التخطي إلى المحتوى الرئيسي

ماتَ قبل أن يعرفني - مازن مصطفى


مات قبل أن يعرفني 
مازن مصطفى*









1- 
قبل عام، كنا نتحدث عن حالته الصحية المتدهورة، فقلت ضاحكاً: 
-"هو أذكى من إنو يموت قبل ما يعرفني" 
سألني: 
-"إنتا هظارك دا جادي فيهو، صاح؟" 
-"طبعاً جادي؛ المواضيع دي ما بتحتمل الهظار" 
قلت بذات النبرة. 


2- 
لسنوات كنت غير قادر على الرسم؛ ببساطة كنت لا أشعر بالرغبة، كنت أستطيع تأمل أعمال تشبعني لآخرين فلماذا أرسم؟ إنهار طموحي الجمالي في هذه المنطقة، "وهذا ما يتوقف له الجميع!" قلت لنفسي لائماً؛ لم أشعر بالوصول، توقفت لأسباب أخرى لا أدركها الآن بوضوح. عزائي الفعلي كان الآتي: حين توقف ساباتو عن الكتابة إنصرف إلى الرسم، سأفعل مثله. متى سأنتحر إذن؟ الآن، أعترف بخجل، تتوارى ميولي الإنتحارية بعيداً جداً، وكأن الحياة صارت جميلة! ولا أحس باللحظة المناسبة، لأن اللحظة المناسبة تعني الوصول بصورة ما؛ أعلم أنني لا أحتملها، لا أحتمل الضئيل الذي سأكونه حينها، وسأموت ندماً إن جاءت وعلمتها ثم لم أغادر: لن أعلم بها؛ هذا أسوأ كابوس في الوهلة. 


3- 
كله في الوهلة؛ 
تعلمون أن كله في الوهلة؛ 
والوهلة أبدية. 


4- 
الأبدية، أخبرنا رامبو، مستعادة. 


5- 
ثم سافو: 
برغم أنها محض أنفاس فحسب، 
إلا أن كلماتي 
خالدة. 


6- 
كم أحبه؛ 
أحبه حد أن هذه الكتابة عني بذريعته. 


7- 
وهذه الكتابة عنه بذريعتي: 
" كي اتمكن من انجاز أعمالي اواجه مصاعب لا تطاق, انها معاناة تكاد تكون مستمرة ليس بالمعنى الروحي فحسب بل الجسدي أيضا. هذا بالاضافة الى عدم الاطمئنان والإحباط والغضب من النتائج التافهة التي تظهر شيئا فشيئا والى التردد والقناعة بأن ذلك مالم أكن انشده , الكتابة تسبب لي آلآما في المعدة وعسرا في الهضم, كانت أطرافي تتجمد وأعاني من الأرق ومن آلآم الكبد" ساباتو. 




8- 
ما هي الخصلة التي أدخلها إفلاطون بنجاح تام في جسد العالم عبر معاظلته النافذة؟ 
إنها التواضع؛ التواضع في أقصاه. هذا العالم ليس سوى صورة من عالم المثل، وما الذي نراه حقاً حين نرى؟ ليس سوى ظلال الأشياء التي تنعكس على جدران الكهف. الشعراء نفسهم، إحساس الحياة بالمعجزة، فرض عليهم التواضع: تم تحويلهم لمجرد كضابين. الفن نفسه كضبة كبيرة؛ وعاش الفن بجلاله داخل وهم الكضبة الكبيرة، وطفق يحاول، متواضعاً، محاكاة الواقع مرة، والتعبير عنه مرة أخرى، ومعرفته ثالثة، وتغييره رابعة. 


لا نبصر سوى الظلال، لا نمارس سوى المقاربة، لسنا سوى كائنات عاجزة؛ ومن تواضع للمثال رفعه. 


9- 
ثم جاء يسوع؛ وبلغنا التواضع المسيحي نفسه. وها نبصر المتصوفة يمتدحون الذوات خلف قناع الله، ويحتالون لنسبة الفكرة إلى النصوص، مكتفين بنرجسية الكتابة وحدها: يا لألم إبن عربي. 


10- 
ثم نمتدح الذوات خلف أقنعة إمتداح الملوك، وعمك المتنبي كثيراً ما لا يطيق الأمر فيصدح بذواته هازئاً؛ ثم لا يلبث أن يمتدح تفوق ذواته على الملوك أنفسهم، فيرد بذلك مقتله. 


