التخطي إلى المحتوى الرئيسي

حفلة الشفخانة - تنقيبات الجنوبي (2)

حَفلَة الشَفَخانة
تنقيبات الجنوبي (2)


(1)
قادتني، باستمرارٍ، مسيراتُ حياتي المتقلّبة للاشتباك مع طبقات وثقافات وأعراق متعدّدة من الشعوب السودانيَّة الشاسعة؛ البداية كانت عند عودتي من السعوديَّة، حمداً لله، في العام 1992م؛ في ذلك الزمان لم يكن من وجودٍ ـ لحسن حظّي ـ لما يُسمَّى الآن بـ"التعليم الخاص!!"، فوجدت نفسي في مدرسة بيت المال الابتدائيَّة الحكوميَّة. كانت لتلك المدارس روائح جذَّابة وظلالٌ لا تُنسى لأشجارٍ ونباتات؛ تباينٌ خلاقٌ بين الطبقات الاجتماعيَّة، وما تبقَّى من أساتذةٍ لم تلتَث أرواحهم بالسَّعر التجاري المتفشي اليوم بسبب انحطاط وظيفة التعليم في قائمة أولويات "حكومتنا القوميَّة" إلى الدرك الأسفل من الحضيض! تماماً مثلما حدث للصحَّة. أقول، وجدتُ نفسي أرتدي خطأً ارتكبته رشيدة أمّي وهي تقودني عبر أزقة بيت المال، بثوبها الرهيب وجمالها اللافت، لتُسجّلني بالصف الخامس بالمدرسة؛ لقد كنتُ أرتدي (ترين سوت) جديد، وحذاء رياضي أنيق؛ مُمَسَّح ألتمع من النظافة، وفي جيبي (ويا للهول) 20 جنيه كاملة!! دخلنا على أستاذنا المبجَّل عثمان الأمين (سلام عليك يا أستاذنا) فانشرَح له قلبي من الوهلة الأولى. المفاجأة كانت أنه اقتداني، منذ اللحظة، ليدخلني الفصل، وهو ما لم يكن بالحسبان، لأكتشف حجم الخطأ المرتكب بالنسبة لمظهري "الحنكوش" للدين!! منذ ذلك اليوم التصق بي لقب (وَدَّ العِز)، وانقلع من حياتي، وإلى الأبد، في اليوم الذي تحوّلت فيه إلى ممثل مسرحي لتأدية مسرح فرد واحد، وعلي أن أذكّر أن الانقلاع لا يعود إلى مهاراتي التمثيليَّة فقط، ولكن لأنني كنتُ أقلِّدُ الأساتذة، السخيفين منهم بالأحرى، أو، لنكن أكثر دقَّة: أولائك المؤمنين بسلطتهم بعمقٍ يُحسدون عليه. في ذلك العام كانت المكتبة المدرسيّة قد اختفت تماماً، ورأينا الروايات الإنجليزيَّة تُدرَّس لطلاب السنة السادسة، وعندما بلغنا الفصل السادس كانت تلك الروايات، بدورها، قد ابتلعتها بواطن الأرض!
