التخطي إلى المحتوى الرئيسي

غَضَب الملعونين

مقدّمة طينية:
ما لن يفهمه المُقسِّمون العالم إلى شرقٍ وغرب، وإسلامٍ ويهوديّة ومسيحيّة،..إلخ، ما لن يروه دائماً هو أن الحرب لم تتوقّف منذ أمدٍ بعيدٍ جداً، وأنها، في أصلها، حربٌ ضدَّ الفقراء. وما أراه يحدث من تنظيمات داعش ونصرة الإسلام والداعية إلى دولة الخلافة الموعود بها، غير المشكوك في الإيمان بها لدى أغلبيّة أهل السنة من المسلمين حول العالم؛ لا أرى في ذلك إلا حرب بين مضطهدين فقراء لا يُمكن أن يُقنِعَهم العالم بعدله، خصوصاً إن دققنا النظر في تصريحات الاتحاد الأوربي عن أن عدد المنضمين من "المواطنين الأوربيين" لتنظيم داعش وتركهم لأوربا للقتال على الجبهة فاق 3000 (بي بي سي)، وأن أغلبية هؤلاء هم من (أبناء) المهاجرين إلى جنة أوربا ونعيمها، الذين وُلِدوا في الأجواء المنفتحة والتعليم المختلف ووهمة الـ(أوبن مايدد) وبتاع، لأدركنا فداحة الأمر واستمراريّة الحرب ووقاحة فراغها منذ بداية القرن العشرين. ومع الاتصال المخيف الذي حدث للعالم، لا يمكن أن يقتصر تعريف هؤلاء بأنهم فقط مجانين ومهووسين مع تزايد أعدادهم بهذا الشكل ومدى وإغراء القضية والقتال حتى بالنسبة للأطفال، إلى الدرجة التي تسأل فيها عن زميل دراسة في السودان فيقال لك بأنه، وبكل بساطة، استشهد مع داعش، وتظلّ ابتسامتك معلّقة في الهواء على أمل أن تكون جملة (استشهد مع داعش) هذه إحدى قفشات المصطلحات التي برع هذا الجيل في استنحاتها، إلا أن الواقف أمامك يحتفظ بتماسك جديّته إلى أقصى حد، فتُبهَت! إن كل باطلٍ يحمل بداخله بعض الحق، والذين يُقاتلون بجنونٍ مع داعش المجنونة تماماً هم يفعلون ذلك بصدقٍ وتفانٍ نادرين، ولبحث هذه الأسئلة، تذكرت في ليلة الأرق هذه مقالاً قديماً لكاتبنا الروائي التركي الشجاع أورهان باموق، الحائز على نوبل للآداب، بعنوان (غضب الملعونين)، ضمن كتابه (ألوان أخرى)، فذهبت ونكتّ الكتاب لأجمع مادة هذا المقال؛ وودت أن أشارك به قرّاء (طينيا) بمناسبة استعار حربٍ طويلة الأمد، قبيحة المحتوى والمآل، فإنه حتماً يلقي الضوء على جوانب مهمّة تتعلّق بقضيتنا اليوم. يجب علينا أن نفهم جوهر (غضب الملعونين)!
مأمون التلب
غَضَب الملعونين
أورهان باموق