11- 
ثم نمتدح الذوات خلف قناع الحقيقة، أي الله مرة أخرى، فنكتب الكتب التي تنزع لإخفاء نزعتها الشخصية بالكامل: القوانين، الدساتير، مؤلفات في الرياضة والفيزياء والكيمياء تبدو كأن لم يكتبها بشر لفرط موات نبرتها. خلفها يختبيء الصوفي الذي يخفي مديحه في مديح الله. 


12- 
هل تمتعتنا بالفردية حين بزوغ الفرد في الحداثة؟ لم يكف الفرد عن إعلان ضعفه وحوجته لقناع يمارس به المدح مستتراً: حقوق الإنسان، الديمقراطية، الشنو والشنو والشنو الشنوئي، ثم أبصرنا إنكار الذات نفسه، والتضحية البلهاء. إن التضحية الوحيدة، التي لا ينطبق عليها وصف البلاهة، تضحية تصب في خدمة الجسد نفسه، أي أنها تضحية أنانية: أبصرنا البشري يقدم نفسه للموت بدافع من أنانيته، من رغبته القصوى في المدائح. أي أن هذه التضحية المزعومة "غير بلهاء" ليست كذلك إلا لأنها لم تكن قط تضحية. 


13- 
التواضع، يا للبلاهة: أذكر أن في طفولتنا كانت تقام منتديات شعرية تتعمد الشعر الركيك لبؤس ذائقة القائمين عليها، والذين كانوا في الغالب مجموعات غير معدة، كالعادة، من شباب رعاع اليسار، الذين كنا نبصر فيهم وقتها اختلافاً عن شباب رعاع اليمين؛ كان الشعراء، حينها أي عقب قرون من كتابة الشعر اللاعن للجماهير عوض شكرها، يستهلون شعرهم بشكر الجمهور الكريم. منذها، كنت أتسائل ببراءة التيس: 


-"إنتوا الجمهور دا كريم ليه؟" 


الإجابة الوحيدة الهناك: 


-"لأنه أتى لسماع الشعر" 


يا لتواضع الشعر! 


14- 
يجب تعليم الرعاع: الإنحناء بشكر وإحترام لتلقي هبة شمسية في جلال الفن. بل، بعدما يمتلكوا قدرة صنعها يجب عليهم الإنحناء لها وهي تمنح من أكباد أقرانهم؛ أما الذين يعجزون عن الفن، عن صنعه كما تقديره بشكر لانهائي ممتد وطويل، فهم مثل أولئك الشعراء المكرمون لجماهيرهم، كائنات غير جديرة بالرثاء نفسه. 


15- 
والتواضع يستمر: اليمين الخروف مازال يعاملهم كخراف الرب الجديرين بالشفقة؛ واليسار الخروف جائنا بمعطة جماهير شعبنا؛ وجاء من يزعم أنهم ليسوا بتلك السذاجة التي لقطيع، وأن لديهم حسهم الجمالي وال...إلخ؛ بل قيل بمصرع الإنسان الممتاز، تلك الأشياء بدت معقولة لحينها وتبدو لنا الآن تواضعاً غير مجدي؛ بل وغير ممكن تصديقه وإن توهمنا. إن من يمتدح جماهير شعبنا لا يرتضي لوهلة هدم موقع تفوقه كطليعة!. إن المساواتية، دائماً، حيلة الضعفاء لنفي تفوق القادر؛ ألم يعلمنا نيتشة؟ 


16- 
والتواضع يستمر؛ والبنيوية تطالعنا بموت وموت، وهكذا صرنا نتحرك في مسرح كبير للدمى كما كنا من قبل؛ كان يحركنا الإله وتقاعد لتحركنا السياقات أي السيستم: مات الفاعل. 


