التخطي إلى المحتوى الرئيسي

تنقيب الظلام: حول شعريّة القيادة السياسيَّة



تنقيب الظلام
الكُتل
(حول شعريّة القيادة السياسيّة)
مأمون التلب
2010م





نُشر هذ المقال على أربعةِ أجزاءٍ بصحيفة الأخبار، إبّان الانتخابات إيّاها. أعيد نشره لشيءٍ في نفس يعقوب.

(1)

لقد اتضّحت، بلا مجالِ شكٍّ دائرٍ واحد، وبصورةٍ تَبَعثرت بداخلها خلايا القاتلين والمقتولين لأجلِ قضايا إنسانيّة؛ اتّضحت لا جدوى النضال المسلّح!. وذلك لا يعني، بأيةِ حالٍ من الأحوال، الانعدام الكامل لجدواه سابقاً؛ لحظات العصور الوسطى، ونَشر الديانات، وإمكانيّة الثورات وما شابه، إلا أن نتيجة كلّ هذا التاريخ لم تقترب، ولو قليلاً، من المقاصد التي نَشَبت لأجلها هذه الحروب، بل كانت، في حقيقتها، دروساً قاسيةً تتنامى مع الزمان، تأكل من جَسَدِهَا حتّى تتحوّلَ، عند اصطدامها بالواقع الحيّ، إلى أمساخٍ تتناهشها الإرادات الناقصة، والولادات الجديدة المتفاعلة مع واقعٍ يختلف باختلاف الزمان والمكان، وتتناهشها الأرواح التي تظنّ بانتماءها الكامل، القادر، مهما كلّف الأمر، على تثبيت أفكارِهِ، مهما مرّ عليها من زمن، في تربةٍ مُفرّغةٍ من الزمان والمكان؛ فلا هي ذات جذورٍ ملامسةٍ، حتّى النهاية، تربتها، ـ لأنها تسبحُ في اللامكان ـ ولا هي تنمو؛ تُثمر، وتتشكّل أغصانها بتزايدٍ جماليٍّ واضح لأنها، ببساطةٍ، لا تتنفّس، ولا تجدُ ماءً، ولا شمساً، ولا أيةِ وسيلةٍ تتبدّل أحوالُهَا بتبدّلات الزمان.
 (2)
وما هو الواقعُ الحيّ؟. هل هو التقييم السياسي للوضع الراهن؟ هل هو هذه الجُمل: (هنالك فقر في السودان)، (هنالك مجاعة)، (أطفال مجهولي الأبوين في تزايدٍ مستمرّ)، (نهب المال العام)، (زُوِّرت الانتخابات)؟؛ الواقع الحيّ؟. لا، ربما نُطلق تسمية على هذه الجمل بطريقةٍ أفضل، إنها (كتلة الواقع)، ولكنه ليس (الحيّ).
إن الواقع الحيّ هو تجزيءٌ لقبضةِ الواقع؛ فردُها بحيث نرى، بصعوبةٍ، الأصابع المكوّنة لها، إذ أننا، عندما ننظرُ إلى اليد، فإننا لا نتذكّر الدور الأساسيّ للأصابع المسمّاة باسم (اليد)، واليدُ أصابع!؛ إننا لا نرى الأصابع إلا لحظةَ الحبّ، والشعور بجمال هذه اليدّ؛ الشعور بوجودها وحساسيتها وبأنحاء فتنتها. من الممكن، لمن يُغالط هذه النظرية، أن يقلبها، إذ ذاك يصلُ إلى ذات النتيجة!.
إن الأمر يرتبط، بصورةٍ لا فكاك منها، بشعريّة القائد السياسيّ؛ فليس الشّعر، بتاتاً، ذلك المكتوب في الكتب، والمُلقى في المنتديات الخاصّة به فقط، وإنما هو كلّ حركةٍ تكتنف العالم، والأمر مرهونٌ بشعريّة العين التي تُشاهد لتستمتع بشعريّة الحياة. وحقيقةُ الأمر أن زيادة الشعور بشعريّة الحياة معتمدٌ، بطريقةٍ جذريّةٍ، بما تنتجه الشعوب من فنونٍ وآدابٍ وموسيقى؛ إذ أعتبر أن الوظيفة الأعمق، والطريقة الأنجع للتغيير الإبداعيّ، تتركّز في حفرِ هذه الأنفاق والجراح الشعريّة التي تزيد من طاقة الحواسّ البشريّة لاستيعاب شعريّة العالم، مما يقلّل، بصورةٍ سريّةٍ، من انشغال البشر بما يزيد من (تخانة جلودهم)، كما يعبّر عماد عبد الله، مما يشكّل سدوداً منيعةً أمام التلقّي؛ كالثروة الماليّة، صعود التّاجر بخاراً مرّاً داخل الذهن البشريّ، تشكيل المفاهيم وتعريف الجمال، تحديد فكرة الثورة، تغطية الطبيعة بالقبح المدنيّ، وانعدام العلمانيّة الضروريّة لوجود أيّ إبداعٍ في أيّ مكان؛ فها هي الكتب تُصادر، والقوانين تُشرّع على أسسٍ أعدمت السينما الحرّة في البلاد، و(حجّبت) المسرح الذي أوقفت مسرحيّاته بدعوى (خدش الحياء العامّ) وما إلى ذلك من صفاتٍ وموادٍ يُحزنُ، بشدّةٍ، حصولها على أحقيّة حكم العقل الإنسانيّ الخطير، الخطير جدّاً.
(3)
والقائد السياسيّ الشاعر يَلعبُ دوراً يقاربُ، بكثافةٍ، دور الشاعر الذي يبذلُ رؤيا عينيه على قارعة الحياة ليَرى الآخرون ما لم تُدركه أبصارهم المغبّشة بما ذُكِر أعلاه، وما لم يُذكر، فهو، القائد، يُصعّد من شعور الناس بشعريّة الحياة من خلال زهده، الكامل، عن كلّ ما ذكر وما لم يُذكر، وبمحاربة مُتَخِّنات الجلود. وذلك لا يتأتى، أبداً، دون ملاحقة هذا القائد لما كُتب، وما يكتب، من آداب في جميع أنحاء العالم، وما يعرض في السينما العالميّة، وأن ينحشر في المعارض التشكيليّة فاتحاً العين على اتّساعها (كما يقول أبسفّة)، هذا من جانب، ومن جانبٍ آخر، كما قال الألماني باتريك زوسكيند، عليه أن يُغيّر حياته، وباستمرار.
(4)
منذ شهورٍ عديدةٍ، وبعد أن أصبحنا مجرّد عيونٍ واقفةٍ في فضاء الله تُبحلقُ في التشقّقات المُضنية التي انكربَ بها وجه هذه البلاد، منذ شهورٍ إبّان رؤيتنا، بأخلاق أعيننا كلّها، لحشائش طفيليّة ناجزة القبح تخرج من بين هذه الشقوق وتمدّ لنا ألسنتها، منذ شهورٍ والكوابيس تتكالبُ، بسرياليّةٍ خارقة، داخل نومي، وجلّها قد تعلّق بكوارثَ خرافيّة تعصف بالبلاد؛ من فيضانات عجيبة، إلى حممٍ بركانيّةٍ مَرِحة، وما أدراك ما هي القنابل الذريّة التي تنفجر كما تُورق الزهور. ولا بأس من استخدام بعضٍ من هذه الكوابيس لإيصال مفهوم (الشعريّة القائدة).
فقد كنت جالساً في واحدةٍ من تلك الحافلات (الأبوقَدَحيِّة)، والمُمَيّزة لموقف الشهداء وميدان أبوجنزير (رحمه الله)، أقاوم السقوط من على الكرسيّ الوسطيّ المتأرجح، فإذا بياسر عرمان يدلفُ، مُنحنياً، داخل الحافلةِ متلفّتاً بلهفةٍ، كما يحدث للركّاب الجدد، بعيونٍ زائغةٍ وببدلةٍ أنيقة. جَلَس إلى جانبي وسلّم، واعتبر ركّاب الحافلةِ الحَدَثَ عاديّاً فقد حيّوه بنظراتهم وابتساماتهم فقط. قلت له: كيف قرّرت أن تخوض تجربة كهذه؟ هل شاهدت فيلم نيلسون مانديلا الأخير؟. إلا أنه تجاهل سؤالي وبدأ يتحدّث عن دواوين شعرٍ أعجبته مؤخراً، وأخرج من جيبه كتاباً صغيراً بتصميمٍ هادئٍ ومريح، وبدأ في القراءة صامتاً. عندما نزلنا عند محطّة صحيفة (الأحداث) سلّم عليه بعض الأطفال الصغار مِن مَن يسكنون بقايا سرايا المهدي الفاتنة، كما لوّحت الطالبات بأيديهنّ، وبدأ في الحديث مع بعض الرجال، كبار السنّ جدّاً، أوقفوه وأجاب عن الأسئلة التي لم تتعلّق بالسياسةِ، مُطلقاً، وإنما بأحواله وحياته التي انفصلت عن جسده، تماماً، بعد أن التصق الناطق الرسميّ باسم الحركة الشعبية لتحرير السودان بهُويّته التصاقاً فكاكهُ منه سَهلٌ تماماً. بعد ذلك، بدأت المياه في الارتفاع، وتشبّث الناسُ، بحركةٍ بطيئةٍ، بالأعمدة والحجارة الصغيرة المنثورة على الشوارع، وأصبحوا مُحلِّقين جانبيّاً، إلا أن وجوههم كانت سعيدةً تماماً؛ كانوا يحلّقون داخل المياه كأحلامٍ فُقدت جماليّاً، يحلّقون كآخرِ رمقٍ وبنشوةٍ هائلة، ابتلت الكلمات في فَمي حين حاولت أن أُحدّثه عن أشخاصٍ وَجَبَ عليه الجلوس إليهم، وغَرِقت وجوههم داخل عينيّ الباكيتين، عندها صَرَخَ أحدهم بفرحٍ: إنّه المحيط!. رأيت الناس تسير في شوارعٍ غارقةٍ بالمياه، يسيرون ويتنفّسون ويتحدثون ويبدّلون ثيابهم ويتعانقون.
