التخطي إلى المحتوى الرئيسي

قُيُوْدٌ مُقَنَّعَةْ



قُيُوْدٌ مُقَنَّعَةْ 

(المَوْتُ والمُسْتَحِيل وَحْشَانِ في غَابَةِ الكِتَابَة)


 مأمون التلب
(شهادة حول الكتابة، قُدّمت في مؤتمر قصيدة النثر - الخرطوم - يناير – فبراير 2006م)



إلى:
محفوظ بشرى
محمد الصادق الحاج
أيمن خليفة
عمار جمال
(في ذكرى جحيمٍ لن ينسى)
(1)
تَكْمُنُ المُفَاجَأة عِنْدَما تَخْتَلِطُ عَلَيَّ الصَّرْخَةْ، تِلْكَ الَّتِي أُقَاوِمُهَا بالكِتَابَةِ لأنَّهَا تَبْدَأُ بالتَصَاعُد وتلمِّحِ بأنَّهَا سَتُعْلِنُ عَنْ نَفْسِها حَتَّى أَنَّنِي أُحِسُّ أنَّ جَسَدِيْ لا يَسِعُنِي، إنَّها الصَّرْخَة الَّتِي تَدْفَعُكَ للسَيْرِ بِتَرَدًُّدٍ نَحْوَ المَكَانِ الَّذِي تَخْتَبِئُ فِيْهِ الأَوْرَاق في دَاخِلِكْ. وهِيَ الَّتِي تُصِرُّ دَائِماً عَلَى الاحْتِفَاظِ بِجَدَلِيَّتِهَا أَيْ تَتَأَرْجَحُ بَيْنَ جُمْلَتَينْ، الأُوْلَى: (سَأَشِيْ بِالعَالَمْ)، والثَانِيَة هِيَ الَّتِي تَحْمِلُ الكَم الهَائِل مِن التَسَاؤلْ: (سَأَشِي بِنَفْسِي؟؟) حَتَّى تَسْتَسلِم في النِّهَايَةِ لإقَامَةِ حوارٍ بَيْنَهُمَا رُبَّمَا في تِلْكَ الَّلَحْظَة _لَحْظَة بَدْأ الحوَار السَّاخِن_ تَبْدَأُ الكِتَابَة.
رُبَمَا يَبْدُو لِيَ مَشْهَدَاً مُضْحِكَاً، ذَلِكَ الَّذِي كُنْتُ أَلْعَبُ فِيْهِ دَوْرَ السَّعِيد بِكِتَابَةِ القَصيْدَةِ الأوْلَى، وسَعِيْدٌ بَأَن يَقْرَأهَا شَخْصٌ آخَرْ، تَبْدُو لِي الابْتِسَامَة في ذَلِكَ المَشْهَد أَقْرَب لِلبَلاهَةْ لأنَّها مُشَبَّعَةٌ بِالجَهَلِ ويُمْكِنُنِي إنْ حَمِّضَتُ صُوَرَة المَشْهَد بِمحالِيلَ أُخْرَى أنْ أَرَى كَائِنَاً بَشِعَاً يُشِعُّ بِالشُّرُوْرِ بِفَمِهِ المَجْرُوحِ بأنْيَابٍ تَبْدُو لِي الآن أَلِيْفَةً جِدَّاً، يُمْكِنُنِي أَنْ أَرَى ذَلِكَ الكَائِنْ وَهُوَ يَمدُّ رَأْسَهُ مِنْ فَوقِ كَتِفِي ليُشَاهِدني بِتَهَكمٍ مفْضُوحٍ بَيْنَمَا كُنْتُ أَغْرَقُ في الفَخِّ، وهُوَ يُشَاهِدُ تِلْكَ الرَّغْبَة المَحْشُوّة بِبَرَكَاتِ الآخَرِيْنَ وَمَرَايَاهُمْ الَّتِي يَرْفَعُونَهَا لَكَ لِتَرَى كَمْ تَبْدُو جَمِيْلاً بِرِدَاءِ الشَّاعِرِ المَلاك. يُمْكِنُنِي أَنْ أَسْخَرَ مِنِّي وأُعْجب بِذَلِكَ الكَائِنْ الدَّاهِيَة، وكَيْفَ تَبَادَلَ مَعِي الأَدْوَار الآن بَعْدَمَا عَرِفْتُ تَمَامَاً كَيْفَ يَبْدُو هَذَا الطَّرِيْق.
كَيْفَ تَبَادَلْنَا الأَدْوَار وكَيْفَ حَدَثَ ذَلِكَ ؟؟؟ لا أَدْرِيْ.
بِبَسَاطَة تَأْتَي الكِتَابَةُ بَشِعَةً، خَائِنَةً، وغَدَّارةً بِخِدَاعِكَ لِذَاتِكَ. الذَيْ فَشَلَ الآن في المُحَافَظَةِ عَلَى هُدُوئِهِ وبَدَأَ بِالحَفْرِ بَحْثَاً عَنْ نَقَاءٍ جَدِيْدٍ، وكُلَّمَا حَصَلَ عَلَى وَاحِدٍ _مِنْ أَشْكَالِ النَّقَاء_ تُعَرِّيْه الكِتَابَة ويُدْرِكُ فَشَلَهُ.
ولَكنَّنِي أُدْرِكُ أَنَّنِي كُلَّمَا تَابَعْتُ السَّيْرَ: كَتَبْتُ، كُنَّا نَتَبَادَلُ الأَشْكَال. كَانَ يُصْبِحُ أَكْثَرَ اشْرَاقَاً وَجَمَالاً وَكُنْتُ أَتَقَهْقَرُ إلى حُدودِهِ ، خَلْفَ الكَتْف، أُرَاقِبُهُ وَهُوَ يَحْتَلُّ إحْدَى الأَقْدَام الَّتِي كُنْتُ أَمْلكهَا، يَحْتَلُّ إرَادَتَهَا ويُجْبِرُهَا على المَشْي لِخَطْوَةٍ واحِدَةٍ ولَنْ أُقَاوِمَ بالطَّبْعِ إغْرَاءَ الخَطْوَةِ القَادِمَة الَّتِي سَاَقُومُ بِهَا بِنَفْسِي. بِكَامِل إرادتي ودُونَ الوُقُوعِ تَحْتَ تأثيرِ أيّ مُخَدِّرٍ سِوَى هَذَا الإغْرَاءِ الشَّاحِبِ والَّلامِع في نَفْسِ الوَقتْ، هَذَا التَّضَاد العَنِيْفِ، السَّاحِقِ المَّاحِقِ، الرَّافِع حُدُوْدَ اليَوْمِي والمَأْلُوف، وَاهِب السُّلْطَةِ المُدَمِّرَةِ لِمَعَانِي الأَشْيَاءِ وتَحْوِيِل دَلالات الخَيَالِ وأَحْلامِهِ إلى وَاقِعٍ مَلْمُوسٍ حَي، شَهْوَةٌ للحَقِيْقَةِ، مَسْئولِيَّةٌ قَاتِمَةٌ تَحْيَا بِأخْطَائِهَا ونَقْصها المَفْضُوْحِ دُوْنَ خَجَلٍ أو خَوْفٍ؛ إنَّهُ لا يُعْطِيْكَ فُرْصَةَ اللَّوْمِ، إنَّهُ شَيْطَانٌ جَمِيْلٌ وفَاتِنْ؛ أَتَقَهْقَرُ إلى حُدُوْدِهِ لأَنَّنِي أَرَى الأَيَّام الَّتِي قَضَيْنَاهَا مَعَاً تَتَلألأ في عَيْنَيْهِ، أَرَى العُشْرة والمَصِيْر الَّذِي لا يَكُفُّ عَنْ التَّوَحُّدِ والإنْفِصَال والخيَانَةِ؛ الخيَانَةِ المُشْتَرَكَةِ لِصُوَرِ العَالَمِ المَأْلُوفَةِ وقِيَمِهِ الرَّاسِخَةِ، بَيَاضِهِ المُتَّفَق عَلَيْهِ والقيام بعمليَّةِ التَّشْويهِ على المَقْصُودِ بالخيانةْ.
نَعَمْ. شَوَّهْنَا البَيَاضْ، ولَكِنْ عِنْدَ الانْتِهَاء مِنْ هَذَا التَّشْوِيْهِ نُلْقِي سَوِيَّاً نَظْرَةً عَلَى هَذَا الجُّهْدِ بابْتِسَامَةٍ وَاسِعَةٍ تَنْدَحِرُ في الحالِ تَدْرِيْجِيَّاً عِنْدَ مُعَايَنَةِ المَشْهَد مِنْ أَبْعَادٍ جَدِيْدَةٍ ومِنْ زَاوِيَةٍ أَكْثَر شُمُوْلاً لِنَجِدَ أَنَّ كُلّ هَذَا التَّشْوِيْه لَمْ يَكُنْ سِوَى (فَرْفَرَةْ ذَبِيحْ)، نُدْرِكُ هَشَاشَةَ الآلاتِ الَّتِي اسْتَعْمَلْنَاهَا، وَكَيْفَ أَنَّ البَيَاض يَسْتَعْرِضُ في تِلْكَ اللَّحْظَةِ بِالذَاتِ قُدْرَتَهُ عَلَى ابْرَازِ أَطْرَافِهِ العمْلاقَةِ لِيُغَطِّي بِهَا عَيْنَ العَالَمْ. ليُعْطِيِهِ القُدْرَةَ عَلَى تَشْوِيْهِ السَّوَادِ المُتَوَحِّدْ. السَّوَادِ المَلْفُوظِ مِنْ رَحْمَةِ النَّاسِ وآلِهَتِهِمْ.
أَعْرِفُ أًنَّنِي لَمْ أَعُدْ طَيِّبَ القَلْب، ولا زَائِرَاً وَدُوْدَاً لأَحْزَانِ الأَصْدِقَاءِ (هنا إعْتِذَارٌ عَامٌّ لأَصْدِقَائِي الصَّابِرِيْنَ)، أَعْرِفُ كَمْ أَبْذِلُ مِنْ جُهْدٍ لإلا تَنْكَشِفَ الأَقْنِعَةِ الَّتِي أَدْمَنْتُهَا (أَوْ أَدْمَنَتْ الكِتَابَةُ اكْتِشَافَهَا فيَّ) في الأَمَاكِنْ العَامَّة، إِنَّنِي أُدْرِكُ الحِيَلْ والألاعِيْبِ يَوْمَاً بَعَدَ يَوْمٍ، ولكِنَّهُ _كُلَّ هَذَا القُبْح_ حَقِيْقِيٌّ وَمَلْمُوْسٌ، السُّؤال المُخِيف هُوَ :
(كَيْفَ سَأَسْتَطِيْع العَيْشَ بَعَدَ كُلِّ هَذِهِ الخَلاعَةِ؟؟، كَيْفَ سَأَسِيْر وَسَطَ النَّاس؟؟ إِنَّنِي أُدْرِكُ الأُكْذُوْبَةَ قَبْلَ أَنْ أَنْطُقَ بِهَا، وَأْسْتَطِيْع تَحْدِيدْ الوَقْت الَّذِي أَبْدَأُ فِيْهِ مُحَاوَلاتِيَ اليَائِسَةْ فِي صِيَاغَةِ الأَقْنِعَةِ وإخْفَائهَا بَعْدَ ذَلِكَ بِاتْقَان، أَتَحَسَّسُ الكَارِثَةَ تَدُبُّ تَحْتَ جِلْدِي بَاحِثَةً عَنْ مَخْرَجٍ لَهَا؛ أُحِسُّ بِاقْتِرَابِهَا مِنَ العَيْنِ وبُرُوزهَا عَلَى شَكْلِ سِهَامٍ قَاتِلَةٍ عَلَى وَشَكِ البَّوْحِ بِنَوَايَاهَا فَتُصِيْبُني الحَيْرَة: كَيْفَ لَمْ يُلاحِظْهَا الآخَرُونْ. هَلْ هَذَا مَا كُنْتُ أَبْحَثُ عَنْهُ؛؟؟؟ هَلْ أَشِي بِالعَالَم؟؟).
