التخطي إلى المحتوى الرئيسي

محبة الأعداء بالثقافة


مداخلة تقدمت بها في الملتقى التفاكري الثاني حول الأزمة الوطنية في السودان
الدوحة، قطر، من السبت 22 إلى الاثنين 24 سبتمبر 2012
مأمون التلب




[ولن تَكونَ مبالغةً إذا قلت أن الحرب قد حَوَّلت الناس إلى مثقَّفين، لكنها جَعَلَت منهم عَدميين لفترةٍ من الزمن. الناس الذين كان من الممكن، بالطرق العاديَّة، أن يُمضوا حياتهم بنحوٍ هادئ حوَّلتهم الحربُ إلى متمرّدين. ما الذي كان يمكن أن أكونه لولا الحرب؟ لا أعرف، لكنه شيءٌ مختلفٌ عمَّا أنا عليه الآن. إذا حَدَث ولم تقتلك الحرب فمن المؤكَّد أنها ستجعلكَ تفكِّر؛ لا يمكنك بعد ذلك الاضطراب المعتوه الذي لا يوصف أن تستمر باعتبارك للمجتمع شيئاً أبديَّاً غير قابلٍ للشك، كالهرم. لقد صرت تعرف أنه مجرَّد خَرَاب](1)
جورج أوريل – الخروج إلى الهواء الطلق


