البشر ووجدناها موجودة وصدّقناها، أن نُسمّى بأسماء بلادٍ سُميت من قِبَلِ آخرين، أن تكون هنالك، حتّى الآن، ممالك وملوك، أن يكون هنالك قبيح وجميل، أن يُباد البعوض من وجه الكون نهائياً لتخرج علينا حشرة بديلة، أن يُرشّح أحدهم نفسه لمنصب الرئيس، أن نغرق حتّى أذهانِ أذهاننا في وظائف لم نخترها، أن نُحاكم على أساس: (أين وُلدت؟، ابن من أنت؟، هل تختار خلافاً لنا؟، هل أنت لنا؟ هل أنت منّا؟ كيف تبدو؟).
متى سيصابون بالبداهة؟. حتى ذلك الحين سنتحوّل جميعنا إلى مدمنين، نبحث عن إدمانٍ ما لنستغرق السلوك التي تُقرِّح خيالنا وأجسادنا به؛ إدمانٌ لن يُفرِّقنا عنه سوى عوالم الأفكار. وحتّى تتحرر المرأة في الداخل، في الخارج.

تعليقات

  1. إليهن وإلىّ, وإلى غياب المجهول فينا لأسرهن ...
    شرحٌ أضاف لى .
    مدونة رائعة وأكثر

    تحياتى : نهى شعبان

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تَرَانيم مَحموديَّة - شذرات متفرّقة في ذكرى اغتيال الأستاذ

The Beauty of the Silly - نجلاء عثمان التوم

 The Beauty of the Silly  نجلاء عثمان التوم


إلى عثمان حامد سليمان
هل يمكن تشريح الأصالة؟ هل يمكن الكشف عن شعوبها الداخلية دون مجزرة؟ أنا مدفوعة هنا بالحجب الأصيلة التي يغزلها الغناء السوداني حول نفسه فيبدو لنا أحياناً شيئاً محيراً، لامع الحيرة. عندما نتجرد من العصاب الذي نسميه الفهم، وننطلق في رحلة متحللة من كل غاية، ونستمع إلى الأغاني السودانية بأرجلنا ومصاريننا، نشعر أن الطاقة التي تتهدج في الجو هي، ولا شيء خلافها، الهوية. لكن تظل أصالة هذا الغناء شيئاً غامضاً جداً وعصياً على التعيين. ثمة إستراتيجيات، أعتقد، أيّدت هذه الجذوة التحتية. أولاً تحتجب الأصالة، في معظم الأحيان، في تمويهات هزلية تنتجها قوالب شبه ثابتة محكومة بشهوة الرجز، والطلاقة الشعبية، والنبرة العادية في الكلام. فالغناء في الأساس هو مكان التغزل في اليومي والعادي في أقرب نسخه إلى الواقع. وكلما تشبثت الأغنية بسوقيتها المعروقة، كلما تصير إلى درجة من أصالتها الصحيحة. لكن الفن هو دائماً تدخل معقَّد، فلا نجاة من سطوته، لكن التحايل عليه ممكن. فعندما تبدأ أغنية ابتهالية، فيها تسجيل لمغامرة البلاغ العشقي والوصال الكامل، بعبارة “الحج…

الجرح في القلب على مسؤولية صاحبه - فيصل محمد صالح

الجرح داخل القلب على مسئوليةِ صاحبه! بقلم الأستاذ فيصل محمد صالح
الراحل: معتصم جلابي
مقدمة طينيَّة: لم أستمتع بكتابةٍ سرديِّةٍ وشعريّةٍ في الآونة الأخيرة كما تفجَّرتُ دموعاً ومحبّةً وتذكّراً وأنا أطالع ما كتبه حبيبنا فيصل محمد صالح في حقِّ صديقه الراحل الأديب معتصم جلابي. وقد قال فيصل في نهاية الكتابة: [وبعد، إذا سبقت لك معرفة معتصم جلابي، فما أن يُذكر اسمه أمامك، حتى تضئ ابتسامة عريضة كل قسمات وجهك، دون أن تستطيع مقاومة إغرائها! لكن سرعان ما تفجعك، في اللحظة التالية، خاطرة رحيله، فتنحدر منك دمعة صغيرة تزاحم تلك الابتسامة، تحاول طردها لتحل محلها، ولكن .. هيهات!]، وقد كان، رغم أنني عرفتُ معتصم جلابي طفلاً، في الرياض بالسعوديّة، كصديقٍ مقرّب ومحبب لأمي رشيدة وأب الفاتح؛ إلا أن الذي يعرفه يُدرك، وغالباً سوف يدرك القارئ لهذا النص؛ أنه لا يكترث بالأعمار، فكان تعامله معي نديّاً وحقيقيّاً وجادّاً إلى أبعد حد، وقد كان المفضل بالنسبة لي من بين أصدقاء أسرتنا الصغيرة. وقد أصرَّ فيصل في النص أنه هجر الشعر والأدب لأنه يفتقد إلى الموهبة، وهذا لعمري إدعاءٌ مردود بذريعة هذا النص ذاته، فهو قصيدة، وهو قصة، …