التخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسالة من عبد الله علي إبراهيم إلى سائر شباب السودان في ذكرى 22 يوليو 1971






مقدّمة طينيّة:
هذه الرسالة، من أجمل وأعمق وأصدق الرسائل التي قرأتها مؤخراً، كتبها الصديق البروفيسور عبد الله علي إبراهيم. أنقلها هنا لقراء طينيا للمتعة المشتركة، وللاتفاق والاختلاف. الصورة أعلاه من أعمال التشكيلي والمصور عصام عبد الحفيظ. محبتي.
مأمون
ـــــــــــ

 نص الرسالة:

هَرِمنا: لنطوى صفحة عنف الدولة والعنف المضاد
          
"لا يموت الماضي أبداً. بل، إذا جئنا للحق، فالماضي ليس ماضٍ أصلاً".
وليام فولكنر

تمر اليوم الذكرى الرابعة والأربعين لمذبحة بيت الضيافة ومجازر المدرعات بالشجرة خلال، وفي أعقاب، انقلاب الضباط اليساريين في 19 يوليو 1971. فقد استشهد في بيت الضيافة خلال الانقلاب 16 ضابطاً و 3 صف ضابط كانوا في أسر الانقلاب وأعقبت فشل الانقلاب في 22 يوليو مجازر شعواء لليسار بعد محاكمات غاض فيها العدل فذهبت بصفوة جيل التأسيس اليساري وعلى رأسهم الشهيد عبد الخالق محجوب عثمان (1927- ) زعيم الحزب الشيوعي.
هذه واقعة واحدة أليمة لعنف الدولة والعنف المضاد لها تضرج منها تاريحنا المعاصر بالدم. من هذه الحادثات ما انقضى زمانه ومنها من ينتظر في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق نزولاً إلى أحياء المدن والقرى على نطاق القطر. يُعيبنا بالطبع أننا معطنون في هذا التاريخ الدموي السدى. ولكن ما يخذينا حقاً أننا لم نتواضع بعد على خطة لطي صفحته كتاريخ، فنتدابره كثأرات تمشي معنا على الأرض.
ذكرى مجازر الشجرة من أشق المناسبات على نفسي. فيتفطر فيها فؤادي لمقتل رموزنا الوسيمة من جيل التأسيس اليساري. لقد عشناها شباباً غضاً امتلك الوطن ناصية نفوسه. فأضّغنا وبتنا على الثأر لهم. وكبرنا وهرمنا. ورأينا رجالاً وسيمين من غير صفنا العقائدي صرعى عنف الدولة والعنف المضاد. وأنكفأ كل فريق منا على تاريخ جراحه الخاصة ينتظر يوم تفريج كربته بالنيل ممن آذوه. وهذا فش للغبينة وهدم للمدينة. فثبنا إلى رشدنا من فرط عاقبة طاقات الثأر التي تحدق بالوطن تنتظر الاندلاع كالقنابل الموقوتة..
وبدا لنا الآن أن الثأر ربما لم يكن المطلوب. ولا يعني هذا تغييب العدالة التي سميناها الآن من فرط عقلها ب "العدالة الانتقالية" صوناً للوطن من غلو الرغبة في الانتقام. وهذه حالة إنسانية ممحونة تستصرخنا أن نتنادى إلى مشروع وطني شبابي يخرج "الدم التاير او الثائر" من عروق الأمة لتطوي صفحة أمسها وتبدأ ليومها. إن من حق البلد عليكم، ومن حقكم على أنفسكم، أن نقلب صفحة هذه الثأرات لتميطوا الأذى من طريق الوطن.
