التخطي إلى المحتوى الرئيسي

تنقيب الظلام: ظُلم الثورة


تنقيب الظلام
ظُلم الثورة
مأمون التلب
eltlib@gmail



لماذا لا يُعير الناسُ أهميَّةً للتغيير الذي حدث على المستوى التكنولوجي ويتحدثون عن التغييرات السياسيّة وكأنها هي التي حَدَثَت؟! كأنها هي الفاعلة، وكأن عالم اليوم، المشحون بالثورات إلى آخر قطرة دمٍ، إنما حدث لدوافع سياسية ومعيشيّة فقط، ولمطالب الحريّة والعدالة دون النظر، أو مجرّد التفكير، في أن ما يحدث هو انعكاس طبيعي لثورة التكنولوجيا؟!.
نعم، وبالتأكيد، ما يحدث هو ثورة جسديّة حقيقيَّة، أي أنها أشرقت، أو أغربت، بدواعٍ جسديَّة تتعلَّق بالتشديد الساحق الذي أعملته سياسات العالم لتجريد الجسد من دمه ومائه وبسمته وضحكته وفرحته، صحيح! لكن هنالك بعد آخر:
تمّ مسحُ الزمان والمكان بصورةٍ فظيعة، بل تمّ مسح الحدود السياسيّة والثقافيَّة والدينيَّة، تمّ مسح الذكر والأنثى، تمَّ مسح الصغير والكبير، مُسِحَ الكاتب المبجّل والدكتور والبروفيسور، مُسِحَت مقامات رئيس التحرير وسكرتيره ومدير تحرير الصحيفة، مُسِحت الصحيفةُ ذاتها، مُسح رئيس الجمهورية ونائبه، مُسِح الشيخ ومريديه. أصبح لكل شخصٍ الحق، كل الحق، في انتقاد من يريد، على مسند الفضاء الرافض للجاذبيّة الأرضيّة.
إننا نُواجه عصراً غيرَ مُفَكرٍ فيه، عصرٌ قَتَل كلمة (الجيل) وسلطة (العمر) وتبعية الفكر والآديولوجيا؛ عصرٌ انهارت معه كل القيم في الوقت الذي ترابطت فيه كل القيم العالمية.
لكن، على عكس ما نظن، وبفبركةٍ إعلاميَّةٍ، ظهرت آيديولوجيا جديدة تُسمَّى (آيديولوجيا الشباب) التي ألبسها الإعلام التافه سلطة ليست في يدها منذ (هرمنا) وإلى سلطة الحركات الشبابيَّة في مصر التي سحقت حركة الإخوان المسلمين عبر هيمنة جميع رموز التمثيل والدراما المصرية دفاعاً، مشروعاً، عن وجودهم، ولكن بسذاجة انصياعهم لحركة سوق رأس المال العالمي.
في عالمٍ كهذا، علينا أن ندرك أن لا عمرَ يُحدّد ولا جيل يَحكم. إن الفكر الجديد، والثقافة الجديدة التي يمكن أن تُدرِك مآلات سيطرة النظام العالمي؛ إن التشرّد الذي أشعل حركة الـ(99) في أمريكا ذات العماد لم تنتم لجيل، وعندما عايشت الحركة الثقافية في كينيا أو يوغندا فلم يكن الأمر أمرَ شباب أو بتاع، كانت المواجهة تتم ضد الفكر التافه وضد العنصرية والطبقية. إلا أن ما حدث، بعد اندلاع الثورات العربيَّة، أورث، في سوداننا، سلطةً لمن يدّعون أنهم (حركات شبابيَّة)، لدرجة أن جميع الأحزاب المعارضة والحكوميَّة، ظلّت تردد أن مطالب (الشباب) من أولوياتهم. هوي ها؛ شباب شنو؟ أي نعم كل حراك العالم، منذ البدء، كان، ولا زال، على يد الشباب، والتضحيات الجسام تمت على يدهم، منذ الجامعات وإلى المظاهرات التي استشهد فيها الكثير، بل كان لهم اليد العظمى، كذلك، في تخريب العالم منذ الحروب العالمية انتهاءً بحروب الجنوب والشرق والغرب والشمال السوداني.
