التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مُقارباتُ اختناقاتٍ تقدَّمت حياتها


اللوحة من أعمال عمر خيري
ـــــــ
مُقارباتُ اختناقاتٍ تقدَّمت حياتها
مأمون التِّلب

أَنْتِ عُلا السرّ


1
من لجَّةٍ ناجيةٍ
غَرِقَت من علامات وجهي شجيراتُ صوتٍ تقصّت جذوري
ونامت، من المطر المستحمّ بليلي، إلى غابةِ القتل تستلهم الطفلَ؛
ثورٌ صبيٌّ يناجي قرونَ استخاراته، والنبيُّ التماع الدمِ الحانق الجوف فوق القرون.
ألن يستجيب القماش المُحمّر منذ قرون الشعوب المؤامنةِ التّاقية؟
ألن يدرك الهوس المستدير بمخيلةِ الثورِ أين سيذهب كي يطعن الغاية الواهمة؟.
بحرٌ سيغرقُ في جوفه من مجاميعِ نطحٍ تلالاً من العظمِ
ينطحُ شؤمَ الهواء المكابر وهو يداخل أنفاس من يُدرك اللحظة الحية المستحيلة.

قرنٌ يقابل قرناً
ولن يَعدِلَ المعركة
غير لونان يستهتران بما يُستردُّ من الاختلاق المخلَِّ بما يستردانه من حياتهما
مع بعضهما بصراع.
بحرٌ من الاقتران يلاحق ما يُستردُّ وما يُنتَسَى.

2
هل التقيت نفسك اليوم؟.

شعرُ آخرٍ هائمٌ داخل شعرك
كشوارع ليليّةٍ هائمةٍ دون بشر، تخنقُ الليل إذ هو وحيدٌ أمامها؛
الأضواء تتدلّى من نوافذ العيون التي تتهشّم لتقول أنها تَرَى
الفاكهة النابتة من العيون لتقول أنها عمياء
العماء المقتصرُ على الصراخ:
أيتها الحقول التي تُحيط بالجسد، من سيّجك
وجذّر اسمه بتربتك ليشبه روحك؟.

هل التقيت نفسك اليوم؟

التقيتُهَا لكَ
بينما كُنتَ، أنتَ،
غافلاً عن ظَهْرِهَا المتقرّح بانحناء خيالاته؛
التقيتُهَا لكَ؛
وقد كانت، نفسُكَ، تقبّل جداراً نَظَرتَ إليه دون أن تهتمّ،
كانت تُداعب سيقان مقطوعة تتراكض ولم تعتبر أنها، من الممكن، أن تكون مفقودةً منكَ
كانت تُخلِّع أضواء شموعٍ خُنِقت لأنك لم تعرف جمال سيلانها في الظلام، وشوقها له.

هل التقيت بنفسك اليوم؟. نَفْسُكَ كانت تتنفّس في هدوء الهواء المُنَافِسِ لك، إذ هي تبحث عن نسيانكَ لها والهواء يبحث عن نسيانكَ لهُ؛ يدخل جَسَدَك، يخرجُ، كجزء من جسدك لن تراه ولن تحسّ بأحقيته في الحياة أكثر من ما يمنحك من حياة،
أيها القلب المُستَعبد؛
أيها الذي يحتقر الدماء المخضوضة في أنحاء غُرفه لأنها تتشابه:
وَاجِه الصمت الكامن بين كل نبضةٍ ونبضة
هل ترى؟ وجهُ حامِلِكَ يتلوّى ألماً من فقدانه لملامحه؟.
هل التقيت بنفسك اليوم؟
هل تحمّلت صراخ نفسك الحَامِل بكلّ ثوبٍ تمزّق على جسدك،
كل جرحٍ اندمل على خَطَرك،
كلّ سهوٍ لم تلمحه عالماً حقيقيّاً؟.

تقرّب لما نال منكَ
وسّمه جوعك، والتئم معه لتختار شارعاً نائياً
في مدينةٍ، ربما تكون أنت أو تكون آخر، لتلتقي نفسك نَفسَاً هارباً منك ليُحييكَ
نَفَسٌ تكره وجوده، وهو الذي يحيكُكَ بكامل كرهك
بشَعْرِ آخرٍ نابتٍ داخل اختناقك
بكل ما بكَ؛ يُعميك عن نفسك التي لن تلتقيها.