كَالَعادَةِ يَتِمُ التَّهَرُّب مِنْ الإجَابَةِ باخْفَاءِ جِزْء مِنَ الكِتَابَةِ لأجْلِ المَحَبَّةِ الَّتِي نُكِنُّهَا لِدَوَالِيْبِ المَلابِسْ!!، و (إخْتِفَاء) الجُزْءِ الآخَر نِسْبَةً لضِعْفِ المَهَارَةِ وعَجْزِ الحِبْر عَنِ التَّحَرُّكِ في مَسَاحَاتٍ مُغْلَقَةٍ ومَمْنُوعٌ فِيْهَا اصْطِحَاب الأَطْفَال، نِسْبَةً لأنَّنِي أَكْتُبُ في أَشْيَاءَ سُمِّيَتْ: (أَوْرَاقْ، حِبرْ)، نِسْبَةً لِوُجُودِ هَذِهِ اللُّغَةِ اللَّعِيْنَة.
(اللغة رَغْبَاتٌ خَفِيَّة في الآخَر، عُيُون الآخَر تُطِلُّ عَلَيْكَ مِنْ خِلالِهَا، شُهْرَتُكَ يَتْبَعهَا تَطَوَّرَكَ (الوَاجِبْ)، قِيَمٌ وأخْلاقٌ وقَوَانِيْن ، تَارِيْخٌ أيُّهَا البَطَل الخَائِبْ؛ تَارِيْخٌ خَرَابٌ خَرَابْ. هَلْ تَرَى الآن عَدَدَ الجُيُوشْ / أسلحَتك البَاكِيَة؟؟ هَلْ تَرَى؟؟.)
يَخْتَفِي الجُزْء الأَكْبَر لأَنَّنِي أُرِيْدُ الاسْتِمْتَاعَ قَلِيْلاً بِمَلابِسِي ومَلابِسْ الآخَرِيْن. لأنَّني أكرَهُ يَقِينَاً يَقُولُ بَأنَّنِي وَحِيْدٌ وَسَأَظَلُّ وَحِيْدَاً، أرفضهُ وَأَتَمَنَّى مُشَاهَدَة الرَّغْبَةَ بِالقُبُول، (نِتْخَبِطْ في رَاسْنَا ونحِبّ)، يا (عمَّار) نُحَاوِلُ أَنْ نُزَيَّنَ فَرَاغَ النِّسَاءِ الَّذِي يَجْرَح الرُّوْحَ بمسمياتهِ وقوانينهِ، نكدِّسُ أطرافَهَ الذَّابِلَةَ بِعَوالمَ مَا، بَلْ في الحَقِيْقَة نَمْنَحَهُم القُدْرَةَ على رُؤْيَةِ الفَرَاغِ ومَا خَلْفَهُ مِنْ كَائِنَاتْ مُدَمِّرَة وسَيْحدُثُ مَا نَتَوَقّع: (تعجبهم الكائنات ويحاولون تقليدها، بتدمير كل شئ)، نُحَاوِلُ أَنْ نَلْجَأَ لِدِفءٍ وَهْمِيٍّ، وَنَحْنُ نَعْرِفُ النِّهَايَاتِ والخَسَائِرْ، أو كَمَا قال (مَحْفُوْظ بُشْرَى)*:
(يَمْضِي؛ ويَكُوْنُ حَكِيْمَاً في وَلِيْمَةٍ بِلا طَبَّاخٍ؛
يَدَّعِي؛
يَكْذِبْ؛
ـ بَعْضُهُم بِِلا كَذِبٍ لا يُسَاوُون مَلابِسَهُم الدَّاخِلِيَّة ـ
وأَنْتَ تُحَاوِلُ أنْ تَنْتَمِي لِقَافِلَةٍ
حِيْنَ تَسْمَع (اعْطِنِي النَّايَ وغَنَّي)
تَبْدُو سَخِيْفَاً جِدَّاً؛
المُصِيْبَة أنَّنَا نَفْهَمْ شَيْئَاً؛
الكَارِثَة أَنَّنَا نُحَاوِلُ الفَهْمَ مَرَات أُخْرَى؛
كُلَّمَا تَذَكَّرْتُ؛
تَذَكَّرْتُ؛
(مَمَلَكَتِِي لَيْسَتْ مِنْ هَذَا العَالَم)!
انَّهُ تَبْرِيْرٌ مَهْزُوْم جَمِيْل؛
وأَنْتَ مَهْزُوْمٌ؛ وَلَكِنْ؟!!
أَنْتَ تَفْهَمْ).
نُعَرِّفُ الأشْيَاءَ بِتَعَارِيْفَ قَابِلَةً للمُكُوثِ عَلَى سَطْحِ الأَرْضِ دُوْنَ أَنْ تَنْهَار مِنْ أَتْفَهِ أَنْوَاعِ الرِّيَاحِ، وَنَحْجُبُ التَّعْرِيْفَ الخَاصّ، الَّذِي يَصْمُدُ فَقَطْ في وَرَقِ الكِتَابَةِ دُوْنَ أَنْ يَهْتَزَّ مِنْ أَعْتَى أَنْوَاعِ العَوَاصِفِ، نَحْتَمِي مِنْ نَظَرَاتنَا السَّاهِيَةِ، نَأتِي لِلِبَيْتِ أشْخَاصَاً قَابِِلينَ للنَوْمِ والحَنَانِ في كُلِّ الأَوْقَاتِ،نَحْتَاجُ أَحْيَانَاً لِلشُعُورِ بِحُدُودِ الاشْيَاءِ وأصَابِع المُسْتَحِيْلِ الَّتِي تَرْبُتُ عَلَى أَكْتَافِنَا مُؤَكِّدَةً وُجُودَهَا، نُرِيْدُ الإنْصِيَاعَ لِسَطْوَتِهَا والسُّقُوطْ.والاسْتِسْلام نِهَائِيَّاً أو. رُبَمَا لِتَحدٍّ قَادِمٍ وجَدِيدْ. لأنَّ اخْتِرَاقَ المُسْتَحِيْل المُسْتَمِر مِنْ خِلالِ الكِتَابَةِ يَجْعَلُكَ تُصَدِّقْ تَمَامَاً أَنَّكَ تَسْتَطِيْع أَنْ تُغَيِّر العَالَمْ، إنَّنِي أَحْتَجُّ عَلَى حُدُوْدِ قُدْرَتِي.
لا. فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ تَشْعُرُ أَنَّ جَمِيْع هَذِهِ الآلام وَهَذِهِ الأحْزَان تَتَكَثَّف وتُصبَحَ قوَّةً جبَّارة؛ رُبَمَا لأنَّ المُسْتَحِيل يَذُوْبُ مِنْ قُوَّةِ الكَلِمَات. تِلْكَ الكَلِمَاتْ هِيَ نَفْسَ الكَلِمَات الَّتِي سَتَفْقِدُ تِلْكَ القُوَّة بَعْدَ أَنْ تُكْتَب. وَتَسْبَحُ في فَرَاغِ تَارِيْخٍ لأذْاهَانٍ أُخْرَى رُبَّمَا لَنْ يَخَصّكَ في شَيء!!
لا يَكْمُنُ الرُّعْب الحَقِيْقِي في كُلِّ هَذِهِ الأسْئِلَة؛ إنِّمَا يَْكْمُن في هَذَا: (أنّ مَا تَرَاهُ لَيْسَ كُلَّ شَئ) و (انِّهُ جُزءٌ تَافِهٌ وبَسِيْط) ولَكِنْ أَيْنَ بَقِيَّةَ الرُؤيَا؟؟ هَلْ أَنَامُ في هَذِهِ اللَّيْلَة مُطْمَئِنَّاً مَعَ هَذَا السُّؤالِ الغُوْل؟ هَل أَصْحُوْ فِي اليَوْمِ التَّالِي بِكُلِّ عَادِيَّةِ الصَّحْوِ وأَبْتَسِمْ لِيَوْمٍ جَدِيْد؟ هَلْ هُنَالِكَ عَدْلٌ في هَذَا التَّحَدِّي؟ فِي هَذَا الوُجُودْ؟؟.
إنَّهُ لَنْ يَكُوْنَ عَادِلاً لأنَّ كَلِمَة: (عَدلْ) مَوْجُودَة؛ ومُتَدَاوَلَة. ولَنْ يَكُوْنَ إنْسَانِيَّاً لأنَّ كَلِمَةْ: (إنْسَانِيّ) أيْضَاً مَوْجُوْدَة؛ الخ
تَعْرِفُ خَرَائِطَ الجُرْحِ السِرِّيَةِ، والأَسْبَاب الَّتِي يَتَذَرَّعُ بِهَا الآخَرُوْن لِيُغَلِّفُوا أَنْفُسَهُم بِكُلِّ هَذَا الغُمُوضْ. تَلْمَسُ بُرُوْدَةِ عَيْنِ القَتِيْلِ في الحَرْبِ، تَرَى كُلَّ بَرْدِ العَالَم وهُوَ يُعْقَفُ عَلَى شَكْلِ خَطَّافٍ مُخْتَرِقَاً صَدْرَكَ وصُدُوْرِ الكَثِيْرِيْنَ مُرْتَفِعَاً بِكُلِّ هَذَا الكَمِّ الهَائِلِ مِن الأحْلامِ المَيِّتَةِ إلى سَمَاءٍ لا تَعْرِفُ الرَّحْمَةَ ولا تُوَزِّعُ الإجَابَاتِ مَعَ تَيَارَاتِ الرِّيَاحِ كَمَا تُوَزِّعُنَا عَلَيْهَا بِلا أَجْنِحَةٍ ولا دُمُوْعٍ كَاذِبَةْ.
إنَّكَ تَتَعَرَّفُ عَلَى المَوْتِ أَكْثَر مِنْ أَيِّ كَائِنٍ حَيٍّ. تَسْتَطِيْع أَنْ تَرَى نَفْسَكَ وأَنْتَ تَكْبُرُ وتَتَحَوَّل لِلْجُثَّةِ الَّتِي سَتَكُوْنها كَمَا بِتَعبيرِ (سَارْتَر) وتَجْهَلُ المَوْتَ أَكْثَر مِنْ أَيِّ كَائِنٍ مَيِّتٍ لِذلِكَ يَتَضَخَّمُ في دَاخِلِكَ التَّحدِّي ضِدَّ أَيِّ تَعْرِيْفٍ مُسْبَقٍ وأَيِّ مُحَاوَلَةٍ لِصِيَاغَتِهِ حَسَب الحَوْجَةِ التَنْظِيْمِيَّةِ لأَفْكَار وأَخْلاقِ القَطِيْعِ البَشَرِيْ. بِالنِسْبَةِ لَهُمْ: هُوَ آلَةٌ لِخَسْفِ التَفْكِيْرِ والتَّخَلِّيْ عَنْ مَا هُوَ زَائِلٌ وفَانِي، بِالنِسْبَةِ لَكَ هُوَ حُوَارٌ غَامِضْ، كُلَّمَا امْتَدَّ زَادَتْ خَيَارَاتُكَ حُريَّةً في الحَيَاةْ، زَادَتْ رَغْبَتُكَ فِي تَحْوِيْلِ الزَائِلِ والفَانِي إلى خَالِدٍ بِلِذَّةٍ لَنْ يَمْنَحَهَا لَكَ مَوْتٌ بَلْ تَنْتَزِعُهَا مِنْ بَيْنِ أنْيَابِهِ المُخِيْفَةِ وليَنْتَصِرْ هُُوَ ظَاهِرِيَّاً بَأَنْ يَمْضِي بِجُثَّتِكَ إلى الجَحِيمْ؛ هَذَا التَّحَدِّي/ الحَرْب هُوَ رِحْلَةٌ رُبَّمَا تُسَمَّى حَيَاةً؛
انَّكَ لَتَعْرِفُ سُخْرِيَّة الأمْوَاتِ مِنَ الإدِّعَاءِ الَّذِي يَنْتَفِخُ في صَدْرِكَ الآن وأَنْتَ تَحْلُمُ بِتَارِيْخٍ قَلِقٍ ومُدْهِشْ، تَارِيْخٍ يَبْحَثُ عَنْ التَّفَرُّدِ والاخْتِلافْ.
إنَّهَا لَهْجَةُ الإنْكِسَار
الَّتِي لا تَخُصُّ سِوَى الضُوءِ
حِيْنَ يُجَرِّبُ دَرْباً جَدِيْدَاً
وأَعْمَقَ
مِنْ سَطْحِ هَذِي المِيَاه.

