التخطي إلى المحتوى الرئيسي

والجميع؛ تلصقهم ببعضهم واحداً تلو آخرٍ ليسوا إجابة - هاشم يوسف الرطل





هاشم يوسف الرطل

مقتطفات من كتاب: ظلمة تعكس أشعّة الخليط
.
اختيار: رندا محجوب


By: Joel-Peter Witkin


مَنِ الضَّادِيُّ المتلعثمُ ذاك
وهو يُترجمُ النزعاتِ إلى شفقٍ مبدَّدٍ ومحترِقٍ فيه
بينما أنتِ تُضَادِّينَ الكامنَ فيكِ
يُترجمُ باندفاعٍ شاملٍ:
هذه لمسةٌ،
وهذه مرارةُ كأسٍ قصيرٍ ليس في اليدِ غيرُه،
وتلك حشرجةُ ما يَلِي الذَّبحَ فيك،
وهذه نقطةُ بوحٍ انفجرَت في يدِ أوّلِ محظوظ،
وهذا شعاعٌ لَفَظَهُ مصباحُكِ لكثرةِ ما بِهِ مِن دَسم،
وهذا وهذا؛
وتحت كلِّ هؤلاء ظلِّي،
المخمَّرُ،
الممْشِيُّ عليهِ سجادةً لغابةِ الشُّروخِ الكثيفة،
لأوهامِ السيقانِ تُحَرِّك كُرةً لَمْ تأتِ في الملعب بَعد،
لَمْ تأتِ بَعد،
ظُنَّت مَرَّاتٍ كثيرةً في الشَّبِاك،
وليس في الشِّبَاكِ مِن أحدٍ غيرُهُم؛
ليس في البابِ غير مفتاحٍ صدِئٍ،
بِيَدِ الرِّيح،
بِيَدِهِ الرِّيح،
ترتادُهُ الأسماءُ جميعُهَا ولا يُفْصِحُ لها عن أيِّ حرفٍ منه.

ـــــــــــ

تَشُدُّني من معصمي قِصَّتي،
يَعتلِيني سرجي فارسُ الجِهَات،
يُقَلِّم سيفُهُ رقابَ الوقت،
ينتهكُ المعاركَ أسرَى،
هنَّ أمامه في قفص.
تدفعُنِي من جُنُوبِيَ العَشْرِ قِصَّتي،
حتى ألتَئِمَ بالرّاوي فيها،
ولا يَبقَى بيننا من حِجَاب،
.
ــــــــــ
المتخَشِّبُ على ما بِهِ من حديد،
يَكادُ ولا يَكاد،
تَمُرُّ القواربُ في دَمِهِ؛
في ظلمةٍ لا يضيئها أحدٌ غير التردُّد،
ينزفُ الميعادُ وقتَهَا ما لديْهِ عليه،
يصطدمُ كلُّ شيءٍ في القاربِ بصخرةٍ حينَها،
كلُّ شيءٍ وألَمٌ في رأسِ كلِّ شيء،
غائصونَ في الظلمةِ،
والماءُ أيضاً؛
ولكنْ يَقُولُ كَفَاهُم غَرَق.
ـــــــ
المشروب راكعٌ
الشاربون عَبَروا على ظَهرِهِ سنين عددا،
عادوا،
لكنه ما يزال.

تتكلم اللغات عن معانٍ لا تَحدُثُ أبداً،
بينما المعاني تتجول خارجها سكرى،
تهذي،
إبرتها تَلمَسُ من الخارج الغشاءَ الخفيف مغلِّفَ اللغة،
تُحْدِث نبضة الوخز الصاعقة به،
بينما الجليلة تلك،
ظَنَّت الأمر اشتجار شريانين فيها بسبب الرياح،
فنامت، وبين يديها نام الأبد.

الكوب يُملأ:
أولاً بقشرة الأرض ورعافها الثخين،
ثم ما في الأعالي من الأشجار وهَمسِها غير المحتشم؛
تليها الكائنات الطيارة/مقلوب الفضة،
ومرارة الشهد،
حتى تُسقف أخيراً بوطأة السماء كلها،
بينما المعاني كلها فوق ذلك وخارج الكوب،
يحسّ بذلك من شعاعٍ صادرٍ عن خلاصة ترابٍ وأسماء وعرق الفانوس،
فيضغط بكل وزن حزنه على جثة المنضدة،
محاولاً النفاذ فيها،
فلا يستطيع إليها السبل.
القطرات السامة عنوةً،
والأكواب القادرة تَعْلَم،
ترقد القطيفة الموجّجة باللمس في القاع،
تُبارك ذلك،
وتستدرج فم الشارب إلى فخها.

ــــــــ

الأزل والأبد
افترقا على جانبي النهر؛
تنابذا بحكاياهما،
عن معاركهما ضد بعضٍ،
أين التقيا إذاً،
إن لم يكن هنا في جسدي؟.
ـــــــــ
ويزحف نحو الطهر بريءٌ أسقطه القدر،
من حسابه المتورِّم بالمذنبين،
صار يزحف مبتعداً عنه،
حتى عاد إليه،
ليزيده انتفاخاً على ورمه المنتفخ.