(5)
عِندما نُصّب مانديلاً قائداً لجنوب إفريقيا، ارتجفت أوصال العنصريين، وتفتّحت ابتساماتُ بعضهم الساخرةِ في انتظار سلسلة الاخفاقات السياسيّة التي ستنزلقُ فيها تلك القوّة الشعريّة الهائلة، التي تكوّنت داخل روح مانديلاً، وروح مناصريه، خلال عقودٍ من النضال السلميّ. فقد أشبع شعبه شعراً فالرجل، بالتأكيد، كان مُلاحقاً شرساً لانتاج العالم الكِتَابيّ والإبداعي، وكان، بلا شكٍّ، مُغيِّراً لحياته باستمرارٍ موازٍ لكلّ تجربةٍ تتجرّأ على الوقوف أمام عتبة حياته. كان يلتهم التجربة تلو الأخرى ليخرج منتصراً على عُسرِ هضمها، باثّاً، من مادّتها، ابتسامةً غيّرت مسار التاريخ.
وقد التقط الممثل والمخرج الأمريكي كلينت إيستوود، والكاتب جون كارلين، جانباً ذكيّاً من تجاربه العديدة؛ فها هو يواجه المرارة التاريخيّة التي شلّت تفكير مناصريه، عندما طالبوا بإيقاف فريق الركبي الوطني، والذي لم يقبل بلبس شعار جنوب إفريقيا لأسبابٍ تتعلّق بالمحمولات الفكرية لوجود الفريق، والذي يضمّ لاعبين بيض ولاعبٌ أسود واحد، إذ هو مُنسحبٌ على التاريخ المخزي للعنصرية في تلك البلاد الجنوبيّة. ذلك الفريق رَفَضَ، كذلك، أن يُنشد النشيد القوميّ في المحافل الدوليّة بعد أن تغيّر ليصبح بلغةٍ محلّية إفريقيّة.
لقد تناسى، بصورةٍ جزئيّةٍ، هموم الدولة السياسيّة، والزيارات الدوليّة، ليقدّم، بكلّ عاطفةٍ، أكثر الحركات تهوّراً وشعريّةً (فالتهوّر مادّة من شعر)، فإذا به يُلغي المؤتمر الصحفيّ الذي نظّمته عددٌ من المنظمات لأجل إلغاء وجود الفريق نسبةً لعنصريّته، على أن يُشكّل فريقاً آخر باسم (فريق جنوب إفريقيا لكرة الركبي)؛ تلك اللعبة العنيفةُ التي يتصارعُ متنافسيها فوق مساحةٍ كبيرةٍ فتراهم، وقد التحموا، كتلةً واحدةً من الغضبِ تلوَّنت بشعارين، يخرقُ أحدهم ذلك الجسد هارباً بالكرةِ بأقصى سرعته، لينفرط عقدُ الصِدَام، وينقشعُ النظامُ مخلّفاً أوهاماً حول مكان الكرة. انهوس مانديلا، والذي يجسّده ببراعةٍ الممثل مورغان فريمان، بتلك اللعبة، ليتحوّل، بين ليلةٍ وضحاها، من أشدّ مشجّعي ذلك الفريق تطرّفاً. فتراه، وهو رئيس الدولةِ، ينزل من مقصورة الملعب، متجاهلاً كافّة التخوّفات الأمنية، ليسلّم على كلّ لاعبٍ في يده، وكلُّ لاعبٍ يحمل في قلبه استخفافاً واستهتاراً، بهذا الرئيس الأسود!، يكاد يطفح على ابتساماتهم. لن يتركهم، سيلاحقهم أينما ذهبوا، مشجّعاً لهم في التمرينات، ومنظماً للقاءٍ جمعه مع كابتن الفريق، ليخرج ذلك الكابتن منشدهاً، منخلع الفؤاد، عاشقاً من شدَّةِ ما رآه وسمعه من شعرٍ حيٍّ مجسّدٍ في بشر!. ينظّم رحلةً حول البلاد لأفراد الفريق، تحملهم، بالباصّ، إلى الأحياء الفقيرة التي يحيى بداخلها السود، لتخترق فرحة الأطفال وتلقائيّتهم جميع محاذيرِ الكبار: تراهم يتراكضون خلف باصّ الفريق الذي يحبّون لعبه، ويحلمون بلقاء أبطاله، فينزلُ اللاعب الأسود الوحيد _وقد أُلصقت صورته مكبّرةً على جوانب الباصّ_ تتناوشه الأيدي الصغيرة، وتقذف له بالكرة ليشترك الفريق، بأكلمه، في مرحٍ مجيدٍ وغريبٍ على عواطفهم. لقد أحدث ذلك، بالتأكيد، ثورةً ذهنيّةً لدى كلّ مشجّعي الفريق، وجميع اللاعبين به؛ هذه العلاقة مع شعرٍ قائدٍ دفعتهم ليُنشدوا، في مباراة كأس العالم النهائيّة، نشيد جنوب إفريقيا بعد أن حفظوه عن ظهر قلب، وهناك، في مدارج الجمهور، يجيشُ مشجّعيهم المُختلطين، جميعهم بشر بلا ألوان. ولكم، أيّها القراء، أن تنظروا، بكثيرٍ من الأسف، إلى الكيفيّة التي يتمّ استغلال الرياضة بها، عندنا، بل أنظروا كيف تُستَغلّ الرموز الوطنيّة، الأغاني، الأشعار، القامات الفنيّة، وكلّ غالٍ وعزيزٍ على هذا السودان، بكلّ سطحيّةٍ، في حملاتنا الانتخابيّة.
(6)
إن التغيير الشعريّ لا يتمّ، كما أسلفنا، إلا بفهم القائد لجوهر الشعر؛ جوهر كلّ نشاطٍ إنسانيٍّ يصبر على الأعماق وينبذ السطح، إذ به، لا بغيره، كان من الممكن أن تُقدّم الحركات التي اختارت السلاح طريقاً درساً واقعيّاً لعضويّتها، أولاً، ومن ثمّ، وبكثيرٍ من الشجاعة والصبر على الأذى، لعدوّها كهدفٍ أساسيٍّ: يجب أن تستهدف العدوّ بشعريّتك، لتنكشف تخانةُ جلده بكلّ سهولة. إلا أنني لا أرى ذلك، إنني لا أرى أيّ شيء! فبدلاً من أن يتّجه الإعلام الحزبيّ للجماهير كافّةً، وأن يُتقن هذا الإعلام أدواته بارتباطه الحيّ بالانتاج الإنسانيّ الحيّ، فإننا نرى، للأسف، ركاكةً أسلوبيّةً فجّة، وتنابذاً يترك الإنسان لمصيرٍ سطحيٍّ ما أنزل الله به من سلطان.
(7)
فكيف لك، مثلاً، أن لا تحزن على كاتبٍ مُجيدٍ لأدوات اللغة وصياغة الكلمات، يبني مقاله، ويستخدم مهارته كلها، لبناء عمودٍ محشوٍّ بالفئران والحشرات والعناكب والدهس؟ إنني أَحِنُّ على اللغة والخيال وتاريخ الإبداع البشريّ كلّه عندما أراه مُعدَمَاً، هكذا، بل ترى خصومه، وهم من مناصريّ الديموقراطيّة وحقوق الإنسان والعدل والمساواة، يعتركون بذات الأسلحة! فهم لا يرون، في بعضهم، إلا أعداءً خالصين لوجه العداء دون أن ينتبهوا، للحظةٍ، أن كلا الطرفين يدعوان، بطريقةٍ أو بأخرى، لذات الأهداف السامية. فما الذي يحدث في الكون؟!.
(8)
إن الذي يحدث في هذا الكون السودانيّ هو الشعور الغريب الذي ينتابك، عندما تستمع إلى سياسيٍّ، أو كاتبٍ صحافيٍّ (وذلك ليس بصورةٍ مطلقةٍ بالتأكيد)، شعورٌ ينطوي على إحساسك العضويّ _وأنت تقرأُ وتستمع إليهم يتحدثون عنك وعن شعبك_ بكتوفِ الجماعة تُزاحم كتفك، وأجسادهم تُدافِرُ جَسَدَك، وأن هنالك هدفٌ غير معلومٍ ويجب أن تبحث عنه، إذ ستنفرطُ عظامك من شدّة الهَصر، ليُفلتَ أحدهم بالكرةِ، فجأةً، فترى الالتحام ينفكّ، وتَشهد انحلال النظامِ، ويجتاحك الوهم بوجود كرةٍ في مكانٍ ما، فتدور وتدور وفجأةً تكتشفُ أن لا كرةَ في الأمر، لا وجودَ لقانونٍ، وأن الأمر وما فيه هو أنك لازلت داخل عينهم؛ عينُ الكتاب والسياسيين، مجرّد جزءٍ من كتلةٍ يجبُ أن تُحرز هدفاً لصالح فريقٍ من الفريقين: بشعارٍ واحدٍ لكلا الفريقين، ودون كرةِ قدم، وكذلك، على ما يبدو، دون مرمىً في الأفق.