نريد أن نجعل من الذكرى الراهنة لبيت الضيافة ومجازر الشجرة، صعوداً إلى ذكراها الخامسة والأربعين في 2015، مناسبة لطي سجل الواقعتين وكل مأساة أخرى من عنف الدولة والعنف المضاد. وسبيلنا إلى ذلك أن نتراص حول مطلب التحقيق (أو استكمال التحقيق) في ملابسات كل وقائع هذا العنف. وأن ننهض في الدولة وفي المجتمع المدني بتحر تاريخي علمي على يد لجنة مشهود لها بالخلق والرصانة تنظر في كل وثائق الدولة حول هذه الوقائع من حصيلة لجان التحقيق ومضابط تحريات قسم القضاء العسكري وسجلات المحاكم العسكرية الإيجازية. وأن توضع تحت تصرفها تسجيلات الإذاعة والتلفزيون وقسم التصوير الفوتغرافي وصحف الأيام الصعبة. وأن تستمع للشهود الأحياء وكل راغب في الحديث للجنة في الشأن. وبهذا نقطع دابر هذه الواقائع التي جعلت الخصوم أسرى رواياتهم الخاصة عنها يجترونها كل ما حل يوم ذكرى من تلك الذكر الأليمة. لقد اكتنفنا هذا التظاهر بالتاريخ بدلاً عن الامتثال للتاريخ بحكمة خبراء ينظرون إلى ما بعد هذه التظاهرات ويركبونها، وينهون القطيعة بينها، للاحاطة بهذا الحادثات الجلل لعنف الدولة من جوانبه كلها.
من الجهة الأخرى نأمل أيضاً أن نتواثق في عامنا هذا صعوداً للذكرى الحزينة في 2015 بالعزم روحياً وسياسياً على كشف المثوى الأخير لضحايا عنف دولة والعنف المضاد. ونريد بهذا الكشف أمرين: أولهما أن تكف الدولة عن ممارستها الوخيمة في التمثيل بجثث الخصوم بدفنها في قبور مجهولة في انتهاك صريح لحق أسرهم وأحبابهم في توقيرهم بمواضع مطلولة بصلاة وحصى وزيارة. وثانيهما أن نبدأ في تطهير الممارسة السياسية من درن الخسة والجاهلية وهو درن فاجع وجامع ومانع. فأصبح الجسد-الجثة في دولتنا المستقلة مسرحاً لعمليات سياسية بلغت الدرك الأسفل من الخلق. فقد رأينا كيف اختنق قبيل من مزارعي مشروع جودة الزراعي بالنيل الأبيض في عنبر للسميات في كوستي (1956). وكيف وقع "نفخ" المرحوم حسنين محمد حسنين في سجن الأبيض (1961)، وكيف اغتيل السيد وليم دينق في سياق حملته الانتخابية في الجنوب (1965)، وكيف جرى خطف الصحافي مكي محمد مكي وتغييب جثته بصورة خسيسة لو صح وصفها الشائع، وكيف دفن الإمام الهادي جزافاً في 1970 وتلاه الرفيق عبد الخالق محجوب ورفاقه (1971)، والسيد حسن حسين ورفاقه (1975)، والسيد محمد نور سعد وصحبه (1976). ورأينا إعدام الأستاذ محمود محمد طه ودس جثمانه وكذلك فعلوا برهط انقلابي رمضان 1992. وما أردت الحصر ولست أبلغه ولو حاولت لأن ما خفي أعظم. فما جري في الجنوب لنصف قرن ومايجري في دارفور وجنوب "الحكومة" و"الحركة" قد لاكته وتلوكه أفواه لوبي حقوق الإنسان.
الحد الفاصل بين الجسد والجثة هو الذي مايز بين السياسية من جهة والدين والأخلاق من الجهة الأخرى. فبينما ينتمي الجسد للسياسية، وهي باب للخصومة والشره أيضاً، تنتمي الجثة للدين والأخلاق، وهما باب للعفو والطقوس. فقد بعث الله غراباً ليُرى قابيل، الذي قتل أخاه هابيل ولم يوار جثته التراب، كيف يستر الغراب سوءة (جثة) أخيه الغراب. كما نهت الشريعة عن "المُثلى" من مثل كسر عظم الميت وإهانته بأي صورة. وبلغت من السماحة أن اعطت حتى الكفار حق استرداد جثث قتلاهم في حرب المسلمين بغير مقابل مادي.