ــــــ

إن أردتم لنا هذه المعركة،
اصطفوا خلف السيوف ولا تجبنوا.
خضنا الحروب جميعاً،
فصرنا قتلى،
أسرى،
جرحى،
فهل حَسم النصرُ أجسادنا،
و الهزيمةُ،
فنأمن، إن عدنا إلى الدار، أنَّ المعارك لن تنبت فينا أبداً؟.
لنا من كلِّ معركةٌ جسدٌ لا يموت،
وفي كلِّ طيرٍ لنا ريشةٌ من ضحايا الحروب،
والنصر يتثاءب في صمته،
يتباعد فيه اليقين كثيراً،
فلا يكتفي.
و عند عودتنا إلى الدار؛
كل معركةٍ فينا تحارب أخواتها،
كي تغنمهنَّ جميعاً،
فلا يغنمن سوى أنَّهنَّ المعارك،
خضن المعارك معركةً معركة.

ــــــــ

تُصَوِّبُ الأناشيد أسفارها نحو أُذني،
لكنْ،
فيها يرقد اللحن الخالد المطمئن.
ــــــــــ
أحيط الغبار،
بوجهي،
فيزحف نحو كُتلته الجامدة.
مبتعداً عن فلاتي، وسطوة ملامحي،
ما قلَّت وجوهي، والشخص واحد،
ثمَّ ينساني وهو يَنفَد في طقسه.
ـــــــ
أمدُّ لكم هذه القوَّة السوداء،
تغنُّوا لهذا البياض كما شئتم الآن،
غداً لا سواد علينا يخيف العدو.

ــــــــــ

يا عالياً من علوت،
تدرَّجْ على سلّم القلب،
حذاؤك أثقل منّي،
ومنك.

ـــــــ

النحل يدمي السكون بلسعاته الخارقة،
وكان الرحيق،
يَتَدَلَّى من سماءٍ قريبةٍ في الحلْق،
فصار الفراش المُحلِّق حول البراءة أسطورة الغيم،
يؤذي الجميع بأسئلة الزهر،
و الجميع تلصقهم ببعضهم واحداً تلو آخرٍ ليسوا إجابة.
الزهر مَن نحله ابتدعَ اللسع في هذه الأبجدية،
كائناً مَن يكون،
لسعة الإسم تؤذي لساناً،
يختلط فيه طعم الحياة بأقوالها.

ــــــ

بينما نحن أنيابٌ أكيدةٌ على جسدٍ هشٍّ
وتحتنا بِرَكُ دمٍ لا يفضِّلها الذباب،
نمزّق دونما هدف،
دونما مسغبة.
صبر الفريسة مشدودٌ جداً،
لو مَسَّته نسمةٌ تَقطَعه.
قبل هذا،
يهرب منه لحنٌ حادٌّ،
مصوَّبٌ نحو أرحام الكائنات وأصلابها،
دون أن تلمسه يَدُ عازفٍ بشريّ،
أو تهدده نسمةٌ جائعة.
ـــــــ

تعود من جثتي الروائح للأنوف الأصل،
و يعود الضحايا أحياء،
يلجمون عين الحسرة التي بَكَت ما استطاعت،
لذا لا تكترثوا لِمَن قُتل،
قاتلٌ لنفسه ولغيره،
دعوه مسجّىً بين الصفات،
سيُبعث من دمه دَمَاً،
يسري في أضابير الجهات،
يعكس أقطابها المؤكدة قبلاً.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

The Beauty of the Silly - نجلاء عثمان التوم

 The Beauty of the Silly  نجلاء عثمان التوم


إلى عثمان حامد سليمان
هل يمكن تشريح الأصالة؟ هل يمكن الكشف عن شعوبها الداخلية دون مجزرة؟ أنا مدفوعة هنا بالحجب الأصيلة التي يغزلها الغناء السوداني حول نفسه فيبدو لنا أحياناً شيئاً محيراً، لامع الحيرة. عندما نتجرد من العصاب الذي نسميه الفهم، وننطلق في رحلة متحللة من كل غاية، ونستمع إلى الأغاني السودانية بأرجلنا ومصاريننا، نشعر أن الطاقة التي تتهدج في الجو هي، ولا شيء خلافها، الهوية. لكن تظل أصالة هذا الغناء شيئاً غامضاً جداً وعصياً على التعيين. ثمة إستراتيجيات، أعتقد، أيّدت هذه الجذوة التحتية. أولاً تحتجب الأصالة، في معظم الأحيان، في تمويهات هزلية تنتجها قوالب شبه ثابتة محكومة بشهوة الرجز، والطلاقة الشعبية، والنبرة العادية في الكلام. فالغناء في الأساس هو مكان التغزل في اليومي والعادي في أقرب نسخه إلى الواقع. وكلما تشبثت الأغنية بسوقيتها المعروقة، كلما تصير إلى درجة من أصالتها الصحيحة. لكن الفن هو دائماً تدخل معقَّد، فلا نجاة من سطوته، لكن التحايل عليه ممكن. فعندما تبدأ أغنية ابتهالية، فيها تسجيل لمغامرة البلاغ العشقي والوصال الكامل، بعبارة “الحج…

تَرَانيم مَحموديَّة - شذرات متفرّقة في ذكرى اغتيال الأستاذ

تنقيباتُ الجنوبيّ

تنقيب الظلام