الجزء الثاني
جميع الحقوق، التي اقتلعت في تاريخ البشريّة، بدأت مُكَتَنَفةً بالضباب، وإنها لتظلّ على اكتنافها ذلك لأزمنةٍ بعيدةٍ، فحتّى إذا سارت هذه الحقوق مع الزمن فإنها، بتأثير رياح الأحداث العنيفة وشوك تجاربها المُهتِّك، تفقد ثوبها الضبابيّ الذي يتهتّك في كلّ يوم. ومن أعوص هذه الحقوق، وأكثرُها حرفاً لمسار التاريخ البشريّ نسبةً لبديهيّتها وبساطتها، كانت، ولا زالت، حقوق الإنسان. فإنها، في شكلها البسيط الذي كُتبت به في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، تنتقل، بعد محاولة تطبيقها أو النضال من أجلها، إلى طرفها الغليظ جدّاً، والذي لا يُحتمل إلا بوجود ذهنيّاتٍ خلاقةٍ تستطيع أن تُفكّك هذه الغلاظة، وتُبرزُ حقوق الإنسان البسيطة داخل هذه الغلاظة. وقد كانت الآداب والفنون، دائماً، في طليعة هذه المُفَكِّكات.
لم يستطع النظام السياسيّ (وهذا لا يعني أنه لا يسطيع، بل إن وقت استطاعته لم يَحن بعد) أن يُعنى بالأفراد، حتّى الآن، من حيث أن لهم تَجَاربَ فرديّةً تُشكّك في صلاحية القوانين التي وضعها السياسيّون والدول؛ تجارب فرديّة تهرش سطح تلك القوانين وتُعرّيها من غلاظتها فيتبيّن، في النهاية، أن هذه القوانين التي افتُرِضَ فيها الحق هي، في حقيقتها، ضدّ حقوق الإنسان.
وإنني لا أعني بالقوانين، بكلّ تأكيد، فقط، تلك المتعلّقة بقوانين الدولة، وإنما أشمل بها كذلك، وإضافةً إلى ذلك، القوانين الاجتماعيّة وطُرُق التفكير والتي هي أشدّ بطشاً وظلماً وقمعاً للأفراد وحريّاتهم من تلك التي تُسنِّنُهَا (الخطأ مقصود) الدولة لتهطُلَ بها على أجساد المواطنين.
إن انعدام الشعريّة في القائد السياسيّ، وقلّة الأدب في حالة الكاتب أو الفنان، تحرّض العقول على النظر إلى المجرم كـ(مجرم فقط)، الأمر الذي أراه مرعباً لدرجةٍ تُذكّر بعمليات الإبادة الجماعيّة (وصبراً على البشريّة، فإن العديد من الأفعال التي تُعتبر بريئة اليوم سيُعاقب عليها الجميع كجرائم إنسانيّة غداً)، ومن ثمّ يعمل بطريقةٍ عَجنِيَّةٍ على تحويلهم إلى (كتلة واحدة)؛ إن هذه الكُتل صُنعت، حقيقةً، من قبل الكتّاب، وهي تُصنع، دائماً، من قبلهم! وعندما أقول (الكتاب) فإنني لا أعني كُتّاب القصة القصيرة فقط، لا، إنني أعني كل المشتغلين في حقل اللغة المُواصلة ما بين الأفكار والحكايات وما بين الناس: التلفزيون، الإذاعة، الصحف، المجلات، الروايات، القصص القصيرة، الخطب الدينيّة...إلخ. والكتابة هنا تتحوّل إلى مفهوم أكثر من كونها (فعل)؛ أي أن الخطيب (سياسيّ، ديني، إبداعي..)، عندما يُفكّر في خطبته فإنه يفكّر فيها لُغويّاً ويعمل على إبداع شيءٍ داخل هذه اللغة بإيجاد الكلمة المناسبة للحظة المناسبة ليقع الوَقعُ المنشود؛ ولذلك فإنك تستفيد من السرد كعمل إبداعي كتابي وهكذا. أعني الكلمة وانفجار معناها وطريقة الانفجار اعتماداً على البيئة اللغوية المحيطة بتلك الكلمة. ما أردت قوله أن هنالك طريقة مهمّة تدخل في التاريخ الأسلوبي لعجن الكُتل، وهي طريقة (الأدب الوصفيّ) – (السياسة الوصفيّة) واللذان لا يُعبّران عن شيء وإنما يصفانِ الأشياء فقط (كحالةِ رفض أصوات المخمورين مثلاً في الانتخابات الأخيرة؟). إن السياسي الخالي من شعريّةٍ، والكاتب الواصف، والخطيب المحرّض، والمدافع عن حقوق الإنسان الذي يُكتِّل (ستات الشّاي، والفقراء والمساكين والمُنتهكين)؛ جميعهم، يعمّقون من عددية القوى العاملة في حقل عجن الكُتل! بتعويد المجتمع على النظر للأشياء كما تبدو من الخارج دون ربطٍ لما يعجّ به محيط هذه الأشياء الغني بالدلالات والصور والمعاني، الأمر الذي يدفع، بالتالي، إلى عدم التفكير. إلى عدم التفكير؟ نعم؛ هذا العمليّة، غير الشعريّة، تدعو، حرفيّاً، إلى عدم التفكير. إنه يُوقف عمل كافّة الحساسيّات الشعرية المنتشرة في الجوّ فلا يعود ردّ فعلك العاطفي يعمل بالكفائة والجودة التي تؤهّله لأن يحسّ بلحظة انفجار اللغم التي مرّ بها ذلك الشحّاذ ذو الساق المبتورة.
 إن نظرية الكُتَل التي أتحدّث عنها هي العنصريّة التي اكتُنِفت بالضباب، وإنها لتظلّ على اكتنافها ذلك لأزمنةٍ بعيدةٍ؛ نظرية الكتل هي عنصريّة عصرنا المقبل.
والعنصريّة؟:
وقد كنتُ طوال نهارٍ أفكّر، بصورةٍ ملحاحةٍ، حول العنصريّة. وقد وجدت بعض التفاسير، الخياليّة ربما، لوجوهٍ جديدةٍ لها. فهنالك نوع من التحديد الثقافي من ناحية العادات واللغة وطُرق التعامل واللون، ربما، يتمّ منذ أزمةٍ لكُتلة (ستّات الشّاي)؛ فهؤلاء، بذريعة تضامنٍ سابقٍ معهنّ في الخرطوم، أشرقوا بحقائقهم يوم تمت دعوتهم لمؤتمرٍ صحافيٍّ يضمّ الأقلام الكبيرة والأسماء في مجالات السياسية والثقافة والفن، إضافة إلى المعارض الفوتوغرافيّة كذلك. فقد تمّ تحديد أن ستّات الشاي، مثلاً، طيّبات وحنونات ويحبّون الكلّ، نازعين حقهنّ، إلى الأبد، بإبداء انزعاجهنّ أو التنفيس عن شرورهنّ أو، ببساطة، أية أعمالٍ تتنافى مع ما تصوّره المتضامنون عن (المثال النبويّ) الذي كوّنوه عن الكُتلة التي يتضامنون معها. ففي الخارج، بدأت بعض ستات الشاي بالسؤال عن الأموال التي سيتلقونها لقاء حضورهم إلى الندوة (تلك طريقة بشرية عاديّة في الحياة) إلا أن ذلك ووجه باستنكار العديد من المتضامنين وقاموا، ذهنيّاً، وبصورةٍ قاسية، بحذفهم من كتلة (ستات الشاي) وألقوا بهنّ إلى مذبلة الأخلاق البشريّة الوضيعة. وتعالوا لنسأل: إن لم يحدث هذا الحدث في المؤتمر الصحفيّ (لاحظوا، المؤتمر الصحفي يعني عيون البشريّة كلها في وقتنا الحاضر) الذي سيُكَرَّمن فيه وسيُناضل لأجل حقوقهنّ من خلاله؛ إن لم يحدث هناك، وحَدَث، بصورةٍ أخرى، في حيٍّ ناءٍ من أحياء المدينة مع واحدٍ من هؤلاء المتضامنين أنفسهم، مثلاً: طلبت منه ستّ الشايّ مالاً لأنه أعلن لها عن تضامنه معها وحكى لها عن الحركة المنظّمة باسمهنّ! سيبتسم بتسامح، بالتأكيد، ويخرج ما يستطيع من جيبه الكريم. إن هذا الفعل التكتيلي هو صناعة فكرة عن الآخر ومُحاكمته من خلالها، ذلك هو الأسلوب الميكانيكي الذي تتكوّن منه آلة (العنصريّة) كما أراها من موقعي ككائن وقع في هذا الفخّ من قبل ويحاول، قدر الإمكان، أن يكتشف الوجوه الألف لماكينة العنصرية. ولكن، أليس من الأفضل أن لا نستخدم كلمة العنصريّة لحساسيّتها؟ نعم، أعتقد أنني استفدت منها بما يكفي ومن الممكن أن نستخدم كلمة (التَكْتِيليّة) بدلاً عنها.

