التخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيان ضد الإبادة الجماعية - مازن مصطفى




بيان ضد الإبادة الجماعية 
وقع/ وقعي ضد تقويض الأجساد 
مازن مصطفى 


أنت فخور يا صاحبي، فخور بالندرة واللاتواصل؛ فخور بنار الخيال النادرة داخلك وداخلي وداخلهم، ثلة الأساطين سيال الفرادات أولئك: حدسوا أن الخيال عصي على التعيين وها نحن نعصي خيالهم. هذا عملنا، أن نركض في الأراضي المأهولة طمعاً في بلوغ أراضٍ جديدة نضع عليها راية خيالنا ونظفر؛ أثناء الركض تتخلق الأراضي الجديدة: الأرض ليست موجودة نكتشفها، الأرض نخلقها. الخيال، الذي ظل نقيض الحقيقة لقرون، هو الحقيقة في الأكيد ذاته، ومثل أي حقيقة لا وجود له، إنه يبتدع كل مرة؛ كلنا محاولات إبتكار الخيال؛ هذا دأب مشيئتنا

كل الكائنات قناصة؛ إلا أن الفنان هو القناص في حده الأقصى. كل الكائنات تقتنص رزقها من الأخيلة تحورها لمفاهيم وإنطباعات وحدوس وأفكار و و: أي كامل تلاوين العاطفة_ونعم، كل كلمة عاطفة، لأن كل كلمة مجاز؛ ولأن الإحساس بالمفهوم هو الآلة التي تسمح بتنظيمه. تلك الصياغات الجافة محض ألاعيب وهراء إجتماعي أحتاجه لإقناع من إتفقوا عليه سلفاً! أو لتبرير عاطفتي لأني بهشاشة أن أصابني هاجس الذنب في كل شيء، ولأن الخطأ البهيج صار مرعباً منذ شيدت البشرية له مقاصل العقاب. هل تصدق؟ أن تعاقب لمجرد مجيئك للعالم، والذي لم يكن إختيارياً قط! ربما المغادرة إختيارية، خذها فقد تطيب لك_ وعقب تشييدهم لحد إجرائي بائس، بهذا القدر أو ذاك من البؤس أو من المشيّد سلفاً والمُستلف كسلاً، يستخدمونه كيفما إتفق لإبلاغ صُدفة ولادتهم إلى صُدفة موتهم. الفنان بالمقابل قناص دائم؛ نوعية كائن عمله الحوك الخالص: يعيش لقنص الطرائد لا للشبع؛ المذاقات لا التخمة: التخمة مستعصية عليه من حيث هو هو؛ لذا يبصر الصيرورة بسهولة أمضى: إذ في حين تعيش الأنواع الأخرى داخل التهام الطريدة يكون عيشه الإنتقال من طريدة لأخرى، من خيال لآخر: قاتل تسلسلي؛ سفّاح لا أخلاقي (وليس "غير أخلاقي") وإن زعم العكس: مثل صديقنا المستهبل الذي أنتج للكنائس الموسيقى الأكثر كفراً. حين يترك الفنان طريدته ويتحوّل لأخرى يتناولها الرعاع كسلاً ويمضغون خيالها لتعويض إعاقتهم عن خلق خيالهم فيصنعون الكيتش والاكليشيه والكُسم الرمادي لليومي والأبله الاستهلاكي

