التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المكتبات والقراءة وأحلام اليقظة عماد المستقبل - نيل جيمان



مقدّمة طِينيّة
التقيت بالأستاذ المترجم والصديق أحمد عمران إبّان عملنا في صحيفة الأخبار في العام 2010م، وقد كنتُ محظوظاً بتواجدي معه في مكتبٍ واحد، في ذلك الوقت قرَّر ابنه الرسّام عثمان أن يلتحق بالقسم الثقافي للصحيفة كرسّام متدرّب ومتعاون في رسم بورتريهات وأشياء أخرى. قبل أيام، طرحت هذه المحاضرة لنيل جيمان على فيسبوك باللغة الإنجليزيّة، مع طلب لترجمة نص المحاضرة. قبل أيام وصلتني هذه الترجمة الكاملة للنص من عزيزنا أحمد عمران، وقد قال أن صديقي (يقصد ابنه عثمان عمران) قد أدخَلَ يده هنا وهناك. فشكراً لكما، وياريت تُرَد الغربة من سلطنة عمان بعد ما الأوضاع هنا تتصلّح!. هذه، إذاً، [نسخة منقحة من محاضرة ألقاها "نيل غيمان" في "وكالة ريدنج" يوم الاثنين 14 أكتوبر في باربيكان بلندن. وقد انطلقت سلسلة محاضرات "وكالة ريدنج" السنوية عام 2012 كمنصة يطرح فيها كبار الكتاب والمفكرين أفكارهم الجريئة عن القراءة والمكتبات]. (نُشرت بصحيفة الغارديان)

مأمون التلب
ـــــــــ

المكتبات والقراءة وأحلام اليقظة عماد المستقبل


بقلم: نيل جيمان
ترجمة خاصّة - طينيا: أحمد عمران
لابد للمرء من تحديد توجهاتِه، ودواعيه لمثل هذه التوجهات، وتحديد ما إذا كان متحيزاً لتلك التوجهات. ومن الأمثلة على ذلك إفصاح المرء عن اهتماماته ومكنونات نفسه. ولذلك سوف يدور حديثي في هذه المحاضرة عن القراءة. وسوف أبدأ بأهمية المكتبات. وأقول بادئ ذي بدء أن قراءة القصص الخيالية، أي القراءة من أجل المتعة من أهم ما يمكن أن يقوم به الإنسان، وأتوسل لكم من أعماق قلبي أن تدركوا المعنى الحقيقي للمكتبات وماهية المكتبات، وأن تضعوا هذين الأمرين نُصب أعينكم.
وأقولها بملء فمي إنني إنسان متحيز: فأنا كاتب، وأميل لكتابة قصص الخيال. وأكتب للأطفال والكبار على حدٍّ سواء. وظللت على مدى 30 عاماً أكسب عيشي بتطويع الكلمات، وبابتكار الأشياء ومن ثم كتابتها. ويتضح جلياً أنني أحرص على أن يعكف الناس على القراءة، ولا سيما قراءة القصص الخيالية، وأحرص على المكتبات وأن تُعمر المكتبات لتعزز حب الناس للقراءة ولتكون مرتعاً خصباً للقراءة.
ولذا فإنني متحيزٌ للكتابة، ومولعٌ أكثر بالقراءة، ومتحيز أكثر وأكثر كوني مواطن بريطاني.
وأقدم هذه المحاضرة الليلة تحت رعاية "وكالة ريدنج": وهي مؤسسة خيرية هدفها إتاحة الفرص المتساوية للجميع في الحياة بمساعدتهم ليصبحوا أكثر ثقة بأنفسهم وأكثر حماساً للقراءة. كما تدعم الوكالة برامج القراءة والكتابة، وتدعم المكتبات والأفراد وتشجع القراءة بلا حدود. وكما يقولون: تنقلب الأشياء رأساً على عقب بعد القراءة.