نقاط أوليّة:
أولاً: لا أرى اختلافاً (نوعيَّاً) بين ما يحدث في السودان من حروبٍ ونزوحٍ ومجاعات، وبين الحادث، باستقرارٍ، في بقيّة دول العالم؛ وإنما هو ـ بعبارة الأستاذ محمود محمد طه ـ اختلاف كَمِّي؛ لا أؤمن بالاختلاف الذي ينبعُ في العين من الوَهلة الأولى؛ وتحديداً إن لم تُصادف هذه العين عدداً لا بأس به من تجارب الأدب والفن والفكر العميق في العالم؛ فإن كانت هنالك جريمةٌ حَدَثت في السودان، مخفيّةً عن أعين سكَّان السودان وأعين العالم، تَبكي في ظلام كوابيسها؛ فهيَ جَريمة الحرب المكثّفة ضدّ المعرفة، بذريعة قدرتها على تخريب أذهان النساء ـ أولاً ـ والرجال ـ ثانياً ـ وتنشر أفكار ثقافات لا يضيرها شيء سوى اختلافها عن ثقافتنا اختلافاًَ خلاقاً.
ولأنَّ الجريمة من البشاعة بمكان، سقط عدد لا بأس به ـ بأقدارٍ تتفاوت ـ في ثقوب الأدب السوداء، المخفيّة عن أعين الحكومة والمجتمع، المُسرَّبة، في حالاتٍ، بواسطة قديسين سريين يملكون ـ وأحياناً يرثون ـ ثروةً من الكتب والمعرفة الذهنيّة والقدرة على النقد والسؤال. وفي مستوىً آخر، نرى تلك الثقوب السوداء المنثورة على سطح الفضاء الإنترنتيّ؛ هذه المعجزة البشريّة ذات الأجنحة. لقد أُغلِقت مكتبات المدارس والمكتبات العامّة وبُدِّلَت بمكتباتٍ إسلاميّةٍ تحوي تلك النوعيّة العجيبة من الكتب الدّاعمة لوجهةِ نظرهم حول (كيف يجب أن يعيش الإنسان حياته)!. فُتّشت بيوت، صُودرت كتب، وحُطِّمت السينما وهيئاتها الفعالة بضرباتٍ قاتلة، ورُفِدَ الفنانين والأدباء والمثقفين والعلماء من وظائفهم في كل مكان؛ حَدَث تطهيرٌ آيديولوجيٌّ لكلّ خصوم فكر "الإخوان المسلمين"، إضافةً، بالطبع، إلى تشويه المناهج التعليميّة تشويهاً مُمَنهجاً، ثمَّ، بضربةٍ واحدةٍ، حُلحلت مؤسسات الثقافة بالدولة، وأغلق اتحاد الكتاب السودانيين المنتخب في الثمانينات، وصُودِرَ دارَه المتربِّع قُرب مقرَن النيلين.
ثانياً: الثورة لم تَحدُث بَعد! هذه بداياتها، لكن اندلاعها اقترَبَ اقتراباً مُرعِباً، والذي بَدَأَ بمشاهدة الوحشيّة المدمّرة لأذهان نخبة المجانين الذين يَحكمون العالم اليوم؛ بدايةً بحكومة الولايات المتّحدة الأمريكيّة الحامية لشركاتها وبنوكها، نهايةً بـ(إلى ما لا نهاية)!. إن شكل الثورة لم يكن أوضحَ من ما هو مكتوبٌ ومخلوقٌ بيد الإنسان، مُتجليَّاً في الأدب منذ بداية تاريخ الكتابة، وفي الفنون منذ أن خَرَجَ الشكل الأوّل من لهيب الخيال مُشكَّلاً، وفي الموسيقى راعداً في سمفونيّة بيتهوفن التاسعة.
إنني لا أتحدّث هنا عن مجموعة صغيرة من الكتاب والفنانين، إنني أتحدث عن طَبَقةٍ شاسعةٍ من المتمرّدين تشكّلت في السودان، وبطرقٍ سحريّة سحرَ الفن، لمقاومة الخسف الذهني الذي مُورِسَ على شعب السودان، والذي يصل اليوم إلى أبشع أشكاله: الحرب. كانت فعليَّاً حقبة حربٍ وإبادةٍ للأجساد [مازن مصطفى]، أعني جميع أشكال القَتل؛ بدايةً باستهداف المرأة ـ الكائن الأقوى إنسانيَّةً ـ مروراً بقَتل الغرائز وتحجيب الجمال وإغلاق أبواب المعرفة، نهايةً بالقَتل الجسدي؛ الحرب التي لم تتوقّف منذ بداية هذه الحقبة إلا لآمادٍ قصيرةٍ جدَّاً. ها هي الآن تستَعر.
