التخطي إلى المحتوى الرئيسي

قراءة في الأعمال اللغوية للأستاذ ميرغني ديشاب - مأمون التلب


قراءة في الأعمال اللغوية للأستاذ ميرغني ديشاب
مأمون التِّلب



مقدّمة طينيّة:
كتبت هذه الورقة وقُدِّمت في ندوة تدشين كتب ميرغني ديشاب الأولى، وقد نلت شرف تحريرها والسفر إلى حلفا القديمة لمتابعة أدقّ تفاصيلها مع الكاتب في منزله لأسابيع في العام 2011م، وقد صدرَ الكتابان (النوبية في عاميّة السودان العربية)، و(النوبيّة في شعر بوادي السودان) عن منتدى دال الثقافي، وقد قدّمت الورقة في ذات المنبر، بالتعاون مع اتحاد الكتاب السودانيين، وبرفقة الأستاذ نادر السماني مقدّم الورقة الثانية.

(1)
ضربة البداية التي اختارها الأستاذ ميرغني ديشاب، ليُدشِّن أعماله بهذين الكتابين تحديداً، دون غيرهما من كُتبٍ تَكدَّست على أرفف مكتبته مُشكِّلةً مكتبةً بحالها؛ اختياره لهذه الأعمال يُشير بوضوح لأسلوبه العلمي في فهم تأثيرات البحث على العقل المُفسد؛ أي الذي شُبِّع بيقينيات زائفة أثَّرت سلباً على طريقة تفكيره في اللغة، ويشير كذلك لإحاطته بالظروف التي أحدثت ذلك الإفساد، وهي قضيّة تناولها في صفحات كتبه هذه، وأخرى لم تخرج إلى النور، ومن خلالها نستطيع أن نقول بأن ميرغني عَرِفَ أن الحادث المريع الذي وَقَع في السودان، بسبب فساد طُرق التفكير في اللغة والهويَّة، انتاب مجموعات بشريَّة أخرى، بتماثلٍ مُذهل، وبخصوصيّات مختلفة.
أقول: اختياره لهذين الكتابين كان مقصوداً، لأنهما يُناضلان في حقل لُغةٍ أخرى، قويَّة وذات أسس متينة وغريبة وجميلة؛ تستند في ذلك على إرث أعراقٍ وحضارات ساهمت بإنسانها في عمليَّة إثراء هذه اللغة بمنجزاتهم العلميَّة والفلسفيَّة والأدبيَّة والفنيَّة، وأعني هنا اللغة العربية، والتي يعمل من نحنُ ضيوفٌ على شرفه أستاذاً تاريخيَّاً لها. وهي ـ العربيَّة ـ حقلٌ مُسالمٌ وفيه حرب، إذ هي ذاتها، بتعبير التشكيلي حسن موسى، غنيمة حَرب ساهمت في اتصال السودانيين ببعضهم البعض، رغماً عن أن الغرض والبحث عن السلطة والمركزيَّة جعل هذه الغنيمة الثقافيَّة أداةً حادّةً في يَدِ من لم تُحمد عقباهم.
نُفيد من نضال هذه الكتب، وخروجها هي دون غيرها، أنها تُصادم العديد من المسلّمات المحيطة بجوهر اللغة العربيّة السودانيَّة، كادّعاء أنها أقرب اللغات إلى اللغة العربيَّة مثلاً، كذلك تُتحُ باباً للدخول إلى عالم اللغة النوبيَّة المليء بمعارف المكان والزمان والبيئة المحيطة بمنتجي هذه اللغة، وتكشف عن الكثير من الحقائق التاريخيَّة، وتُعيد كتابة الكلمات المتحوّرة، وتردّها إلى جذورها، وتُخرجها في الحرف اللاتيني الذي يرى الكاتب أنه الأكثر قدرةً على النطق باللغة النوبيَّة.
(2)
إن التكالب المخزي للعبارات المتهافتة، والمحسوبة في بلادنا هذه، قسراً، على العلم، جَرَّد اللغة العربيَّة السودانيَّة ـ وبعبارةٍ أخرى الدارجة ـ من تميّزها وتفرّدها وخصوبتها، بل إنّ هذه الصفات التي جُرِّدت حُسبت عليها ـ أي الدَّارجة ـ عَيباً وَجَب ستره، وذلك بليِّ أعناق اللغة ليَّاً عَنيْفاً في سبيل تَنسيبها ـ تماماً مثلما حَدَث في الواقع العَرقي ـ إلى اللغة العربيّة الفصحى. إن هذه الكتب تُضيف إلى تاريخ العناية باللغة النوبيَّة بقدرٍ مساوٍ تماماً لما تقدّمه للغة العربيَّة محليَّاً وعالميَّاً، وهذه النوعية من البحوث هي التي ستعيد للغة الدارجيَّة ثقتها بنفسها، ومكانتها المُهانة "عَربيَّاً" إن استطاع المُهانون أن ينظروا إلى ما يظنونه "عيوباً في اللغة" على حقيقته وغناه، تماماً مثلما تفعل هذه الكتب.