كنا، أنا وحبيبتي، نأكل كشري بوسط القاهرة، حين باغتتنا أصوات لقنابل متتالية: أحد المزعجين يمارس الطقس المعتاد، لتحمل رمضان عبر الإحتفال به، فيطلق عبوة ألعاب نارية تصبح مزيجاً من الدخان وأصوات القنابل فقط! سألتها
-"أليس المبهج في الألعاب النارية مجموعة الألوان التي تنطلق، مع الإنفجار، لتمنح الليل شكل لوحة بخلفية داكنة؟
-"الصوتية أرخص، لذا تستخدم!" 
أجابتني؛ فتعجبت. مورِّس هنا تجريد أبله؛ الدخان الكبريتي الكريه والصوت المزعج مجرد ناتج عرضي مؤذي للألوان الإحتفالية، وأحسب أن لولا ضرورته للألوان لتم الاستعاضة عنه (وبالفعل، توجد ألعاب نارية بصوت كتيم وأخرى بتنويعات في الصوت لتمنحه طابعاً إحتفالياً، وهناك من قاموا بتلوين الدخان نفسه) ولكن هنا حدث العكس: أستخدمت العلامات غير الفاعلة ، أي الناتج العرضي، كرمز للإحتفال. هذا السلوك متوقع ويحدث كثيراً (وهل ينتج رأس المال بشاعة دون تأكد من تهيئة السوق؟) وهو السلوك الذي يسلكه الرعاع ازاء الفن دائماً؛ بأخذ علاماته غير الفاعلة للتجمل وإهمال ألوانه البهيجة؛ الناتج: الإكليشيه والكيتش في الشارع، والفن في المتحف وتجمعات أقليات تعاني بها سلالة الفنان الفاقة والإقصاء الدائم والسخرية المدعومة بزعم اللاوضوح، أو اللافائدة، أو اللا فن ذاتو؛ يا للمفارقة! تستخدم حجة الفن نفسها لإخراج الفن من اللعبة؛ كيف؟ سيقسم الأطفال الذين عاشوا حياتهم على الألعاب النارية جالبة الصمم ورائحة الكبريت بأن تلك الأخرى الملونة: ليست ألعاباً نارية. سيحدثون إستبياناً بأرقام (يحبون الأرقام إذ توهمهم الصواب؛ يحبون الرأي العام، رأي الأغلبية؛ ويسمونهم الشعب والجماهير!) بين من لم يبصروا ألعاباً نارية بألوان قط؛ وستأتي النتيجة لصالحهم! هكذا، بحساب الوقت، تغدو الألعاب الرديئة والسهلة التصنيع، وعليه: سهلة الإستهلاك (يا مصلحة رأس المال)، هي الجمال الحقيقي للإحتفالات! أشباح الألعاب النارية تلك: باولو كويلهو وماركيز (نعم؛ أعني ماركيز، وأبصر فيه تفاهة مقرفة) وجورج أمادو هي الأدب؛ بينما الخيال الأشد ضراوة محجوب: قلة عرفوا لعبة الكريات الزجاجية لهيرمان هيسة! أعمال ساباتو! أعمال سليم! كوارث بورخيس، وخوان رولفو وبرنار نويل و..إلخ. ألعاب منسوجة في خامة النار نفسها: كيركيغور وكافكا ونيتشه ومحمد الصادق الحاج والقديس جان جينيه ولوتريامون وجنون مدار سرطان هنري ميللر وفتوحات إبن عربي ووصف رندا الحبيبة للعدم كاملاً؛ كل هذه الألعاب النارية المهولة مطمورة تحت ركام الإستهلاك أبي السهولة، تحت الصوت المدوي ورائحة الكبريت؛ يجب قراءة الكتاب في دقائق لنقفز لكتاب آخر (يا سعادة بائع الكتب) بينما يقضي متذوق صقيل، مثل هالة فؤاد مثلاً، الأعوام الطوال يتلذذ بعمل واحد من أعمال إبن عربي. الخيال هو اللهبة الخطأ في هذا العالم؟ لا؛ هذا العالم مشيد بالخيال الخطأ، الخيال الضعيف للأجساد الضعيفة. قالت