وهذا التغيير بعينه، وعملية القراءة هي محور حديثنا هذه الليلة. وسوف أتكلم أولاً عن ماهية القراءة وفوائدها.
***
شاءت الأقدار أن أحط رحالي ذات مرة في مدينة نيويورك، وأن أستمع لحديثٍ عن بناء السجون الخاصة ـ وهي صناعة ضخمة في الولايات المتحدة الأمريكية ـ وتعمل صناعة السجون في الولايات المتحدة على تخطيط ازدهارها مستقبلاً؛ مثلاً كم عدد الزنزانات التي يحتاجونها؟ وكم سيكون عدد النزلاء بها بعد 15 عاماً من الآن؟ وتوصلوا إلى أنه من اليسير التنبؤ بذلك، باستخدام مصفوفة بسيطة، بناء على معرفة نسبة الفئة العمرية بين 10-11 عاماً التي لا تستطيع القراءة، وبالتالي لا تستطيع القراءة من أجل المتعة.
وبالطبع لا ينطبق الأمر على حالة معينة: فما من مجتمع يقرأ ويكتب يخلو من الجريمة. ولكن ثمة ارتباطات حقيقية بينها. وأعتقد أن بعض تلك الارتباطات، وأبسطها على الإطلاق، يتأتى من أمرٍ بسيطٍ جداً، هو أن من يقرأون يقرأون من أجل المتعة فحسب.
للقصص الخيالية فائدتان؛ أولاهما أنها بوابة للإدمان على القراءة، والتشويق لما يحدث تالياً في القصة الخيالية والرغبة في تقليب صفحات الكتاب، والرغبة في مواصلة القراءة، حتى لو استعصى أمرها، لأن أحد شخوص الرواية يكون في مأزق، ويكون القارئ في حالة تشويق لما ينتهي إليه أمره.. فذلك حقاً هو ما يدفع المرء لمواصلة القراءة. ويجبرك ذلك على معرفة مفردات جديدة، وأفكار جديدة، ومن ثم متابعة القراءة. واستكشاف القراءة في حد ذاته نوع من المتعة. وما أن تدرك ذلك، تكون قد سلكت طريق المعرفة. والقراءة هي مطلب أساسي. وقد صدرت أشياء مزعجة سابقاً قبل عدة سنوات مفادها أننا نعيش في عالم ما بعد القراءة الذي أصبحت فيه لا جدوى من المفردات المكتوبة، ولكن تلك الأيام قد ولت: فالكلمات المكتوبة أصبحت أهم من أي وقت مضى، فنحن نسبر أغوار الكون بالكلمة المكتوبة، وبعد أن انزلق العالم في أتون الشبكة العنكبوتية كان لا بد من متابعة مجرياته، ويتحتم علينا التواصل واستيعاب ما نقرأه. وما لم يتبادل الناس الأفكار لن يتمكنوا من التواصل، ولعل برامج الترجمة هي التي تقوم بذلك الدور حتى الآن.
إن أبسط طريقة لضمان تنشئة أطفال متعلمين هي تعليمهم القراءة، وجعلهم يدركون أن القراءة هي نشاط للمتعة. وذلك يعني في أبسط معانيه تزويدهم بالكتب التي يستمتعون بها، وأن تكون تلك الكتب في متناول أيديهم، وحثهم على قراءتها.
ولا أعتقد أن هناك ما يمكن أن نطلق عليه أنه كتاب سيء للأطفال. وقد درج بعض الكبار على الإشارة إلى بعض الكتب على أنها كتب سيئة لا ينبغي أن يقترب منها الأطفال. وقد شاهدت ذلك يحدث مراراً وتكراراً، فثمة من يقول أن "إيند بلايتون" كاتب سيء، وكذلك "آر ال استين" وكثير من الكتاب غيرهم. كما انتقص البعض من قدر المجلات الهزلية قائلين أنها تكرس الأمية.
