التخطي إلى المحتوى الرئيسي

طفلٌ يُكذِّبُ البراءة


طفلٌ يُكذِّبُ البراءة
مأمون التِّلب





(1)

مجرَّةٌ تخرجُ من نهرٍ
يندفعُ نيزكٌ محبوبٌ منها، هو أنا، ويُشيعُ ضياعه من كلِّ مدارٍ
يخنقُ جماله بتكويناتٍ أوليَّةٍ لانحناء سواد الفضاء عليه:
سأعود أيتها الأرض
من مياهك الجارية بلا خوفٍ نبعتُ
من جوفكِ تعلَّمت ظلاماً يسمَّى منبعاً
ينحتُ الأرض بمجرىً قسريّ،
سأبثُّ شكوايَ لمن يعرف التهابي؛
أنا نيزكٌ تطمئنُّ له الشياطين،
ولن أحرق تراكبهم فوق بعضٍ
_كما قيل_
لأحرمهم من صوتِ إلهٍ جميلٍ يسامر الملائكة في ليلٍ مسحورٍ بأسرار الخلق؛
بمصائر خلقٍ يتساقطون أمام عظمةِ فضاءاتٍ تشقُّ صدورهم.

كلُّ فضاءٍ يملكونه بنيازكه المدمِّرةِ يستعيد خطورته،
وينموا بينهم أعشابَ هياكلٍ صمَّاء كوَّنت الرَّحم،
يولد منه الطِّفل؛ النيزك، الفضاء، هذيانات عصور؛
عصورٌ وُجِدَ فيها من سَمَّى النَّهر،
من لن يُعَرِّفَ المجرَّةَ، ويراها نابعةً من أصغر ذرَّةٍ في العالم.

ذرَّةُ الدَّمعةِ والحبِّ والمُغادرة،
ذرَّةُ الشَغَبِ بأصابعٍ صغيرةٍ،
ذرَّةُ العَمَى في صرخةِ عنقٍ يُذبح،
ذرَّةُ خيالٍ يتكالب على نفسه باللغة،
ذرَّةُ نسيانٍ بغيضٍ يلفُّ جسداً عاشقاً بالنوم،
ذرَّةُ الذرَّةِ يا أصغرَ جوفٍ تكتَّم على رعشته.

(2)

الحياةُ سخيفة، بينما تحاول جاهداً أن تدقِّق في المادة الكيميائية المعقدة وقد كوَّنت لك، للتوّ، أجفاناً وملامح فراشيَّةً، تُصاب مركّبات المادَّةِ بهياجٍ غير مبرر، أحياناً لأجل التسلية فقط. للأمانة؛ فإنها تتهيَّج أحياناً لأن المواد قد وقعت في غرام بعضها البعض، وتمرَّغت في سرير الشهوات الذي هو أنا على كل حال؛ تناحرت، ودقَّقت في مكوناتِ كلِّ جزءٍ بنظرة الحبّ والهيام العمياء. ربما لا تجود عليك المخيلة لترى السُّخف الحياتي في ما قرأت، ولكن، جرِّب أن تكونَ أُمَّاً سَرَح بجسدها شيطانٌ عقيم في وديانٍ رحميةٍ كُشف فيها _من أجل رشوةٍ تعليميَّةٍ من قبل الأم_ عن مكان الولادة الأولى للأنسان، تلك التربة العقيمة التي أخرجت آدم. على الأقل.
ولكن،
أنظرني يوم أُولَدُ عجوزاً، أخرجُ من أمي بعكَّازٍ لحميٍّ مُدمَّى،
ورأسي مبرَّدٌ بشيبٍ متكوِّر على هيئة جنين.
أنظرني وخير جليسي على الحِراب نظرات،
أتوقف عن عد الجبال النَّاطقة ذوات السروج،
عن توتير أقواسٍ تُنجبُ الجمال مع كلِّ فريسةٍ تظهر في التماعة السَّهم السَّائل:
اندفعت لوجهك، أيها العالم، وتغيَّرتُ بوجهي لأراك وقد أبصَرْتَ المرآة؛
تلك الجروح التي تتلوَّى ثعابينَ أفكارٍ تُتوِّجُ غموضك تظهر للحظاتٍ وتخبو
هيهاتَ فجرٍ يتغوَّل على لحظتنا ونحن نُغيِّر ملابس بعضٍ بموارباتٍ هي أجسادُ نساءٍ
تتسالخ في عراءٍ نابعٍ من كلِّ خجلٍ يصدرُ منك، ويخفتُ من ضوء اندفاعي لوجهك،
أيها النَّاظر.