-"هذا النفي للفن يخدم العدم الذي يلائمهم

لاحظتي؟ مطالبة إفلاطون بإقصاء الفنان من جمهوريته تحققت كاملة. الفنان الآن في المتحف؛ في معارض للتشكيل يتحكم في العرض بها سماسرة أوغاد. تمت طباعة الفتوحات المكية ألف مرة ولانجدها بالقلوب؛ النسخ عطنتها الرطوبة وأكلتها العتة، والثرثرة حول ركاكات لاتنتهي للموضة الفكرية المعاصرة تمارسها الأقلية المزعومة "مثقفة"! نحن في حياة تعمل ضد نفسها بضراوة. نحن لا نتخيل أنها ستنتهي لأننا مازلنا على طمأنينة قديمة مستمدة من غائية الطبيعة ومفهوم العدل الإلهي: متى نفهم حقاً أن الطبيعة بلا غايات، ولا توجد قوة سوانا تحفظ الحياة يا البلهاء: كل شيء يتم إستهلاكه بغباء يورث الفناء؛ البيئة، الموارد كلها، والإستعارات؛ اللغة، البليدة منذ الأساس لكونها إجتماعية وتحمل الفخ التواصلي، والتي تتعهر ما أن توجد، بلغت ركاكة لا تُصدق! ما الذي يمنعنا من الفناء ونحن بهذه اللغات القاتلة؟ 

الكون يتقصف حقاً؛ وليس أمامنا سوى أن نتحزم وننكرب ونتصدى بالضراوة الكاملة؛ الفنان في هذا الكوكب أغلبية نادرة، وعليه أن يتحمل مسئولية فرادته كاملة؛ أحسب حربه حرب إيجاب: على الفنان أن ينتج النقيض الأقصى لبؤس العالم ولبؤس شرطه الوجودي (وربما الطبقي أيضاً) ويجب أن نمعن في الداخل من الخارج وفي الخارج من الداخل؛ أي نتفحص الخلائط كلها، ونكتب لذواتنا وعوالمنا قذارتهم كاملة

يجب أن يمنح الخيال الترف الذي فقدناه؛ اللذة التي لم نعرف أين، الحيرة رفيقتنا، يجب ويجب؛ فشلنا في صنع ذلك الخيال المطلوب ما ينغص على كبدي: إلى الآن لم أكتب جملة حد أحسها ألمي كاملاً. في أكثر وهلات التفاؤل تبقى هناك حيرة تمد لسانها لنا؛ ويبقى ما يقال تافه وسطحي وقشرة صلبة تغطي الألم نفسه.


ملحق للبيان:



1-
نحن، عدد من أنواتي، أو ذلك العدد من أنواتي الذي يعشقه جسدي في الوهلة؛ نتفق في الآن هنا أنا، وفقط في حدود ذلك، إلى حين إشعار باتفاق آخر في حال أخرى.
"مازن مصطفى/بيان لحل إشكالية التنمية"

2-
لابد أن نعمل إذن، لابد من تشييد المستقبل نفسه الآن ليتسني للمستقبل الإتكاء عليه وتمديد رجليه، لابد من قتل المستقبل بتحقيقه كله اللحظة، واهبين بقية الزمن كله للآلهة، حتى يتم خبزه في غيرنا. أيتها الآلهة: نحن عجائن ناضجة إلتهمتها الحياة. لنأتمر بأمر النمو، بأمر الرفاه، بأمر ما نادت به نداءات العالم التي لم نسمعها لعقمنا.
"مازن مصطفى/بيان لحل إشكالية التنمية"

3-
نحن، كل مازن حضر هنا ومن معه، صغنا البيان التالي وكلنا أمل في أن تتبدل أمنياتنا بأمنيات ألذ، قمنا بتقديم ما يتفق عليه من أسانيد، عامدين ألا نشتط، آملين أن نخطو، عبر هذه الخطوة كخطوة خجولة ومبتدئة، إلى خوض معترك أعمق لاحقاً، بأهداف أكثر طموحاً مما قدمناه ونشاط سياسي أشد إبتعاداً عن ترديد البيانات، أشد إرتباطاً بمصالح الجماهير والشعوب، التي لسنا ننطق إلا بالإنابة عن بعضها، أي الذين وقعوا على هذا البيان، وإلا لفترة قصيرة، أي فترة كتابتنا له؛ لسنا، بالتالي، مسئولين عن أي مفردة كتبت خارجه؛ لم نكتب كل تلك الكتب، ولم نخلق العالم، ولم نرصف طريقاً ولابنينا حجرة. وهذا منا للتوكيد.
"مازن مصطفى/بيان لحل إشكالية التنمية"

4-
يجب إختبار لطائف فريدة، رغم جفاف ما تبقى من المبالاة نفسها.