كان ذلك العام هو السابق للخطة الجلبوطيَّة التي قرَّرت الحكومة تطبيقها علينا نحن كدفعةٍ أولى، وقد تراجعت عنها الحكومة مؤخراً وأقرَّ خبراؤها بفشلها، وتتلخّص في: إلغاء المرحلة المتوسّطة، تغيير المناهج، وخاصّة مناهج اللغة الإنجليزيَّة، إضافةً إلى محوِ عامٍّ كامل وإدماج المرحلة المتوسّطة في الأساس. قاد ذلك إلى ـ كما شهدنا ونشهد اليوم ـ تخريب العمليَّة التعليميَّة تماماً وتخريج طلابٍ لا صلةَ حقيقيّة تربطهم باللغات والعلوم والتاريخ والدين. وقد خَفِي علينا، ولا يزال غامضاً، أمرُ الأساتذة الذين تمت إحالتهم إلى الصالح العام لخلافاتهم المُعلنة مع مشروع الجبهة القوميَّة الإسلاميَّة منذ عهدٍ سابقٍ لانقلابهم على الحكم، فنحن لا نعرفُ كيفَ يُمكن أن تتلقَّى تعليماً من مدرّسٍ مُختلفٍ عن الذين عاصرناهم بكل إرهابهم الفكري وقسوتهم الروحيَّة والفيزيائيَّة؟ بالتأكيد قد فهمتُ في المستقبل أن الكثير من الأساتذة كانوا، في الأصل، معارضين لهكذا سلطة فاقعة الغرور، أحاديّة التفكير والاتجاه، دكتاتوريَّة منقلبة على الدستور، ولكنهم آثروا البقاء بين المدارس، ومنهم استطعت أن ألتقط بعض الرموز الصغيرة والإشارات الذكيَّة لتكوين المواقف الداخليَّة. ما لم تفهمه الحكومة أنه ليس عليك أن تكون منظّماً سياسيَّاً لتُخالف كل هذا التخلّف الفكري والعلمي. لقد كانت تؤمن تماماً، كما شهدنا، أن ما تقدّمه هو عكس ذلك تماماً، وأن حرمان الناس من الحياة، بكلّ أشكالها ونبضاتها، هو الحياة ذاتها، بل، أبشع من ذلك: أن الموت هو الحياة عينها. لذلك، وبعد تحوّلات وصدمات فكريّة طويلة الأمد، ودقيقة، بدأت أكتب (ضدّ الحياة) التي يريدون، والتي يعمل النظام العالمي، بتحالفاته الشاسعة مع حكوماتنا المبجّلة، على ترسيخها باستمرارٍ يضمن استمراريَّة العبوديَّة العالميَّة، بلا كللٍ، مقابل مللٍ عظيم، وبؤسٍ أصبح صديقاً لا نستغنى عن وجوده، حتّى أصبحت القهقهة بصوتٍ عالٍ قلَّة أدب وعدم احترام، أصبحت العوارة: (عوارة)، وتحوّل الناس إلى الجديَّة العويرة صحي صحي، إلى حدّ اندثار لَوَامِس الجمال.
(2)
عندما توجّهنا إلى المطار في طريق عودتنا الحزين من إجازتنا السنويّة في السودان، قبل عام من "عودتنا الطوعيَّة" الأخيرة، 1991 تقريباً، تأخّرت طائرة الخطوط الجويَّة السعوديَّة لأسبابٍ جويَّةٍ غالباً، فتكفّلت الخطوط بغرفٍ لنا في فندق هلتون الخرطوم ـ وكان لا يزالُ هلتوناً في ذلك الوقت ـ لمدة أيامٍ عثنا فيها فساداً حتّى اشتهرنا كمشاغبين كبار بين عمّال الفندق العظماء. وبسبب المحبّة الشديدة التي تكنّها بنات أسرتنا لخالتهم رشيدة، خرجنا في فسحةٍ في الحدائق المقابلة لهلتون، وكانت هنالك المفاجأة.
صحيح أن رياض السعوديَّة كانت تخلو تقريباً من مُتعٍ أبيدت مؤسساتها في السودان تماماً؛ كالسينما والموسيقى والمسرح إلخ إلخ، إلا أنها تُتيح فرصة اقتناء الأفلام والموسيقى من المحلات، بمختلف أنواعها. ذلك أن رشيدة حبيب الله والفاتح التلب لم يبخلا علينا من هذه الناحية أبداً؛ فكان البيت مليء بالمسرحيات والأفلام المسجّلة وأشرطة الكاسيت والموسوعات العلميَّة واللقاءات المُفرحة لفنانين أصدقاء ـ لا أنسى منهم الفنان علي السقيد وأغاني (أمونة) و(فرحانة بيك كل النجوم) ـ إلا أن مشاهدة مسرحيَّة سودانيَّة بلغتك الأم أمر مختلفٌ تماماً. لم أتمالك نفسي لأنضمَّ إلى الحشد الصغير في حدائق 6 أبريل الذي يُشاهد مجموعة من الممثلين الجوّالين يُقدّمون اسكتشاً مُضحكاً، ما شدَّني أن رجلاً كان يؤدي دور المرأة الوحيدة في الاسكتش! لم أكن أعلم أن الرجال من الممكن أن يكونوا نساءً إلى ذلك الحد، على الرغم من أن أداء الممثل لم يكن بتلك البراعة التي صدمتني وأنا أشهد مسرحيةً للفاضل سعيد، بعد ذلك بسنواتٍ طويلة، برفقة الفاتح التلب في زيارته الأخيرة للسودان 1994م، وهو يؤدي دور (بت قضيم) طوال فصولٍ كاملة!. ذلك الحدث، في حدائق 6 أبريل، كان هو الانحراف الحقيقي لحياتي باتجاه الفن، واتضح لاحقاً، رغم المحاولات المستميتة من الأسرة والمجتمع ومؤخراً الاقتصاد لصدّي عن ذلك المسار، أنه كان انحرافاً أبديَّاً على ما أعتقد. ما علينا، المهم أن ذلك الاستكش  نُحتَ في ذاكرتي الطفلة، بتفاصيله كلّها، كقَدَر! لقد كنتُ أقهقه كالمجنون وأنا أشاهد الاسكتش، وكأنه اليوم الأخير للقهقهة، حتى التفت الجمهور وضحك على ذلك الصبي الذي سيفقد تنفّسه من الضحك!