(3)

تولَّدتُ من يديَّ
تسلَّقتُ الجدار،
تركتُ أوساخَ بصماتي عليه.

كلما صعدت شبراً خُلقَ العالم؛
مجرَّدُ حيوانٍ التَمَعَ بعين طفلٍ انكفأ لبهجته يشاورها،
فسَحَقني.

هل جلدي يتلوَّن الآن في العالم الآخر؟
يتحوَّر؟
حيث جنَّتي جدارٌ خشنٌ،
وناري سطحٌ ملوَّثٌ بماءٍ يتبخَّرُ بعينِ طفلٍ ضجر.

(4)

أريدُ ألعبُ مغمض العينين،
وأُسرِّحُ شَعرَ جارتي المريضة بجانب النَّهر.
أسمع تحذيرات الكبار من مهارة السِّباحة،
وتغريمهم لنا بنطق حكمةٍ:
الماء غدَّارةٌ، ولها عيونٌ تصطاد بها من تُحبُّ بحبٍّ.

أُريد أُحمَل على ظهرك أخي،
أن أكونَ رأساً ثانياً فوق رأسك،
رأسٌ ببطنٍ تهضم الحلوى،
ويدان تُغلقان عينيك،
وقدمان تضربانِ إيقاعاً بصدرك المُتعالي.
رأسٌ له قلبٌ يا أخي.

أريد تتسلَّقني الأشجار
وتستظلُّ بظلِّي
لأستلَّ من ظلِّها أسنان اللبن المتناثرة،
أنتزعُ الجِّذرَ من ثمارها النَّاضجة،
أشتقُّ أفعالاً ماضيةً مستمرَّةً من أوراقها المتساقطة المتبدِّلة.

أريد أسقط على جدار بيتنا المخرَّب،
أكونُ مرآته.
الضَّحك الذي ارتدَّ منه،
والبكاءُ الذي ذابَ بطبقاته.
نرى سويَّةً عيون عاشقٍ تسقطُ كلَّ يومٍ منه سهواً،
وتنبتُ أخريات مسمَّمات بمن حذفته من الوجود.

الكلبُ من مرَّ بجانبه المُطلّ على الخارج،
حدَّد منطقة نفوذه بقطعةِ بولٍ لا تُسمن ولا تُغني،
كوَّن ظلَّه على جدار بيتنا المخرَّب بالعواء،
أنا مرآة العواء.

(5)

بأقدامٍ مغرورةٍ،
جلَسَ الصبيُّ على الجسرِ الأسمنتيِّ،
وأرجحهما فوق ماء النيل،
ميِّتاً من الجوعِ لمدينةٍ غارقةٍ في الأسفل.

ومن حقِّه، وهو مُكْتَشِفها، أن يحكمها بوحشيِّةٍ طُفوليَّةٍ،
هو الفَرِحُ بانشغال الكِبارِ عنه بأيامهم المتلألأة على شفتيه ابتسامةً خبيثةً،
إنه، بأرجحةٍ، يدَفع الريح بساقيه لأن تُهاجم الماء الجّاري،
تركبه، وتحفر على ظهره شوارعاً وبنايات ملوّنةٍ،
له فيها عَرشٌ وأسلحةٌ وأصدقاء،
وهو، أحياناً، يبكي صارخاً يناديهم.