وفي سبيل هذا الكشف التقي عن الجثامين المغيبة علينا أن نتوحد حول مطلب تكوين لجنة قومية من رجال ونساء فيهم دين وانصاف وقوة يتحرون أمر "نبش" هذه القبور وفق سلطات إدارية وقضائية دقيقة. يردون كل جثة مضيعة إلى أهلها وقبيلها وأحبابها لتنعم بالأنس بعد الوحشة وبالدين بعد الجاهلية. فمن غضب الله علينا أن يرقد أميَّز وأجمل رجالنا هذه الرقدة الأخيرة الموجعة المنسية. وهذه خسارة روحية لا يعوضها قيام الأنظمة أو سقوطها لأن العاهة عالقة بنسيج الرمز في الثقافة . فأين نحن من طبقات ود ضيف الله الذي ما فرغ مؤلفه من سيرة رجلٍ صالحٍ أو شاعرٍ أو عالمٍ حتى قال : "وقبره ظاهر يزار" !
إن هناك الكثير من الذي استيأس من أن يتم أي شيء مما ذكرنا في ظل دولة ملطخة الأيدي بدماء معارضيها. فهم ينتظرون يوم سقوطها لينهضوا بأي تبعة مما ذكرنا. وهذا منطق أعوج برغم صدقهم عن طبيعة نظام الإنقاذ الذي غوى. فالإنقاذ ليست استثتاء في الحكومات الباغية لتمنع حقاً وراؤه مطالب. ففجورها مما يفله حديد العزائم المعارضة الصميمة. ثم علينا أن لا نرهن التحقيق في هذه الحادثات الدموية بسقوط النظام. ولنتذكر أن ذهاب نميري في 1985 لم يستتبعه تحقيق في أي من جرائمه أو الكشف عن مثاو الشهداء سوى من قبر الإمام الهادي عليه الرحمة. وربما كان سبب هذا النقص أن قضية مصائر الشهداء اقتصرت على أسرهم ولم تتوطد في سياسية الصفوة كوجدان وحساسية وشهامة. فهي عاجزون عن التحقيق في عنف الدولة ومترتباته حتى حين يكون بوسعهم فعل ذلك كما في ما بعد انتفاضة في 1985.
ليس لبدء العدالة الإنتقالية موعد مضروب هو زوال النظام الظالم. فبدأت العدالة الانتقالية في جنوب أفريقيا في الثمانينات حين قال القس ديسموند توتو للعنصريين كفاحاً عفونا عنكم حتى قبل تهافت نظامهم. بل ربما زال نظام الانقاذ من فرط العزائم التي تتراص حول مطالبها مثل التحقيق في واقعات عنف الدولة والكشف عن جثامين الشهداء. وهذه المطالب ليست رهناً بالدولة وحدها. فهي مادة للمعارضة بأكثر مما هي مادة للحكومة حتى تحشد حولها كتلة حاسمة راجحة من المواطنيين لا تملك الدولة إلا أن تنحني لإرادتهم. وهذه المطالب من جهة أخرى لا تحاكم بالنتيجة كسباً وخسارة لأنها إجراء متصل الحلقات متعدد الصور. فبوسع أي جماعة حقوقية أو صحافية بدء موقع في الشبكة العالمية للتوثيق لهذه الحادثات بالقلم والصوت والكتاب وقصاصات الصحف ناهيك ما يمكن لمبدعين القيام به في التوثيق إبداعياً. وهكذا فمطلبنا في تحري عنف الدولة هو روحانية مدنية مبتكرة لا تهدأ تُرقي ذوقنا بالتاريخ والشهداء وبأنفسنا وبالوطن.
إنني لأدعو سائر شباب السودان، سائرهم، أن يوطنوا النفس باستئصال العنف من السياسة كما صورناه حتى يتسنى لهم وطن خلا من الغل والثأر والجرائم الكاملة والأولياء الذين بلا مقابر . . ظاهرة تزار.