عليَّ أن أُقر بأن الاسكتش كان رديئاً، ولكنّه مثّل، بالنسبة لي، الحدث الأعظم، الحدث المعجزة، فبعد عودتي إلى السعوديَّة، لم أستطع أن أقاوم تفريج المغتربين السودانيين على ما شهدته من معجزةٍ في الحدائق! فقمت بتقديمها لرشيدة، وبلا ممثلين مساعدين. أربعة أدوار ـ أنظري يا أمي ـ أقفزُ من موضعٍ لموضعٍ لألحق بجملة الشخصيّة الأخرى، ولكم كانت القفزةُ إلى موضع المرأة ممتعة بالنسبة لي، ومثيرةً للقهقهة لدى الجميع. تدرّجت عروضي من داخل البيت إلى الصالون، حيث الضيوف، ولم يتعد جمهوري الصغير تلك المساحات الصالونيَّة، وقد كان ذلك مرضياً لغروري إلى أبعد حد. كنتُ أقوم بأمرٍ لا يقوم به بقيّة الأطفال، وبذلك اكتسبت التفوّق الأوّل، والذي أخرجني من العلقات شبه اليومية التي كنت أتلقاها من تلاميذ المدرسة الابتدائيَّة في طريق عودتي إلى المنزل، كـ(وَد عِز) طبعاً؛ بل اكتسبت، عبره، كمّاً هائلاً من الصداقات المتنوعة في المدرسة، وفخراً بإحرازي لجائزة التمثيل الأولى في الدورة المدرسية على مستوى ولاية الخرطوم عن عرض (مسرح فرد واحد) من أخراج صديقنا الأستاذ عادل بِسْتِم!. لا أدري من أين أتت فكرة الرجل الواحد تلك، مع أنني لم أشاهد، إلى ذلك الحين، مسرحاً فرديَّاً من قبل، ولكن أعتقد، بل أؤمن دائماً، أن جميع خبرات البشريَّة وما تريده الطبيعة منّا [مكتوبٌ بشكلٍ راسخ في الفرد، فيكَ وفيَّ. إنه راسخ في يسوع وهو، أيضاً، راسخٌ في نيتشه] [هيرمان هيسه].

(3)
أتذكّر: دخل علينا في الفصل فجأة شخص بدين مربوع قصير القامة بشعرٍ يُحَلِّق بالجنبات، يحمل في يده فايلات وأوراق، ومن خلفه وقف رجل طويل القامة جدّاً، متين الجسد، بوجه مستطيل وابتسامة محببة، و، أيضاً، شعر طاير بالجنبات. عرفتُ لاحقاً أن الأول كان المخرج جهاد عبد المجيد، وكان الآخر هو أستاذنا العزيز عادل بستم، أستاذ الموسيقى والمسرح، وهما، للتوثيق، ممثلان لفرقة تحت التكوين تتبناها الجبهة الإسلاميَّة القومية، وتصرف عليها للبحث عن أطفالٍ موهوبين لخدمة المشروع الإسلامي من خلال الثقافة. بالتأكيد كانت فكرة لا طائل منها كما شاهدنا جميعاً، إذ تحوّلت تلك الفنون الداعمة للمشروع، فجأةً، إلى فنون قتالية، (فنونٌ فتَّاكة) كما وصفتها في مقالٍ* نُشر بصحيفة (الأحداث) ردَّاً على تجنيات الدكتور محمد وقيع الله على الآداب والفنون بغرض (النيل السياسي) من ياسر العرمان، عن طريق مُهاجمة شعر ياسر الرديء في الأصل، والذي سُمّي (شعراً) بلسان البندقيّة لا أكثر.
