التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرض الإنسان الحديث: إيريك فروم



مرض الإنسان الحديث: إيريك فروم*





شَخَّص العالم إيريك فروم مرض العصر في كتب كثيرة، ولكنّ هذه الصفحات التي أطالعها الآن لخّصت الكثير من هموم اليوم. لا أريد أن أقول المستقبل، ولا الماضي، لكن اليوم، والحاضر والآن. ,وهذه التسمية لهذا المقتطف من عندي، مرض الإنسان الحديث، إريك فروم: إنك لفيلسوف قرننا هذا، إنك قاعد معانا في البيت عديل، وأنا بحبك :)
إهداء للسادة: إبراهيم جعفر وسلوى السعيد، لإرسالهم هذا الجهاز العجيب الذي أتاح لي كل هذه المعارف، شكراً ليكم :) .

والاغتراب، بصفته مرضاً للذات، يمكن عدَّه لبّ المرض النفسي للإنسان الحديث؛ حتى ولو كانت المسألة مسألة أشكالٍ أقل تطرّفاً من ذِهان. وقد تُوضّح بعض الأمثلة السريريَّة الكلينيكيَّة هذه العمليَّة. ولعل أكثر حالات الاغتراب وقوعاً وأشدّها وضوحاً هو (الحب الكبير) الزائف!. فلقد عشق رجلٌ امرأةً؛ وبعد أن بادلته الحب في أوّل الأمر عادت فانتابتها شكوك كبيرة فتَقطع صلتها به، وترين عليه كآبة يُشرف فيها على الانتحار. ويحس أنَّ الحياة فقدت معناها في نَظَره. ويُفسّر الموقف عن وعي وبصيرة بأنه نتيجة منطقية للحادثة. ويعتقد أنه خَبِرَ أوّل مرة ما الحب الحقيقي، وأنه يستطيع أن يَعرف الحب والسعادة مع هذه المرأة فقط، معها وحدها. وإذا ما هَجَرته فلن يعود هنالك أي إنسان يستطيع أن يُحدِث فيه ردّة الفعل نفسها. ويحس بأنه لو فقدها لَفَقَدَ الأمل الوحيد في أن يحب. وعلى هذا كان الموت أهون عليه. وكان لهذا كلّه رنَّة موحية بالصدق والإقناع؛ على أنه كان في إمكان أصدقائه أن يطرحوا عليه بعض الأسئلة:
أنَّى لرجلٍ بدا إلى الآن أقلَّ قدرةً على الحب من الإنسان العادي أن يُحبّ فجأةً حُبَّاً شديداً بحيث إنه يُؤثر الموت على أن يستمر في الحياة من دون حبيبته؛ وكيفَ حدث أنّه إذا ما تكلّم على ضياعه تكلَّم بصورة أساسيَّة على نفسه وعمّا حصل له على حين تكاد لا تهمّه مشاعر المرأة التي أحبّها حبَّاً جمَّاً. وحين يتحدث المرء مع هذا التعيس في شيءٍ من الإسهاب الزائد يستطيع المرء أن يحسب حساباً أنه سيقول، في منتصف الحديث، على حين غرّة، إنه يحس بفراغٍ تام؛ فراغ شديد جداً لكأنّ قلبه بقي عند الفتاة الشابّة التي فقدها. وحين يكون قادراً على أن يفهم معنى الشيء الذي قاله عندها سيفهم أنه يعاني من اغترابه. إنه لم يكن قط قادراً على أن يحب حبَّاً فَعَّالاً وأن يخرج من الدائرة السحرية الخاصة بذاته وأن يمدّ يده ليتفاهم وينسجم مع فتاةٍ أخرى. والحق أنه لم يُسقِط على الفتاة الشابّة إلا أكثر من إسقَاط تحرّقه إلى الحب وأحسّ في أثناء ذلك أنه عاش وعرف الحب بوصالها. والحق أنّه لم يَحيَ إلا في الوهم بأنه يحب. وكلما أكثر من إسقاط شوقه إلى الحب والحيويَّة والسعادة على هذه الفتاة ازداد فقراً واشتدَّ إحساسه بالفراغ لمّا كان منفصلاً عنها. وعاش وهماً أنه يحب هذه الفتاة الشابّة على حين جَعَل منها في الحقيقة معبوداً له ورَبّة حب. وظنّ أنه يعرف الحب بواصلها. هكذا تَأَتَّى له يُحدِثَ ردّ فعلٍ لجيها، على أنه لم يستطع أن يتغلَّب على خرسه الداخلي. وحين يفقدها فيما بعد، لم يفقد، كما ظَنَّ، الشخص الذي أَحبَّه، بل فَقَدَ نفسه إنساناً قادراً على الحب.