ولعمري أن ذلك مجرد هراء وكبرياء وغباء. فليس هناك ما يمكن أن نسميهم مؤلفين سيئين للأطفال، والأطفال لهم الحق فيما يرغبون في قراءته، والبحث عنه، فالأطفال يختلفون. وبوسع الأطفال العثور على ما يرغبون فيه، وهم من يقبلون على قراءة القصص. وما يراه البعض قصة مبتذلة وبالية ليس بالضرورة أن تكون كذلك في نظر الأطفال. فهذه هي المرة الأولى التي يقرأ فيها الطفل هذه القصة. فلا ينبغي أن نثبط همتهم من القراءة.
ورب شخص يسعى لفائدة الأطفال فيدمر حبهم للقراءة من حيث لا يدري: إن منع الطفل من قراءة ما يستمتع به، ومنعه من كتب جديرة بالقراءة ولكنها تلائم الكبار فقط ـ من شاكلة كتب أدب القرن الحادي والعشرين التي تعادل العصر الفيكتوري ـ من شأنه أن يفضي بنا إلى جيل يعتقد أن القراءة أمر سيء وغير ممتع ولا طائل منه.
إننا نتطلع لأن يصعد أطفالنا على عتبات القراءة: وكل ما يدخل المتعة إلى نفوسهم سوف يصعد بهم للأعلى، درجة فدرجة، نحو القراءة. ولا تكن مثل ذلك المؤلف الذي يقول لابنته التي تبلغ من العمر 11 ربيعاً، والتي عندما تُقبِل على قراءة كتاب للكاتب "آر أل أستين" فيخبرها أن تذهب وتأتي بكتاب للكاتب "استيفن كنج كاري" قائلاً لها: إن كنتِ تفضلين كتب ذلك الكاتب فسوف تحبين هذا الكتاب!. فلم تقرأ شيئاً طوال سنوات مرحلة مراهقتها، ولا تزال تحدق في وجهه كلما ذكر اسم "استيفن كنج كاري".
والفائدة الثانية لقراءة القصص الخيالية أنها توطد وشائج التعاطف. فعندما يشاهد الإنسان التلفاز أو فيلماً، فهو يشاهد وقائع تحدث لأناس آخرين. ولكن القصص الخيالية مكتوبة بحروف الأبحدية وعلامات الترقيم، وينهمك فيها القارئ بمفرده ويطلق العنان لخياله، ويحلق في عوالمه وشخوص الرواية وينظر إليها من زاوية أخرى. فيشعر بالأشياء ويزور أماكن ما كان ليزورها، وعوالم ما كان ليبلغها. فيتقمص شخصية أخرى، وعندما يعود لواقعه تحدث له تغييرات طفيفة. والتعاطف أداة لدمج الناس في مجموعات، ويجعلنا أكثر من أفراد مشغولين بأنفسهم.
كما أن القراءة تجعلك تستكشف أشياء ذات أهمية بالغة لتلمس طريقك في الحياة وتقول: لا ينبغي أن تكون الحياة على هذه المنوال وإنما يمكن للأشياء أن تكون مختلفة جداً.
زرت الصين عام 2007 لحضور أول مؤتمر للخيال العلمي يصادق عليه الحزب الحاكم في تاريخ الصين. وفي لحظة من اللحظات تنحيت بمسؤول رفيع جانباً وسألته: "لماذا الآن؟ لم توافقوا على مؤتمر الخيال العلمي منذ أمد بعيد، فما الذي تغير الآن؟"
فردّ قائلاً: الأمر في غاية البساطة. يحسن الصينيون صنع الأشياء عندما يضع لهم الآخرون الخطط، ولكنهم لا يحسنون الابتكار بأنفسهم، لأنه ليس لهم خيال. ولذلك ابتعثوا وفداً للولايات المتحدة الأمريكية لزيارة شركات "أبيل" و"غوغل" و"ماكنتوش" وسألوا الناس هناك ممن يصنعون المستقبل عن أنفسهم، واكتشفوا أنهم جميعاً قد قرأوا قصص الخيال العلمي عندما كانوا أطفالاً.