(3)
ندخل إذاً إلى المادَّة المُكوِّنة للحم هذه الكُتب؛ ذلك الإنجاز [المقدَّس] الذي قَدَّمه البروفيسور عون الشريف قاسم إلى إنسان السودان وعلمائه: قاموس اللهجة العربيَّة في السودان. ولستُ في حاجةٍ للحديث عن العلاقة التي تربطهما، ولا عن التقدير الذي يكنّه ميرغني للدكتور، فها هو صاحب التجربة يمكنه أن يحدّثنا عنها، كما يمكن الرجوع إلى كلا الإهدائين المكتوبين في كتابيه. استطاع الأستاذ ميرغني ديشاب من تتبع الكلمات النوبيَّة في ذلك القاموس الضخم، ولم يركن، كما هو حالُ الباحث العلمي المُسَلَّح، للإحالات التي ثَبَّتها الدكتور في قاموسه لما هو نوبي؛ إذ كان سلاحه الفتاك هو معرفته العميقة باللغة النوبيَّة، والفروقات بين لهجاتها، واختلافها من مكانٍ لمكان، وبهذا السلاح استطاع، مُستعيناً بمناقشته لمراجع مختلفة ومتنوّعة، أن يستخرج ـ ينتزع بالأحرى ـ مجموعةً من الكلمات النوبيَّة المُستخدمة يوميَّاً في هذه اللغة العربيَّة السودانيَّة، والتي أقنعتنا "أعناقها الملويَّة" بأنها تعود فعلاً إلى مكانٍ غير هذا المكان.
(4)
لا يقتصر الأمر على اللغة النوبيَّة، فالبجاويَّة أيضاً هَبَشَها سوط البحث لاشتراكها مع اللغة النوبيَّة في العديد من الكلمات، وذلك ما يُعيد ذكره الأستاذ ميرغني كثيراً في الكتابين. وإنه لأمرٌ ساحر؛ إذ لكلّ لغةٍ من هذه اللغات موسيقاها وإيقاعها ومذاقها، وإنّك لمتذوّق لنقاط لقاء وافتراق هذه اللغات، متجوّلاً بين آراءٍ يستنطقها ميرغني من بين مراجعه، يُقارن فيما بينها ويناقشها، وذلك كلّه باحترامٍ للعلم يُميّز العلماء والحكماء، بتواضع أمام إنجازات الآخرين، وبلا مجاملةٍ لمن يخطئون أبداً، أي أنه يعطي كلّ ذي حقٍّ حقَّه. ذلك السحر لا يني يتدفّق من قلم الكاتب نفسه في بعض مقاطع الكتاب، عندما يهلّل منطرباً من مقطعٍ شعريٍّ أَدْرَجَه، بتذوقه الشاعر، بين طيّات الكتاب، ذلك هو سحر اللغة؛ هذه الآلة الغريبة التي خَرَجت من ذهن الإنسان، لكن الأخير اتّخذها ببراعةٍ مشهودة، تماماً كما اتّخذ من جميع آلاته، عذراً قبيحاً لتعاليه على الطبيعة وكائناتها، بل ذَهَبت به ظلاماته أن وجدها عذراً مُرعباً ليتعالى بها على أخيه الإنسان. وأجدني هنا أسأل ذلك السؤال البديهي: لماذا يقتل الإنسان أخاه الإنسان؟.
الإجابات الكثيرة والمتعدّدة لهذا السؤال أسهم الكاتب ميرغني ديشاب بإخراج جوانب مهمّة منها، إذ أن دراسات اللغات تردّ الإنسان إلى صوابه، تماماً مثلما تردّ صواب دارسها والمشتغل عليها في البدء، إذ من خلالها تتجلَّى عظمة هذا الكائن، وتُضاء كوامن جَماله وجمال الكون: هذا التداخل الموسيقي بين اللغات، تستلف من بعضها وتتمازج ـ مثلما يذكر ديشاب في هذه الكتب ـ وفقاً لتمازج الطبيعة ولين وتماسك ذلك التمازج، ويُتَرجم ذلك، في مستوىً آخر من اللغة، عبر ما يسمّونه البشر بالموسيقى.
(5)