17- 
بعد الحداثة أقبلت؛ مفهوم الحقيقة الذي بدأ نيتشه بهدمه هُدم كما لم يهدم من قبل، وتجاوز الميتافيزيقا بلغ حداً لا يطاق من الحبر. وصرنا بعد حربنا كلها مع إفلاطون متواضعين كما يريدنا إفلاطون: 


-"واللاهي طبعاً دي مجرد قراءة، وأي موضوع بيحتمل تأويلات لانهائية، ودي وجهة نظري في النهاية" 


بخيبة عنين، بأشفار ملتحمة صرنا نردد كأنما نعتذر عن وجودنا نفسه: 


-"لو لم نكن بشراً لكنا الحقيقة نفسها" 


ونضع تحتها التوقيع، التوقيع الذي ينسب لغيرك الحكمة تواضعاً ونكراناً، توقيع لوتريامون ، توقيع الله؛ هي فارقة فعلاً ؟ 


18- 
نرجع، في هذا الكتاب المكرس لساباتو أي لمازناتي، لساباتو، وفقرته المقتبسة تحت الرقم 7، رقم كمالنا الصوفي، وننظر إلى التواضع الذي يكتنف كتابته عن جهده الهائل، أي جهدنا الهائل؛ ولنتسائل: هل سقط ساباتو في التواضع؟ تواضع مين يا عم! لا أبصر سوى الغرور التام، غرور هائل ونرجسية تخجل نرسيس نفسه (في حلقات قادمة سآتي على تفصيل نرجسية الكاتب المطعونة، فهي قصة طويلة، وسأشير إلى الرقم هنا عندها). 


إن المثال العزيز على العظماء مثال الكمال؛ لا يريدون لذواتهم سوى المديح الكامل، كل شيء أو لا شيء: المساكين، حتى لو عرفوا مراراً، وكتبوا مراراً، أنها كفاية لا منال لها، يسقطون في فخها. وبينما هم يريدون عنقاء المديح المنمق البورخسية تلك، يصابون بالشلل. وأعراض شلل الكمال مألوفة دائماً: لفرط التدقيق ولفرط تدقيق التدقيق، لفرط المخاوف، لفرط الظنون والشبهات، لا أستطيع كتابة كلمة واحدة. لفرط ما أود إمتداحي مديحاً كاملاً لا أكتب كلمة: ألا نعرف هذا وإن لاشعورياً؟ كل كلمة عن المطلق تستلب من مطلقيته؛ المطلق غير قابل للوصف، لا يمكنك وصف أي مطلق، أي مطلق. 


العظيم الذي لا يعانق نقصه كجزء من مجده نفسه عظيمٌ بائس حقاً: "الكتابة تسبب لي آلآما في المعدة وعسرا في الهضم, كانت أطرافي تتجمد وأعاني من الأرق ومن آلآم الكبد" أنا برضو يا أرنستو، أنا برضو؛ ما عزاء مُش؟ كان عزاء كنتا إتعزيت بيك. أها هاك دي: "رامبو في عمر تسعتاشر وقف كتابة الشعر، الناس راجية شنو؟" دي بتنفعك لتتذكر خيبتك، وتتوقف تماماً عن عبء الكتابة، أي كي يكف جسدك تماماً عن محبة جسدك. غرورك يرفض النقص؟ ألم تتعلم بعد أن كتابة أي جملة تحتاج إلى "العبث اللازم: أحمد النشادر"؛ النقص هين، هاك رقم 19: 


19- 
"ما الفائدة؟؛ ما الفائدة من التراكم؟، ما الفائدة؟، وميراثك يملي على حواسِّك القفلَ فالقفلَ، يلقِّنك الدرسَ فالدرس، يبذل الجوهرَ فالجوهر، يفقس المطلقَ فالمطلق، يلد النهايةَ فالنهاية، ويورثك العظةَ فالعظة؟. وإذا لم يكن معك من شيء غير ما ترث، وإذا كان كل شيء في الكون هو ميراثك هذا، بما فيه اللحظة التي انقضت مع (عين مع) هذه بمحتوياتها كافة، ما عرفتَ منها وما جهلت، فأين المخرج من كراسة الحساب هذه التي (كتاب الرمل: بورخيس). وأين السبيل إلى تناول المفعول رأساً دون المرور بكل هذه الأكوام من أقفال تنسخ بعضها بعضاً؟. وهل من تفاوُت فارق في القيمة بين الدرس الديني العريق في وعيك وفي خيالك والدرس الذي تمليه عليك بقعة التراب هذه التي على الشاشة؟، إنها تكاد تبزه في حشوِ حواسك بمحتويات لا تقل قدماً وعراقةً وتأثيراً وغنى وشعريةً من (قصص الخلق) الدينية!. " (مرضعة لغير التغذية: محمد الصادق الحاج) 


عايز الباقي؟ أقرا الكتاب؛ مت مبكراً يا صاحبي. 