فقصص الخيال العلمي تكشف لك عالماً مختلفاً، وتحلق بك في عوالم ما كنت لتبلغها. وعندما تحلق في تلك العوالم الأخرى، كالأشخاص الذين يأكلون فاكهة خيالية، فلن تقنع أبداً بالعالم الذي نشأت فيه. والسخط أمر لا بأس به، فمن يسخط من الناس بوسعه تغيير مجريات حياته، وتحسين عالمه، وجعله أفضل حالياً وإحداث تغييرات عليه.
وطالما أننا لا نزال بصدد الحديث عن الخيال، دعونا نتحدث قليلاً عن الهروب من الواقع. فكثير من الناس يتحدثون عن هذا المصطلح كما لو أنه شيء سيء. وكما لو أن "الهروب من الواقع" دواء مخدر رخيص يتعاطاه مشوشو الذهن والأغبياء والمخدوعون، وأن الخيال التنكري هو الوحيد الذي يصلح للكبار والصغار، أي النظر إلى الجانب الأسوأ من الكون حسبما يجد الكاتب نفسه فيه.
لو شاءت الأقدار أن تورطت في موقف شائك، ومكان مزعج، وأناس يتوجسون بك شراً، وعرض عليك شخص ما الهروب، فلماذا لا تغتنم فرصة العرض؟ فذلك هو الهروب من الواقع، أي الخيال الذي يفتح لك باباً موصداً، ترسل أشعة الشمس خيوطها خارجه، ويخلق لك ملاذاً آمناً، ويأخذك إلى حيث أناس تحبهم ويحبونك (ولا يساورك شك أن الكتب هي أماكن حقيقية)، والأهم من ذلك كله أنه أثناء الهروب من الواقع تمنحك الكتب قدراً واسعاً من المعرفة عن العالم وعن المأزق الذي أنت فيه، وتمنحك سلاحاً ودرعاً واقياً، وأشياء حقيقية يمكن أن تصطحبها معك عند العودة إلى سجنك. والمهارات والمعارف هي أدوات يمكنك استخدامها للهروب الحقيقي. وكما يقول "جيه آر آر" : إن من ينددون بالهروب هم السجناء فقط!.

وثمة طريقة أخرى تدمر حب الطفل للقراءة، هي عدم وجود كتب في متناول اليد لكي يقرأها، وألا يجد مكاناً يقرأ فيه تلك الكتب. لقد كنت محظوظاً في حياتي. فقد كانت هناك مكتبة محلية في منطقتي. وكان والديّ من النوع الذي يقتنع سريعاً باصطحابي إلى المكتبة وتركي هناك في طريقهما للعمل أيام العطلات الصيفية، وكان أمناء المكتبة من النوع الذين لا يمانعون من حضور طفل صغير، لا يرافقه أحد ليدخل مكتبة الأطفال كل صباح ويشق طريقه إلى كاتلوج البطاقات للبحث عن كتب بها شخصيات لأشباح أو سحرة أو صواريخ، وليبحث عن كتب بها مصاصو دماء أو متحري قصص بوليسية، أو مشعوذون أو عجائب. وعندما فرغت من قراءة كتب الأطفال اتجهت لقراءة كتب الكبار.
لقد كان أمناء المكتبة رائعون حقاً؛ لقد كانوا يحبون الكتب ويحبون أن تقرأ الكتب. وعلموني كيف أطلب كتباً من مكتبات أخرى بطريقة الاستعارة. ولم يُبدوا أي ممانعة أن أقرأ أي شيء، فقد كانوا فقط معجبون بهذا الولد الصغير ذي العينين الجاحظتين المولع بالقراءة، وكانوا يتكلمون معي عن الكتب التي كنت أقرأها، ويساعدونني في العثور على كتب أخرى من سلسلة الكتب التي كنت أقرأها. وكانوا يعاملونني كأي قارئ آخر، مما يعني أنهم كانوا يعاملونني باحترام جمّ. وفي الواقع، لم أكن معتادا على الإحترام وأنا بعد صبي في الثامنة من عمري.