ولتدم أنت أيها الوطن.

تعليقات

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تَرَانيم مَحموديَّة - شذرات متفرّقة في ذكرى اغتيال الأستاذ

The Beauty of the Silly - نجلاء عثمان التوم

 The Beauty of the Silly  نجلاء عثمان التوم


إلى عثمان حامد سليمان
هل يمكن تشريح الأصالة؟ هل يمكن الكشف عن شعوبها الداخلية دون مجزرة؟ أنا مدفوعة هنا بالحجب الأصيلة التي يغزلها الغناء السوداني حول نفسه فيبدو لنا أحياناً شيئاً محيراً، لامع الحيرة. عندما نتجرد من العصاب الذي نسميه الفهم، وننطلق في رحلة متحللة من كل غاية، ونستمع إلى الأغاني السودانية بأرجلنا ومصاريننا، نشعر أن الطاقة التي تتهدج في الجو هي، ولا شيء خلافها، الهوية. لكن تظل أصالة هذا الغناء شيئاً غامضاً جداً وعصياً على التعيين. ثمة إستراتيجيات، أعتقد، أيّدت هذه الجذوة التحتية. أولاً تحتجب الأصالة، في معظم الأحيان، في تمويهات هزلية تنتجها قوالب شبه ثابتة محكومة بشهوة الرجز، والطلاقة الشعبية، والنبرة العادية في الكلام. فالغناء في الأساس هو مكان التغزل في اليومي والعادي في أقرب نسخه إلى الواقع. وكلما تشبثت الأغنية بسوقيتها المعروقة، كلما تصير إلى درجة من أصالتها الصحيحة. لكن الفن هو دائماً تدخل معقَّد، فلا نجاة من سطوته، لكن التحايل عليه ممكن. فعندما تبدأ أغنية ابتهالية، فيها تسجيل لمغامرة البلاغ العشقي والوصال الكامل، بعبارة “الحج…

الجرح في القلب على مسؤولية صاحبه - فيصل محمد صالح

الجرح داخل القلب على مسئوليةِ صاحبه! بقلم الأستاذ فيصل محمد صالح
الراحل: معتصم جلابي
مقدمة طينيَّة: لم أستمتع بكتابةٍ سرديِّةٍ وشعريّةٍ في الآونة الأخيرة كما تفجَّرتُ دموعاً ومحبّةً وتذكّراً وأنا أطالع ما كتبه حبيبنا فيصل محمد صالح في حقِّ صديقه الراحل الأديب معتصم جلابي. وقد قال فيصل في نهاية الكتابة: [وبعد، إذا سبقت لك معرفة معتصم جلابي، فما أن يُذكر اسمه أمامك، حتى تضئ ابتسامة عريضة كل قسمات وجهك، دون أن تستطيع مقاومة إغرائها! لكن سرعان ما تفجعك، في اللحظة التالية، خاطرة رحيله، فتنحدر منك دمعة صغيرة تزاحم تلك الابتسامة، تحاول طردها لتحل محلها، ولكن .. هيهات!]، وقد كان، رغم أنني عرفتُ معتصم جلابي طفلاً، في الرياض بالسعوديّة، كصديقٍ مقرّب ومحبب لأمي رشيدة وأب الفاتح؛ إلا أن الذي يعرفه يُدرك، وغالباً سوف يدرك القارئ لهذا النص؛ أنه لا يكترث بالأعمار، فكان تعامله معي نديّاً وحقيقيّاً وجادّاً إلى أبعد حد، وقد كان المفضل بالنسبة لي من بين أصدقاء أسرتنا الصغيرة. وقد أصرَّ فيصل في النص أنه هجر الشعر والأدب لأنه يفتقد إلى الموهبة، وهذا لعمري إدعاءٌ مردود بذريعة هذا النص ذاته، فهو قصيدة، وهو قصة، …