20- 
الغرور فقدنا به ما أحرقت من كتابة لا تبصرها تمتدحك كما يليق؛ كم فقدت أنا لغرورك، وكم كسبت: بفضله كُتبت نصوص جليلة ونجت. قلتا لي كنتا عايز تحرق أبطال وقبور؟ يِحرِق شنو أقول ليك؟ 
شكري الأبدي لألفيرا. 


21- 
لغرورك: كنت نداً جيداً لكافكا؛ 
لكن هذا لا يكفيك ولا يكفيني. 


22- 
أنا بالأساس ضائق بعمارة هذا الفن، فن الرواية، بل أنا ضائق بعمارة الفنون جميعها، وهذا عن عشم ربما أبله: إنها الجائزة الوحيدة التي يمكن رشوة وجودنا بها، أعني الجمال، فلا أقل من أن تبلغنا لذة خارقة حد نبقى، وهي لا تفعل. ومن بعد قرون من ثور المهارة البشري لم يصبني فن فيقتلني لذة؛ بل لم يصبني فن يبتر في القلب ضجر. هذا الضيق يصيبني حد اليأس فأنحو للمفاهيم عاشماً في عزاء لحظي للحيرة طالما الأمل جزرة ركضنا الأبدية، إلا أن الحيرة ترميك بيأسها فتهجر منقباً في مهارات المنظور أو المسموع ثم المقروء، كرة بعد كرة دون أن تكف، إلى أن تشعر بوهلة ما أنك محض دلاهة، وأن هنا، هنا بالذات، عبودية مُختارة تقضمك كما لن يحدث أبداً لو انتقيت عبودية أخرى لوجودك، كأن تعتلف الفتات، قانعاً من كل ترف، مثلما يفعل أغنام الحياة اليومية المشغولين بجائزة الركاكة الإستهلاكية المُعاصرة. 


23- 
إلا أنني إنتقيت اللذة وإن لن أبلغها، وسأصاقر حيرتي إلى أن تحتار؛ وما الذي أخشاه طالما لا بلوغ؟ ودعني أخبرك: لا فكاك لبشري في هذا العالم من أن يدلي بدلوه. لحظة وجدت إنخرطت؛ بل مغادرتك هميمة المشاركة مثلما رضاك، فتحزم وإنكرب. أنا بالأساس ضائق، وللحق، فإن الضجر نفسه، مثلما كل شيء آخر، يشعرني بالضجر؛ حين أضجر من رؤيتي في حياكات الآخرين: أكتب نازعاً تسريتي بيدي. 


24- 
لا أنزعها كتابة فقط، أرسم، وأخلق كائنات صلصالية تخصني، وأغني في الحمّام أحياناً ومع غناء الآخرين غالباً، وأفكر وأستلذ بالحيرة حيناً وحيناً أتألم حد أبكي، وأحياناً أترجم بعض ما يعجبني. إنظر: أنا منذ وَهبتُ هذه الحياة القصيرة التي تخصني للجمالي لا أتنفس خارجه؛ كنت أتسائل قبل أعوام عما سأكونه إن إنتقيت طرقاً أخرى، الآن لم أعد أستطيع تصوري خارج هذه المنطقة؛ إن فكرت فأنا أفكر في كائن آخر، وأندهش أن كيف يعيش. 


25- 
أنا لا أحب الكتابة؛ ألمها عنيف مثل لذتها، ولكنني لا أستطيع، حالياً على الأقل، أن أعيش بَلاها. سأتوقف ما أن أحسني قادر على ذلك؛ ما أن أبتكر معنى آخر بذات هذه الوحشية والفرادة، سأترك الكتابة وأنصرف له؛ للأسف، لست مؤمناً بالكتابة، لا أتذكرني كنت مؤمنا حقاً بشيء؛ كل هذه ذرائع مرحلية للإنخراط بما أحسبه يلائم مازن اللحظة. 


26- 
غداً سأتخذ ألف موقف مختلف؛ غداً سأرفض ألف فكرة أحبها اليوم؛ غداً ليس يوم آخر، الغد معناه: شخص آخر، ولو ثقفنا حساسياتنا لأرخنا بنا: في السادس من مازن السابع والثمانون من ذي الحيرة. كأننا، المازنون، ثقب أسود يلتهم الوجود كله؛ أنا كنت كل شيء، كم كنت كل شيء. لكن، أظنك كنت كل شيء أنت أيضاً. 