عِنْدَمَا يَمُوْتُ أَحَدٌ مَا، فَهُنَالِكَ دَائِمَاً حُلْمٌ يَائِسٌ بِأَنْ يُرَى فِي أَحَدِ الشَّوَارِعِ أو أنْ يُوْقِظَكَ أَحَدُهُم مِنْ النَّوْمِ ويُخْبِرُكَ بِأَنَّهَا مُجَرَّد دُعَابَةٍ كَابُوْسِيَّةٍ سَخِيْفَةْ، ولكِنْ هَذَا الحُلْم فِي الحَقِيْقَةِ ميَّتْ. وهَذَا الشُّعُور بِالحَاجَةِ للمُقَاوَمَةِ هَذِهِ الوَاقِعَةِ الحَاسِمَةْ، هَذَا الشُّعُوْر الَّذِي يَنْتَهِي بِبُكَاءٍ مَشْرُوْعٍ وعَجْزٍ مُتَوَقَّعٍ، أَحْيَانَاً بِصَرْخَةٍ هَادِرَةٍ، هَذَا هُوَ التَّحَدِّي الَّذِي أَتَحَدَّثُ عَنْهُ لِلْوَاقِعْ، تَحِّدٍ مَخْلُوْطٍ بِاليَأسِ والأَلَمِ ورائِحَة الهَزْيْمَة، لأنَّكَ لا تَمْلُكُ حَلاً سِوَاهْ، لأنَّهُ لا طُرُقَ أُخْرَى؛ (اسْتِحَالَةْ) إرْجَاعْ المَيِّت تُشْبِهُ (الحَالَة) الَّتِي لا تَسْتَطِيْع أَنْ تُغْمِضَ عَيْنَكَ فِيْهَا عَنِ الشِّعْر، الشَّكْ، القَلَقْ، أَقْنِعَة/ قوانين العَالَمْ.الخ. الاسْتِحَالَةْ/ الحَالَة: هِيَ الَّتِي تَضَعُكَ فِي اللاخَيَار.
الَموتُ يَعْرَقُ مِنْ شِدَّةِ النَسْيَانِ الذَّيْ أَفْحَمُوْهُ بِهِ
عَلَى شَاطئٍ قَاتمِ الَموْجِ مُسْتَسْلِمَاً لِتَأَمِّلِ مَا كَسَّرَ الانْتِظَار مِنْ الرَّقْصِ عِنْدَ حُدُوْدِ السُّحُبْ:
(مَنْ قَالَ أَنَّ نَسِيْجَ الدِّمَاءِ تَخَيَّلَهُ الغُرَبَاءُ فَقَطْ
إنَّهُ فِي الشَفَقْ
عِنْدَمَا تُصْبِحُ الشَّمْسُ مِدْيَةً تَجْرَحُ السُّحُب الدَّانِيَةْ).
[المَوْتُ هُوَ مَا يَقُوْلهُ الوَاقِعْ وهُوَ مَا (يُرِيْد) أَنْ يَقُوْلَهُ دَائِمَاً بِتَحَرُّكَاتِهِ وتَحَوُّلاتِهِ الزَّمَانِيَّةِ والمَكَانِيَّةْ. يُرِيْد مِنَّا باسْتِمْرَارْ أَنْ نَصِلَ إلى اسْتِحَالَةِ التَغْيِيرِ والتَّحَدِّي، وإلى أن نتيقّن من ذلك كاليقين برحيل الميّت.
إنَّ الوَاقِعْ هُوَ الدَّرَجَاتْ الَّتِي نَصْعُدُ عَلَيْهَا لمُصَافَحَةِ المَوْت فِي عَرْشِهِ الأَعْلَى. إنَّ الوَاقِعْ هُوَ حَرْبَهُ الَّتِي لَنْ يَكُفَّ عَنْ تَصْعِيْدِهَا]
ـــــــــــــــ
(2)