الجزء الثالث
(1)
كنتُ طفلاً، وحَوشُ بيتنا باهتٌ بلمباته الصفراء، نجوسُ كباعوضٍ مزعجٍ بين أسرَّةِ الكبار المتحدثين في شؤونٍ لا تخصّنا _حتّى تلك اللحظة_ والتلفزيون يتلألأ في بعيدٍ كأنه قلبٌ ينبضُ بآلاف الوجوه الكاذبة. كنا في انتظار برنامج السينما لنشاهد فيلماً بعد أن تهشّمت السينما لأسبابٍ لا يعلمها الصغار. إلا أن جلالات برنامج "ساحات الفداء" تضرب الجدران، فترانا، والأمطار تتساقط في الحوش الخريفيّ، نرفع رُكبنا، حتى تُحاذي صدورنا، ونهتفُ بأغنيات الجهاد والحور العين. نشاهد ابتسامات شبابٍ تمزّقت أجسادهُ في الغابات، وفي لحظةٍ تُعرَضُ صور السودانيين الجنوبيين كأشرارٍ لا رحمة في قلوبهم. ونرى، كذلك، ابتسامة الدكتور جون قرنق، الجميلة، تُشَوَّه بالحرب والقتل والتدمير.
(2)
كنتُ شابّاً أتسكّع عبر المدنِ، وقد هَبَطت طائرةُ جون قرنق في الخرطوم بعد اتفاقية السلام قبل شهورٍ، واختلطت الأجسادُ بالابتسامات استقبالاً لإنسانٍ هائلٍ، وكنت، لحظةَ مراقبتي للحشود، مشغولاً بظلالهم المعكوسة على الأرض؛ هل هنالك أبلهٌ في هذا الكون يستطيع أن يعتقد، للحظةٍ، بأن الشمس، عندما تضرب جسده، وجسد آخرٍ يختلف عنه، ستنتجُ مادةً أخرى غير الظلّ!.
قيل بأن طائرة جون اختفت! لا أعني التي أقلّته إلى الخرطوم، حيث ضيقُ الأفقِ يلتهم نباتات الأفق، بل هناك، خلال غاباتٍ مطيرةٍ عَبَرتها جثث الجميع لألا تفتح البارات (هكذا تختزل الحقوق الإنسانيّة) ليباع نهرُ الدماء مقابلاً لنهرٍ مكدّسٍ بالحدود الجغرافيّة التي تفصل حقلَ بترولٍ عن آخر؛ بترولٌ كوّنته جثث حروبٍ قديمةٍ عاشت قبل آلاف السنوات، كوّنته أشجارٌ أُبيدت لأجل أن يستدفئ أحدُ النبلاء في قارّةٍ تراكمت وتكوّنت بالجليد، بينما يرقص أبناء جِلدَةِ البترول، بابتساماتٍ تُشبهك يا جون، يستجلبون الأمطار، ويباركون أطفالهم بقفزاتهم، ويدفنون ماضيهم ليستخرجوه مرةً أخرى من تحت ذات الأرض التي يُبادون من أجلها؛ من أجل أوراقٍ توقّع، وعمّالٍ يستخرجون السائل الأسود وفي بال خيالهم أطفالٌ يرضعون العدم في بلادهم البعيدة، البعيدة جدّاً.
(3)
لا وجودَ لمجرمٍ هنا؟. نعم، للأسف، لا وجودَ لمجرمٍ هنا. يقول المسرحي بيتر بروك في حوارٍ ترجمه بانقا الياس: (واليوم، دعنا نكن صادقين، لن يجرؤ أحد أن يكتب مسرحية انفعالية في حالة يوغسلافيا!. الدجالون وحدهم يمكنهم أن يكتبوا نصوصاً حول البوسنة على طريقة بريخت، الذي يوضِّح: من المجرم ومن البرىء!. وإذا كتبت مسرحية كهذه من أين تبدأ؟ هل نقتل كل الصرب؟ أم نقتل الروس لأنهم وقفوا خلفهم؟ وهل يقتل كل الكرواتيين لأنهم عذبوا الأسرى؟ أم البوسنيين؟ يمكنك أن تطرق هذه المواضيع عبر التراجيديا وحدها، وليس على مستوى السياسات. علاوة على ذلك، من يجرؤ اليوم أن يكتب مسرحية عن الواقع الألماني؟ من الذي سيخرج من ذلك بشيء سوى التفاهات؟).
(4)
أُثبِتَت الشعريّة القياديّة للدكتور جون قرنق عَقِبَ رحيله؛ سَطَعَت في دموع الناس، ونظرات الجميع إلى نعشه المتوجّه إلى قبرٍ ربما يُصبح، بعد شهورٍ، في أرضِ دولةٍ أخرى. إلا أنها كانت شعريّة ضائعة، لا لشيءٍ سوى أنها قادت رجالاً اختاروا الموت والقتل طريقاً لبلوغ حقوقهم العادلة. وقد بدأت مقالتي بالقول بأن التغيير عبر الحرب أثبت فشله، وذلك ليس لمثاليّةٍ تضعني ضدّ القتل، وإنما لأنها _الحرب_ لا تغيّر شيئاً داخل القوالب الفكريّة لحَمَلَةِ السلاح! إن القدرة على القتل تُعدمُ في العين أية قدرةٍ على استشعار الأساليب الغامضة التي قد ينتهجها القائد، وذلك ما اتضح لي كثيراً وأنا أقرأ مقالات كثيرة منشورة في الصحف كتبها منسوبون للحركة الشعبية لتحرير السودان؛ فرأيت ما فيها من قِصَرِ النظر، وتوهّمات عن شرٍّ كامنٍ في الدولة، دون انتباهٍ بأن المُهَمَّشين والمُهَمِّشين، جميعهم، ضحايا لمسيرةٍ تاريخيّة غريبة الأطوار، إلا أن غرابتها وغموضها اتضحا بعد الانتخابات الأخيرة. أقول ذلك وأنا أستحضر الديموقراطيّة الثالثة المنهوبة، وتضييع فرصة التغيير السلمي عبر النضال المدني وتعليم الخصوم السياسيين وتغييرهم كما أوضحت في الجزء الأول من المقال عبر حادثة نيلسون مانديلا. ولكن يبدو أن للتاريخ كلمة أخرى، ورسالة أخرى، سأحاول أن أتصوّرها. 