ولكن المكتبات هي مكان لممارسة الحرية. حرية القراءة وحرية الأفكار وحرية التواصل. وهي أيضاً مكان للتعلم (ولا أعني العملية التعيلمية التي تنتهي بانتهاء اليوم الدراسي في المدرسة أو الجامعة) وإنما الترفيه، وخلق فضاءات آمنة، والحصول على المعلومات.
وأخشى أن يسيء الناس في القرن الحادي والعشرين فهم المكتبات وأغراضها. ولو كان الفهم السائد للمكتبة على أنها مجرد رفوف من الكتب، فقد تبدو المكتبة شيئاً عتيقاً أو قد فات أوانه في عالم توجد فيه معظم الكتب الورقية بنسخات رقمية. ولكن الأمر مختلف قلباً وقالباً.
وأعتقد أن الأمر يتعلق بطبيعة المعلومات. فللمعلومات قيمتها، ولا سيما المعلومات الصحيحة التي تكتسب قيمة كبرى. فعلى مدى التاريخ الإنساني، عشنا عصوراً تتسم بندرة المعلومات، وظلَّ الحصول على المعلومات أمراً في غاية الأهمية دائما لكثير من الأشياء: لزراعة المحاصيل، وللعثور على الأشياء، والخرائط والتاريخ والقصص. وللمعلومات قيمة كبيرة، فمن يمتلكون المعلومات أو يمكنهم الحصول عليها بوسعهم أن يتقاضوا عليها مبالغ طائلة.
وفي غضون السنوات القليلة الماضية، انتقل العالم من اقتصاديات نُدرة المعلومات إلى عالم يتحكم فيه الإغراق بالمعلومات. وبحسب "إيرك اسميشدت" من شركة غوغل، خلال كل يومين يخلق السباق الإنساني قدراً من المعلومات يساوي ما حصل عليه من معلومات منذ فجر الحضارة وحتى عام 2003، أي حوالي خمسة اكيسوبايت من البيانات يومياً. ويصبح التحدي الأكبر، ليس في الحصول على ذلك النوع النادر من النباتات الذي ينمو في الصحراء، وإنما في العثور على نوع معين من النباتات التي تنمو في الأدغال. ويحتاج الإنسان إلى مساعدة لتصفح تلك المعلومات للعثور على ما نرغب في الحصول عليه.
والمكتبات هي المكان الذي يقصده الناس بغية الحصول على المعلومات. والكتب هي قمة جبل جليد المعلومات: والمكتبات تزود بالكتب بحرية تامة وبطريقة قانونية دون مقابل. وحالياً تزداد أعداد الأطفال الذين يستعيرون الكتب أكثر من أي وقت مضى؛ فهم يستعيرون الكتب بكافة أنواعها، سواء أكانت ورقية أم رقمية أم سمعية. والمكتبات أيضاً هي أماكن يرتادها أشخاص ليست لديهم كمبيوترات وليست لديهم إمكانية الدخول على الإنترنت، فيستخدمون الإنترنت بلا مقابل مالي: وتكون ذات أهمية كبرى عندما يكون التقديم للوظائف أو التقديم لفوائد حصريا على الإنترنت، إذ يساعد أمناء المكتبة مثل هؤلاء الناس على تصفح الإنترنت.