تتبدَّى اللغة عبر هذه الكتب، وفي مؤلفاته الأخرى المهولة، كواحدةٍ من الإبداعات الأسطورية التي خَرَجت من داخل الإنسان، فهو، أينما ذَهَب، وأينما حلّ، ومهما اختلف في عرقه أو دينه أو جنسه أو عمره؛ فهو سيتحدّث ويروي، سيستخرج من الطبيعة الطّعام الذي يُناسب البيئة المحيطة به ـ أي لغة الطبيعة ـ؛ سيمثِّل ويغني ويرقص ويعزف الموسيقى ويضحك ويبكي ويحب، وغيرها من معجزات هذا الكائن العجيب! الأخطر أنه في النهاية سيكتب! واللغة النوبيَّة، بعد أن يطّلع القارئ على كتب ديشاب، وآخرين مُقدّرين ومذكورين في هذه الكتب ذاتها، سيقف أمام معجزة من معجزات الوجود، بل إنه سيكون ممتنّاً لقدرتها ومقاومتها للفناء الذي كان، ولا زال، يهدّدها، كما يهدد بقيَّة لغات السودان؛ إنها لا تزال هنا، النوبيَّة، إحدى أقدم لغات العالم المكتوبة إن لم تكن أقدمها؛ وكأننا نقف أمام ذلك الإنسان الذي اختَرَع الكتابة، والذي ننتمي إليه جميعاً، لا النوبيّين وحدهم.
(6)
إن الشعر، كوثيقة لغوية اعتمد عليها ميرغني ديشاب في كتبه، هو الذي يُحرِّكه في اتجاه اللغة في ما أعتقد؛ إذ هو، في الأساس، شاعر فَذ وخطير، يمتلك تجربة فريدة، مُغايرة، وبتعبيرٍ آخر، خاينة؛ إنَّه في أصله ساحرٌ ومسحورٌ باللغة، وعلاقته بلغته الأم علاقة انسحارٍ وانجذاب ومتعة، تماماً مثلما انجذب وتمتَّع وتبحَّر في اللغة العربية، الأمر الذي يُمكن أن يكون إثباتاً آخراً لما ذكرته حول انتمائنا، جميعنا، لذلك الإنسان؛ فميرغني لم يتعصَّب للغته، بل أحبَّها، وأحبَّ اللغة العربيَّة كذلك، إنّه يحب اللغة ممحوضةً لذلك يتصدَّى بأسلحته لمحاولة الحدّ والتحجيم الذي عانت منه اللغة النوبيَّة؛ ذلك لعظمتها وخروجها من ذلك الإنسان الذي كتب؛ إنسانٌ متعدد الجنسيات والأعراق والديانات، وُجِدَ في أمريكا الجنوبيَّة مثلما وجد في آسيا، ولكنّه نبعَ من هذه القارة، وكَتَبَ في هذه الأرض، ولا أقول ذلك افتخاراً بل حزناً على ما يواجهه هذا الإنسان المبدع من مصيرٍ في عالم اليوم!.
إنّك لتشعر بهذه الحمية والاهتمام والعزيمة في الدفاع عن اللغة ومحبّتها في كتب ديشاب واضحة وجليَّة؛ إذ يتعامل مع كلّ إنجازه ـ فيما أظن ـ كقصيدة طويلة في حبّ اللغة. وهو بذلك يمكن أن يُعذر على نسيانه لشعره وقصائده الأخرى المكتوبة في شكل (شِعر)، إذ أن أبحاثه تُمثِّل قصيدته الكبرى، وهي، بالطبع، لن تُقلِّل من عظمة بقيّة تلك القصائد، بل تزيدها قوّةً وتفسيراً ومعرفةً بروح الباحث ذات نفسه، الأمر الذي يُتيح للقارئ إمكانيَّة أن يَعثر على ميرغني في حالاتٍ مختلفة؛ يمكنه أن يُجالس روحه الداخليَّة عندما يقرأ الشِعر، وبإمكانه أيضاً أن يتواضع للعلم جالساً في باحة كتبه.
(7)
هذه هي المرة الأولى التي تخرج فيها كتب الأستاذ ميرغني ديشاب إلى النور، وتُوضع، برقّةٍ، على أرفف مكتبتنا الإنسانيَّة، وقد كان لي شرف أن أكون أحد الشاكرين لميرغني ديشاب، والمساعدين في يوم عرسه هذا، وهي مساعدةٌ لا تُذكر، مثلما لا تُذكر مساعدة الأصدقاء لصديقهم العريس العزيز، والذي كلّما كان عزيزاً تكاثرت الأيادي من حوله، وأنت يا أستاذنا، عزيزٌ علينا وعلى اللغة النوبيَّة، وعلى اللغة العربيَّة، لذلك تكاثرت الأيادي من حولك، وسوف تستمر في هذا التكاثر في مقبل الأيام، ولا أنسى بشخصي، ونحن، كاتحاد كتاب سودانيين، أن نشكر مجموعة دال على الجهد والمال الذي بذلوه لإخراج هذا الكتاب، وتحية خاصة لمصمم الكتاب الفنان أسامة خليفة، والذي، على يديه، خرج ابننا بكلّ هذا الجمال.