الجزء الرابع

(1)
في العام 2009م، أصدر الدكتور عبد الله علي إبراهيم بياناً عبر منبرٍ ثقافيٍّ يُعلنُ فيه عن عزمه للترشّح لرئاسة الجمهورية!، وعندما نقرأ كلمة (بيان) تَهجُمُ على ذاكرتك مجموعة بائسة من المصطلحات والكلمات التي تُعلّق بجانب بعضها كما تُعلّق الملابس على حبل الغسيل؛ فتكون النتيجةُ تطابقاً تامّاً بين أحشاء هذه البيانات، مما يجعل التاريخ يبدو، من هذا الارتفاع المنخفض، سطحاً واحداً مكرّراً بلا تعرّجاتٍ، وهنا أعني تاريخ المواجهة السياسيّة من خلال اللغة والخطابات والبيانات. إلا أن عبد الله يفتتحُ بيانه بمشهدٍ له، وهو في سنٍّ صغيرةٍ، مقلوباً رأساً على عَقِب، واضعاً أقدامه على الحائط دون سببٍ واضحٍ سوى مجارات بقيّة الصبية، وقد كان ينظرُ إلى العالم بهذه الصورة المقلوبة، فإذا برجلٍ راكضٍ من بعيد يصرخ (السودان نال استقلالو)!. لقد رأى استقلال بلاده، لأوّل مرةٍ، مقلوباً، ولم ينعدل حاله بل تصاعدت وتيرةُ حربٍ شرسةٍ ضدّ السودان، بثقافاته وعاداته وتقاليده وأديانه، لصالح فكرٍ آمنت به أقليّةٌ ولم تستطع الأغلبيّة مصادمته سوى في حالات معدوداتٍ على إصبعِ اليدِ الواحدة؛ يدٌ تصطكُّ حزناً على فقدانهم، واحداً واحداً، في زحمةِ المؤامرات المثيرة لغبارٍ كثيفٍ شكّل وجهاً ترابيّاً غامضاً، نطلق عليه، أحياناً، تاريخ السودان. بهذا العمق الشعريّ دشَّن الدكتور عبد الله علي إبراهيم حملته الانتخابيّة، وقد انتفضت في داخلي بارقةُ أملٍ لا تَقربُ الاختلافات الفكرية الحادثة ما بيني وبين ما طرحه عبد الله، على قلّتها، وإنما أملٌ يشتدّ ارتباطاً بمعاصرتي لحدثٍ شعريٍّ في الساحة السياسيّة السودانيّة؛ بدايةً من إعلان الترشيح عبر منبرٍ ثقافيّ، انتهاءً بتجوّله، بلا حَرَسٍ ولا حاشيّة، بين الناس والشباب. وقد رأيتُ بعينيّ كيف يدير حواره، بصبرٍ غريب، مع كلّ سؤالٍ يوجّه إليه، فهو قد أدرك، ببساطةٍ، أن لا وجود للوهم الكبير المسمّى (المواطن السوداني البسيط)، أو (رجل الشارع العاديّ)، وهمٌ يُكَثِّف من وجوده المثقّفون في محاولةٍ لتأكيد مكانتهم ووجودهم، وهم، في ذات الوقت، يخلقون طبقةً وهميّةً أخرى تُسمّى (المثقّفاتيّة) في محاولةٍ أخرى لصبّ نقاء الضمير والقيم العليا، صبّاً، تماثيلَ شائخةً تتبسّم إلى جانبهم وهم يشدّون حبل الغسيل البياني صليباً لمستقبل هذه البلاد.
(2)
افتتح عبد الله حملته بكلمة السرّ (تفاءلوا بالوطن تجدوه)، ملخّصاً جزءً كبيراً من مقاصد هذا المقال (الكُتَل)، إذ حاولت أن أبيّن أن القيادات السياسيّة التي نجحت في إحداث تغييرٍ فعليٍّ وجذريّ في حركة الأذهان الاجتماعيّة كانت تصرّ، وبإخلاص، أن تَثِقَ في قدرةِ الفرد على التَغَيُّر، مهما بدى الوضعُ مأساويّاً، والتغيّر هنا لا يعني، بأيةِ حالٍ من الأحوال، إلى الأفضل، وإنما إلى وضعٍ مختلف، سلباً أم إيجاباً، فالأمر متعلّقٌ، بصورةٍ قطعيّةٍ، بحركة الذهن! فإن تحرّك الذهن نكون قد بلغنا هَدَفنا، أما إلى أين يتحرّك فذلك لا يدخل ضمن شؤوننا، بل يدخل ضمن شؤون (حريّة التفكير)، وهذه العملية تتعارض، تماماً، مع (النقاش) الذي أفسَدَ الحركة الطلابيّة إفساداً غير مسبوقٍ، وسنتعرّض للنقاش في مكانه. أما الآن، لنعد لكلمة سرّ عبد الله، والتي ترتبط مع ما كتبته ميسون النجومي في مقالتها الخطيرة (من نحن؟)، نشرت بهذا الملف: (الخطأ في التنظيمات أنها تتخذ فكرة النضال السلمي كتكتيك، أو ربما، في أحسن حالاتها، كاستراتيجية. وهذا يُضعِف من قوتها بين أنصارها، قبل أن تفقد فاعليتها أمام السلطة التي تضرب هذا التحول دوماً بعنف، إذ تترجمه بأنه لحظة ضعفٍ في التنظيم. إنما النضال السلميّ هو مبدأ ثابت. وعلي أن أقول أنه لا بد أن يكون مسنوداً بمبدأ روحيّ ثابت، وليس بالضرورة أن يكون هذا المبدأ عقدياً دينياً، بل من الممكن أن يكون فلسفياً؛ أنظر غاندي، والمبجل مارتن لوثر كنج. كفكرة أن الإنسان ليس محض شر، بل هو محض خير، وأن الهدف الأساس هو جرّ الإنسان إلى قيم الخير في داخله؛ سواء كان ذلك الإنسان جائر يُنَاضَل ضِدَّه، وذلك بأن يكشف شرّه أمام عينه فلا يكون بوسعه سوى أن يسميه شراً، وكذلك جرُّ المناضل إلى قيم الخير عبر ضبط النفس والمثابرة في طلب الحق. يبدو هذا الأمر رومانسياً، إلا أنه فاعلٌ كما أثبت التاريخ. وأرى أنه من الصعب المضيّ قدماً في نهج النضال السلمي دون الارتكاز على مبدأ كمثل هذا). انتهى حديث ميسون.