3

يُختطف ملاكٌ من صفوف ملائكةٍ ذائبين لرتقِ ثيابِ حروبٍ:
صرخةٌ تتمرَّغ في جمر حِدَّتها تُصابُ بكَ،
سلسلةٌ من الجبال غارقة في الدَّمعة
جبالٌ سوداء
لَوَثَتْها زلازل وجوهٍ
تَعبرُ منخَطِفةً أمام عينيها؛
لكَ تُشيرُ بخَفَقَان جحيمها داخل قلبٍ نَسيه صاحبه
لأجلك.

وبينما تتلقَّفُ هديّتها
تُمرر إصبعاً جَمَّع عواصف جسدها بطرفه
على صدرك؛
لكَ أن تُخمَّن أية بصماتٍ ستُترَكُ عليك
كنظراتٍ فُزعت إلى الأبد
هائمةً بجوعها لتآويلك.

جبالٌ هاويةٌ داخل العين
رؤوسها إلى الأسفل تخلق سماءً أخرى
ترتعد صخورها من خطيئةٍ تُخرجُ رأسها المشلول من عينيك:
أن تخطف ملاكاً؟ أن تراوِدَهُ عن نَفْسِهَا، وتدحَرهُ، بعد أن تسميه (ردائها).

4
محاطٌ بثيابنا
تنضح عرقها الماضي في الهواء الغريب.
الجدران تلبس الطلاء لتتعرّى خلفها بجمودٍ لا مبالٍ
والغزلان في قلبينا ترعى ذئابها، وتُمَيِّل وجهها كيفما ماتت.


5


شَعْرُهُ يشير لسلالاتٍ تغمرها حمّى الإنفعالات الصلبةِ
منذ بدءِ خيالٍ، واكتنازُ الجورِ والقسوةِ بالأسماء والصفات؛
صخرةٌ غارقةٌ في تأمل الموجات الصغيرات وهي تعبثُ بجزيئاتها كعاشقة سريّة،
أمطارٌ تنحرف مع الرّياح غاضبةً من جهلها اللامرئيّ.

أكون ثاقباً؟،
مثلما ثَقَبَت هذه الكتلةُ، بنبضها، الجسد الحيّ، القويّ؛
وثبّتَت مكانها بين رئتين تتنفّسان،
وتاريخان مُتحاربان: عقل وجسد؟.

جهدٌ مائيٌّ بلا طعمٍ ولا رائحة
يفعل بطبيعيّةٍ هادئةٍ وماكرة هذا:
أشيرُ إليه إن أحببت الذي بلا وجهٍ حتّى الآن،
يتخيّل الألم، ذاته، ببساطةٍ، نازفاً دماً غير مرئيٍّ منه،
حدقتان تمتزجان ببعضهما في زحامٍ عبثيٍّ، فتنهال منه ثرثرةُ أعباءٍ جميلةٍ كسياط.

القلب
هذا الحيوان الواثب
ومن تحته الريح تحتكُّ بدموعه الهاطلة من جسده السّحابيّ،
ودائماً، بين الأحراش، سهمٌ طائشٌ يلاحقه
خيالُ سهمٍ حقيقيّ يكوّنه حبّه لصوتِ الهواء.
إنه حقيقة الحيوانِ في البشريّ، بُعدَه النّاريّ وظلّه المنبوذ.

للإنسان ظلٌّ، ولقلبه ظلٌّ آخر
ظلٌّ صيّادٌ لأضواءٍ خافتةٍ تَصدر عن الأجساد الأخرى
كحكايةٍ مخزيةٍ تُتلى تحت السياط،
ومن له بقوّةٍ كهذه؟ إنه الظلُّ الذي يستطيع اللمس
والذي يُطيقُ أن يُلمَس، بفرحٍ هادئٍ وعارفٍ بجراح المغامرة.

للدمعةِ طَعمٌ، ولدمعةِ القلب مِلحٌ آخر
يجري باتّجاهه بألسنته كلّها
يلحسه حتّى يختفي فارق الليل والنهار لديه
يتتبعه سائلاً في ظهرِ آخرٍ،
_وهو الأعمى_
تسير ألسنته خلف بعضها كخيط النّمل.

وهو، بأيدٍ ناميةٍ، يُشكِّل غاباته بصمتٍ
ينحتها مرتجفةً على إرادة الحواسّ
فيترك لها فرصةً لتخيّل الشيطان
وتلعنه، قبيحاً، وهو ينسلُّ باسماً من جذور الغابات
فَرِحاً بخلقه المستمرّ من خيالات الخطيئة،
إنه المولود.