لن أتحدَّث عن المشرّدين في الشوارع، ولغتهم المُعبِّرة تعبيراً عظيماً عن هذه الحرب العظيمة ضدَّ الحياة، ولن أتحدَّث عن النازحين من أنحاء السودان كلّه إلى مدينةٍ فقيرةٍ، قُبِّحت تقبيحاً مُبالغاً فيه بأيدي ثلّة من  أبنائها "المتعلّمين"، ولا عن شبابٍ عاركَ هذا النظام الذهني بقوَّة إدراكه لسخافة تصديق أن الحياة التي يقدّمونها حياةً، فخَرَج إلى الهواء الطَّلق [جورج أورويل] ليكتشف الحياة الغامضة والمجهولة، تلك التي نَسِي السودانيّون معناها نسياناً بليغاً.
إنهيار النظام العالمي:
وللتأكيد على أن الذي حَدَثَ ويحدث في العالم لا يختلف نوعيَّاً، على القارئ الرجوع إلى مقدّمة جورج أورويل في بداية المقال، ليرى صورة التمرّد التي أتحدَّث عنها بدقّة. فأمر هذا التمرُّد اختَلَطَ بَقَراً في أذهان حُماة الدولة الافتراضيَّة؛ فالذي يحدثُ اليوم ليس انهيارُ أنظمةٍ دكتاتوريَّةٍ، بل هو [انهيارُ النظام]، وبدايةُ نظامٍ جديد، يختلف تماماً عن نظام الدولة القائم حالياً؛ إنَّه تنحيّةٌ شاملةٌ وكاسحةٌ لعصر [السياسيّ]، وبداية عصر الإنسان المبدع؛ العالم والمثقَّف، بحيث يستطيع الناس أن يتصوّروا أن يُحكَم السودان، مثلاً، بواسطة دكتور زراعي (جون قرنق نموذجاً)، بدلاً عن تُجَّار النّفط؛ والذي تكوَّن، مبدئيَّاً، من جُثثِ ضحايا هذا النظام (العالمي).
ولأن الذي يحدث هو انهيارٌ لنظامٍ عالميٍّ كامل، فلا بدّ لأسلحة الحرب أن تكون فعّالةً، قادرة على اجتذاب كلّ البشر؛ باختلاف أديانهم ومعتقداتهم وثقافاتهم وانتماءاتهم السياسيّة، وقبل الحديث عن هذا السلاح دعونا ندلف إلى اللوحة ذات البشاعة الخلابة التي تَعكس الطريقة التي انتهى بها نظامنا الأرضي، وهو يتركّز، بصورةٍ عامّة، في الغلظة والتفاهة والاحتقار والتنكيل الذي حدث للغة، إلى الدرجة التي تستطيع بها لغة، بصرية كانت أم سمعيّة أم مكتوبة أم ملوّنة، أن تُشعل حروباً عالميّةً وتُشعل حروباً أهليّة مُنتهكةً للثقافات وقيمة الإنسان ونظام الطبيعة. ففي حقيقة الأمر، أن الذي يحدث، وكان يحدث باستمرارٍ طوال تاريخ البشريّة، أن حرباً مُستعرةً أشعلها البشر ضد اللغة، بدايةً بتحميلها لقيم وأخلاق فاسدة في أساسها ـ يتم تنقيتها من حينٍ لآخر بثورات وحروب ـ انتهاءً بعصرنا الحالي الذي استباحت فيه الشركات البيوت وقِيَم العائلة وتوهّمات الحيوات السعيدة لزيادة دخلها المتضخم. إن الذي نحتاجه موجودٌ في الخطاب الثقافي، إذ أن الذي حدث هو تخريبٌ بشعٌ مستمرٌّ للثقافة، بدايةً بلغتها، انتهاءً بكل قيم الاستعلاء والاستكبار العرقي العجيب!. فما الذي يعنيه (العدل) في عالم اليوم؟ أو (الديموقراطيّة) التي تتحكّم فيها الشركات ومطامع السياسيين الرخيصة؟ ما الذي تعنيه كلمة (جمال) و(أخلاق) و(إيمان) و...إلخ (وفي إلخ أعني إلى جميع الكلمات).
مثوّرات الشعور
علينا أن نعتمد على مثوّرات الشعور الحقيقيّة؛ الموسيقى التي تخلب كلّ لب، والفن الذي يدخل كلّ قلب، والكتابة التي تنزفُ دماً. فالذي يرى كيف تجري عمليّة التعبئة للثورة الأمريكيّة المقبلة، فإنه سيصطدم باللوحات واستلهام جمل صغيرة من مقولات الأدباء الفنانين والعلماء والحكماء من جميع العصور، منذ مقولات السكّان الأصليين للقارات قبل اندلاع الاتصال الاستعماري المريع، والذي كان بداية تجمّع هيكل العالم، إلى العصر الذي اكتمل فيه اللحم بربط الأحياء جميعهم، بإلغاء الزمان والمكان تكنولوجيّاً، وشعورهم ببعضهم البعض كأعضاء الجسد الواحد!. نعم، إنّه وقت التغيير الثقافي واستلهام تجارب بلدان دخلت جحيماً أبشع من جحيمنا الآن (ألمانيا نموذجاً) والتي أنتجت ـ أثناء ومن بعد الجحيم ـ أضخم وأقوى حركة ثقافية موجودة في أوربا اليوم. لقد استطاعوا أن يخرجوا بلداً كاملاً من جنونٍ عنصري، كذلك أخرجوا الكثير من البلدان من حولهم، وكان ذلك بعد احتراق الجلود بالنار، وفناء ملايين البشر. ولا نريد أن نخوض في أمر ما تمخض عنها من جحيمٍ آخر استمرّ أزمنةٍ امتدت إلى اليوم (اليابان نموذجاً).