إن الحنكة اللغويّة التي دفعت بعبد الله لاختيار هذا الشعار كان لها أشدّ التأثير لشدّ انتباه كثيرٍ من الراغبين في التغيير ليتبعوه، ودَفَع، كذلك، بمُبرِّري أخطاء قياداتهم السياسيّة (كتاب الصحف) لأن يتجاهلوا حدثاً مهمّاً كهذا (ما عدا قلّة) وأُطلِقَ لقبُ (الحالمِ) خلفه محموماً بأنيابه يقضم عدماً يُحيطُ به. فرغماً عن قناعتي التّامة بالتغيير عبر طُرقٍ أخرى سأفصلها في هذه الكتابة، إلا أن طريقة عبد الله كانت دكّاً منهجيّاً لأساسين إثنين ترتكز عليهما الحركة السياسية السودانيّة، وتُعرّفُ، من خلالهما، كحركةٍ سياسيّة: التمويل، واكتساح الانتخابات المربوط بـ(سحق العدوّ). لقد تخلّى عبد الله، بحملته الانتخابيّة، عن هذين الأساسين لأجل بلوغِ غايةٍ أخرى وهي: تقديم المثال، أو كما يروق لي أن أسميه (دروس خصوصيّة مجانية). الأمر الذي لم يطبّقه تاريخيّاً سوى أفرادٍ بمواقفهم، وغالباً ما تذهب ذكراهم أدراج الرياح المملوئةِ بصَخَبِ المُهدِّمين، إضافةً إلى حركةٍ سياسيّةٍ تغييريّةٍ واحدة: حركة الإخوان الجمهوريين. هنا عليَّ أن أشير إلى أن ارتباطهم بهذا المقال ليس ارتباطاً استعراضيّاً لأفكارهم، وإنما ما أنتجته هذه الأفكار والمعتقدات من اسلوبٍ تنظيميٍّ عَمِلوا وِفقَهُ؛ أعني أن ندخل إلى أسلوب (التربية الفرديّة) التي انتهجها التنظيم، لنتذكّر حسن الظنّ بأفراد الوطن في خطاب عبد الله علي إبراهيم، ونربطه بما ذكرته ميسون النجومي، لنَصِلَهُ، مباشرةً، بحركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة الأمريكية، والتي لم تدخل انتخابات رئاسيّة وإنما ركَّزت على بندٍ مهمٍّ وحيّ: أن تقدّم وعياً، لجميع الأطراف، الأعداء والأصدقاء، دون انتظار مقابل!.
أعتقد أن السودان دخل مرحلة تحتاجُ إلى حركةٍ تتفجّر خارج المفهوم التقليدي للحركة السياسيّة؛ أركان نقاشٍ، مخاطبات سياسيّة، مظاهرات معروفة المآل، تصريحات وبيانات فجّة، أعني أن يتغيّر الفعلُ السياسيّ تماماً، جذريّاً، في محاولةٍ لاختراع آلياتٍ جديدةٍ ترتبط، الفنّ والآداب، أن نستفيد من الثقافة بصورةٍ وقحةٍ والغةٍ في الغيّ. أن تُلغى التنظيمات السياسيّة، تماماً، أن تُسحب السلطةُ من القيادات المنفصلة عن الحركة العالمية للفكر والأدب والفن، إذ في ذلك يكمن المخرج، ويالهول القهقهة المجلجلة التي اكتنفت حلاقيم من يظنون أنهم ملتحمون مع الشعب وقضاياه، ويصرخون بأن: با للترف! آدبٌ وفنونٌ والجثث تحترق؟!.
(3)
والجثث تحترق!. يعتقد الكثيرون بأن الموت القاسي هو ذلك المُخرّق بالرصاص والكيانات المِدفَعيّة والطائرات المرعبة هو أقسى شكل من أشكال الرعب! لا، إن الرُعبَ مُعاشٌ يوميّاً، داخل البيوت الآمنة، في الأَسِرّة النظيفة، المرتّبة، المنتظرة لحكاياتٍ قديماتٍ تُلقى على أجفانِ أطفالٍ على وشك النوم، ليصبحوا على مدرسةٍ نظيفةٍ وأساتذةٍ نظيفين، ولكن، بالتأكيد، بمقرراتٍ فقدت شهوةَ الانطلاق، التحيّز الأعمى، التطرّف، خدشُ كلّ عدمٍ لاكتناه ما يليه من قيدٍ وقتل!. أتحدّث عن نساء كثيراتٍ يتجوّلن، بأطفالٍ كثيرين، في أروقة المستشفيات الحكومية، بلا حياةٍ سوى امتصاص مآسٍ لا بداية لها ولا نهاية، أتحدّث عن نساءٍ لن يقربن المستشفى إن حَمِلن بأطفالٍ خارج حظيرة الزواج لأنهنّ معرضات للسَجْنِ، والجلد، والنفي الأبديّ من إطارات الحياة المُغلقة إلى خلاءٍ لا إنسانيٍّ فسيح، وإلا فاليُلقى بالطفل إلى جحيم الشوارع، أو فاليقتل، فاليُشوّه بمبيدات الأطفال الكيميائيّة، أو فالتنتحر الفتاة!. قانونٌ يُجبركَ على تحمّل سلسلةٍ من المآسي فقط لأنكَ كنتَ (طبيعيّاً) في لحظةٍ عاطفيّةٍ لن يُدركَ كنهها أحدٌ سوى الأفراد.
(4)
الكُتَل: القارئ العاديّ، ستات الشاي، المهمشين، الآخر، النساء، الأطفال، دارفوريون، جنوبيون، شماليون، شرقيون،... و، بالطبع، إلخ.
(5)
الشعبُ، بعد مسرحيّة الانتخابات، ليس في حاجةٍ لمن يقدّمُ له وعياً بمقابل، أبداً، ليس في حاجةٍ لمن يقدّمون وعياً لكي يُعرفوا كحركةٍ ويُقدَّموا للعالم كمخلّصين، ليس في حاجةٍ سوى للهَتكِ المباشر الوقح، لمن يذكّره بطبيعيّة حياته، بأن ثقافته ليست محرّمةً، بأن دياناته هي ديانات تستحقّ أن تُدرّس في التعليم دون انحيازٍ لأيِّ دينٍ دون آخر؛ في حاجةٍ لحركةٍ لا تمتك الحقيقة، وهي، كذلك، لا تبحث عن الحقيقة، وهي، بالتأكيد، لن تسعى إلى (التغيير) بمعناه السياسيّ. أعتقد أننا في حاجةٍ لحركاتٍ تستند على حريّة المعرفة، أي أن تعمل لأجل توفير المعرفة، ورقيّاً والكترونيّاً وبصريّاً، دون تدخّلٍ في خيارات المُستَهدَفِيْن بهذه المعارف؛ إنشاء مكتباتٍ، متحاف فنونٍ تشكيليّة، عروض سينمائية على مدار الأسبوع، ترجمة الآداب، الونسةُ مع الأفراد في الشارع دون حواجز تعريفيّة، دون تَكْتِيل، الاعتراف بحق البشري في الخطأ، مهما كان فادحاً، النقد الأدبيّ بلا هوادة، أو كما قال الروائي مازن مصطفى في بيانه لحلّ إشكاليّة التنمية: (إلغاء النقاش من العالم، بحيث تنمو، لكلّ من يحاول مناقشة آخرٍ، أشجارٌ في حَلقِهِ).