بجمالٍ
يَصِفُ وَجهَ عواصفه
ويختارُ، بعنايةٍ، ألوان عيونها، وسماكة سمومها
ويقتلع الأشجار بعنفٍ تاركاً الصحراء لنبضه
نبضهُ إشارة اللحظة لكل هذا السراب.
اقترب، لترى وحشاً رملياً غارقاً في دماء القلب المُتحرِّكةِ
هو وجهك الذي لن تعرف كيف تقبض على ملامحه لحظتها،
لتسمع شكاوى حيواناتك الصادرة دائماً في الصراخ الذي تكتمه الآن
صحراء القلب، مجده الظمئيّ، هذا النضوب الأفتَن.

6
في أرقى عائلات السّحب، يحدث:
يلتهم الضفدعُ حوتاً
ويستحمّ الغزال على نارٍ خارجةٍ من عين ذئبٍ وحيد.

يحدث:
يشربُ الجنينُ قهوةً وهو متكوّرٌ بحبلٍ سريّ مجنون
يعبدُ الكمالُ عماءً مشرّداً في الطّرقات
وتخرج الشمسُ من القمرِ باكيةً قيمتها لديه.

في أدنى عائلاتٍ، لا يحدث:
يتجوّل الخيال من رأسٍ لرأسٍ
فتّاناً ومبجّلاً
ولا يُسمّى أحلاماً...
ولا يُنسى.

7
لقد كنت هنا،
مُقوّس الظهر أحدّق، بحفرِ عينيّ، في آبارٍ خفيّةٍ في الهواء
تنبع مني خفافيشٌ والليل عطشانٌ من خلفها
يعتصر حنجرته ويغنّي:
(الكآبة جوهريَّةٌ في الماءِ المشروب!،
تفصُّده عَرَقَاً أسَّسهُ قلقٌ عابرٌ للحظةٍ،
مَلعُوقاً بألسنةِ الرِّيح المجنونةِ التي تذوّقت عطش الأرض كاملاً
مُهملاً، مبذولاً لفقراءٍ من نوعٍ خطيرٍ؛
إنهم النّدى).
لقد كنتُ هنا.

8
توضّحت الحياة،
الآن، النقطة السوداء البعيدة هي النقطة السوداء البعيدة، والحمام المتّجه نحوها ليلقطها هو حمامٌ يتّجه، والرياح المحيطة بالمشهد كثيفةٌ تتجسّد ولا تبين. هاجمنا تفسير العالم، وأشار لثقوبه السوداء وضحك، أثارت ضحكته كيانات الغصون اليابسة فأحرقت العيون الماشية: أدركنا العماء المُشار إليه في بدء الخليقة.

ها، ما الذي بعد؟ شُرحت فلسفات الموت على سبّوراتٍ مُتعدّدة بطباشيرٍ ساديّ بلون مياهٍ، وتوقّف المعلّمون عن تحريك نظاراتهم: عدساتها تكسّرت وبانت عورة البؤبؤ. نحن الأطفال ندخل جميعنا عيون المعلّمين، ونتحرّك في المساحة التي أتاحها عطش القَبْض، قبض الريح!.

مالذي يمنع قنبلةً من انفجارها الآن لتثقب الظهر والسلسلة الفقرية بقسوةٍ وتَقشع البطن والصدر والكهولة والجحود واليقين؛ كلامات الفضلات ليلاً، اشتقاقات الصراخ، سوائل الجوع، سلالات طواحين الأحلام، صفوف الألسنة السائرة في صحارى اللغات، عرق الليل المتشكّل سيوفاً تنغرس في السقف والجدران السّاقطة: الجدران ساقطة ساقطة، تكشف الخراب العظيم المتورّم باللحم والعظام العابثة كأطفالٍ بأفق محدودٍ بعيون تُراقب: تجاعيد الضحك والحكمة حول العيون، حولها.

مالذي يحبس نَفَس نَفَسٍ مجرورٍ بوجهه على البقايا؟ من أقدامه الحافية النّاكرة، من ألوانه الحربائيّة، من غاباته، أشواكه النَيَّة البغيضة، أجرامه السبّاقة للتصادم والاحتكاك، ملائكته الذين حرسوا أمّه بحِراب الولادة! من يمنع النَّفَس من أن يكون ويُنْتَبَه له فيغرق العالم في فيضانه النوحيّ؟.

أخبرني: كلّمت الجيران؟.

9
إن أحبّوا بعضهم، والتحمت أجسادهم، رُحِمُوا بموتٍ وحيدٍ دون نَهشٍ
تقتلهم جلودهم المبرقعة بألوان الأجساد التي ضاجعوها بدموعٍ بلا لون؛
إن لم، تأكلهم وحوشٌ رقيقةٌ أحياءً.