27- 
لولا الغرور ما كان لي أن أفترض حوجتك الحميمة إلى لياقتي في الحبر؛ و لياقتي جيدة فتغذيتي ممتازة ونيتي عجينة لا أخلاقية ولا أبصر جوهراً إلا ثقبته عيناي. ما كان لي؛ أحسني الآن خضاراً على مائدة المصائر. 


28- 
أنا الكلما قابلت إسمي أحس بنخزة الاحراج. 


29- 
والأبد قٌبلته شائهة. 


30- 
الغرق تغطى بالمياه ونام، 
القبور، في مزحة قاسية، 
رَسَمَتْ جِلدُها اليابسةَ؛ 
هكذا، 
كل إسمٍ غطاء. 


31- 
والعقلُ ملابس. 


32- 
ثم أحبك؛ لولا خطل خيالي ما كنت تموت. 


34- 
المكان أخيولة الزمان للتسرية؛ الزمان أخيولة المكان للركض. 


35- 
الورطةُ زمانٌ خالص. 


36- 
وكيف وجدت الأصدقاء؟ ألا يعضون بندم على الأبدية؟ هل وجدوا والت ديزني بجهنم؛ يتولى تصريف التسلية، ويهب كل منهم سبعة أقزام يتولون التفاسير؟ هل وجدوا الصيارفة يحصون عليهم الجمرات؟ الجمرات التي عمل ماركس، بخيال أشفت عمال الإطفاء، على رصدها بقصد أن تتورط شركات التأمين جميعها في تعويضنا لما القيامة تقوم؛ يا بصره! ترى أي أممية يدبر هناك. وقابلتا ديكارت؟ شاف الحيرة ووجعتو، وكان قايل الزوغة منها ممكنة؛ لكن العالم بيكبر ينسى. لاقيت نيتشه؟ الوحيد القام بيهو لغم في قلبو وعاش ليروي. ما الوحيد مُش؟ قبلاتي لسافو العزيزة، سلامي للنفري وكافكا وكيركيغور والجميع بطرفكم. 


37- 
متذكر زمان قريت ليك كتابة عن الحاجات التي لا تكتبها لأن لا أسانيد؛ خليني أديك واحدة: 
توجد آصرة سحرية تربطني مع البنات اللواتي مستهل أسمائهن حرف السين؛ وللحرف نفسه سلطان يعمل في المرء كأن به نزوع لأن يكون إسمه، هذا شريطة أن يكون بالمرء جنون النزوع، فيحقق سينه كاملاً فتنةٌ تُوافقُ جرس الحرف أي رسمه وتنزع لأن تطابقه. جرس السين عندي في البدء سُمية؛ إلا أن سيناتي تكاثرن تحقيقاً لنبوءة غامضة، مثل أقمار المصائر؛ قبلاتي مرة أخرى لسافو وسيلفيا بلاث. 


38- 
الدروب المفضية إلى اللامتوقع كلها ساحرة؛ الأسرار، المؤامرات الكونية الغامضة، المجهول الذي لن تعرفه إلى موتك: أنا. طفولتي كانت تحمل تصوراً خاصاً عن الأرض، مازلت، في مكان ما لم يعبأ كثيراً بالخرائط، أكلله بالصواب: الأرض مبنى من طوابق لانهائية تترادف فوق بعضها البعض، وكل هذه الحياة البشرية طابق واحد، سقفه السماء وأرضه الماء واليابسة. في مكان ما تختبيء السلالم، حيث يمكن لمحظوظ مثلي أن يصعد أو يهبط. كنت، من موقعي الدائم قرب الشباك في عربة أبي، أتطلع ملهوفاً باحثاً عن سلم الأكوان الأخرى. لم أكن أشك للحظة أنه موجود هناك، في الطريق من بيتنا في إمتداد الدرجة التالتة وبيت جدتي بالصافية. كانوا يعطلون مهامي بصرامة: 


-"مازن؛ دخل راسك من الشباك" 