كنتُ أعتقد أن الكوارث تجمع الناس على هدفٍ واحد! وخلال حرائق إسطنبول الكبرى أثناء فترة طفولتي، وعقب زلزال عام 1999م، كان همي الأول هو البحث عن الآخرين وأن أشاركهم تجربتي. ولكن هذه المرة، جلست إلى شاشة التلفزيون في غرفة صغيرة بالقرب من محطة العبارات في مقهى يتردد عليه سائقوا العربات التي تجرّها الخيل، والحمّالون، ومرضى السل أراقب برجي التجارة ينهاران. وشعرت بوحدةٍ تبعث على اليأس!.
انتقل التلفزيون التركي إلى النقل المباشر بعد أن ضربت الطائرة البرج الثاني مباشرةً. كان الجمع القليل داخل المقهى يُشاهدون في صمتٍ مشدوهين، بينما تُعرض تلك المشاهد التي يصعب تصديقها أمام أعينهم، ولكن بدا أنهم غير متأثرين بشدّة بتلك المشاهد. وفي لحظةٍ معيَّنة أحسست برغبةٍ في الوقوف وأن أقول: أنا أيضاً عشتُ ذات يوم بين تلك المباني، وتجوّلت وأنا مفلس في تلك الشوارع، التقيت مع أناسٍ في هاتين البنايتين، قضيت ثلاثة أعوام من حياتي في تلك المدينة. ولكن بدلاً من ذلك ظللت صامتاً، كما لو كنتُ أحلم بأنني أتجه صمتٍ أبديٍّ أعمق وأعمق.
لم أعد قادراً على تحمّل ما رأيته على الشاشة، فخرجت إلى الشارع آملاً بأن أعثر على آخرين يشعرون بما أشعر به. بعد قليلٍ من الوقت، رأيت امرأةً تبكي في الزحام وهي تنتظر العبّارة. ومن سلوك المرأة والنظرات التي كانت توجّه إليها، استطعت أن أفهم في الحال أنها لم تكن تبكي لأنها كان لها أحباء في مانهاتن، ولكن لأنها كانت تعتقد بأن العالم يسير نحو نهايته. حينما كنتُ طفلاً صغيراً كنت أرى النساء يبكين بنفس هذه الطريقة الذاهلة عندما كانت أزمة الصواريخ الكوبيّة تهدّد بالتحوّل إلى حربٍ عالميةٍ ثالثة. كنتُ أشاهد عائلات الطبقة المتوسطة في إسطنبول وهي تجمع مخزوناً من عبوّات العدس والمكرونة. عدت إلى المقهى وجلست، وبينما كانت القصّة تتكشَّف على شاشة التلفزيون، رحت أشاهد غير قادر على التحوّل عنها مثلما كان كل شخصٍ آخرٍ في العالم.
فيما بعد، وبينما كنت أسير في الشارع، اصطدمت بأحد جيراني.
(أورهان بيه، هل رأيت؟ لقد فجّروا أمريكا!). ثم أضاف بغضب: (وهم على حقٍّ تماماً).
هذا الرجل العجوز ليس متديناً على الإطلاق، وهو يكسب قوته من أعمال البستنة وعمل الإصلاحات الصغيرة، ويقضي الأمسيات في الشرب والشجار مع زوجته. لم يكن قد رأى بعد المشاهد المروعة في التلفزيون؛ فقد سمع ببساطة أن هناك عمل عدواني ضدّ أمريكا، ومع أنه فيما بعد أعرب عن أسفه لملاحظاته الأوليَّة الغاضبة، فلم يكن الشخص الوحيد الذي سمعته يُعبِّر عن مثل هذه الملاحظات. وهذا رغم حقيقة أن ردّ الفعل القوي على هذا العمل الإرهابي الوحشي متفق عليه بالإجماع كما في أجزاء أخرى كثيرة من العالم. ورغم ذلك، وبعد لعن هؤلاء الذين تسببوا في مقتل كل هؤلاء الأبرياء، سوف يلفظون بكلمة (ولكن...)، ثم يشنون انتقادات صريحة أو ضمنية ضد أمريكا كقوة عالمية. وربما ليس من المناسب ولا من المقبول أخلاقياً في هذا الظرف أن نناقش دور أمريكا في العالم في ظل الإرهاب، بعد أن قام الإرهابيون آملين في تقسيم العالم قسمة زائفة بين المسلمين والمسيحيين بقتل كل هذا العدد الكبير من الأبرياء بصورة وحشيّة. ولكن في ظل تأجج غضبهم المبرر تماماً، يمكن أن يجد بعض الناس أنفسهم يُنَفِّسون عن وجهات نظر قوميّة، يمكن أن تؤدي إلى قتل المزيد من الأبرياء. وبهذه الطريقة يُشجّعون على حدوث ردود فعل.
نحن جميعاً نعرف أنه كلما طال أمد هذه الحملة، كلما ازداد سعي الجيش الأمريكي إلى إرضاء أمته بقتل مواطنين أبرياء في أفغانستان ومناطق أخرى، وكلما زاد ذلك من تفاقم التوتر المُختَلَق والمصطنع بين الشرق والغرب، وبذلك ينتهي إلى فعل ما يريده الإرهابيون تماماً الذين يُريد معاقبتهم. وفي الوقت الحاضر، من المستهجَن أخلاقيّاً الإيحاء بأن هذا الإرهاب الوحشي هو رد فعل على هيمنة أمريكا على العالم. ومع ذلك، فإنه من المهم أن نفهم لماذا يشعر الملايين من الناس الذين يعيشون في دولٍ فقيرة ومهمّشة فقدت حتّى حق صياغة تواريخها بمثل هذا الغضب ضد أمريكا. وهذا لا يدل ضمنياً على أننا لابد أن نرى أن غضبهم مبرّر. فمن المهم أن نتذكر أن العديد من دول العالم الثالث والدول الإسلامية تستخدم المشاعر المعادية لأمريكا لسد المواطن الضعف في تطبيق الديموقراطية ودعم الديكتاتوريّة. والدول الإسلامية التي تُناضل لإقامة ديموقراطيات علمانية لم تلق أيّ قدرٍ من المساعدة، بينما تتحالف أمريكا نفسها مع مجتمعات مُغلقة مثل المملكة العربية السعودية التي تزعم أن الديموقراطية والإسلام مُتناقضان. وبنفس الطريقة تقريباً، فإن التنوّع الأكثر سطحيّة للمشاعر المعادية لأمريكا التي يراها المرء في تركيا تسمح لهؤلاء الذين على القمة بتبديد واختلاس المال الذي تمنحه لهم الكيانات المالية العالمية، ولحجب الفجوة المتزايدة دائماً بين الأغنياء والفقراء. وهناك كثيرون في الولايات المتحدة يُساندون المعتدي بلا تَحَفّظ، لمجرد أنهم يرغبون في التباهي باستعراض هيمنتهم العسكرية، وإعطاء الإرهابيين (درساً)، والبعض الذين يدرسون بعناية المواقع المُحتَمَلة لغارات القصف التالية وكأنهم يلعبون إحدى ألعاب الفيديو، ولكنهم لا بدّ أن يفهموا أن القرارات التي تؤخذ أثناء تأجج المعركة لا يمكن أن تُكثّف من حدة الغضب والمهانة التي يشعر بها الملايين في دول العالم الإسلامية الفقيرة ضد الغرب الذي يرى نفسه كقوة عُظمى. فليس الإسلام هو الذي يجعل الناس مؤيدين للإرهابيين، ولا الفقر، إنه الإذلال الماحق المحسوس في كافة أنحاء العالم الثالث.