(صَوتْ:
كُلَّ الَّذِيْنَ قَاتَلُوا مِنْ أَجْلِ الخُبْزِ والقَضَايَا الخَاسِرَة
حَجَزُوا مَقَاعِدَهُم مُبَكِّرَاً فِي جَهَنَّمْ).
ما الَّذِي تَحْتَاجهُ لِتَكُوْنَ خَالِقَاً؟
ما الَّذِي تَحْتَاجهُ الكِتَابَة لِتَخْلِقَ كَاتبَهَا؟؟
الحُريَّةْ
إنَّهَا فِي الحَقِيْقَةِ لَيْسَتْ رِحْلَةً لِلبَحْثِ عَنْ الحُريَّة، وإنَّمَا اكْتِشَافٌ دَائِمٌ لِلقُيُودْ الخَفِيَّة، القُيُود المُتَنَكرِّةِ عَلَى شَكْلِ أَجْنِحَةٍ وسَمَاوَاتٍ بِلا حُدُوْد.
تُصْبِحُ الكِتَابَةُ تَكْوِيْنٌ أو اِكْتِشَاف رُؤيَا جَدِيْدَة لِعَوَالِم القُيُوْد، انْفِصَالٌ عَنْ عَادِيِّةِ المَشَاهِدِ وعَنْ الْفَتِهَا حَتَّى لَتُصْبِحُ غَرِيْبَةً عَنِ العَيْنِ، تَكْمُنُ الطَّاقَةُ والدَّافِعُ لِصِيَاغَةِ مَا يُحْدِثُهُ هَذَا الانْفِصَال في الشُّعُورِ بَأنَّكَ تَمْلُكُ مِنْظَاراً جَدِيْدَاً وخَاصَّاً تَسْتَطِيْع مِنْ خِلالِهِ التَّعْبِيْر عَنْ فِكْرَه أو تَجْرُبَةٍ مَا؛ وهَذَا _أعْنِي المنْظَار_ مَا يَجْعَلُ الفِعْلَ الإبْدَاعِي فِعْلٌ فَرْدِيٌّ في الدَّرَجَةِ الأوْلَى، ورُبَّمَا هُنَا تَكْمُنُ مُتْعَةٌ غَيْر مُكْتَشَفَةٍ دَائِمَاً؛ وأَرَى أَنَّ هَذَا الحَدِيْث يُوَازِي لِحَدٍّ كَبِيْر الجُهْد الإنْسَانِي عُمُوْمَاً لِتَأكِيِد التَّمَيُّز والتَّفَرُّد عَنْ مَا يُحِيطُ بِهِ مِنْ كَائِنَاتٍ وأَشْيَاءَ وحَتَّى التَّفرُّد دَاخِلَ جِنْسِهِ.
أنْ تَمْنَحَ الحُريَّةَ لأعْضَاءِ الذَّاكِرَة. تَنْثُر الحُريَّةَ عَلَى الأشْيَاء مِنْ حَوْلِكَ لتَتَحَوَّر وتُعَبِّرَ عَنْ خَصَائِصِهَا، لِتَعِيْشَ في عَيْنَيْكَ أوْلاً؛ فِي خَيَالِكَ وفِي غُرْفَةٍ وَاحِدَةٍ مَعَ الانْفِعَالات والأفْكَار ثَانِيَاً، وعَلَى الأوْرَاقِ في مِرْجَلٍ وَاحِدٍ مَعَ اللُّغَةْ. هَلْ مِنَ المُمْكِنِ أَنْ تَعْبُرَ القَصِيْدَةُ عَبْرَ كُلِّ هَذِهِ الحَيَوَاتِ حُرَّةً وَوَاعِيَةً بِوُجُودِهَا كَامِلاً، بِمَسْؤلِيَتِها عَنِ الشُّرُوْخِ الَّتِي أُحْدِثَتْ، والعَوَالِم الَّتِي أُخْرِجَتْ، والذِّكْرََيَات الَّتِي حُفِرََتْ؟؟ هُنَا مُسْتَحِيْلٌ آخَرٌ ولَكِنَّ وُجُوْدََهُ عَلَى قَيْدِ الحَيَاة _المُسْتَحِيل_ هُوَ (إغْرَاء الكِّتَابَة)؛ هُوَ مَا يَجْعَلُهَا فِعْلُ قَتْلٍ مِنْ زَاوِيَةْ، وَهُوَ تَحَوّلَهَا إلى الأُنْثَى الَّتِي لا تَتْرُككَ فِي هَذِهِ الفُصُولِ الكَئِيبَةِ بدُوْنِ رَفِيقْ. هُوَ رَفْضُكَ للانْتِمَاءِ وتَعَلُّقَكَ بِالوِحْدَةِ والأَلَم. هَذَا المُسْتَحِيْل يُعَلِّقُ نَفْسَهُ عَلَى بَوَّابَةِ قَلْبِكَ المُنتَهَكةِ كَمُبَرِّرٍ وَحِيْدٍ لِلوُجُود.
عِنْدَمَا تَتَعَرَّى الكِتَابَةُ مِنْ دَاخِلِي
وتُزَيِّنُ إغْرَائَهَا فِي العُرُوقْ
أَفْقِدُ تِلْكَ الفَتَاة الَّتِي دَائِمَاً مَا أَرَاهَا
_ مُسَيَّجَةً بِحِوَارِ المِيَاهِ مَعَ الشَّمْسِ _
تُوَدِّعُنِي فِي رَصِيفِ القِطَارِ وَتَبْكَي
ثُمَّ تَهْرَعُ حَافِيَةً نَحْوَ أفْرَاحِهَا فِي السِنِيْنِ الَّتِي سَوْفَ تَأَتِي
بدُوْنِي
عِنْدَمَا نَتَسَاءَلُ عَنْ جِهَةٍ تَتَصَدَّعُ فِي دَهْشَةِ الفَقْدِ
نَهْجُرُ بُوْصَلَةَ الدَّمْعِ فِي الإنْحِنَاءِ الأَخِيرِ لِبَطْشِ المَلِكْ
وَيَتْركنَا اللهُ فِي مغْزَلِ الاسْتِحَالَةِ
نَخِيْطًُ (شُرُودَ الغَزَالِ الفَسِيْحِ)
عَلَى خنْجَرٍ مُرْتَبِكْ.
المُصِيْبَةُ الأُخْرَى. هِيَ حَيَاةُ القَصَائِدْ. حَيَاتُهَا الَّتِي لا (تَبْدَأُ بِالوُجُودِ) إلا فِي أَذْهَانٍ أُخْرَى. هُنَا تَتَرَبَّصُ الحَيَاة الرَّابِعَةُ والأُوْلَى فِي نَفْسِ الوَقتْ. لأنَّهَا الرَّابِعة بِالنِسْبَةِ للكَاتِبِ والأولى لَهَا بَعْدَ خُرُوجِهَا لِلعَالَم؛ كَاْلجَنِيْنِ تَمَامَاً، إنَّهَا المَرْحَلَةُ الَّتِي تَلِي التِّسْعَةَ أَشْهُر، أَعْتَقِد أَنَّ الكِتَابَة تَمْتَلِكُ ثَلاثَةَ أَشْهُرٍ فَقَطْ لِهَذَا يَكُوْنُ الإحْتِمَال المُؤَكَّد هُو نَقْص الجَنِين دَائِمَاً، وأَحْيَانَاً. عِنْدَمَا تُسَيْطِرُ العَاطِفَةُ والإنْفِعَال عَلَى المَوْقِفِ كَامِلاً يَأْتِي الجَنِيْنُ مُشَوَّهاً ورُبَّمَا مُعَاقَاً. إنَّكَ لا تَسْتَطِيع أَنْ تَحْمِي عَيْنَيْكَ مِنْ هَذَا النَّقْص المُخِل، مِنْ هَذِهِ الإعَاقَاتْ؛ وهَاجِس أَنْ تَكُوْنَ أُمَّاً طيَبِّةً ومَسْئُولَةْ.
يَجِبْ أنْ تُحِسَّ بِلَعْنَةِ الُّلَغةِ بِكُلِّ آلاتِهَا الحَادَّةِ، أَنْ تُمْسِكَ بِالسِّيَاجِ الَّذِي تُحِيْطُكَ بِهِ بِيَدِيْكَ حَتَّى يَتَدَفَّقُ الدَّمُ بَاحِثَاً عَنْ الثُّقُوبِ والمَنَاطِقِ المُتَآكِلَةِ فِي السُّوْرِ لِيُحَلِّقْ.
رُبَّمَا لأَجْلِ هَذَا النُّوْعِ مِنَ التَّعْذِيْبِ، هَذَا الجَانِب مِنَ الكَبْتِ والعَجْزِ هُوَ مَا يَجْعَلُنِي أَتَسَلَّلُ بَحْثَاً عَنْ خُيُوْطِ الغُمُوضِ أُحَاوِلُ تَمْرِيْرَهَا مِنْ خِلالِ السِّيَاجِ مُحْاوِلاً رَدَّ الصَّاع صَاعِيْن لِلُّغَة؛ أُخْرِجهَا غَامِضَةً في تَحَدٍّ أبَدِيٍّ مَعَ قُدرَاتِهَا. لَهَا التَمَنُّع والمُرَاوَغَة، ولِي التَوَسُّل والخِدَاع بِالإنْفِعَال الصَادِقِ أَحْيَانَاً. وأَحْيَانَاً بِآلامِ التَّجَارُبِ الحَيَاتِيَّة. بِأَنْ أرْفَعَ إصْبَعِي مُتَحَدِّياً مَا يَظُنُّه الوَاقِعُ قَدَرَاً.
الوَاقِعُ، يَا إلهَ الهَادِئِينَ وجنَّةَ الطَّارِدِيْنَ طُيُورَ القَلَقِ مِنْ سَمَاوَاتِهْم، ويا مُنْقِذَهُم مِن بَرَاثِنْ الأسْئِلَة.
كَيْفَ لِي أَنْ أَتَفَادَى العَدَمَ الَّذِي تَمْنَحُنِي إيَّاهُ لأمْنَحَكَ أَحْلامَاً عَلَى قَيْدِ الحَيَاة؟؟؟ كَيْفَ أُحْيِي فِي ذَاكِرَتِي المَشْهَدَ الدَّاخِلِي لِعَظَامِ يَدَيْكَ وهِيَ تَتَآكَلُ عَلَى يَدِ الإرَادَةِ الإنْسَانِيَّةِ دُوْنَ أَنْ أتَذَكَّرَ المَقَابِرَ الَّتِي تُعِدّهَا كُلَّ يَوْمٍ بالمَظْهَرِ المَعْدَنِيِّ الصَلْبِ لِيَدِيْكَ فِي ذَاكِرَةِ التَّارِيْخ؛؟؟
كَيْفَ أجْعَلُ هَذَا الحُبَّ المَجْهُولِ الوَجْهِ، المَخْسُوفِ النَظْرَةِ، ذُو البُكَاءِ الدَّاكِنِ المَسْرُوقِ في لَحَظَاتِ الرِقَّةِ يَرْسُمُ طَرِيْقَاً مِنْ قَسْوَةِ نَبْضِكَ عَابِرَاً بِهِ عَوَاصِفَ أنْفَاسِكَ ومُتَجَمِّلاً بِبِرُوْقٍ سِرِّيةٍ تَتَسَرَّبُ مِنْ غَفْلَتِكَ حِيْنَ يُدْرِكُ إنْسَانٌ فِي مَكَانٍ مَا مِنْ هَذَا العَالَمِ _لِلَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ_ كَمْ هُوَ (كَائِنٌ) فِي هَذَا المَوَات المُسْتَمِرِّ لِحَرَكَةِ الأَشْيَاءِ والمَعَالِمِ.
لَكَ حُريَّةُ الصِيَاغة ِفي حَيِِّزِكَ. ولِي قُدْرَةُ إرْبَاكِ الرِّيْشَةِ الَّتِي تَصُوغُ بِهَا هَذِهِ الغَابَاتِ المُتَشَابِكَةِ الأقْدَار.
لَكَ أَنْ تُعْطِينِي: لُغَةً، آخَرِينَ، مَشَاهِدَ مَألُوْفة، قِرَاءَاتٍ هَدَّامَةٍ بَالِيَةٍ، مَعَادِنَ تَتَوَشَّحُ بالتَآوِيل والتَّفَاسِيرِ، غَابَاتٌ تَتَشَكَّلُ مِنْ لاجَدْوَى الرَقْصِ عَلَى حَافَّةِ الهَِاوِيَةْ.
ولِي. يَِاسَيَّد المَوَاعِظِ والأقْنِعَة. حُريَّةُ الخَيَالِ. عَالَمٌ رَحِمٌ تُوْلَدُ فِيهِ الكَلِمَاتُ. أَنْدَمُ عَلِيْهِ أَحْيَانَاً، يُفَرِّطُ في هُدُوئِي. ولكِنَّنِي أَتْرُكُ لَهُ مَسَاحَةً عَلَى شَاهِدِ القَبرْ.
ـــــــــــــــــــ
(3)