السياسة (وَدَّ) الثقافة العاق
والسياسة (ودّ) الثقافة العاق مذكّرةً لأن الانقلاب الذي نفذه السياسي ضدّ أمه (الثقافة) كان بذات الطريقة التي نفذ بها الرجل انقلابه على امّه المرأة، والطبيعة فيما بعد كما نرى اليوم. فمنذ البدء أنشأ الإنسان خطاباته جميعاً من بطن الثقافة؛ باستخدام لغتها وفنونها؛ كتابةً وقراءةً وخطابةً وتلويناً ونحتاً وطبخاً وزراعةً ..إلخ وراح طايح فيها سَلِخ؛ كلما مضى عليه الزمن أخذ يأكل من سنام الثقافة هذا، مثلما يأكل من سنام الطبيعة، حتّى أتى عليه حين من الدهر طَرَد فيه السادة (شعراءَ افلاطون): العالِم (الشاعر؟) والفنان والكاتب والقارئ والملوّن والطبّاخ والزراعي، الذين يؤمنون ويدركون الطاقة الهائلة للخيال، طُرِدُوا شرَّ قذفةٍ من حظيرة المجتمع المُسيطِر؛ العامل بإيمانٍ في التكرار والنسخ، اشتدَّ ذلك بعد أن خرج علينا ما اتُّفق على تسميتها بالسياسة تريد، كذلك، أن تأخذ حصتها وتنهل من سنام الثقافة؛ فاستخدمت (الخطاب السياسي، التمثيل، الكتابة، الفنون بنحتها ورسمها؛ استخدمتها لقدرتها على (التَرميز) وتبجيل السياسي والأفكار السياسيّة و، في النهاية، القدرة على تكوين الخطاب السياسي؛ فما الذي حدث ليفقد المثقّف مقعده ويشعر بعُقَد الذنب والتقصير والاستصغار أمام "الذي أصبح سياسيَّاً خالياً من الثقافة مؤخراً؟". لماذا استطاع مصطلح عجيب كـ(مثقّف) أن يفصل ما بين هذين الإثنين، كذلك أن يحط من قيمة المُلقَّب بالـ[مثقّف ـ آتي] (إن كان من الممكن أن نسميه الخطاب الثقافي) والاعتقاد بقدرة الأول على التغيير دون أن تتقدّم الثقافة ركب التغيير؟ لقد استطاع الفنان، أخيراً، أن يخرج من قبضة (خدمة الخطاب السياسي ورموزه)، وهذا هو ما أضعف الحركة السياسيّة وكسّر خطابها ـ في السودان وفي جميع أنحاء العالم ـ وابتذله: خسرانها للثقافة (بانقطاعها عن المعرفة بدعوى مُحيّرة فحواها أن المعرفة للمثقفين فقط ـ البيبرّمو شعرهم وإلخ)  ومن ثمّ عزلها للمثقفين (كما يحدث دائماً) بمجرّد تمرّدهم على الكُتل المسيطرة على السلطات (حكومة، معارضة، بالجَنْبَة؛ أي حاجة)، أو السلطات الأعلى (سلطة النظام العالمي) التي أبادت عدداً لا بأس به من الفنانين والسياسيين المثقفين الذين استطاعوا أن يصلوا القيادة.
منظمات المجتمع المدني:
-       إن التمويل الذي تحتازه منظمات المجتمع المدني لا يذهب إلى بناء حركةٍ ثقافيّة حقيقيّةٍ إلا مجاملةً، وأعني أننا لا نجد الذين يملكون الخبرة في العمل الثقافي داخل منظمات المجتمع المدني، وحتّى إن وُجدوا فإن المشاريع التي يعملون عليها صغيرة وبـ(الاسم ساي). لذلك أقترح أن يتم التربيط بين منظمات المجتمع المدني والمنظمات المتخصّصة في العمل الثقافي (اتحاد الكتاب نموذجاً) لبناء مشروع تغييرٍ يرتكز، في الأساس، على نشر المعرفة التي حاربتها حكومتنا الحالية كهدف أساسي. أن نعود إلى العمل في الأحياء والأندية الاجتماعية المفتوحة لكل اقتراح، أن نُنشئ مشروعاً لتأسيس نظام مكتبات عامّة في السودان (يا اخوانا القروش البتمشي للورش بتعمل ألف مكتبة).