لم يحدث في أي وقتٍ طوال التاريخ أن وصلت الفجوة بين الأغنياء والفقراء إلى هذا الاتساع. وقد يُجادل شخص بأن الدول الغنية في العالم مسئولة عن نجاحها الخاص، ولذلك فهي لا تتحمّل مسئولية الفقر العالمي. ولكن بم يحدث أبداً أن جاء زمنٌ عُرِضَت فيه على فقراء العالم حياة الأغنياء كما يحدث اليوم من خلال التلفزيون وأفلام هوليوود. ربما يقول شخص إن الفقراء كانوا دائماً يُسلّون أنفسهم بالأساطير التي تدور حول الملوك والملكات. ولكن لم يحدث من قبل أن كان الأغنياء والأقوياء يؤكدون دواعي مكانتهم وحقوقهم بمثل هذه القوة.
وأي مواطن عادي يعيش في دولة فقيرة مسلمة لا تتمتع بالديموقراطية، مثل موظف حكومي يُكافح لتدبير أمور المعيشة في إحدى الدول التي كانت تدور في فلك الاتحاد السوفيتي السابق، أو أية دولة أخرى تنتمي إلى العالم الثالث، سوف يكون مُدركاً تماماً لمدى ضآلة الحصة التي تملكها بلاده من ثروة العالم؛ وسوف يعلم أيضاً أنه يعيش في ظل أوضاع أكثر قسوة بكثير من نظرائه في الغرب، وأن حياته ستكون أقصر كثيراً. ولكن الأمر لا ينتهي هكذا، لأنه في مكان ما من عقله ثمة ارتياب في أن والده وجده هما اللذان ينبغي أن يوجّه إليهما اللوم في تعاسته. عار كبير أن يُعير العالم الغربي انتباهاً ضئيلاً للغاية للشعور الساحق بالمهانة والإذلال الذي يشعر به معظم الناس في العالم، المهانة التي حاول هؤلاء الناس التغلّب عليها دون أن يفقدوا صوابهم أو طريقهم في الحياة أو الاستسلام للإرهاب والمغالاة في القومية أو الأصولية الدينية. وروايات الواقعية السحرية تبدو متعاطفة مع سذاجتهم وفاقتهم، في الوقت الذي يتعامى فيه كتّاب الرحلات في بحثهم عن الغرائب عن عالمهم الخاص المضطرب، حيث يُعاني الناس من الإهانات المستمرّة بلا انقطاع، والمصحوبة بابتسامات الشفقة والألم. وليس كافياً للغرب أن يكتشف أي معسكر أو كهف أو مدينة منعزلة تأوي أحد الإرهابيين والذي يقوم بصنع القنبلة التالية، ولا سيكون كافياً أن يقصفوه حتى يتم محوه من على وجه الأرض؛ فالتحدي الحقيقي هو أن نتفهّم أنواع الحياة الروحانية للشعوب التي تعاني من الفقر والمهانة والخزي، والتي تم استبعادها من جماعتهم.
صيحات المعركة، وخطب المنادين بالقومية، والمغامرات العسكرية المتهورة، كلها تُحقّق نتائج مضادة. والقيود الجديدة على تأشيرات الدخول التي فرضتها الدول الغربية على هؤلاء الذين يعيشون خارج الاتحاد الأوربي، والإجراءات الأمنية التي تُحدّد تحركات هؤلاء القادمين من الدول الإسلامية وغيرها من الدول الفقيرة غير الغربيّة، والارتياب واسع الانتشار في الإسلام وكل الأشياء غير الغربيّة، والنقد القاسي الذي يُعادل الإرهاب والتعصّب مع الحضارة الإسلامية مع كل يومٍ جديد، يأخذنا كل ذلك أبعد وأبعد عن المنطق والعقل القائم على تفكيرٍ صافٍ، وعن السلام. إذا كان رجل مسن وعجوز على إحدى جزء إسطنبول يستطيع أن يُوافق لحظيَّاً على الهجوم الإرهابي على نيويورك، أو إذا كان فتى فلسطيني أرهقه الاحتلال الإسرائيلي يستطيع أن ينظر بإعجاب بينما يُلقي رجال طالبان بالأحماض على وجوه النساء، فإن ما يسوقه ليس الإسلام، ولا ما يُطلق عليه هؤلاء الحمقى الحرب بين الشرق والغرب، ولا هو الفقر؛ إنه العجز المتولّد عن الإذلال المستمر وعن فشله في جعل العالم يفهمه، وأن يسمع الآخرون صوته.
عندما واجهتهم مقاومة، لم يبذل أصحاب النزعة العصريّة من الأغنياء الذين أسسوا الجمهورية التركية مجهوداً لفهم سبب عدم تأييد الفقراء لهم، وبدلاً من ذلك فرضوا إرادتهم بالقوة عن طريق التهديدات القانونية، والمحظورات، والقمع العسكري. وكانت النتيجة هي ترك الثورة في منتصف الطريق لم تكتمل. واليوم، بينما أستمع إلى الناس في جميع أنحاء العالم يدعون الشرق للذهاب إلى الحرب مع الغرب، أخشى أننا سرعان ما سوف نرى دولاً كثيرة في العالم تسير على نهج تركيا، التي عاشت بشكل مستمر تقريباً محكومة بقانون الأحكام العرفيّة. أخشى أن يسوق الغرب المغرم بتهنئة نفسه، والذي يعتقد في نفسه التفوق والصلاحية والقوامة، أخشى أنه سوف يسوق بقية العالم إلى الطريق الذي سار فيه أصحاب (مذكرات من تحت الأرض) لديستوفسكي، ليُعلِنَ أن حاصل جمع إثنين وإثنين يساوي خمسة. ولا شيء يغذي التأييد لإلقاء حمض النتريك (الإسلامي) على وجوه النساء أكثر من رفض العالم فهم غضب الملعونين.