الصورة لا تغادرني، الكريسيدا البيضاء موديل تسعة وسبعين، أمي بشعرها المنفوش والشامة التي على الأنف والوجه المستدير وملابسها التي مازلت أراها غريبة الألوان، وعمك مصطفى يخرق عادات الأسبوع كله ويرتدي الجلابية ويسأل منذ بداية يوم الجمعة: 


-"العمة بتاعتي مشت وين؟" 


في السيارة تغادره صرامة الصباح اليومي، ويغني أغنيات لم أكن أسمعها إلا لديه: "آبني عُشك، يا قمااري، قااااشة قاااشة؛ وعلميييناااا يا قمااااري..." حين تفرغ أمي من ترتيب الحاجات التي خمتها على عجل في شنطتها، يتفرغان لونسة لا تعنيني، وتدور غالباً حول الشغل، مشاوير السبت وفلان نقلوهو وأمي يوم الاتنين ما ناوية تمشي وحتوصي جعفر الباشكاتب من بكره على شنو كده ما عارف؛ ثم: 


-"مازن، دخل راسك دا من الشباك" 


وعلى العكس من إتساع تصوري للعوالم، كنت أتصور حدود هذا العالم بسيطة جداً؛ بخيالي كانت الدول الأخرى كلها في مكان ما بعد بحري؛ تمشي قدام في شارع المعونة بتلاقيك الحلفايا، وتمشي منها مسافة كده بتوصل الدول الأخرى، ويمكنك بمعونة المراكب أن تعبر البحر الأبيض المتوسط لأوربا. أوربا بها حرب، هذا ما كنت أعلمه يقيناً، لحدي ما كلمتني حبوبتي حرم السني، وكانت مصدر مهم من مصادري، إنو الحرب العالمية إنتهت بدري، وأن الإنجليز لم يستعمروا أرضاً أوربية إلا قبل قرون، وأن كبري بحري في حقيقة الأمر مجلوب من الهند: فتنتني هذه الفكرة!. كنت أعلم عن كوريا، فقد كنت صديقاً لولد كوري كان معانا في المدرسة، صادقنا حتى إختلطت لغته الإنجليزية بعامية جيدة النطق، ولم نتعلم حرفاً كورياً. الناظر، فاظر غرامينو، كان إيطالياً، وكنت أكرهه وأعرف أنني يوما ما سأعلن الحرب على إيطاليا؛ كلهم كانوا إيطاليين، جرامينو وبعدو بيبينو وبعداك جينو؛ بيبينو كنا مسمينوا الأهبل، لما كنا غير متعودين على فكرة أن يبتسم الناظر للطلاب. بلدكم النصيحة ما قابلني منها غير مارادونا، وكاس العالم، والغباء الذي تعرف. 


39- 
دائماً ما يرتقي مثل مُراقٍ على أهبة يُلحس: دائماً؛ مشبوهة دائماً دائماً (ضع بإحداهن علامتي تنصيص، برفق كما لو تنصص جسدك، بغفران كما تمنحه، وأنظر لدائماً التي كزيفها وهي تتأرجح مثل زِيفة)، المناصات تستدعي البلغم، مثلما لحجر صغير إستدرار الصيرورة فجوة كونية بها أنتقل من مشكل للمشكل نفسه: 


المشكل يدخن العشب الخدير، يتطلع على الكون من ثقب في الصلادة، حجابه، فيبصره؛ كأن لم يكن منه إلا مرايا ل"هو" العابر، وإذن لا "هو" قط (هذه المرة علامتي التنصيص راغبتان بي وأنا راغب بهما، ولن أكف؛ زاد الوحيد الشَبَق). المشكل يديرني على فحمه ونشيشي ألا تشتم؟ مثلما حق للشوق أن يتلقف في الكون الذرائع، أن يتلقى حجج الإجتماع، ومثل حلم اليقظة، كأن يقظة، وكأن حلم، نتروح بما جادت به الأخت، غازلة الشك الذي صار ضجراً فرط تكرر. قطرة من تسلية، وأبيعك بها قنطار وجود. أبيعك أنا كاملة عسى أخلف خيراً منها، وكأن من يعلم. قطرة تسلية ووجودات تزاحمت على بابها تترجى؛ قطرة أهصر لها فتات البشري كله؛ قطرة كجمجمة تتفتت. 


40- 
أنا أحب الكتابة؛ ألمها عنيف مثل لذتها. 