إن اغتراب الفكر ليشبه اغتراب القلب. وكثيراً ما يظنّ أحدهم أنه أنعم التفكير في شيءٍ ما وأن رأيه هو نتجية تفكيره النشيط. على أنه عَهِدَ في الحقيقة بقدرته على التفكير إلى أوثان الرأي العام والصحافة والحكومة أو إلى قائدٍ سياسي. فهو يعتقد أنّ هؤلاء عَبَّروا عن أفكاره هو على حين يتبنّى هو في الحقيقة أفكارهم على أنها أفكاره، لأنه اختارهم ليكونوا موضع محبّته وعبادته وآلهة للحكمة والمعرفة. ولهذا السبب بالذات هو أيضاً تابعٌ لهذه الأوثان وعاجز عن أن يكفّ عن عبادتهم. فهو عبدهم لأنه تَخَلَّى عن قدرته على التفكير.
إن اغتراب الأمل الذي يتحوَّل فيه المستقبل إلى معبود هو مثالٌ آخر. وهذا التأليه للتاريخ يتجلَّى في آراء روبسبير بوضوح: [أيّتها الأجيال اللاحقة، يا أمل الإنسان اللطيف الرقيق، لستم بغرباء عنّا؛ فلأجلكم نُقاوم ونُجالِد ضربات الظلم والطغيان؛ سعادتكم وهناءتكم ثمن قتالنا الممض، وكثيراً ما تثبطنا عوائق محيطة بنا فتكون بحاجة إلى هذا العزاء؛ وإليكم نوكل مهمة إتمام عملنا، وفي أيديكم نضع مصير كل الأجيال التي لم تُولَد بعد... سارعي، أيتها الأجيال اللاحقة، واتركي ساعة المساواة والحرية والسعادة تبدأ](1)
وعلى نحوٍ مماثل استعمل الشيوعيون المرة تلو المرة صياغة مشوَّهة لفلسفة ماركس في التاريخ. ويُحاجج هؤلاء على النحو التالي: إن كل شيءٍ يتّفق مع النزعة التاريخيَّة هو ضروري، وعلى هذا فهو حسن، والعكس بالعكس. وطبقاً لهذا المفهوم، وسواء بالطريقة التي يُحاجج بها روبسبير أو الشيوعيون، فليس الإنسان بالذي يصنع التاريخ، بل التاريخ يصنع الإنسان. وليس الإنسان هو الذي يأمل ويطمئن إلى المستقبل، بل إنّ المستقبل يَحكم عليه ويقرر مما إذا آمن الإيمان الصحيح. ولقد جَهَرَ ماركس بمفهوم تاريخي يُعارض المُغتَرِب المُستَشهَد به للتو. يكتب في (الأسرة المقدّسة): [إنّ التاريخ لا يفعل أي شيء ولا يملك أية ثروة هائلة ولا أي قتال! بل إن الإنسان، الإنسان الحقيقي الحي، هو الذي يفعل هذا كلّه ويملك ويُناضِل. وليس التاريخ بالذي يتّخذ الإنسان وسيلةً ليُنجِزَ أغراضه، لكنما هو شخص فريد، إنه ليس إلاَّ عمل الإنسان الذي يتوخَّى مصالحه ويرمي إلى أغراضه.
ولظاهرة الاغتراب جوانب سريريَّة أخرى لا أستطيع إلا أن أمرَّ بها مروراً خاطفاً. إنّ كل أشكال الاكتئاب والتبعيَّة والعبادة الوثنيَّة (بما فيها أشكال [المتعصّب]) ليست تعبيراً مباشراً عن الاغتراب، أو تعويضات له فحسب، بل إنَّ من نتائج الاغتراب أيضاً العجز عن أن يعرف الإنسان هُويّته!. وإن هذا لأولى المشاكل للظواهر المتعلّقة بعلم أمراض النفس. ولأن الإنسان المغترب أسقَطَ وظائف الإحساس والتفكير العائدة له على موضوعٍ خارج ذاته فإنه لا يعرف أي إحساس بذاته ولا يعرف هويّة. ولهذا النقص في معرفة الهويّة أو أنه لعدم معرفة الهوية نتائج كثيرة. وأهمّ هذه النتائج وأعمّها هي أنه حيل دون كمال الشخصيَّة. فالإنسان ليس متّفقاً مع ذاته ويفقد إمّا القدرة على إرادة شيء ما(2) أو إذا ظَهَرَ أن لديه هذه القدرة افتَقَرَ إلى صحة هذه الإرادة. وبالمعنى الأوسع يستطيع المرء أن يرى كل عصابٍ نتيجةً للإغتراب. ويتعلَّق هذا بأنه سيسود دائماً في أثناء العصاب ولع واحد (مثلاً: الرغبة الملحة في المال والسلطة والنساء وغير ذلك) ينشطر عن الشخصيّة الكاملة ويسيطر بذلك على الإنسان سيطرة تامّة. وهذا الهوى أو الولع يكون بعدئذٍ معبوده الذي يخضَع له، ومع أنه يسوّغ طبيعة معبوده ويضفي عليه أسماء كثيرة مختلفة، وكثيراً ما تكون حلوة اللحن رائعة النغم. وتسيطر عليه رغبة جزئيَّة، فهو يُسقط كل شيء تبقَّى له على هذه الرغبة، بل إنه ليزداد ضعفاً كلّما اشتدت قوه هذا الـ(هو). لقد صار غريباً عن ذاته لأنه صار عبداً لهذا الجزء من ذاته.