من خلفه تعبر السيارات المعدنيّة بهديرٍ حقيقيٍّ يُشوِّش أوامره للريح،
يُحسُّ بوخزٍ جبَّارٍ في ظهره،
يُحسُّ بمعدنٍ يخترق جسده الصغير،
ويخرق به حديد سياج الجسر:
رَعدٌ قديمٌ تصاعد من عينيه،
انكسرت شفتاه وجرحتا ظهر الثعبان المائيّ،
غاصت عظامه المُكسّرة في الماء،
تفرَّق لحمه بين الأمواج حديثة السنّ،
شقَّ قلبه طريقاً عبر صدره،
وغَرِقَ وحيداً في الليل الطويل الممتدّ إلى قاع النهر،
ونام.

هل كان يحلم؟
ملايين القلوب هنالك تَبني، بهمّةٍ باكيةٍ، مدينةً:
رأى قلبه عرشاً يُركَّبُ بمياهٍ سوداء لامعة.
هل كان يحلم؟
دماءٌ سميكةٌ وحيَّةٌ تُشكِّل طبولاً وكماناتٍ
أجيالٌ شَهِدت (عبور النّهر آلاف المرات)
أجيالٌ مائيَّةٌ تحتفظ بلحظات العالم بيديها السّائلة الفانية في كلّ ثانية،
موسيقى خائنة وبعيدة عن قانون الكونِ تُخَلُق بروح التيَّار،
أمواجٌ كبيرةُ السنّ تحدِّق فيه.

هل كان يحلم؟
رفع عينيه لسطح الماء
رأى جسده الصغير، مُحطّماً ومُفرَّقاً كأخشابِ زورقٍ سيء الحظ
رآه يبتسم في نومه الجديد.

(6)

أعلّم ابني الأسماء جميعها:
بقلبه أهواءٌ تنظر لفمي ينطقُ الحروف،
بجماله خناجر تعوي، من فرطه،
وبي قبورٌ تحمي عظام البشريّة كلها،
وحَوَلٌ فتَّانٌ يربض في اصبعي،
وأنا أشير: هذه شجرة، تلك رياح!.

وقال لي: من علّمك؟
أقول: برقٌ مات عفو السّماء، وجدته في رحمي يتوالد، وينطفئ
قال: وكيف احتملت بريقه المُطفأ؟ كيف رأيته؟
قلت: قتلني هو، لأراه، وأنا الآن جُثَّتي
قال: لم أبكِ عليك...
قلت: بكيت عليك، لقد أنجبتك ببكائي عليَّ.

هذا جدار؛
ذرّاته الملتصقة ببعضها بتتطرّفٍ أعمى
تُنكرُ وجود قلوبٍ سيئة النيّة تحوم بلغتها
تنكر سموم الطفولةِ البشرية التي تسأل: لماذا لا نرى من خلالك؟
وتغزو عاطفة الإنسان للتحجيب، والمُداورة،
والغيرة الحارقة.

هذه أوراق أشجارٍ ميّتة؛
فقدت ذاكرة الخضرة،
علّقت أنخابها ومصيرها على الرياح،
واستسلمت لخُدعة التضحية.
تقول: أنا أموت لتحيا الشجرة
تقول الشجرة: أنا أُحرّرك بموتك ليحيى الجفاف.

هذه عنكبوت؛
آلاف العناكب الصغيرة تصرخ ببطنها،
لأن آلاف العناكب طلبوا ودّها،
والحركة بأعضائها شائخة.
تموت لأجل الولادة،
وهو موتٌ رحيم، ورحيمه إلهٌ مُجَمّعٌ من لذَّات ذكورٍ وإناثٍ
لا يفصلهما سوى حبّهما لبقاء السلالة.
يا لها من حماقة، أن يبحث جنسٌ كاملٌ عن حياةٍ لن يبصروها،
حياةٍ لا تُعاشُ إلا بموته، هذا الجنس الحزين.

وتلك عقرب؛
يأكلها الأبناء، بهوسٍ دائخ،
وهي دائخةٌ تلبِّي نداء شهوتها.
إنها تشتهي أن تُقضم بجوع أبنائها،
إنها الجوع، يتجسّد بالحبّ،
ويذوي داخل حريّته التّائهة.

يقول لي: من علّمك الأسماء؟
أقول: برقٌ ميّتٌ بعينيك...
يقول: ولماذا كذبت؟
أقول: لكي تسأل...