5-
يجب مقاومة كل مكان مبارك؛ ليتني لا تباركت، يا ليتني لا تباركت. وليتني لا تباركت نية مسبقة، وتشديد مطلوب، وقطع آصرة مع مديح ناقص، وكل مديحٍ ناقص؛ لم يعد كله يطربني، وأتبجح.

6-
العقل

المشنقة الأولى؛ تمرح بجبروت لانهائي وباسمها تقام الولائم الماحقة. العقل اللعبة كلها: أدوات تنظيم التجربة صارت أدوات محاكمة صحة التجربة وخطلها؛ صار العقل سياج التجربة ومحدد ممكناتها، وهو الذي بدأ معاوناً لها: لم ننتقل قط من الحيوان إلى البشري، إنتقلنا من الحيوان إلى الحيوان الداجن الأشد إفتراساً وخسة.

7-
الحقيقة

أخت العقل، كانت خلف حروب لا تحصى؛ بنت الأخلاق والجوهر: حين الاستخدام "الصحيح" للعقل نبلغها: أي حلقة مفرغة!.

8-
الفرق بين الحقيقة والخيال فرق تكريس وجرائم: كل مكرس، لابد عبَر في مدارج قتل لامحدودة لإخماد ردائفه، وكل تكريس في ذاته جريمة مدهشة. حين يبلغ الخيال سطوته يبلغ سلطته خالقاً من نفسه جوهراً في آلة البديهة.

9-
حين نشأ تصور للأنا إشتعل المحق، ونشأت أحقاد في الأسفل واحتقار في الأعلى (لكن الاحتقار نبيل) ثم نشأ تصور الجوهر والعلة والسبب.

10-
لا وحدة في الإرادة.

11-
الكاتب الرسالي: حقود ووضيع. لابد من فاشية لتفترض أن من واجبك تعليم أحدهم، توجيه أحدهم، تصويب أحدهم. إن دعاة التنوير يتحركون من نقطة إمتلاكهم للنور وأن كل ما عليهم نقله؛ كيف يمتلكون "الحقيقة"؟ ارجع للرقم سبعة.

12-
الكاتب الرسالي: حقود ووضيع. من يزعم بالتقدم يزعم معرفة "الأمام"؛ بينما كل "أمام" نقطة في الخلف. الخلف الذي ينطبق علينا ككارثة. لم نبصر في كل أمام مزعوم سوى ويلات لانهائية. لم نبصر سوى تحطم الأمل بدوي هائل؛ والتطور لم يعد يعني سوى: من المتطور قتلنا بقنبلة عن ذبحنا بسكين. هل تضائلت همجية الإنسان مع "التطور" المزعوم؟ صار السلاح يقتل أكثر، ولم أعد أقتل لأني أكره، بل ببساطة لأن هذا عملي.

13-
العلم:
كانت بالطوطم شعرية أمضى. هذه التجريدات تصنع أدوات لا تلبث أن تمتلكنا؛ هذه المعادلات سموم لاحد لها. وما الفائدة من زيادة متوسط أعمارنا في هذا الشرط الإنساني البغيض؟ هل من يقين بعد؟ كانت هذه فرمالة العلم: اليقين؛ وكأن اليقين مطلب، وكأنه ممكن (راجع رقم سبعة) ثم أتت فيزياء الكم لتسحب هذه الورقة الأخيرة غير الرابحة.
إن هوس التقنية الذي طاردنا منذ بارمنيدس تدميره لايقاس: البيئة نفسها تمحق؛ ومقابل الكوارث اللانهائية لم نتقدم روحياً خطوة، ربحنا السفر السريع والمدن الكبرى وإبادة عالم بضغطة زر! كأن نصبح بشراً أفضل لأننا نستخدم الفيسبوك!
في مغامرة تطويع الطبيعة استبدال قهر بقهر: قهر الطبيعة بقهر العلم! لن تقتلنا الصاعقة بعد مانعة الصواعق، بل تفكيرنا وحده يفعل. يا بختنا.