41- 
الفنان هو الملحد الوحيد؛ لأن عدو الأديان لم يكن قط العلم، لم يكن قط المعرفة؛ لأن الأديان لم تنبع قط عن جهل، بل عن حيرة ميتافيزيقية. العلم كما بطابعه الأداتي، والاتجاه التقني المنسكب على وجوهنا مثل نهر مخاط طويل ولزج منذ بارمينيدس، يكرس للدين بحجب الحيرة الميتافيزيقية الخالدة؛ كذا تفعل الإتجاهات الوضعية رغم مجاهراتها الإلحادية الفخورة. وحده الفن يا أرنستو؛ يقوض الميتافيزيقا بتبجيلها وإبتكارها اللانهائي. 




42- 
الروائي راصد صيرورات. 


43- 
يا أرنستو، لا أريد أن أكون. أنا نجمة؛ ضوئي لا يرتبط شرطياً بحياتي. أنا فاتن وخالي من الحياة؛ أنا جثة. كنت جثة في آخر الجملة السابقة، فماذا أكون الآن؟. 


44- 
Iam in love with my selfs. 


45- 
وأقول للشيء كُن فأكون. 




46- 
كثيراً ما أتسائل: هل يبلغك الضوء؟ نعم؛ ضوء حكمتي اللانهائية وجمالي الخارق، الضوء الذي تعهدت كلماتي الخالدة بثه، كوسيط لا يُطعن في تمامي إلا به، وهل ضعف سوى الوسائط؟ يصلك؟ أم ربما تكون أحمقاً آخر؟ أحمق حد لا تبصر كم أنا هول! أحمق حد تحاول إيجاد أخطاء تظنها أنت: المسافة شاسعة يا أرنستو؛ خطاياي هائلة يا أرنستو، لكن النفاذ إليها قاب المستحيل. 




47- 
أنا وحيد في غابة، دعنا نسميها غابة المصارين، وحيد وتائه حد لا أبصر مكاني، تحجبني الأشجار عن كل شيء بيد أنها في ذات الآن غذائي، لعرقي الرائحة العطنة نفسها التي للغابة، ولعيوني حيرة فائحة؛ لبقائي ابتكرت الأدوات أسميتها المعرفة، وصرت أنعم أحياناً ببعض الأوهام، والتي توغلت فيها حد توهمت أنني موجود فعلاً، ثم ارتكبتُ خطيئة أن منحتني إسماً. 




48- 
كل أنا تُصفف الغابة كلها. 




49- 
والغابة جعلتني وحشاً يا أرنستو؛ البقاء يا أرنستو، البقاءُ يفرضُ عليَّ الاكراه اللازم كله، احتجت رئتي بذات حوجتي للعنف الصقيل كخديعة؛ لو أبصروا ضراوة بصري قتلوني، والممكن من هذا تدمير بسيط للعضوي بينما لست وحشاً خارج الكلمات والكلمات، كلمتني سافو، لاتزول. العميان: غذاء الطين. أمشي في الطريق أحياناً بحذر، متوهماً أن النار التي تخرج من عيني قد تخيف المارة في الطريق؛ لكنهم إعتادوا الماء حد أشاعوا أن منه كل شيء حي، والماء أكسبهم، سوى الحياة، ميوعة لاتطاق. أنفاسي نفسها في رتابتها لارتابة وهي ترقص. لست اجتماعياً بالحد الكافي لأكون نبياً، ورغم أنه من السهل أن أكون الاهاً إلا أن أنواتي كلها تجد الأمر مضحكاً: فاشية العالم سهلت الألوهية بصورة لاتطاق. السهولة لا تليق بي، رئتي نشيطة حد لا أخوض المعركة عندما أبصر النصر. وحش السياق نفسه ليس وحشاً؛ لم يعد سوى قط مدلل وسوء تفاهم طوعي. 
هل جعلتني الغابة وحشاً؟ لم يحدث قط؛ لأن الوحش يرغب قمت بابتكار الغابة كلها. أي تعقيد لاحق سأضفيه عليها؟ أيتها الغابة كم أنت موعودة بهول. 




50- 
أحب العجز الذي يشطر القلب؛ يُبرر الحياة. 




51- 
جلدي حَلمَة وداخِله سُرة. 




52- 
هي والأصدقاء خلقتهم بمهارة؛ 
كلما أخلقني أخلقهم. 