إلا أن منح السلطة التفاوضيَّة لهم لهو في عداد الخوف الإعلامي، أو، ربما، التباهي الإعلامي بأننا: شغالين بيكم. على ما يُدعَى بالـ(الحركات الشبابية) رفض هذه السلطة، وعليهم بالابتعاد عن آليات العمل السياسي تماماً، وعليهم أن يُدركوا أن ما يحتاجه الشعب هو المعلومات والمعرفة، وليس التبجّح بالنضال ضد أية سلطة. قال أستاذنا محمود محمد طه أن الشعب السوداني شعب أصيل ولكن تنقصه المعلومات. إن الذكاء الذي عايشته في هذا الشعب، إن كان من شعب في هذا العالم، يفوق ما عايشته في رحلاتي في إفريقيا وأوربا. لا لشيءٍ سوى لشعوري العميق بالأمان، منذ أن لَمِسَت قدمي جنوب السودان في جوبا ومنها إلى الخرطوم. الأمان يا حبيبي الأمان!
عثرنا أخيراً على ثورةٍ في التكنولوجيا من الممكن أن تُخرجنا من هذا الهم والغم، لم يعد للدول من سلطات، والحدود السياسية أضحت أكذوبة؛ الغابة كامنةٌ في الكلّ، والنهرُ جارٍ في عروق الجميع. وإن كان من بركانٍ حقيقيٍّ فإنه بركان الجحيم الغامر لكل حدثٍ إنسانيٍّ يحدث الآن. انفضح خواء السياسيين وغَربت شمسهم. فإن كان من حلٍّ فإنه يكمن في الاستماع الحقيقي لما يُكتب ويُدوَّن في الفضاء الذي يُسَمَّى فضاءً سائباً.
نعم، تمَّ إفقارٌ كليٌّ للعالم في حادثةٍ لن تتكرر في التاريخ، صَحِبَ ذلك ثورةً تكنولوجية ألغت الزمان والمكان بطريقةٍ لن تحدث مرةً أخرى في التاريخ أيضاً (الحمد لله) لأن الرأسماليَّة حملت جرثومة موتها في داخلها بالتنافس التجاري على ابتكارات التكنولوجيا، ذلك لَحَم العالم المُجبر على الإفقار، ذلك لَحَم قلوب الناس، ذلك ما أشرَقَ مادة الحب القديمة التي تعمل، منذ الأساس، وبقوانين الطبيعة، على الخلق والجمع بين البشر. إنهم يظنون أنهم لماكرون، والله خير الماكرين.
إن الاستعمار، بكل أشكاله، زَرَع هذه اللغة التي نتخاطب بها جميعاً في عقول الناس، ودرَّسها، وهذه غنيمة حرب (كاتب ياسين)، لكن الحدث الجديد هو أنني الآن، وفي هذه اللحظة، أخاطب الكبار والصغار، أخاطب الكون كله، بهذه الأزرار الصغيرة على كمبيوترٍ صغير. إن الاستعمار، والحروب العالميَّة، والدكتاتوريات، جميعها، في ظني الشخصي، لهي عمليات معانقات حبٍّ سريَّة، تُفَتِّت التفكير القديم، وتخلق تفكيراً جديداً في كلِّ حين، وإنها الجحيم الأرضي الذي تحدث عنه أستاذنا محمود محمد طه؛ جحيم التعليم الذي أُرِيدَ به الخير؛ النار الفاتنة، والحفرة السحيقة التي يُبعث منها الإنسان.
علينا أن نُفكِّر في التاريخ بحياةٍ أكثر، علينا أن نتنَفسَّه بدلاً عن شتمه واعتباره ملكاً للأجيال التي تعيش فيه. وتعيش لأجله. إن الحب، هذه المادة الطبيعية الأساسيَّة، هي ما يُشكِّل رأس السهم الذي يُقلِقُ الريح، ويُشكّكها في معنى حركتها، هو الذي يُشَكِّك في تكوين النار للصخر والجبال، وما يُعين النهرَ على أن لا يكون النهر ذاته مرتين.
إن النظر في قوانين الطبيعية؛ تشكيل البذرة للشجرة، انعكاس ضوء الشمس وتحليق الطيور عبرها، ظلال اليد العاملة على الخشب، وافتراس الحيوانات لبعضها البعض، يُشير، بسلاسة، إلى أن أبشع الكائنات، وأقلّها إدراكاً للقانون، هو هذا الإنسان الذي يُصر على تدمير هذا القانون. وبسلاسة.