وشكراً

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تَرَانيم مَحموديَّة - شذرات متفرّقة في ذكرى اغتيال الأستاذ

The Beauty of the Silly - نجلاء عثمان التوم

 The Beauty of the Silly  نجلاء عثمان التوم


إلى عثمان حامد سليمان
هل يمكن تشريح الأصالة؟ هل يمكن الكشف عن شعوبها الداخلية دون مجزرة؟ أنا مدفوعة هنا بالحجب الأصيلة التي يغزلها الغناء السوداني حول نفسه فيبدو لنا أحياناً شيئاً محيراً، لامع الحيرة. عندما نتجرد من العصاب الذي نسميه الفهم، وننطلق في رحلة متحللة من كل غاية، ونستمع إلى الأغاني السودانية بأرجلنا ومصاريننا، نشعر أن الطاقة التي تتهدج في الجو هي، ولا شيء خلافها، الهوية. لكن تظل أصالة هذا الغناء شيئاً غامضاً جداً وعصياً على التعيين. ثمة إستراتيجيات، أعتقد، أيّدت هذه الجذوة التحتية. أولاً تحتجب الأصالة، في معظم الأحيان، في تمويهات هزلية تنتجها قوالب شبه ثابتة محكومة بشهوة الرجز، والطلاقة الشعبية، والنبرة العادية في الكلام. فالغناء في الأساس هو مكان التغزل في اليومي والعادي في أقرب نسخه إلى الواقع. وكلما تشبثت الأغنية بسوقيتها المعروقة، كلما تصير إلى درجة من أصالتها الصحيحة. لكن الفن هو دائماً تدخل معقَّد، فلا نجاة من سطوته، لكن التحايل عليه ممكن. فعندما تبدأ أغنية ابتهالية، فيها تسجيل لمغامرة البلاغ العشقي والوصال الكامل، بعبارة “الحج…

تنقيباتُ الجنوبيّ

تنقيب الظلام