14-
مطلب:
إيقاف الاستهبالات اللغوية؛
ما الفرق حقاً بين "عالم المُثل الإفلاطوني" و"الماوراء الديني" و"النومين الكانطي" و"المجتمع الشيوعي الشيوعي" و"زمن النبي"؟

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تَرَانيم مَحموديَّة - شذرات متفرّقة في ذكرى اغتيال الأستاذ

The Beauty of the Silly - نجلاء عثمان التوم

 The Beauty of the Silly  نجلاء عثمان التوم


إلى عثمان حامد سليمان
هل يمكن تشريح الأصالة؟ هل يمكن الكشف عن شعوبها الداخلية دون مجزرة؟ أنا مدفوعة هنا بالحجب الأصيلة التي يغزلها الغناء السوداني حول نفسه فيبدو لنا أحياناً شيئاً محيراً، لامع الحيرة. عندما نتجرد من العصاب الذي نسميه الفهم، وننطلق في رحلة متحللة من كل غاية، ونستمع إلى الأغاني السودانية بأرجلنا ومصاريننا، نشعر أن الطاقة التي تتهدج في الجو هي، ولا شيء خلافها، الهوية. لكن تظل أصالة هذا الغناء شيئاً غامضاً جداً وعصياً على التعيين. ثمة إستراتيجيات، أعتقد، أيّدت هذه الجذوة التحتية. أولاً تحتجب الأصالة، في معظم الأحيان، في تمويهات هزلية تنتجها قوالب شبه ثابتة محكومة بشهوة الرجز، والطلاقة الشعبية، والنبرة العادية في الكلام. فالغناء في الأساس هو مكان التغزل في اليومي والعادي في أقرب نسخه إلى الواقع. وكلما تشبثت الأغنية بسوقيتها المعروقة، كلما تصير إلى درجة من أصالتها الصحيحة. لكن الفن هو دائماً تدخل معقَّد، فلا نجاة من سطوته، لكن التحايل عليه ممكن. فعندما تبدأ أغنية ابتهالية، فيها تسجيل لمغامرة البلاغ العشقي والوصال الكامل، بعبارة “الحج…

الجرح في القلب على مسؤولية صاحبه - فيصل محمد صالح

الجرح داخل القلب على مسئوليةِ صاحبه! بقلم الأستاذ فيصل محمد صالح
الراحل: معتصم جلابي
مقدمة طينيَّة: لم أستمتع بكتابةٍ سرديِّةٍ وشعريّةٍ في الآونة الأخيرة كما تفجَّرتُ دموعاً ومحبّةً وتذكّراً وأنا أطالع ما كتبه حبيبنا فيصل محمد صالح في حقِّ صديقه الراحل الأديب معتصم جلابي. وقد قال فيصل في نهاية الكتابة: [وبعد، إذا سبقت لك معرفة معتصم جلابي، فما أن يُذكر اسمه أمامك، حتى تضئ ابتسامة عريضة كل قسمات وجهك، دون أن تستطيع مقاومة إغرائها! لكن سرعان ما تفجعك، في اللحظة التالية، خاطرة رحيله، فتنحدر منك دمعة صغيرة تزاحم تلك الابتسامة، تحاول طردها لتحل محلها، ولكن .. هيهات!]، وقد كان، رغم أنني عرفتُ معتصم جلابي طفلاً، في الرياض بالسعوديّة، كصديقٍ مقرّب ومحبب لأمي رشيدة وأب الفاتح؛ إلا أن الذي يعرفه يُدرك، وغالباً سوف يدرك القارئ لهذا النص؛ أنه لا يكترث بالأعمار، فكان تعامله معي نديّاً وحقيقيّاً وجادّاً إلى أبعد حد، وقد كان المفضل بالنسبة لي من بين أصدقاء أسرتنا الصغيرة. وقد أصرَّ فيصل في النص أنه هجر الشعر والأدب لأنه يفتقد إلى الموهبة، وهذا لعمري إدعاءٌ مردود بذريعة هذا النص ذاته، فهو قصيدة، وهو قصة، …