التخطي إلى المحتوى الرئيسي

جواسيس


جواسيس
مأمون التلب


قُتِلوا.
وإن كانت لهم الريادة في اكتشاف أصل العين
وماهيّة المياه العائمة في أجساد البشر.
إنهم مجرّد شياطين صغيرة،
تتوزّع،
من حينٍ لحين،
لتَفعلَ،
بقدراتها الضئيلة،
ما ينساق إليه أغلبيَّة من يملكون العقل.
تجدهم في أشكالٍ حيوانيَّة؛
الضبّ منبطحٌ أمام باب بيتك، مقطوع الذيل،
وما بينه وبين ذيله قطيعٌ من النمل يُحمِّلُ ما قدَّمه له الله من صورةٍ تُشعُّ في الأحلام،
أنظر إلى الجثَّة وأقول: من كنتَ أنتَ ومن كانَ أنا من قبل أن نلتقي في هذه السانحة الميّتة؟
هل كان الحائط هو مصيرنا المشترك،
حيث تُصدّ أنغام الموسيقى وتعودُ إلى العالم،
حيث غيَّرنا ألوان جلودنا لتصبح جزءاً مُمَيِّزاً يُرغمنا على الحياة؟.

إنهم في كل منحىً وصوب، يراقبونك، وإن أنت لم تكن بشراً سخيّ الخيال فإنك لن ترى:
العنكبوت يُرسل إليك الكلمات،
ظلال الأشجار تترقرق بلغةٍ لطالما نسيتَ معناها في غمرة الفرح الفظيع بما تنتجه جثث الأرض،
من سمادٍ، ودمٍ أسودٍ: ما أبعدتك عنهُ أمكَ كما اُبعدت النار، بالمعرفة، لسان موسى.
إنني أنظر إلى الشواطئ وأرى فيها استمرار الموجة المُتعدّدة بتعدد الكائنات،
أنظر إلى الصخور العظيمة، وإلى أبوابها الجبليَّة، ولا يدهشني أكثرَ من زهرةٍ تُحطّم صلف كلّ جمودٍ
فتخرجُ قليلة اللون،
لكنّ تأثيرها يطال القيل والقال في أنحاء الدم المنسكب في جسدك أيها الإنسان.
ما يُقلقني هو:
لماذا يُقتَلُ رُسُل الشرّ الذين أدركوا، دون شكٍّ، ما فعلوه بالعالم.
لماذا لا يُواجَهون بذات المحبَّة التي قُوبِلَ بها من أنقذَ عطر الزهرة بالشعر،
ومن كان واقفاً أمام نافذةٍ تُطلُّ على نهاية العالم،
إنّه بحر الغَرَق المكوَّنِ في كلّ حركةٍ تقيم الخيال وتُقعِدُ الواقع.
أيها الذي تُسمَّى الواقع: إلى الجحيم.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

لماذا الحرب؟ - رسالة تسيغموند فرويد إلى آينيشتاين

تَرَانيم مَحموديَّة - شذرات متفرّقة في ذكرى اغتيال الأستاذ

The Beauty of the Silly - نجلاء عثمان التوم

 The Beauty of the Silly  نجلاء عثمان التوم


إلى عثمان حامد سليمان
هل يمكن تشريح الأصالة؟ هل يمكن الكشف عن شعوبها الداخلية دون مجزرة؟ أنا مدفوعة هنا بالحجب الأصيلة التي يغزلها الغناء السوداني حول نفسه فيبدو لنا أحياناً شيئاً محيراً، لامع الحيرة. عندما نتجرد من العصاب الذي نسميه الفهم، وننطلق في رحلة متحللة من كل غاية، ونستمع إلى الأغاني السودانية بأرجلنا ومصاريننا، نشعر أن الطاقة التي تتهدج في الجو هي، ولا شيء خلافها، الهوية. لكن تظل أصالة هذا الغناء شيئاً غامضاً جداً وعصياً على التعيين. ثمة إستراتيجيات، أعتقد، أيّدت هذه الجذوة التحتية. أولاً تحتجب الأصالة، في معظم الأحيان، في تمويهات هزلية تنتجها قوالب شبه ثابتة محكومة بشهوة الرجز، والطلاقة الشعبية، والنبرة العادية في الكلام. فالغناء في الأساس هو مكان التغزل في اليومي والعادي في أقرب نسخه إلى الواقع. وكلما تشبثت الأغنية بسوقيتها المعروقة، كلما تصير إلى درجة من أصالتها الصحيحة. لكن الفن هو دائماً تدخل معقَّد، فلا نجاة من سطوته، لكن التحايل عليه ممكن. فعندما تبدأ أغنية ابتهالية، فيها تسجيل لمغامرة البلاغ العشقي والوصال الكامل، بعبارة “الحج…