هَذَا الوَقْتُ المَنْزُوع بِقَسْوَةٍ، عِنْدَمَا تَهْبُطُ المَلائِكَةُ بِلا خَجَلٍ ولا تَرَفُّعٍ خَفَيٍّ وتَمْنَحُكَ لَقَبَ (الحَاكِم الغَرِيْب) الَّذِي لا وَلَنْ يَسْتَطِيع أَنْ يَحْكُمَ طِوَالَ حَيَاتِه أَحَدَاً إلا فِي هَذَا الوَقتِ المَنْزُوعِ بالقُوَّة، وَقْتٌ لِرَفعِ الفُؤُوسِ عَالِيَِاً بِيَدٍ وَاحِدَةٍ والهُبُوطِ بِهَا فِي صَدْرِ المُسْتَحِيلاتِ الشَّهِيَّة، يَنْدِثُرُ كَوْنٌ كَامِلٌ مِنْ الإشَارَاتِ والأَحَاجِي والأسْمَاءِ، يَنْدَثِرُ كَوْنٌ مِن تَوَارِيخَ لا تَعْرِفُ الرَّحْمَة إلا عِنْدَمَا تَمرُّ عَلَيْهَا عُيُونُ الجَبَانِ، يَنْفَتِحُ الوَادِي المَقْصُود مِنْ شِدِّةِ الضَّرْبَةِ الصَّاعِقَةِ، عَلَى أَطْرَافِهِ سَتَرْكُضُ مَبْهُورَ الأَنْفَاسِ مَعَ فَتَاةٍ _سَتَظَلُّ دَائِمَاً بِمَلابِسِ الأشْبَاحِ المُؤَقَّتَةِ_ تَتَحَدَّثان بِلُغَاتِ الأعْشَابِ والأَنْهَارِ الجَّامِحَةِ تُخطِّطُ عَلَى الأَرْضِ وَجْهَ الإنْسَانِ المُنْهَكِ مِنْ آلاتِهِ العَقِيْمَةِ وَهُوَ لا يَتُوبُ أبَدَاً مِنْ تَسْرِيحِ دَوَاخِلِهِ بِهَا لِتَصِيْرَ أجْمَلَ فِي عُيُونٍ أُخْرَى، (تَنْكُتُ) بِعُودِ ثقَابٍ _يُشعِلهُ الدمُ_ تُرْبَةً لا تَخُصُّكَ، مُقْتَحِمَاً خُصُوْصِيَّةَ المَكَانِ والزَّمَانِ، مُقْتَحِمَاً عَوْرَاتِ العَوائِلِ، مُكْتَشِفَاً مُؤَامَرَة التَّارِيْخِ الكُبَرى حِيْنَ كَانَ بَيْنَ ذَرَّاتِ التُّرَابِ يَبْذرُ الُّلغَاتِ العَسْكَرِيَّةِ والصَّخَبَ الخَادِعَ للثَّوْرَاتِ والأفْكَارِ الميِّتَةِ، المُؤامَرَة الَّتِي حَاكَهَا لِيَعِيشْ؛ لِيُسَمَّى تَارِيْخَاً، تتبيّن أنَّ الأفْكَار الَّتِي تَبْقَى وَتَسْتَمِر هِيَ أفْكَارٌ مَيِّتَةٌ، إنْ لَمْ تَكُن مَيِّتَةً لماذَا لَمْ تَتَغَيَّر؟؟، الكَائِنُ الحيُّ مُتَحَرِّكٍ، الكَائِنُ الميُّتُ مُرْتَاحٌ عَلَى وسَادَةِ أوهَامِهِ. بِبَسَاطَةْ.
إنَّهُ وَقْتٌ لِتَجْرِيبِ المَوتِ بالكَلِمَاتْ، أُقْتُل نَفْسَكَ لِتَعْرِفَ كَيْفَ كَانَتِ الحَيَاةْ؛ أُقْتُلِ الحَيَاة لِتَعْرِفَ كَيْفَ كُنْتَ مَوْجُودَاً فِيْهَا وبِأيِّ الطُّرُقِ خَدَعْتَ مَنْ خَدَعْتَ بِبَرِيْقِكَ الكَاذِب المَخْلُوقِ مِنْ كَذِبِهمْ البَرَّاق، لَسْتَ شَاعِرِاً جَمِيْلاً وَمُمَيَّزاً، إنَّ التميُّزَ الحَقِيْقِي هُوَ الَّذِي تَمْنَحُهُ أَعْضَاؤكَ وَحَرَكَتها الخَلاقَة لَكْ (وهل تَسْتَطِيع؟؟)، أَمَّا مَا يَمْنَحُوكَ لَهُ مِنْ حُبٍّ ورِعَايَةٍ وَقَوْلٍ بالتَّوَحُّدِ والتفرُّد كَانَ وسَيَكُونُ هَبَاءاً مَنْثُورَا؛
مَنْ وَاجَهَ مَعَكَ الَّليْل؟ مَنْ قَالَ لَهُ: (تَوَقَّف عَنْ فَرْمِ البَرَاءَةِ في عُرُوْقِهِ)؟! مَنْ وَاجَهَكَ وأَنْتَ شرِّيرٌ وقَبِيْح؟
لا أحد..
إنَّكَ لا (تُجََرِّب الحَيَاة)، إنَّ (الحَيَاةَ تُجَرِّبُك)
زِح يا عبيط، إنت ما شايف العربية؟!! كانت حتكتلك، إنت أصلاً حتموت بتفاهة كده قبل ما تعمل المفروض عليك، قبل ما تكمِّل مشروعك المعرفي في الحياة (ضحكة تهكُّم)، لازم نعمل حسابنا، القدر أصلاً متآمر علينا.
مشروعي في الحياة؟ قصدك مشروع الحياة فيَّ!
لَو كَانَ مَشْرُوعِي يَا صَدِيقِي لمَا نِلْتُ كُلَّ هَذِهِ الحِصَّةِ الضَّخْمَةِ مِنْ (بَيْتِ الأذَى)، لَفَكَّرْتُ وتَأَمَّلْتُ فَقَطْ، لَبَقِيتُ طَيِّبَاً وبَرِيْئَاً، وكَتَبْتُ بهُدُوءٍ تَحْتَ ضَوءِ المَكْتَبِ الخَاصّ، لما تَسَلَّلَ الخُبْثُ للعَيْنِ كَدَمْعَةٍ جَمِيْلَةٍ، لما أَدْرَكْتُ أنَّنِي أَرَى العَالَمَ مِنْ خِلالِ جُرْحٍ يُسَمُّونَهُ العَيْن، يَتَمَدَّدُ ويُصْبِحُ قَلْبَاً، يَتَفصَّدُ يُصْبِحُ أحْدَاثاً وعَلاقَاتٍ وأحْلام مُنْتَهَكَة مِنْ قِبَلِ القَرِيْبِينَ فَقَطْ.
أنْقِذْنِي يَا (أفَّه).
هَلْ رَأَيْتَ فَأسِيَ الحَبِيب، لَقَدْ سَرَقَتْهُ العَائِلَةُ قَبْلَ قَلِيْلٍ بأياديها الإقْتِصَادِيَّة الفَاتِكَة.
سَرَقَتْهُ تِلْكَ البِنْت وهِيَ في طَرِيقِهَا لحَيَاةٍ هَادِئَةٍ في الضفَّةِ الأُخْرَى مِن الجَّحِيمِ الجَمَاعِي.
سَرَقَتْهُ حوَارَاتٌ (طَرْشَانَةٌ) مَعَ كَائِنَاتٍ عَشِقْتُ الإطْرَاءَ الَّذِي يُمْطِرُونَنِي بِهِ.
سَرَقَهُ كَذِبِي المُسْتَمِر في جَوْلاتِي الخَارِقَة في (السُّوقِ العَرَبِي).
كَمْ مِنْ الوَقْتِ تَبَقَّى لارْكُضَ باتِّجَاهٍ لا يُشْبِهُ الضَّيَاع؟ لَمْ يَتَبَقَّ شئ، تَبَقى وَقْتُ التِّيهِ المَحْشُوِّ بِشَهْوَةِ البَحْثِ عَنْ الفُؤوسْ، تِلْكَ الَّتِي تُخَبِئُ فِي مِقْبَضِهَا جُثَّتِي ذَاتَ (السَّرَائِح).
تَوَقَّفْتُ عَنِ الصُّرَاخِ والشَّعْبَطَةِ في كُتُوفِ المَّارَةِ. لا لِشَئٍ فَقَطْ لأنَّنِي اكْتَشَفْتُ أمَاكِنَ أُخْرَى لِلصُرَاخِ والشَعْبَطَة، وَجْدُّتُ المدْخَل _الَّذِي يُغَيِّرُ مَكَانَهُ باسْتِمْرَار_ المُؤَدِّي إلى صَالاتِ الجُنُونِ والذَّبْحِ، صَالاتٍ تَحْتَمِلُ الصَّرْخَةَ والسَّلْخ المُرْتَدِّ عَلَى شَكِلِ صَدَى. هَذَا المَدْخَل المُخَاتِل يَخْتِمُ عَلَى قَلْبِكَ حُبَّهُ ويَتَحَوَّرُ كاحرْبَاءٍ في جدَارِ الوَاقِعِ الخَشِنْ، حُبُّهُ هَذَا هُوَ مَنْ سَيَدْفَعُك لِتَلَمُّسِ السَّطْح الخَشِنْ حَتَّى تُدْمَى أَصَابِعُكَ المُرْتَجِفَةِ، وإنَّكَ لا تُحِسُّ بالجِرَاحِ لأنَّكَ أَخْرَقْ، لا تَكْتَشِف الألَم إلا بَعْدَ إكْتِشَافِ الشَكْلِ الجِدِيد للمَدخَلِ، إلا بَعْدَ الدًُّخولِ للَحَظَاتٍ دوَّاخةٍ تَقْضِي فْيها مُتْعةً أُخرى تَرْفُضُ التَعْبِِير عَنْها _وإنْ حَاولتُ هُنا لوبَّختني_ تُدْرِكُ الألَمَ بَعْدَ الخُرُوْجِ، ولَكَ عَادَاتٌ سَيِّئةٌ و(بَايخَة):
(إنَّكَ تَشْكُو ألَمَك للآخرين، تَعْرِضُ ما خَرَجْتَ بِه عَلَى الوَرَق، تَتَسَوَّل الإعجَاب والثَّنَاء، تَنْبُشُ في أيَادِيْهِم بَحْثَاً عَنِ تَصْفِيْقٍ مَا، تَطْعَنُ أَعْيُنَهُم بَحْثَاً عَنْ قَطْرَةِ حُلمٍ تَشْفِي بهَا غَلِيلَ حُبَّكَ لألمك).
ولكِنْ انْتَظِر. هُنالِكَ مَا لَم ولَنْ يُكْتَب، هُنَالِكَ ما تَسْتَنْطِقه أَنْتَ في حَوَاسِّك، ما لَنْ تَسْتَطِيع كِتَابَتَه وصِيَاغَتَه لأنَّكَ كَاتِبٌ فَاشِلٌ باسْتِمْرَار.
أيْنَ سَيَذْهَب كلّ هَذا؟
رَأَيْتُ الغُرَابَ واقِفَاً فَوْقَ العَمُودِ بِعَيْنٍ مَخْلُوْعَةٍ يَنْعَقُ بِشَمَاتةٍ،كان ملاكٌ يُسَخِّنُ السَّمَاءَ حَتَّى سَالَتْ بِشَكْلٍ مُرِيْعٍ مُخَلِّفَةً عَدَمَاً دَامِيَاً في مَكَانِهَا، السُحبُ كَانَتْ تَرْحَلُ. تَرْحَلُ بِسَرْعَةٍ لا تَرْحَمُ، البَيْتُ الوَاقِفُ بِقَسْوَةٍ بلا إكتِرَثٍ وسُكَّانهُ يَنْهَارون بِعَفَوِيَّةٍ.
كَانَ قَلْبِي في مَكَانٍ مَا؛ مَكَانٍ حَكِيْمٍ جِدَّاً يُخرِّفُ بوَجهكِ الجارِح وأَنْتِ بَعِيْدةٌ لا تَعْرِفِيْنَنَيْ، وأَنْتِ بَعِيْدَةٌ تَعِيْشِيْنَ على أَنْقَاضِي ولا تُحِسِّيْنَ بِها تَنْتَفِضُ من تَحْتكِ، كَانَتْ أيَّامٌ؛ أيَّام.
في هَذَا المكَان كُنْتُ أَفْتَرِقُ عَن حَيَاةٍ ما. لهَا رَائِحَةُ جُمُوعٍ مِنْ البَشَر وهيَ تَضْحَكُ. كَانَتْ يَدِي المَقْطُوْعَةُ تُحَاوِلُ أن تَجُرَّ مَعَها ما تَسْتَطيعُ مِن مَا كَان جَمِيْلاً وخَالِدَاً.؛ أَنْظُرُ لَهَا بِعَيْنٍ بَاكِيَةٍ بإشْفَاقٍ يبُُثُّ رَعَشات في أطرَافِ وجهي، يَدِي تَنْظُرُ في إتجاهي بِإصْبَعٍ وَاحِدٍ وتَشُدُّ انتِبَاهَ بَقِيَّةَ أعْضَائها للمَاضي.
الطَّريْقُ يَنْشَطِرُ، جُزءٌ يَصعد عَالياً، جُزءٌ يَبقى في مَكَانِهِ يَحْتَرِقُ بلا أَمَلْ. كَمْ سَأكُونُ قَاسِيَاً.
في الَّلحْظَةِ الَّتي يَقِفُ فِيْهَا الجَمِيع أَمَامَ كَهْفٍ (كَانَ في دَاخِلِي وأُكْتُشِفَ مِنْ قِبَلِهِمْ في هَذِهِ الأَزْمِنَة) يَقِفُوْنَ بِمَشَاعِلِهِم وَهُمْ مُنْدَهِشِيْنَ مِنْ كُلَّ هَذهِ النُتُوءاتِ والنُّقُوشِ، بَعْدَ ذَلِكَ يُقَرِّرُوْنَ _كعَادَتِهِم_ هَدْمَ كُلّ هَذا لأعُوْدَ _فَقَطْ_ خَادِمَاً أَبَدِيَّاً لِطُمُوْحَاتِهِمْ وأفْكَارهم عَنِ الحَيَاةْ.
في (أيَّام الهَدْمِ) كُنْتِ (مَشْغُوْلَةً). كُنْتِ تَسُدِّين أُذُنَيْكِ مِنْ كَلامٍ كُنتُ أَنْطُقُه بِلَعْثَمَةٍ طِفْلَةٍ، بِلا خَوْفٍ، كُنْتِ في مُحَاوَلَةٍ دَائِمَةٍ لِحَشْوِ جَسَدَي ولُغَتِي بِالسَلاسِلْ.
أَنَا أُهْدَمُ في وَضَحِ النهار من قِبَلِهِمْ
وأَنْتِ تُكَبِّلِيْنَ قَلْبِي ورُوْحِي.