وحين يرى المرء الاغتراب ظاهرة مرضيَّة (باتولوجيّة) يجب على المرء ألاَّ ينسى أنَّ هيجل وماركس رأيا فيه ظاهرة ضروريَّة هي جزء لا يتجزَّأ من التطور الإنساني. وينطبق هذا على اغتراب العقل والحب على سواء. وحين أستطيع أن أُمَيِّز بين العالم الخارجي وبيني أنا، وهذا يعني، حين يُصبِح العالم الخارجي موضوعاً لي، ففي مثل هذه الأحوال فقط أستطيع أن أُدركه وأجعله عالمي لكي أتّحد معه من جديد. إنَّ الطفل الصغير الذي لا يفهم العالم بأنه (موضوع) لا يستطيع أن يُدركه بفهمه ويتّحد معه. ويجب أن يصير الإنسان غريباً عن ذاته لكي يَتَغلَّب على الإنقسام في عمل عقله.
وينطبق الشيء نفسه على الحب. فما دام الطفل الصغير متصلاً بالعالم الموجود خارج ذاته فإنه لا يزال جزءاً من العالم نفسه، وعلى هذا لا يستطيع أن يُحب. ولكي يستطيع أن يحب يجب على (الآخر) أن يُصبِحَ غريباً عنه، وفي عمل الحب يكف الغريب عن أن يكون غريباً ويصبح (أنا). ويشترط الحب اغتراباً ويتغلَّب في الوقت نفسه عليه.
إننا نجد الفكرة نفسها في التصوّر النبوي عن عصر المسيح المخلّص وفي تصوّر ماركس عن الماركسيَّة. ففي الجنة يكون الإنسان متّحداً مع الطبيعة على أنه لم يَعِ نفسه بعد بأنه منفصل عن الطبيعة والآخرين. ومن طريق عمل العصيان يتوصَّل الإنسان إلى وعي ذاته وإدراكها، ويصبح العالم غريباً عنه. وفي السياق التاريخي يُطَوِّر الإنسان قواه الإنسانيَّة حسب تصوّر الأنبياء تطويراً كاملاً بحيث إنه يتوصّل في آخر المطاف إلى وفاقٍ جديد مع الناس والطبيعة. وطبقاً لماركس ليس في إمكان الإشتراكيَّة أن تأتي إلا إذا تحَلَّل الإنسان من كل الروابط الأساسيّة الأوليَّة وصار غريباً كل الغربة، وبذلك تأتَّى له أن يَتَوحَّد من جديد مع غيره من الناس ومع الطبيعة من دون أن يُضحّي بكماله وفرديّته.
إن جذور مفهوم الاغتراب لعالقةٌ في مرحلة متقدّمة للتقليد الغربي، وفي فكر أنبياء العهد القديم، ولا سيما تصوّرهم عن عبادة الأصنام. لقد حكم أنبياء مذهب التوحيد أول ما حكموا على الديانات الوثنيَّة بأنها عبادة أوثان لا لأنها عَبَدت غير إلهٍ بدلاً من إلهٍ واحد!. إن الفرق الوحيد بين التوحيد والشرك لا ينحصر في عدد الآلهة، بل في حقيقة الاغتراب!. إن الإنسان ليبذل طاقته وقدراته الفنيّة في إقامة صَنَم، ثمّ يعبد هذا الصنم الذي ليس إلا نتيجة جهوده الإنسانيّة. إن قواه الحيويّة تدفّقت في (شيء)، ولا يُخبَر هذا الشيء نتيجةً للجهود المنتجة الخاصة بعد أن استحال إلى صَنم، بل يُخبَر شيئاً منفصلاً عن الإنسان يعلو عليه ويُناصبه العداء ويعبده ويخضع له. وكما يقول النبي هُوشَع (14،3):
(لا من آشور نُريد أن نأمل خلاصاً،
ولا نركب الخيل أبداً،
ولا نقول أبداً للشيء الذي
صنعناه بأيدينا: إلهنا!
إذ لدنك فقط اليتيم رحمة) (3)