هذا مسيح
لحظة صلبِهِ، بين لصَّين، باقية
إنها تتحرَّك عبر الأزمنة بجشعٍ يتوالد في عيون الأحياء،
يريدون أن يكونوه،
 يكونوا الرياح التي عَبَرت جراحه؛
صراخه الذي لم يخرج منه، لأنه يتأمل،
جلده المفقود، المنسيّ على الصليب، وعلى السياط،
الدّمُ البارق في عين مريم،
الحب الموؤود في عين المجدلية،
السراب؛
سراب الألم، والتضحية الذي يتردّد كصدىً متحجّرٍ في التاريخ.

من علّمك؟
أنت...
وكيف أنجبتني؟
لأنك أتيت من ماضٍ يسكنُ شغفي بك،
أنت أعمى.
ولكنك أعمى:
أعلّمك الأسماء،
لأنها غريزة الكراهية.
إن أنت أدركتَ شيئاً، باسمه
كوَّنت فراغاً بقلبك ليحوي قبحه وجماله؛
أنت تقتات، تفعل، وتَجرح، وتحب، بآدمك الذي سيعلّمك السّموم.

(7)

لقد جوَّعتُ رفقةَ الشمس،
بظلٍّ جائعٍ، كسير الجّسد ومشلول اللون،
تنحني نافذةٌ، بضلوعها الحديديّةُ، على جبهة ساحةٍ نازفةٍ بشراً،
المواليدُ الجُدُد، على أطراف أمهاتهم، يمتصُّون سخريَّة المُتبرعين بما فاض من خيالهم،
يتبرَّجون بعيونٍ واسعةٍ وجراحٍ تتجارح داخل نسيج ثياب أمهاتهم التائهات؛
بين قبضةِ ماءٍ تُمدُّ لهم،
بين خُوارِ أجنحةٍ تتخلَّع من أفواههم الصغيرة،
شجرةٌ تنبتُ فجأةً في منعطفات الصراخات؟
كواليسٌ تُبنى لتغطيةِ بقعةِ الدّم المنسية؟
سُهادٌ حُبيٌّ يترامى على هامش أصابعٍ تستجدي شِعْراً في زَحمة (جاكسون)؟.

رأيت قلبي يتقافز تحت أقدامٍ تلتحمُ لتُصبحَ شجرةً مُتشابكةً؛
جذورها تنبت في العيون،
وثمارها جحيمٌ يتضوَّر في الخفاء،
كونٌ بينيٌّ يُشاغب كوناً يتهشَّم،
استلالُ أبناءٍ من رحمٍ شائعٍ ومنه تخرج الأصابع،
تُهشِّم زجاج عظامها، وتتقوَّض من العزف السائح بأعينٍ جائرة،
جوَّعتُ رفقةَ الأمس،
وتكالبتُ على أعضائي أنهشها من كلِّ تشرُّدٍ ومكيدة؛
كنت الجّاهل الأعظم،
ومن حولي ينتظم عقد السماء.

سريرةٌ مدفونةٌ في تربةٍ مجهولةٍ، لكنها تُرى بالرائحة،
لأن أمطاراً تُولدُ منها كجذورٍ هوائيَّةٍ تُهاجم السماء من الأسفل،
وهذا جانبٌ مُفتَّتٌ من طفل، ينفصل عنه، ويذهب باتّجاه الرائحة يغوص في يديه؛
يُصبح يداً جائعةً تُجرجرُ أذيال نازفة، ويحفر بهدوء.

هل يجد السريرة؟ هل يُهاجمه منها ملاكٌ تمنَّى أن يكون ريشةً منسيَّةً في جناحه؟
هل تبارزه خصلات أمِّه المسرَّحة بخوفٍ من أبديَّة الولادات؟.
بل يلتقي بمرآةٍ تَعكس كَونَه الجديد:
صورةُ يدٍ شاحبةٍ على كسورٍ عاكِسة؛
يدٌ تحفر بلا أعضاءٍ تتنفّس بها، أو تلتقط بها رائحة التربة؛
يدٌ عمياءٌ تُخرِسُ مستقبلها.