تعليقات

  1. امس الاحد فى سهرة اذاعية ذكر المتحدث ان مكتبة بخت الرضا كانت تسلف و بالبريد كل من يطلب كتبها فى القبل الاربعة لنصحو اليوم و لا نجد مجرد مكتبة عامة فى طول البلد الا من ثلاث او اربع

    ردحذف
  2. خطاب بقدر ما يمتليء بمثيرات الأسى، فهو ممتع وجميل، بقدر مافيه من مثورات الحزن فهو يسعدنا أن المخلصين لقضية الثقافة في بلادي لم ينقرضوا بعض. ولا أعنى مجرد المخلصين، إنما إولئك الذين يتبعون القول العمل، ويعطون العمل حقه. أصحاب الوجعة، والبلد ما عاد عندها وجيع بيده أمر شيء من نفسه ناهيك عن شيء من موارد الشعب. لك التحيات النواضر الإبن مأمون، ولتدم مأموناً على قضية الثقافة والكتاب والفنانين، مأموناً على قلمك ألا يختلسه منك لص السياسة.

    ردحذف
  3. لذلك أقترح أن يتم التربيط بين منظمات المجتمع المدني والمنظمات المتخصّصة في العمل الثقافي (اتحاد الكتاب نموذجاً) لبناء مشروع تغييرٍ يرتكز، في الأساس، على نشر المعرفة التي حاربتها حكومتنا الحالية كهدف أساسي. أن نعود إلى العمل في الأحياء والأندية الاجتماعية المفتوحة لكل اقتراح، أن نُنشئ مشروعاً لتأسيس نظام مكتبات عامّة في السودان (يا اخوانا القروش البتمشي للورش بتعمل ألف مكتبة).

    أأمن يا مامون على كلامك بضرورة أن يعود العمل الثقافى من خلال أندية الأحياء الشعبية، فقد كان لها دور كبير وعلى مر تأريخ السودان الحديث برفع درجات وعى الجماهير بقضاياهم كلها، حتى الأندية الرياضية الكبيرة كالهلال والمريخ كان لهم دور فاعل فى تثقيف الناس عبر المسرح والكتابة بكل أنواعها والموسيقى والتشكيل. فقد على المهمومين بالأمر إيجاد آلية جديدة للعودة آخذين فى الإعتبار مسألة العولمة وتكنلوجيا الإتصال والتى شغلت الناس عن الإجتماعى التقليدى قبل ظهورها.

    ردحذف
  4. تصحيح *فقط على المهمومين

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

The Beauty of the Silly - نجلاء عثمان التوم

 The Beauty of the Silly  نجلاء عثمان التوم


إلى عثمان حامد سليمان
هل يمكن تشريح الأصالة؟ هل يمكن الكشف عن شعوبها الداخلية دون مجزرة؟ أنا مدفوعة هنا بالحجب الأصيلة التي يغزلها الغناء السوداني حول نفسه فيبدو لنا أحياناً شيئاً محيراً، لامع الحيرة. عندما نتجرد من العصاب الذي نسميه الفهم، وننطلق في رحلة متحللة من كل غاية، ونستمع إلى الأغاني السودانية بأرجلنا ومصاريننا، نشعر أن الطاقة التي تتهدج في الجو هي، ولا شيء خلافها، الهوية. لكن تظل أصالة هذا الغناء شيئاً غامضاً جداً وعصياً على التعيين. ثمة إستراتيجيات، أعتقد، أيّدت هذه الجذوة التحتية. أولاً تحتجب الأصالة، في معظم الأحيان، في تمويهات هزلية تنتجها قوالب شبه ثابتة محكومة بشهوة الرجز، والطلاقة الشعبية، والنبرة العادية في الكلام. فالغناء في الأساس هو مكان التغزل في اليومي والعادي في أقرب نسخه إلى الواقع. وكلما تشبثت الأغنية بسوقيتها المعروقة، كلما تصير إلى درجة من أصالتها الصحيحة. لكن الفن هو دائماً تدخل معقَّد، فلا نجاة من سطوته، لكن التحايل عليه ممكن. فعندما تبدأ أغنية ابتهالية، فيها تسجيل لمغامرة البلاغ العشقي والوصال الكامل، بعبارة “الحج…

تَرَانيم مَحموديَّة - شذرات متفرّقة في ذكرى اغتيال الأستاذ

تنقيباتُ الجنوبيّ

تنقيب الظلام