كَيْفَ اسْتَطَعْتُ أَنْ أَتَحَمَّلَ هَذِهِ الأيَّام؟ إنِنِي لَفَخُوْرٌ بِهَذَا الجَحِيْمِ، أيُّ لَيْلٍ كُنْتِ تُحِّسْيَن بِهِ،
أَنَا كُنت أُحِسُّنِي لَيْلاً آخر، واللَّيْلُ يَنْظُرُ إليَّ كَأَنَّنِي مِرآةٌ مَكْسُوْرَةٌ، ينظرُ في عينيَّ ويقولُ:
(إنِّها صُوْرَةٌ مُشَوَّهَةٌ لي)!!
كَانَ سِتَارُ الأَرضِ يَنْهَارُ، لَيْسَ لأنَّهُمْ يَهْدِمُوْنَ، بَلْ لأنَّكِ لا تُدْركيْنَنِي. لا تَشْعُرِينَ بِشَبَحِي. كُنْتِ أخرى (تماماً).
ـــــــــــ
(4)
أنا واقعيٌّ لأقرأ الوَاقِعَ مِن زَاوِيَتِه وأعُودُ إلى زَاوِيَتِي فَقَط، لَسَتُ واقِعِياً لأصلُبَ أحْلامِي عَلَى جِدَارِ قِراءاتِهِ لِي، ولا جِدَار قِرائتي لَهُ؛
إنَّهُ واقِعٌ مَهْزُومٌ أصْلاً، وَهُوَ مَهْووسٌ بإخْفَاء هَذِهِ الهَزِيمَة بكُلِّ مَا يَمْلكُ من حَمَاقَة، وعَمَليَّات الإخْفَاء المُحْتَرِقَة مُرْتَكِزةٌ عَلَى (التَعَوُّد) كَفِكْرَة أسَاسَيَّة. هُوَ يُحَاوِل أن يَتَعَوَّد عَلَى الهَزِيمَة لِكَي تَخْتفي كَمَا يَختَفي (ألم العَادة) _إن كَانَتْ مُؤلمة. إنَّه أيَّها المُغفَّل يَجْلِسُ عَلَى آلةِ النَّسخِ البَشَرِيَّةِ ليَقُومَ بِطَبْعِ قُبْلَةٍ عَلَى كُلِّ دُمْيَةٍ مُكَرَّرَةٍ تَخْرُجُ من الآلة، هَذِه القُبْلَةُ الَّتي تَحوِي بدَاخِلِهَا أحْلامَ الرَاحَةِ والهُدُوء الأبَدِيّين، الوُعُود الجَمِيلة ببيُوتٍ عَلَى حَافّة النَسْيَان مِنْ شِدَّة تَشَابُه أثَاثَاتِهَا، والنَّوافِذُ المُغْلَقَة عَلَى الغُبَارِ والتَّكَلُّسِ الحَائمَيْنِ كَسُياحٍ مُبْتَهِجينَ فِي فَرَاغٍ دَاخِليٍّ أَنْتَ إلههُ الخَالِق والمُعذِّب.
هَلْ تَرَى الآن كَمْ تَبْلُغ آلة النَّسِْخ من ضَخَامة وتمدّد؟ لماذا تَسْتَغربُ إذاً من مُحَاوَلات غُرَفِكَ الدَّاخِلِيَّة اليَائِسَة لِخَلقِ المَزِيد مِنَ الأشْبَاحِ لتَتَحَدَّث مَعَها، تَعْشَقها وتَضُّمها حَتَّى تَتَمزقُ في صَدْرِكَ؟ لماذا تَسْتَغرب مِنْ الفَتَاة الفَاتِنَة وهِيَ تُمزِّقُ أمَامَك _بِكُلِّ فَخْرٍ وكبْرِياء_ أجنِحَتَهَا الَّتِي اكْتَشَفَتْهَا فَجْأَةً عِنْدَما قَبَّلتَ حَيَاتَهَا بِقُبْلَة غَرِيْبَة؟ تِلْكَ القُبْلَةُ الَّتِي تَرَاهَا الآن مُشرَّدةً في الشَّوَارِعِ تَبْحَثُ عَنِ الآثار الَّتِي تَرَكَها ظِلَّكُما (الوَاحِد) عَلَى العَتَبَاتِ والكَرَاسِي الوَاهِنة. تِلْكَ الَّتي تُشْبِهُ الآن رِسَالَةً مُحْتَرِقَةَ الأطْرَافِ تَبْحَثُ _بِيَقِينِ الرِّيحِ فَقَط_ عَنْهَا، إنَّها عَلَى كَفِّ الرِّيحِ أيُّها الجَاهِل المَغْرُور، هَي عَلَى كَفِّ الرِّيح بلا إتجَاهَات. توقّف هنا.
-    لا حولا ولا قوة إلا بالله. يا الله.
-     نِسِيتْ حَاجَة؟.
-     لأ.
-     طَيِّبْ. مَالَك؟
-     أتَألَّم. قَلْبِي يـ.
-     إنت مجنون؟ مافي حاجة في الدنيا دي تستاهل.
لا، إنها (تِسْتَاهَل)؛ إنَّها تُهمُّ أيُّها الكَاِذب.
كَيْفَ لا تُهمُّ وهَذَا الألم بِكلِّ هَذهِ الحَقِيْقِيَّة يَرْتَجُّ بِغَابَاتِه وشُمُوسِهِ المشَويَّةِ في مَجَرى الدَمِّ الضيِّق؛؟
إنَّها تهمُّني جداً، هَذه الحَيَاة، كلَّها بلا اقتطاعٍ. هي قَطَعَتْنَي ولا تَكُفُّ عَنْ نَتْفِي عَنْ مَلابِسِهَا كَخُيُوطِ القمَاشِ الزَّائِدَةِ في قَمِيصٍ قَدِيم. ولكِنَّني أَهْتَمُّ بها كاملةً بكل التَّفاصيل، ولكَ أن تَتَصَوَّر اللَّوحة كَامِلَةً يا عزيزي المتَسَوِّل رَحْمَةَ العَالمينْ: (واقعٌ مهزومٌ يهمّني)، هَلْ تَذْكر (كيركجور) ذَلِك (الفرد) المتشَائِم؟ قال: ( وعلى ذلك فَلَسْتُ سَيِّداً عَلَى حَيَاتي، لَسْتُ سوى خَيْطٍ واحد من خيوط كثيرة يَجِبْ أن تُغْزَلَ دَاخِل نَسِيجِ هَذِهِ الحَيَاة) وفي النهاية قال: (حَتَّى وإن لَمْ يَكُن في استطاعتي أن أغزل ففي استطاعتي على الأقل أن أقطع الخيط) وأيضاً لكَ أن تَتَذكَّر بلاهَتَكَ وأنتَ قَدْ آمَنْتَ بِهَذِهِ المَقُولةِ في يَوْمٍ مِن الأيام وحاولت أن (تَقْطَعَ الخَيْط)، مَرَةً بالانتِحَارِ وقَدْ كُنْتَ مُضْحِكاً عِنْدَما اكتَشَفْتَ أنَّكَ جَبَانٌ وتَخَافُ مِنَ الماء والغرق في نهرٍ منسيٍّ في خَارِطَةِ العَالَم، ومُضْحِكاً عِنْدَمَا بَحَثْتَ عَنْ وسَائِل أُخْرَى لِقَطْعِ الخُيُوط. ولكِنْ دَعْنَا نَتفِّق أنَّ جُزء مِن هَذهِ النَّظَريَّة رُبَما يَكُونُ صَحِيحَاً.
دَعْنِي أَقُل لَكَ كَيْف: نَحْنُ (نُغْزَل) باسْتِمرَارٍ، أي أنَّكَ دَائِماً تَحْمِلُ في رأسِكَ الصَلب أفْكَاراً لا تَهمُّك في شئ، تَحْمِلُ حَيَواةٍ لأنَاسٍ آخَرين، عُيونَاً تُتَابِعُكَ أيْنَمَا ذَهْبتَ، قَلْبَاً يَعْشَق ويُضَحِّي ومَسِيحٌ مَغْرُورٌ يَتَبَخْتَرُ في شَوَارِعِكَ الغَامِضَةِ وأورَاقُ الألَمِ تَتَسَاقَطُ عَلِيهِ مِن أشْجَارٍ مُكسَّرةٍ على جَوَانِبِ الطريق، أشجارٌ تخترقها عروقُ أحلامٍ ميِّتةٍ، ودُودُ الرَّغبَاتِ يَنْهَشُ جُذورها ويُدْمِيها..
إنَّكَ يا نَديمي تَحْمِل حُريِّاتٍ تَسْتَعملها كَأنَّهَا لَكْ!! كَأنَّكَ مُنْتَزِعها الخَارِق. كَيْفَ سَمَحْتَ لَهَذا الوَهمِ أن يَتَغَلْغَل في دَاخِلِكَ؟ دَعْنِي أُجِيب _مَعَ أنَّكَ لَنْ تَتَحَدَّث طَوَال هَذِه الخُطبة البليدة_ لقد سَمَحْتَ لَهَا بالتغلغل لأنَّك تَحْتَاج دَائِماً لأنْ يَغْزِلك أحد.
هَلْ تَعْرِف مَتَى سَيَغزل كلّ شَخصٍ بإرادته؟ عندما يَكُفّ البَشَر عَنْ محاولاتِهِم المُسْتَمِرَّة لتَقَمُّص شَخْصِيَّة الله وصِفَاتِهِ.
إنَّهُم آلهةٌ يَمْشُونَ عَلَى الأرضِ. يَصْنَعونَ الأقدَار في حَيِّزٍ شَخْصِيٍّ جِداً يخصُّك با أبْلَه. إن لَهُم أيادٍ مقرفةٍ _نعم_ وأنت لا تكفُّ عن صبِّ اللعنات عليها؛ وإنك تصفُ لأصدقائك طُولَ الأظَافِر غَير المُهَذب، والقَذَارَة المَحْشُوَّة بِداخِلِها مِن استِلابٍ عَاطِفيٍّ أَخرَق ووجوهٍ لا تَحْتَمِلُ إخْتِلافَكَ عَنْهَا؛ لكِنَّك _واسمح لي_ تَحْكِي فَقَط وتَدَّعي وترفع أعلامكَ النَّارية في ساحاتٍ خاليةٍ من الحُرُوبِ أصْلاً؛ إنَّكَ تَمْشِي في الشَّارع و (تَشُوت) الحِجَارة الصَغِيرَة و (الدُّوم) والأكيَاسِ مُدَّعِيَاً أنَّ هَذِهِ العَمَلِيَّة تُدْعَى مُحَارَبَة الذَّاتِ عَنْ طَريقِ مُحَارَبَة الظِلِّ الَّذِي يَرٍْتَسِمُ تَحْتَ خَطْوَاتِكَ التائهة.