تحوّل الكوكب انصهار حبٍّ وكراهيّةٍ
ونحن نظّفناه؛ أكلنا جثث المحبّين، وطاردنا الوحوش بقوّة الجثث
ولم نصل، لا للموت، ولا لرؤية الحياةِ مجدّداً.

10

أغمض العين، تُغمض الموسيقى عينها.
ما بينهما يَنتَشِلُ البحر غرقاهُ ويفرح بانتصاراته؛
جبلٌ من الجثث الحيّةِ يستغرق صخوره، يتغاضى النظر عن تفتّتها
هذه الجُمل العابرة بي جسدين لا يعرفان بعض حدودهما
أين البحر إذاً؟
أين المحيط؟
أين حدود الأرض؟... إن لم تكن صرخة الإنسان؟.







تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تَرَانيم مَحموديَّة - شذرات متفرّقة في ذكرى اغتيال الأستاذ

The Beauty of the Silly - نجلاء عثمان التوم

 The Beauty of the Silly  نجلاء عثمان التوم


إلى عثمان حامد سليمان
هل يمكن تشريح الأصالة؟ هل يمكن الكشف عن شعوبها الداخلية دون مجزرة؟ أنا مدفوعة هنا بالحجب الأصيلة التي يغزلها الغناء السوداني حول نفسه فيبدو لنا أحياناً شيئاً محيراً، لامع الحيرة. عندما نتجرد من العصاب الذي نسميه الفهم، وننطلق في رحلة متحللة من كل غاية، ونستمع إلى الأغاني السودانية بأرجلنا ومصاريننا، نشعر أن الطاقة التي تتهدج في الجو هي، ولا شيء خلافها، الهوية. لكن تظل أصالة هذا الغناء شيئاً غامضاً جداً وعصياً على التعيين. ثمة إستراتيجيات، أعتقد، أيّدت هذه الجذوة التحتية. أولاً تحتجب الأصالة، في معظم الأحيان، في تمويهات هزلية تنتجها قوالب شبه ثابتة محكومة بشهوة الرجز، والطلاقة الشعبية، والنبرة العادية في الكلام. فالغناء في الأساس هو مكان التغزل في اليومي والعادي في أقرب نسخه إلى الواقع. وكلما تشبثت الأغنية بسوقيتها المعروقة، كلما تصير إلى درجة من أصالتها الصحيحة. لكن الفن هو دائماً تدخل معقَّد، فلا نجاة من سطوته، لكن التحايل عليه ممكن. فعندما تبدأ أغنية ابتهالية، فيها تسجيل لمغامرة البلاغ العشقي والوصال الكامل، بعبارة “الحج…

الجرح في القلب على مسؤولية صاحبه - فيصل محمد صالح

الجرح داخل القلب على مسئوليةِ صاحبه! بقلم الأستاذ فيصل محمد صالح
الراحل: معتصم جلابي
مقدمة طينيَّة: لم أستمتع بكتابةٍ سرديِّةٍ وشعريّةٍ في الآونة الأخيرة كما تفجَّرتُ دموعاً ومحبّةً وتذكّراً وأنا أطالع ما كتبه حبيبنا فيصل محمد صالح في حقِّ صديقه الراحل الأديب معتصم جلابي. وقد قال فيصل في نهاية الكتابة: [وبعد، إذا سبقت لك معرفة معتصم جلابي، فما أن يُذكر اسمه أمامك، حتى تضئ ابتسامة عريضة كل قسمات وجهك، دون أن تستطيع مقاومة إغرائها! لكن سرعان ما تفجعك، في اللحظة التالية، خاطرة رحيله، فتنحدر منك دمعة صغيرة تزاحم تلك الابتسامة، تحاول طردها لتحل محلها، ولكن .. هيهات!]، وقد كان، رغم أنني عرفتُ معتصم جلابي طفلاً، في الرياض بالسعوديّة، كصديقٍ مقرّب ومحبب لأمي رشيدة وأب الفاتح؛ إلا أن الذي يعرفه يُدرك، وغالباً سوف يدرك القارئ لهذا النص؛ أنه لا يكترث بالأعمار، فكان تعامله معي نديّاً وحقيقيّاً وجادّاً إلى أبعد حد، وقد كان المفضل بالنسبة لي من بين أصدقاء أسرتنا الصغيرة. وقد أصرَّ فيصل في النص أنه هجر الشعر والأدب لأنه يفتقد إلى الموهبة، وهذا لعمري إدعاءٌ مردود بذريعة هذا النص ذاته، فهو قصيدة، وهو قصة، …