إنّ عابد الأوثان يركع أمام عمل يديه. ويُمثِّل الصنم حيويّته ونشاطه في صورة مُغتربة.
أما مبدأ التوحيد فيعني أنَّ الإنسان لا متناهٍ وأنه ليس فيه صفة واحدة يُمكن أن يُشخّصها في كل. وبحسب التصور التوحيدي لا يمكن إدراك الله ولا تحديده. فليس الله (بشيء). ولما أنَّ الإنسان خُلِقَ على صورة الإله فإنه أيضاً لذو صفات لا متناهية. وفي عبادة الأصنام يركع الإنسان ويخضع لإسقاط صفة جزئيّة من صفات ذاته. ولا يعرف نفسه مركزاً تصدر منه أعمال حيوية للحب والعقل. إنه يتحوَّل إلى شيء وغيره، أي الآخر، يتحوّل إلى شيء، مثلما آلهته الأشياء.
(ما أصنام المشركين إلا فضة وذهب،
بئس ما صنعته يد الإنسان
لها أفواه ولا تتكلم،
لها أعين ولا ترى،
لها آذان ولا تسمع،
ولا نفس لها في أفواهها أيضاً.
والذين سنعوها يجب أن يكونوا مثل عملهم غير المتقن
وكل الذي يتّكلون على الأصنام (مزامير 135).
إن الإنسان الحديث، إنسان المجتمع الصناعي، غَيَّر صورة الأصنام وشدّتها، لقد أصبح موضوع قوى اقتصاديَّة عمياء تتحكّم بحياته. فهو يُقدّس عمل يده ويتحوّل هو نفسه إلى شيء. فلا الطبقة العاملة وحدها الغريبة، بل الجميع (والحق أن العامل الفني ليبدو لنا أقل اغتراباً من الذين يؤثرون ناسٍ من رموزٍ ويُوجّهونهم) وعملية الاغتراب هذه، سيّان كان نوع بنيتها السياسيّة، سببت في البلدان الصناعية حركات احتجاج جديدة. وإن عصر نهضة النزعة الإنسانيَّة الاشتراكيّة لهو علامة من علامات هذا الاحتجاج. ولأن الغتراب وصل إلى نقطة حيث يبلغ العالم الصناعي كلّه حد الجنون، وحيث يفت الاغتراب تقليده الديني والفكري والسياسي ويحطّمه ويهدده بدمار شامل من طريق حرب ذريّة، لذا يستيطع كثيرون أن يفهموا اليوم فهماً أحسن أنّ ماركس كان قد أدرك المشكلة الأساسيَّة لمرض الإنسان الحديث؛ وأنه لم يرَ هذا المرض كما رآه فيور باخ وكيركغارد فحسب، بل بيَّن أيضاً أن عبادة الأصنام الحالية لها جذورها في طريقة الانتاج الحالية، وعلى هذا لا يمك تغييرها إلا من طريق التغيير الكامل للظروف الاجتماعية والاقتصاديّة والتحرير العقلي للإنسان.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)           قَبَسنا هذا من سي. ل. بيكر: المدينة الإلهية لفلاسفة القرن الثامن عشر، نيوهافن 1932م، ص142-143.
(2)           أنظر سورين كيركيغارد: طهارة القلب هي الرغبة في شيء واحد، نيويورك، 1938م.
(3)           جاءت ترجمة هذه الآيات في الكتاب المقدّس، ص 1297، ط كوريا 1936 كما يلي: ( لا يخلصنا آشور. لا نركب الخيل ولا نقول أيضاً لعمل أيدينا إلهاً. إنه بك يرحم اليتيم. (المترجم)
*إريك فروم (23 مارس1900 - 18 مارس، 1980) عالم نفس وفيلسوف ألماني أمريكي. ولد في مدينة فرانكفورت وهاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية في 1934
من أعماله :الهروب من الحرية (1941) التحليل النفسى والدين (1950) اللغة المنسية : مدخل إلى فهم الأحلام والقصص الخيالية والأساطير (1951) المجتمع العاقل (1955) رسالة سيجموند فرويد : تحليل لشخصيته وتأثيره (1959) أزمة التحليل النفسى : مقالات عن فرويد وماركس وعلم النفس الاجتماعى (1970) تشريح نزوع الإنسان إلى التدمير (1973) كما حرر كتبا، بأقلام كتاب متعددين عن بوذية زن ومفهوم ماركس للإنسان وغيرها.