الآن لَكَ أنْ تَعْرِفَ ما الهَدَفْ، إنَّه لَيْسَ (قَطْعَ الخَيْطِ) إنَّهُ البَحْثُ عَنْ زَوَايَا وأوْضَاع مُخْتَلِفَة لمُشَاهَدَةِ مَسْرَحِ العَرَائِسِ الَّذِي أَنْتَ (فِيْهِ) تَعْبَثُ، وتُدرِكُ الرَّحِمَ الَّذِي يُوَلِّدُ كلّ هَذِهِ الخُيُوط، سَتَكتَشِف أنَّها تَأتي من جميع الإتجاهات ما عَدَا (السَّماء)، إن البَشَر لَمْ يَتْرُكُوا فُرصَةً لله حتى يُمَارِسَ سُلطَتَهُ في حِيَاكَةِ الأقْدَارِ وتَحْرِيكِ الخُيُوط، لَقَد تَكَفَّلوا بِذَلكَ كَاملاً، لَقَد خَلَقَوا الله وهُمْ الآن يَقومونَ بالدِّفَاعِ عَنْه بآلياتهِ الَّتي حَدَّدوه بِها، لَقَد حَدَّدوه وانتهى الأمر، لقد فَاتَكَ المَهْرَجَان يا عَزيزي الدُّميَة. إلا إن صَحَّت نَظَرِيَّة تَنَاسُخ الأروَاح وأنَّكَ كُنتَ كاتباً في هَذَا المَحْضَرِ البَلِيدِ. وأنَّ يَدَاكَ تُخْفَيان الكَثيرَ مِنَ الدَّمِ وجَسَدُكَ يَعُجُّ بالجُثَثِ والضَّحَايَا. ربَّمَا بَعْدَ ذَلكَ سَتَسْتَطيع تَحَمُّل كُلَّ هَذَا العَذَاب.
-    هذا العذاب؟ وماذا تعرف أنت عن العذاب؟ إنك جالسٌ في قمّتك البوذية وتصرخ كالممسوس!.
نعَم. نَعم. تكلَّمت أخيراً. كَرّر تراهَاتكَ وأعرِفْ مَا هُوَ التَّالي: سَتَقُول: أنَّكَ لا تَسْتَطيع أنْ تَقُومَ بِأيِّ فِعْلٍ (أَخْرَق) ومُفيد. وبَعْدَهَا سَتَرْتَمِي في أحْضَانِ السِّيَاسِيين وتهرطِّق بأقنعةٍ سلَّّموها لك لأن المرحلة (الرَّاهنة) تَتَطلَّب المراوغة.؛ أليس كذلك؟ أَلَمْ تُدرِك واجِبَ الهُرُوب مِن الرَّاهِن؟
حَسَناً. اختصاراً لِكُلِّ هَذِهِ التَفَاصيِل دَعْنِي أَتَحَدَّث فَقَطْ وافعَل مَا يَحْلُو لَكَ. إنَّكَ (سَيّد حَيَاتِكَ) أليْسَ كَذَلك؟ ولَكنْ دَعْنِي أُذَكِّرْكَ بشئٍ؛ إنَّ هَذِهِ الشَّخصية الَّتي تُمثِّلكَ في مَسْرَح العَرَائِس غَيْر طَريفَة أبَدَاً، بَل مُمِلَّة وتَجْعلني أُشْفِق عَلَيك؛ ألَمْ تُشَاهِد كَيْفَ ذُلِلْتَ في مَشْهَدٍ هُوَ أصْلاً كُوميديٌّ ولا وُجُودَ لِكُلِّ هَذَا الإذلالِ في النَّص الأصلِي..
[لا تقل لي من أين جأت بالنص الأصلي؛ أنت تعرف أنه معلَّقٌ في الغرفة القذرة التي جعلتني أسكن فيها في مقابل أن تحصل أنت على المجد والشهرة، تحصل على شعرٍ ركيكٍ خَدَعَ المتشابهين، يا قائدي المتشابه].
.............
دَعْنِي أكُن صَرِيحاً: هَلْ تَعْتَقِد أنَّها سَتَهْتَمُّ لِكُلِّ مَا (أنْتَ) عَلَيه؟؟ هُنَالِكَ واقع يا (إبني) فِي هَذهِ اللَّوحَة، ولونُهُ فَاقِعٌ جِدَّاً ومِنَ المُستَحِيل أن تُخطأ عينها رؤيته للأبد، صَحِيح أنَّها خَاضَتْ مَعَكَ ألوَانَاً أخرَى بَاهِتَة وأحْيَاناً غَيرَ مرئية، أحَسَّتْ بمُتْعَةِ الإكْتِشَافِ لأيامٍ وأسابيع وِشهور. رَسَمَتْ مَعَكَ عَالماً آخراً بحُزنٍ شَقِي، وعَلَّمَتْ مَعَكَ كُهُوفَ الجِبَالِ برسومٍ تَتَحَرَّكَانِ في دَاخِلها كَطُيُورٍ أُسطُوريةٍ لا تُغَنِّي إلا حَرَارَةَ النَّارِ ولا تَقْبَل الحِيَادَ السَّمَاوي.
ولَكن اللَّون الواقِعِي (يا وَهْمِي) أَشَدُّ حَرَارَةً مِن نَظَرَاتِكَ واشَتِعَالك الوَحِيد.؛ أَلَمْ تُدْرِك أنَّ الوَحِيد الَّذِي يَسْتَطيع أنْ يَتَجَوَّل مَعَكَ في هَذِهِ المنَاطِق الخَطِرَة هُوَ الشِّعر وأنَا؟ نَحْنُ لا نَمْلُكُ شَيئاً لنَخْسَرَهُ سِوَى هَذَا الجَسَد النحيل، ولكن هِيَ لَدِيْهَا الكَثير مِنَ الاصْدِقَاء والعَوَائل والأعْمَال المهمِّة، ولَهَا (نَفْسُهَا اللَّوامةِ)، ذَات المُلك والدَّلال، تَرْفَعُ سِيَاطَهَا لِتُفَرقِعَ حَيَاةَ اللَّحَظَاتِ، لتَسْلَخَ جِلدَ الذِّكرياتِ حَتَّى يُفقِدَ خاصيَّة التجَدُّد والاندِمال، يُصبِح من المؤلم أنْ تَسْمَعَ كَلمَاتٍ تَنْفُضُ الغُبَارَ مِنْ عينِها، يصبِح مِنَ الصَّعبِ جِدَّاً أنْ تَتَعَرَّفَ عَلَيْهَا الآن، كَمَا سَتَفْعَل هِيَ في الأزمِنَة القَادِمة.
أتَحَقُّقُ في كَسْرَةٍ حَفَرَتْهَا يَدَايَ بازمِيلِهَا الضَّالّ
فَوقَ قيودٍ / حُدودٍ
تُحَاوِلُ أنْ تَخْتَفِي بَيْنَ حياةٍ وأخرى
بَيْنَ دُمُوعٍ وحُمَّّى
أجتَثُّ عُمْرِي مِنَ البَردِ
مُستَغْرِقاً في صِيَاغَةِ نَارٍ بِلا مُدُنٍ يَتَسَلّلُ مِنْ ثَوْبِهَا قَصَبٌ نَاشِفٌ.
(أجد ما لا أبحث عنه. أبحث عن ما لا أجد)**
أنَا سَأملك الرِّيشَةَ الحّادَّة، الرِّيشَة ذَات الأحلامِ وأتَفَسَّحُ بلا خَوْفٍ تَحْتَ أقْدَامِ الحياةِ الضَّخْمَةِ وأرسُمُ في بَاطِنِهَا_في اللَّحظَةِ التي تَرْتَفِعُ فِيْهَا لتَسْحَقَنِي_ شَكْلَ الطَّريق الَّذِي سَتَنْتَحِبُ عَلَى حَافَّتِهِ أنتَ وحِيْدَاً ومُكتَّفاً برائِحَتِكَ المُمَيَّزة والتي _مَهْمَا حَاوَلْتَ الانتماء_ سَتُشَكِّلُ بَصْمَةً تَكْفِي لتُسَدَّ الأبوابُ بِوَجْهِكَ، سَتَعْرِفُ جِلدَكَ _بُدُونِ مُقَدِّمَاتٍ_ عِنْدَمَا تَرَاهُ تَحْتَ أقْدَامِكَ يَنْسَلِخُ بَعْدَ كُلِّ مَسَافَةٍ تَقْطَعُها، بَعْدَ اللَّحظَةِ الَّتي اسْتَرحتَ فِيْهَا مِنَ السَّفر. لتُوَاصِلَ التَّلاعُبَ برَمَقِكَ الأخيرِ بَيْنَ أصَابِعِكَ وأنتَ تَبْتَسِمُ ابتِسَامَةً مُرْهَقَةً،
أنتَ تَهْتَمُّ بالحَيَاةِ _للأسَفْ_ (مِثلِي).
أنْتَ تُلوِّثُ دَمَهَا بِكَ أيُّها الضَّلالُ المُشَرَّدْ،
أنْتَ تَتَلوَّثُ بإيقَاعِهَا
إيقَاعَهَا يَتَلوَّثُ بوَجْهِ إرهَاقِكَ القَاتِلْ...
يا قَاتِلي الصَّغِير.
ـــــــــــــ
يناير – فبراير 2006م
من (اقتفاءات خارج السياق القديم) لمحفوظ بشرى
من نص بعنوان (.. أو كتاب المهزلة) لمحفوظ بشرى
حوار في الشارع مع محفوظ بشرى
**نجيب محفوظ (الحرافيش)