ولا أعتقد أن كل الكتب سوف تأخذ طريقها إلى شاشات الكمبيوتر: وكما ألمح لي "دوغلاس آدمز ذات مرة، قبل أكثر من 20 عاماً قبل أن تنطلق ثورة المعلومات، حيث قال: الكتاب الورقي مثل سمكة القرش. وأسماك القرش قديمة, لقد عاشت أسماك القرش في المحيط قبل الديناصورات. والسبب الذي يجعل أسماك القرش لا تزال موجودة هو أنها أفضل لها أن تكون أسماك قرش أكثر من أي شيء آخر. والكتب الورقية مثلها صلبة ويصعب تدميرها، ومقاومة للماء، وتتأثر بالشمس، وتشعر بطراوتها بين يديك، وهي جيدة كونها كتب، ودائماً تحتفظ بمكانتها ورونقها. ومكانها الطبيعي هو المكتبات مثلما ظلت دائماً فيها، كما يمكنك كذلك الذهاب للمكتبات للحصول على الكتب الإلكترونية والكتب السمعية والأقراص المضغوطة ومحتويات الشبكة العنكبوتية.
والمكتبات هي مستودع المعلومات، وتتيح لكافة المواطنين فرصاً متساوية لارتيادها، ويتضمن ذلك المعلومات الصحية، ومعلومات الصحة العقلية. وهي فضاء واسع يسبح فيه المجتمع برمته. وهي ملاذ آمن للقراء وأمناء المكتبة. ولنا أن نتخيل منذ الآن ما يمكن أن تكون عليه مكتبات المستقبل.
وتعلم القراءة والكتابة أصبح أهم من أي وقت مضى في عصر الرسائل النصية والبريد الإلكتروني، والمعلومة المكتوبة. فنحن في حاجة لمواطن عالمي بمقدوره القراءة بأريحية، ويستوعب ما يقرأه ويفهم الفروقات الدقيقة ليفهمه الآخرون.
والمكتبات هي حقاً بوابات المستقبل. ولكن من سوء الطالع أن نشاهد بعض السلطات حول العالم تترصد فرص إغلاق المكتبات كوسيلة سهلة لتقليل المنصرفات دون أن تدرك أنها تسرق من المستقبل لتدفع نفقات الحاضر. فهم يغلقون أبواباً ما كان لها أن توصد.
وفقاً لدراسة صدرت مؤخراً عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، فإن إنجلترا هي الدولة الوحيدة التي تتمتع فيها الفئات العمرية الأكبر ببراعة أكثر في معرفة القراءة والكتابة والحساب من الفئات العمرية الأصغر، ثم تؤخذ بعد ذلك عوامل أخرى في الحسبان مثل النوع، والخلفيات الاجتماعية والاقتصادية ونوع المهن.
وبمعنى آخر، أصبح أطفالنا وأحفادنا أقل معرفة بالقراءة والحساب من جيلنا، وأصبحوا أقل قدرة على الإبحار في العالم وفهم كنهه وحلّ مشكلاته. وأصبح من السهل الكذب عليهم وتضليلهم، وسوف يصبحوا مستقبلا أقل قدرة على تغيير العالم الذي وجدوا أنفسهم فيه، وتقل فرص عملهم. والأدهى من ذلك، أن إنجلترا سوف تتخلف عن ركب الدول المتقدمة لأنها سوف تفتقر للأيدي العاملة الماهرة.
والكتب هي الوسيلة التي نتخاطب بها مع الموتى، ونتعلم من خلالها أن الإنسانية عبارة عن تراكمات من التجارب والتطور والمعارف المطردة، وليست شيئاً نعيد اجتراره. فثمة قصص عتيقة يفوق تاريخها تاريخ البلدان نفسها، وقصص صمدت أكثر من صمود الثقافات والمباني التي سُردت فيها أول مرة.
أعتقد أنه تقع على عاتقنا مسؤوليات نحو المستقبل: مسؤوليات والتزامات نحو الأطفال الذين هم كبار المستقبل، ونحو العالم الذي سوف يجدون أنفسهم بين أركانه. وكلنا – قراء وكتاباً ومواطنين- لدينا التزامات نحوهم.
من بين تلك الالتزامات القراءة من أجل المتعة في الأماكن الخاصة والعامة. ولو قرأنا من أجل المتعة وشاهدنا الآخرون نقرأ، نكون عندئذ قد تعلمنا وأعملنا خيالنا، وأظهرنا للآخرين أن القراءة شيء رائع.