53- 
الحنان يا أختي؛ 
القلب دمعته قريبة. 




54- 
أنا الآن في المشيئة يا أرنستو؛ 
والطرقات مزدحمة. 

ـــــــــــــــــــــ
هذا النص من كتابٍ لم يُنشر كاملاً بعد.
*مازن مصطفى، كاتب ضلالي، صدر له كتاب بعنوان (عنقاء المديح المنمّق) عن دار شرقيات، وللاستزادة من حياته اللعينة عليكم بزيارة التغانيج: http://abadamak.blogspot.com/




تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تَرَانيم مَحموديَّة - شذرات متفرّقة في ذكرى اغتيال الأستاذ

The Beauty of the Silly - نجلاء عثمان التوم

 The Beauty of the Silly  نجلاء عثمان التوم


إلى عثمان حامد سليمان
هل يمكن تشريح الأصالة؟ هل يمكن الكشف عن شعوبها الداخلية دون مجزرة؟ أنا مدفوعة هنا بالحجب الأصيلة التي يغزلها الغناء السوداني حول نفسه فيبدو لنا أحياناً شيئاً محيراً، لامع الحيرة. عندما نتجرد من العصاب الذي نسميه الفهم، وننطلق في رحلة متحللة من كل غاية، ونستمع إلى الأغاني السودانية بأرجلنا ومصاريننا، نشعر أن الطاقة التي تتهدج في الجو هي، ولا شيء خلافها، الهوية. لكن تظل أصالة هذا الغناء شيئاً غامضاً جداً وعصياً على التعيين. ثمة إستراتيجيات، أعتقد، أيّدت هذه الجذوة التحتية. أولاً تحتجب الأصالة، في معظم الأحيان، في تمويهات هزلية تنتجها قوالب شبه ثابتة محكومة بشهوة الرجز، والطلاقة الشعبية، والنبرة العادية في الكلام. فالغناء في الأساس هو مكان التغزل في اليومي والعادي في أقرب نسخه إلى الواقع. وكلما تشبثت الأغنية بسوقيتها المعروقة، كلما تصير إلى درجة من أصالتها الصحيحة. لكن الفن هو دائماً تدخل معقَّد، فلا نجاة من سطوته، لكن التحايل عليه ممكن. فعندما تبدأ أغنية ابتهالية، فيها تسجيل لمغامرة البلاغ العشقي والوصال الكامل، بعبارة “الحج…

الجرح في القلب على مسؤولية صاحبه - فيصل محمد صالح

الجرح داخل القلب على مسئوليةِ صاحبه! بقلم الأستاذ فيصل محمد صالح
الراحل: معتصم جلابي
مقدمة طينيَّة: لم أستمتع بكتابةٍ سرديِّةٍ وشعريّةٍ في الآونة الأخيرة كما تفجَّرتُ دموعاً ومحبّةً وتذكّراً وأنا أطالع ما كتبه حبيبنا فيصل محمد صالح في حقِّ صديقه الراحل الأديب معتصم جلابي. وقد قال فيصل في نهاية الكتابة: [وبعد، إذا سبقت لك معرفة معتصم جلابي، فما أن يُذكر اسمه أمامك، حتى تضئ ابتسامة عريضة كل قسمات وجهك، دون أن تستطيع مقاومة إغرائها! لكن سرعان ما تفجعك، في اللحظة التالية، خاطرة رحيله، فتنحدر منك دمعة صغيرة تزاحم تلك الابتسامة، تحاول طردها لتحل محلها، ولكن .. هيهات!]، وقد كان، رغم أنني عرفتُ معتصم جلابي طفلاً، في الرياض بالسعوديّة، كصديقٍ مقرّب ومحبب لأمي رشيدة وأب الفاتح؛ إلا أن الذي يعرفه يُدرك، وغالباً سوف يدرك القارئ لهذا النص؛ أنه لا يكترث بالأعمار، فكان تعامله معي نديّاً وحقيقيّاً وجادّاً إلى أبعد حد، وقد كان المفضل بالنسبة لي من بين أصدقاء أسرتنا الصغيرة. وقد أصرَّ فيصل في النص أنه هجر الشعر والأدب لأنه يفتقد إلى الموهبة، وهذا لعمري إدعاءٌ مردود بذريعة هذا النص ذاته، فهو قصيدة، وهو قصة، …