تعليقات

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

لماذا الحرب؟ - رسالة تسيغموند فرويد إلى آينيشتاين

تَرَانيم مَحموديَّة - شذرات متفرّقة في ذكرى اغتيال الأستاذ

The Beauty of the Silly - نجلاء عثمان التوم

 The Beauty of the Silly  نجلاء عثمان التوم


إلى عثمان حامد سليمان
هل يمكن تشريح الأصالة؟ هل يمكن الكشف عن شعوبها الداخلية دون مجزرة؟ أنا مدفوعة هنا بالحجب الأصيلة التي يغزلها الغناء السوداني حول نفسه فيبدو لنا أحياناً شيئاً محيراً، لامع الحيرة. عندما نتجرد من العصاب الذي نسميه الفهم، وننطلق في رحلة متحللة من كل غاية، ونستمع إلى الأغاني السودانية بأرجلنا ومصاريننا، نشعر أن الطاقة التي تتهدج في الجو هي، ولا شيء خلافها، الهوية. لكن تظل أصالة هذا الغناء شيئاً غامضاً جداً وعصياً على التعيين. ثمة إستراتيجيات، أعتقد، أيّدت هذه الجذوة التحتية. أولاً تحتجب الأصالة، في معظم الأحيان، في تمويهات هزلية تنتجها قوالب شبه ثابتة محكومة بشهوة الرجز، والطلاقة الشعبية، والنبرة العادية في الكلام. فالغناء في الأساس هو مكان التغزل في اليومي والعادي في أقرب نسخه إلى الواقع. وكلما تشبثت الأغنية بسوقيتها المعروقة، كلما تصير إلى درجة من أصالتها الصحيحة. لكن الفن هو دائماً تدخل معقَّد، فلا نجاة من سطوته، لكن التحايل عليه ممكن. فعندما تبدأ أغنية ابتهالية، فيها تسجيل لمغامرة البلاغ العشقي والوصال الكامل، بعبارة “الحج…