(8)

خروفٌ أعورٌ غطَّى القمر،
من عينه الوحيدة خَرَجَت أطياف طيورٍ تتخبَّط بقلوب بعضها،
لكن القمر قاوم، وخرج مرةً أخرى ـ كبقايا حربٍ ـ من جمجمة الخروف الذي مات،
وتمدَّد على وجه السماء بِشرةً مذبوحةً أبداً،
تضحية مبذولةً لكل مرح يحدث في عينِ طفلٍ أُجبر على تتبّع مجريات الدَّم.

رأيت على السماء
قُمقُماً يخرجُ منه جنيٌّ ضخمٌ
وباتجاهه يركض وحيدوا قرونٍ كثيرون،
وعند رأس الجنيّ يضحك مهرجٌ بأعلى صمته،
ملوّحاً للمعركةِ بمكياجٍ مبتسمٍ دوماً،
ويُخفي عنها دموعه المرسومة في قلبه
تُقهقه.

 (عندما ترى الفراغات بين الغيوم
تُشرق أشكالٌ، وتنطفئ أشكال.
عندما تُبصر الفراغات كجزءٍ من كُتل الغيوم
ترى عالماً أصيلاً كجزء مهمَّشٍ وعابرٍ في سماءٍ أصيلة).

شرخٌ في الغيمةِ، جرحٌ في السماء
في المنتصف نجمةٌ تبحث عن لغةٍ تناسبها،
وهي، في ماضٍ خالٍ من الغيوم، سيّدةٌ بطقوسها،
تعرِّف الاتجاهات وتقصِمُ ظَهرَ التوهان،
وتسمِّي عيون النساءِ وبعد الحبيب.

لا يفارقها ضوءٌ،
كلّ صغيرٍ على هذا الكوكب
_إن كان جماداً حيَّاً، أو أضغاث كائنٍ_
يظنّها صغيرة بحجمها في العين،
يا إلهي،
كم نجمة رأت كائناً؟

لم يحدث ذلك، سوى في تكبّر الكائن.

2008م


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اللوحة: Van Gogh, Still Life with Scabiosa and Ranunculus, Spring 1886.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

لماذا الحرب؟ - رسالة تسيغموند فرويد إلى آينيشتاين

تَرَانيم مَحموديَّة - شذرات متفرّقة في ذكرى اغتيال الأستاذ

The Beauty of the Silly - نجلاء عثمان التوم

 The Beauty of the Silly  نجلاء عثمان التوم


إلى عثمان حامد سليمان
هل يمكن تشريح الأصالة؟ هل يمكن الكشف عن شعوبها الداخلية دون مجزرة؟ أنا مدفوعة هنا بالحجب الأصيلة التي يغزلها الغناء السوداني حول نفسه فيبدو لنا أحياناً شيئاً محيراً، لامع الحيرة. عندما نتجرد من العصاب الذي نسميه الفهم، وننطلق في رحلة متحللة من كل غاية، ونستمع إلى الأغاني السودانية بأرجلنا ومصاريننا، نشعر أن الطاقة التي تتهدج في الجو هي، ولا شيء خلافها، الهوية. لكن تظل أصالة هذا الغناء شيئاً غامضاً جداً وعصياً على التعيين. ثمة إستراتيجيات، أعتقد، أيّدت هذه الجذوة التحتية. أولاً تحتجب الأصالة، في معظم الأحيان، في تمويهات هزلية تنتجها قوالب شبه ثابتة محكومة بشهوة الرجز، والطلاقة الشعبية، والنبرة العادية في الكلام. فالغناء في الأساس هو مكان التغزل في اليومي والعادي في أقرب نسخه إلى الواقع. وكلما تشبثت الأغنية بسوقيتها المعروقة، كلما تصير إلى درجة من أصالتها الصحيحة. لكن الفن هو دائماً تدخل معقَّد، فلا نجاة من سطوته، لكن التحايل عليه ممكن. فعندما تبدأ أغنية ابتهالية، فيها تسجيل لمغامرة البلاغ العشقي والوصال الكامل، بعبارة “الحج…