 (6)
مقاومةُ الكُتَلِ تُولدُ باختلاق الجُزُر؛ شُللٌ من الأصدقاء القابضين على تناغمهم، المتفرِّغين للحياةِ، عليهم، رغم قنوطهم، أن ينهضوا بأصغر المشاريع، بحيث تحاول هذه الجزر المتفرّقة تفهّم المياه الرابطة فيما بينها، تفهّم المخلوقات السابحة والغارقة والمنسيّة، أن ينسّقوا فيما بينهم، دون تبارٍ وسَبْقٍ واستعراضٍ لمعرفةٍ، دون شعورٍ بأصالةٍ ولا بتميّزٍ، بل بالظرافةَ!. الظرافة العاديّة البتلمّ البشر ديل، وبتضحكهم، وبتخليهم يخترعوا الأفكار بتناغمٍ يُرَفِّعُ العامَ للسطحِ، فكم من الطاقات والشخصيات الخرافية أُنتجت في عصرٍ انهارَ فيه كلّ شيء؛ جميع الأمثلة الشعريّة تهاوت لأن الواقعيّة سيطرت علىّ كلّ شيء.
هذه المجموعات بدأت في التكوّن فعلاً، فالتاريخ يسير بمنطقيّةٍ يُحسدُ عليها، حتّى أنّك ترى، بأمّ خيالك، طبيعيّة الاندلاع الأبله للحربين العالميّتين في النصف الأول من القرن الماضي، وترى، بوضوحٍ أكثر، النعمة التي منحتها الديكتاتوريات لشعوب العالم بأن أبانت خواء أفكارها بطريقةٍ عمليّة فجّرت نِكاتاً وذكاءً خلاقاً. مجموعة (سودان يونايتد)، (مشروع مكتبة أغورا العامّة)، قبل ذلك برزت مؤسسات ذات تاريخ كمركز عبد الكريم ميرغني الثقافيّ، واتحاد الكتاب السودانيين، والاتحاد العام للتشكيليين السودانيين، مركز الدراسات السودانية، مركز الخاتم عدلان، والكثير. ما يميّز هذه الكيانات هو استقلالها التام من السلطة بجميع أشكالها (مؤسسات دولة، رعاية شخصيات سياسيّة، شركات البزنس الصِرف..إلخ).
(7)
أعتقد، بلا هبالةٍ، أن السودان في طريقه الصحيح، فالفضحُ ضروريٌّ، الفضحُ المستمرّ المتمادي، والذي يضيءُ جملة الأستاذ محمود محمد طه: كلّ تجربةٍ لا تُورث الحكمة تكرِّر نفسها. هذا الفضح هو الذي يضعني على قمّة المتفائلين بمستقبلٍ مختلف! لا أقول حُرَّاً، ولا ديموقراطيّاً، ولا مسالماً، وإنما مختلف، فلست أرجو تغييراً يَفرِضُ النُظُمَ لأن المُغيِّرين يعتقدون بحتميّة ترسيخ كلماتٍ، مثل العدل والمساواة والديموقراطية، دون أن يُدركوا كنه تحوّلاتها وغموضها الذي دفع بهذه القيم لتكون المبرّر الوحيد للقيام بكلّ الأعمال القاسية، ومنح الحرب زيّاً جميلاً، ورصَّع جثّث الهالكين بالنسيان. أعني ما ذكرته في الحلقة الثانية من هذا المقال، ولنقرأه مرةً ثانية: (جميع الحقوق، التي اقتلعت في تاريخ البشريّة، بدأت مُكَتَنَفةً بالضباب، وإنها لتظلّ على اكتنافها ذلك لأزمنةٍ بعيدةٍ، فحتّى إذا سارت هذه الحقوق مع الزمن فإنها، بتأثير رياح الأحداث العنيفة وشوك تجاربها المُهتِّك، تفقد ثوبها الضبابيّ الذي يتهتّك في كلّ يوم. ومن أعوص هذه الحقوق، وأكثرُها حرفاً لمسار التاريخ البشريّ نسبةً لبديهيّتها وبساطتها، كانت، ولا زالت، حقوق الإنسان. فإنها، في شكلها البسيط الذي كُتبت به في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، تنتقل، بعد محاولة تطبيقها أو النضال من أجلها، إلى طرفها الغليظ جدّاً، والذي لا يُحتمل إلا بوجود ذهنيّاتٍ خلاقةٍ تستطيع أن تُفكّك هذه الغلاظة، وتُبرزُ حقوق الإنسان البسيطة داخل هذه الغلاظة. وقد كانت الآداب والفنون، دائماً، في طليعة هذه المُفَكِّكات).
(8)
لن يتكرّر شيء، ستُولدُ عوالمٌ، وما الذي حدث، منذ الاستقلال وحتّى يومنا هذا، سوى بداية مستقبلٍ غير مسبوقٍ على هذه الأرض الهشّة، المتكوّرة، ذات الأجنحةِ، الخافقة بكلّ نابتٍ ومدفونٍ وساقطٍ وصاعدٍ، أرضٌ تدور بلا هوادة. نحن، أخيراً، ندخل وعينا الكونيّ من أوسع أبوابه، ولا مفر من مواجهته، الإيمان به، ودخوله بمُفَكِّكات الكُتَلِ العظمى. مرحلةٌ تفحص فيها الآداب والفنون والثقافة أدواتها، تنقّيها من الأحكام الإطلاقيّة والتجريميّة؛ التنازل التام عن وجود مجرمٍ مُطلق، فجميعنا ملطّخون بوجوهٍ ذكرياتٍ وكبتٍ وحقدٍ وبلاوىٍ وانتهازيّةٍ وشروعٍ في القتل لا يقلّ قتلاً عن القتل ذاته.
 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نُشر بصحيفة الأخبار، 2010م، ملف (سديم) الثقافي.