ومن تلك الإلتزامات أيضا تعزيز دور المكتبات، وارتيادها، وتشجيع الآخرين على ارتيادها، وعدم قبول إغلاقها. ومن لا يقدر المكتبة حق قدرها، فلن يقدر المعلومات أو الثقافة أو الحكمة. وهكذا يخرس صوت الماضي ويلحق الضرر بالمستقبل.
وملزمون كذلك أن نقرأ لأطفالنا بصوت عالٍ، نقرأ لهم أشياء يستمتعون بها، ونقرأ لهم القصص التي ترددت عندنا كثيراً لحدّ الضجر. نقرأ تلك القصص بصوت عال، ونضفي عليها البهجة ولا نتوقف عن القراءة لهم فقط لأنهم تعلموا القراءة بأنفسهم. واستغلال وقت القراءة لهم في جو هادئ بعيداً عمّا يصرف الانتباه.
لدينا التزام أن نغوص في أعماق اللغة. وأن نجهد أنفسنا بحثاً عن معاني المفردات ومواضع استخدامها والتخاطب بها بوضوح للبوح عمّا يجول في دواخلنا. ولا ينبغي أن نهجر اللغة لتموت ولنبحث عن سبيل لنفخ الروح فيها، وأن نتعامل معها على أنها كائن حي، ينساب ويستعير المفردات وتتغير معاني كلماته ونطقها بمرور الدهور والأزمان.
لكافة الكتاب، ولا سيما من يكتبون للأطفال- التزام نحو قرائهم، ويتمثل ذلك الالتزام في كتابة أشياء حقيقية، وبخاصة عند تأليف قصص تحكي عن أناس ليس لهم وجود في أماكن غير موجودة إطلاقا – ولفهم هذه الحقيقة ليس فيما يحدث وإنما فيما تعلمنا عن أنفسنا. والقصص الخيالية هي القصص التي تسرد الحقائق. والالتزام الذي يقع علينا هو ألا نجلب الملل إلى نفوس قرائنا، وإنما يجب أن نشوقهم لتقليب الصفحات. ولعل أهم علاج ناجع لقارئ يتردد في قراءته أن تمنحه قصة لا يمكنه التوقف عن قراءتها. وفي حين يجب علينا سرد أشياء حقيقية لقرائنا ومنحهم الأسلحة والدروع الواقية، وتعليمهم جواهر الحكمة التي اكتسبناها خلال مدة بقائنا القصيرة على هذا العالم الأخضر، يقع علينا التزام بألا نصدر المواعظ والمحاضرات، وألا نخنق قرائنا ونجبرهم على استساغة أخلاقيات ورسائل مثلما تفعل الطيور عند إطعام صغارها، ويجب ألا نقدم أبداً على كتابة شيء للأطفال لا نرضى قراءته لأنفسنا.
وعلينا التزام أن ندرك أن كتّاب الأطفال يقومون بعمل جليل، ولو لم يحسنوا صناعته ورفدوا المكتبات بكتب تجلب الضجر للأطفال وتصرفهم عن القراءة والكتب، يكونوا قد انتقصوا من حق حاضرنا خصماً على مستقبل أطفالنا.
وعلينا أيضاً – كباراً وصغاراً، كتاباً وقراء – التزام نحو أحلام اليقظة ونحو الخيال. من اليسير التظاهر بأنه ليس بمقدور أحد تغيير شيء، وأننا في عالم ذي مجتمعات ضخمة ولكن الفرد فيه لا يساوي مثقال ذرة. ولكن الحقيقة هي أن الأفراد بمقدورهم تغيير عالمهم، وصنع المستقبل من خلال تخيل حدوث الأشياء على نحو مختلف.