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نُشر بصحيفة الرأي العام (6 فبراير 2014)
اللوحة:
Francis Bacon 3 Studies for a Portr. incl. Self-Portr. 1969, left

تعليقات

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تَرَانيم مَحموديَّة - شذرات متفرّقة في ذكرى اغتيال الأستاذ

The Beauty of the Silly - نجلاء عثمان التوم

 The Beauty of the Silly  نجلاء عثمان التوم


إلى عثمان حامد سليمان
هل يمكن تشريح الأصالة؟ هل يمكن الكشف عن شعوبها الداخلية دون مجزرة؟ أنا مدفوعة هنا بالحجب الأصيلة التي يغزلها الغناء السوداني حول نفسه فيبدو لنا أحياناً شيئاً محيراً، لامع الحيرة. عندما نتجرد من العصاب الذي نسميه الفهم، وننطلق في رحلة متحللة من كل غاية، ونستمع إلى الأغاني السودانية بأرجلنا ومصاريننا، نشعر أن الطاقة التي تتهدج في الجو هي، ولا شيء خلافها، الهوية. لكن تظل أصالة هذا الغناء شيئاً غامضاً جداً وعصياً على التعيين. ثمة إستراتيجيات، أعتقد، أيّدت هذه الجذوة التحتية. أولاً تحتجب الأصالة، في معظم الأحيان، في تمويهات هزلية تنتجها قوالب شبه ثابتة محكومة بشهوة الرجز، والطلاقة الشعبية، والنبرة العادية في الكلام. فالغناء في الأساس هو مكان التغزل في اليومي والعادي في أقرب نسخه إلى الواقع. وكلما تشبثت الأغنية بسوقيتها المعروقة، كلما تصير إلى درجة من أصالتها الصحيحة. لكن الفن هو دائماً تدخل معقَّد، فلا نجاة من سطوته، لكن التحايل عليه ممكن. فعندما تبدأ أغنية ابتهالية، فيها تسجيل لمغامرة البلاغ العشقي والوصال الكامل، بعبارة “الحج…

الجرح في القلب على مسؤولية صاحبه - فيصل محمد صالح

الجرح داخل القلب على مسئوليةِ صاحبه! بقلم الأستاذ فيصل محمد صالح
الراحل: معتصم جلابي
مقدمة طينيَّة: لم أستمتع بكتابةٍ سرديِّةٍ وشعريّةٍ في الآونة الأخيرة كما تفجَّرتُ دموعاً ومحبّةً وتذكّراً وأنا أطالع ما كتبه حبيبنا فيصل محمد صالح في حقِّ صديقه الراحل الأديب معتصم جلابي. وقد قال فيصل في نهاية الكتابة: [وبعد، إذا سبقت لك معرفة معتصم جلابي، فما أن يُذكر اسمه أمامك، حتى تضئ ابتسامة عريضة كل قسمات وجهك، دون أن تستطيع مقاومة إغرائها! لكن سرعان ما تفجعك، في اللحظة التالية، خاطرة رحيله، فتنحدر منك دمعة صغيرة تزاحم تلك الابتسامة، تحاول طردها لتحل محلها، ولكن .. هيهات!]، وقد كان، رغم أنني عرفتُ معتصم جلابي طفلاً، في الرياض بالسعوديّة، كصديقٍ مقرّب ومحبب لأمي رشيدة وأب الفاتح؛ إلا أن الذي يعرفه يُدرك، وغالباً سوف يدرك القارئ لهذا النص؛ أنه لا يكترث بالأعمار، فكان تعامله معي نديّاً وحقيقيّاً وجادّاً إلى أبعد حد، وقد كان المفضل بالنسبة لي من بين أصدقاء أسرتنا الصغيرة. وقد أصرَّ فيصل في النص أنه هجر الشعر والأدب لأنه يفتقد إلى الموهبة، وهذا لعمري إدعاءٌ مردود بذريعة هذا النص ذاته، فهو قصيدة، وهو قصة، …