ملحوظة: قُمتُ بحذف بعض المقاطع لارتباطها بأحداثٍ مضت، وهي لا تؤثّر على الفكرة إلا بمُعاصرتها. كذلك فإنني لم أُضِف حرفاً واحداً للنص.





 اللوحة:
Van Gogh, Almond Tree in Blossom, April 1888. Oil on canvas, 48.5 x 36.0 cm. Van Gogh Museum, Amsterdam.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تَرَانيم مَحموديَّة - شذرات متفرّقة في ذكرى اغتيال الأستاذ

The Beauty of the Silly - نجلاء عثمان التوم

 The Beauty of the Silly  نجلاء عثمان التوم


إلى عثمان حامد سليمان
هل يمكن تشريح الأصالة؟ هل يمكن الكشف عن شعوبها الداخلية دون مجزرة؟ أنا مدفوعة هنا بالحجب الأصيلة التي يغزلها الغناء السوداني حول نفسه فيبدو لنا أحياناً شيئاً محيراً، لامع الحيرة. عندما نتجرد من العصاب الذي نسميه الفهم، وننطلق في رحلة متحللة من كل غاية، ونستمع إلى الأغاني السودانية بأرجلنا ومصاريننا، نشعر أن الطاقة التي تتهدج في الجو هي، ولا شيء خلافها، الهوية. لكن تظل أصالة هذا الغناء شيئاً غامضاً جداً وعصياً على التعيين. ثمة إستراتيجيات، أعتقد، أيّدت هذه الجذوة التحتية. أولاً تحتجب الأصالة، في معظم الأحيان، في تمويهات هزلية تنتجها قوالب شبه ثابتة محكومة بشهوة الرجز، والطلاقة الشعبية، والنبرة العادية في الكلام. فالغناء في الأساس هو مكان التغزل في اليومي والعادي في أقرب نسخه إلى الواقع. وكلما تشبثت الأغنية بسوقيتها المعروقة، كلما تصير إلى درجة من أصالتها الصحيحة. لكن الفن هو دائماً تدخل معقَّد، فلا نجاة من سطوته، لكن التحايل عليه ممكن. فعندما تبدأ أغنية ابتهالية، فيها تسجيل لمغامرة البلاغ العشقي والوصال الكامل، بعبارة “الحج…

الجرح في القلب على مسؤولية صاحبه - فيصل محمد صالح

الجرح داخل القلب على مسئوليةِ صاحبه! بقلم الأستاذ فيصل محمد صالح
الراحل: معتصم جلابي
مقدمة طينيَّة: لم أستمتع بكتابةٍ سرديِّةٍ وشعريّةٍ في الآونة الأخيرة كما تفجَّرتُ دموعاً ومحبّةً وتذكّراً وأنا أطالع ما كتبه حبيبنا فيصل محمد صالح في حقِّ صديقه الراحل الأديب معتصم جلابي. وقد قال فيصل في نهاية الكتابة: [وبعد، إذا سبقت لك معرفة معتصم جلابي، فما أن يُذكر اسمه أمامك، حتى تضئ ابتسامة عريضة كل قسمات وجهك، دون أن تستطيع مقاومة إغرائها! لكن سرعان ما تفجعك، في اللحظة التالية، خاطرة رحيله، فتنحدر منك دمعة صغيرة تزاحم تلك الابتسامة، تحاول طردها لتحل محلها، ولكن .. هيهات!]، وقد كان، رغم أنني عرفتُ معتصم جلابي طفلاً، في الرياض بالسعوديّة، كصديقٍ مقرّب ومحبب لأمي رشيدة وأب الفاتح؛ إلا أن الذي يعرفه يُدرك، وغالباً سوف يدرك القارئ لهذا النص؛ أنه لا يكترث بالأعمار، فكان تعامله معي نديّاً وحقيقيّاً وجادّاً إلى أبعد حد، وقد كان المفضل بالنسبة لي من بين أصدقاء أسرتنا الصغيرة. وقد أصرَّ فيصل في النص أنه هجر الشعر والأدب لأنه يفتقد إلى الموهبة، وهذا لعمري إدعاءٌ مردود بذريعة هذا النص ذاته، فهو قصيدة، وهو قصة، …