ـــــــــــــــــــــــــ
من المدونة تاني:
لقد فقدوا عقولهم، أخيراً، يا أورهان، والنتريك (الإسلامي) يعم الأرض والسماء! المقالة مكتوبة بعد هجمات أبراج التجارة. وحدث ما يخشاه.






تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

The Beauty of the Silly - نجلاء عثمان التوم

 The Beauty of the Silly  نجلاء عثمان التوم


إلى عثمان حامد سليمان
هل يمكن تشريح الأصالة؟ هل يمكن الكشف عن شعوبها الداخلية دون مجزرة؟ أنا مدفوعة هنا بالحجب الأصيلة التي يغزلها الغناء السوداني حول نفسه فيبدو لنا أحياناً شيئاً محيراً، لامع الحيرة. عندما نتجرد من العصاب الذي نسميه الفهم، وننطلق في رحلة متحللة من كل غاية، ونستمع إلى الأغاني السودانية بأرجلنا ومصاريننا، نشعر أن الطاقة التي تتهدج في الجو هي، ولا شيء خلافها، الهوية. لكن تظل أصالة هذا الغناء شيئاً غامضاً جداً وعصياً على التعيين. ثمة إستراتيجيات، أعتقد، أيّدت هذه الجذوة التحتية. أولاً تحتجب الأصالة، في معظم الأحيان، في تمويهات هزلية تنتجها قوالب شبه ثابتة محكومة بشهوة الرجز، والطلاقة الشعبية، والنبرة العادية في الكلام. فالغناء في الأساس هو مكان التغزل في اليومي والعادي في أقرب نسخه إلى الواقع. وكلما تشبثت الأغنية بسوقيتها المعروقة، كلما تصير إلى درجة من أصالتها الصحيحة. لكن الفن هو دائماً تدخل معقَّد، فلا نجاة من سطوته، لكن التحايل عليه ممكن. فعندما تبدأ أغنية ابتهالية، فيها تسجيل لمغامرة البلاغ العشقي والوصال الكامل، بعبارة “الحج…

تَرَانيم مَحموديَّة - شذرات متفرّقة في ذكرى اغتيال الأستاذ

تنقيباتُ الجنوبيّ

تنقيب الظلام