انظر من حولك: إنني أعني ما أقول. توقف هنيهة ثم انظر للغرفة التي أنت فيها. سوف أشير إلى شيء واضح جداً هو أن كل ما يتراءى لك من جدران وغيره هو في لحظة من اللحظات مجرد خيال. وبعض الناس يعتقد أنه من الأسهل عليه الجلوس على كرسي من نسج خياله بدلاً عن الجلوس على الأرض. ويتخيل شخص أنه بوسعي التحدث معك في لندن في هذه اللحظة دون أن أتعرض لطقسها الماطر. وهذه الغرفة وما فيها من أشياء، وكل الأشياء الأخرى في هذا المبنى، وهذه المدينة، موجودة لأن الناس يتخيلون الأشياء مراراً وتكراراً.
وينبغي أن نجعل الأشياء جميلة لا أن نتركها أقبح مما وجدناها عليه، وألا نجفف المحيطات من مياهها، ولا أن نترك مشاكلنا معلقة للأجيال اللاحقة. وعلينا التزام بتطهير أنفسنا، وألا نترك أطفالنا لعالم جعلناه بقصر نظرنا عابثاً، وجائراً، ومشلول الإرادة .
علينا التزام آخر وهو أن نطلع الساسة بما نرغب فيه، وألا نمنح أصواتنا لأعضاء حزب لا يدرك ما للقراءة من أهمية في خلق مواطن صالح، ولا يسعون للمحافظة على المعرفة وحمايتها وتشجيع القراءة والكتابة. وليست هذه مسألة تخص الساسة فحسب، وإنما الإنسانية جمعاء.
سئل "البرت انشتاين" ذات مرة عن كيف نجعل الأطفال أذكياء. وكان ردّه ينطوي على الحكمة والبساطة في آن واحد، حيث قال" لو أردتم أن يكون أطفالكم أذكياء، اقرأوا لهم القصص الخيالية. وإن أردتم لهم أن يكونوا أكثر ذكاء، فاقرأوا لهم مزيداً من القصص الخيالية". لقد كان "انشتاين" يدرك قيمة القراءة وقيمة الخيال. آمل أن نمنح أطفالنا عالماً يمكنهم فيه القراءة، والقراءة لهم، والخيال، والاستيعاب.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تَرَانيم مَحموديَّة - شذرات متفرّقة في ذكرى اغتيال الأستاذ

The Beauty of the Silly - نجلاء عثمان التوم

 The Beauty of the Silly  نجلاء عثمان التوم


إلى عثمان حامد سليمان
هل يمكن تشريح الأصالة؟ هل يمكن الكشف عن شعوبها الداخلية دون مجزرة؟ أنا مدفوعة هنا بالحجب الأصيلة التي يغزلها الغناء السوداني حول نفسه فيبدو لنا أحياناً شيئاً محيراً، لامع الحيرة. عندما نتجرد من العصاب الذي نسميه الفهم، وننطلق في رحلة متحللة من كل غاية، ونستمع إلى الأغاني السودانية بأرجلنا ومصاريننا، نشعر أن الطاقة التي تتهدج في الجو هي، ولا شيء خلافها، الهوية. لكن تظل أصالة هذا الغناء شيئاً غامضاً جداً وعصياً على التعيين. ثمة إستراتيجيات، أعتقد، أيّدت هذه الجذوة التحتية. أولاً تحتجب الأصالة، في معظم الأحيان، في تمويهات هزلية تنتجها قوالب شبه ثابتة محكومة بشهوة الرجز، والطلاقة الشعبية، والنبرة العادية في الكلام. فالغناء في الأساس هو مكان التغزل في اليومي والعادي في أقرب نسخه إلى الواقع. وكلما تشبثت الأغنية بسوقيتها المعروقة، كلما تصير إلى درجة من أصالتها الصحيحة. لكن الفن هو دائماً تدخل معقَّد، فلا نجاة من سطوته، لكن التحايل عليه ممكن. فعندما تبدأ أغنية ابتهالية، فيها تسجيل لمغامرة البلاغ العشقي والوصال الكامل، بعبارة “الحج…

تنقيباتُ الجنوبيّ

تنقيب الظلام