تعليقات

  1. "كُن في صراعِ العالمِ مَعَكْ إلى جانبِ العالمِ دائماً": تلك كانت نصيحة ساخرة ومَرِحَةَ اليأس للمدعو فرانز كافكا ، يا مامون...

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تَرَانيم مَحموديَّة - شذرات متفرّقة في ذكرى اغتيال الأستاذ

The Beauty of the Silly - نجلاء عثمان التوم

 The Beauty of the Silly  نجلاء عثمان التوم


إلى عثمان حامد سليمان
هل يمكن تشريح الأصالة؟ هل يمكن الكشف عن شعوبها الداخلية دون مجزرة؟ أنا مدفوعة هنا بالحجب الأصيلة التي يغزلها الغناء السوداني حول نفسه فيبدو لنا أحياناً شيئاً محيراً، لامع الحيرة. عندما نتجرد من العصاب الذي نسميه الفهم، وننطلق في رحلة متحللة من كل غاية، ونستمع إلى الأغاني السودانية بأرجلنا ومصاريننا، نشعر أن الطاقة التي تتهدج في الجو هي، ولا شيء خلافها، الهوية. لكن تظل أصالة هذا الغناء شيئاً غامضاً جداً وعصياً على التعيين. ثمة إستراتيجيات، أعتقد، أيّدت هذه الجذوة التحتية. أولاً تحتجب الأصالة، في معظم الأحيان، في تمويهات هزلية تنتجها قوالب شبه ثابتة محكومة بشهوة الرجز، والطلاقة الشعبية، والنبرة العادية في الكلام. فالغناء في الأساس هو مكان التغزل في اليومي والعادي في أقرب نسخه إلى الواقع. وكلما تشبثت الأغنية بسوقيتها المعروقة، كلما تصير إلى درجة من أصالتها الصحيحة. لكن الفن هو دائماً تدخل معقَّد، فلا نجاة من سطوته، لكن التحايل عليه ممكن. فعندما تبدأ أغنية ابتهالية، فيها تسجيل لمغامرة البلاغ العشقي والوصال الكامل، بعبارة “الحج…

تنقيباتُ الجنوبيّ

تنقيب الظلام