كانت الزيارة، والتي قطعت الحصّة لحسن الحظ، بغرض استكشاف (المواهب المدفونة) كما يُقال، فقدّم الطلاب ما عندهم ـ إلقاء شعري، غناء، تمثيل ـ ولاحظت أن الأساتذة يُدَوِّنون أسماء من يُعجَبُون بأدائهم، فشعرتُ بأن أمراً مهمّاً يكمن خَلفَ تلك التدوينات، ولشدَّة انصعاق الفصل رَفَع (ود العز) يَدَه ليُشارك. ذُهلت أثناء تأديتي لذلك "الاسكتش الهِيلتُوني" بالقهقة المجلجلة للطلاب والأستاذ المتفاجئ وضحك مؤسسي فرقة (بيارق) المجلجل! بل الضحك الفظيع عندما يحينُ دور المرأة الذي أجيده وأحبّه. بالتأكيد تمّ تسجيل اسمي ببقيَّة ضحكٍ في فم الزوّار، واعتبرتُ ذلك انتصاراً. على الأقل، سأتهرّب من حصصٍ كثيرة، بدلاً عن (أسلوبي المُرهق) الذي كنتُ أنتهجه للتهرّب من حصص التسميع والجَلد بسوط العَنَج والكركاسات والترديف وإلخ إلخ: التَمَارض! التَمَارض المُصَدَّق بشدَّة، إلى اليوم الذي وجدت نفسي محمولاً على الأذرع الراكضة عبر الأزقة للحاق بالمستشفى عندما مثَّلتُ كمُصابٍ بنوبةٍ ارتجافيَّةٍ قارَبَت أن تُتلِف أعصاب الجميع!.

(4)
كان العمل الثقافي "الإسلامي" هو الفعل الحياتي الوحيد الذي فُتِحت بوّابته أمامي، لكنك، لتتُقِنَ فنَّاً من الفنون، عليك بامتلاك الأدوات أوّلاً؛ وعند هذه النقطة أقول بأن الأستاذ عادل بستم كان له فضلٌ كبيرٌ علينا؛ فقد كان بارعاً في تدريس الموسيقى والنوتة الموسيقيّة، وفي التدريب على التمثيل واستخراج القدرات، ولا أعتقد أبداً أنه مِن مَن تطاولوا في البنيان من رصفائه، فقد كان حاله كحال أي مواطنٍ سوداني، غير متكلّف، ومشغول بالفن، وصارم إلى أبعد الحدود في تعليمه. حتَّى أنَّه عُيِّن بعد عامين تقريباً من عملنا الدؤوب سويَّاً، خارج أسوار المدرسة، ليُصبِح أول معلّم موسيقى نشهده خلال دراستنا. وبعد أن قرَّر في الحصص الأولى بعض الواجبات المنزليَّة على جميع طلاب الفصل، ظننا أننا، وبخبرتنا الفائقة لطلاب الفصل في النوتة الموسيقيَّة، أنّه سيستثنينا ـ نحن أعضاء بيارق ـ من هذا الواجب الأولي العبيط: السلم الموسيقي. ولكنّه، في الحصّة التالية، جلدنا بسوط العنج كأنه لم يعرف أيَّاً منّا في حياته، كانت السياط تنمحطُ على أجسادنا وسط صراخنا وذهولنا من هذا الشخص الجديد!
إضافةً إلى ذلك، لم تظهر على بستم أية ميولات آيديولوجيَّة، وإنما كان يقدّم لنا معارفه بالفن كتقنيات وفنون دون إملاءٍ أو غصبٍ كما كان يفعل المُخرج جهاد عبد المجيد بإصراره على الأغاني الجهاديَّة والمُبَجِّلة لثورة الإنقاذ! الشاهد أن بستم أدخلنا في تجربةٍ فريدةٍ من نوعها، بعد أن عملنا معه لثلاث سنوات (انقطعت خلالها لمدة عام عن الفرقة لأسباب لا أتذكرها، ولكن الأسباب المجهولة كانت سبباً في تفادي دور (الشهيد) في أوبريت الحرب والسلام، بعد أن قارب الاختيار أن يقع عليَّ، وحُرِمتُ منهُ، كما أُخبِرت، للتسيب وعدم الالتزام)؛ فقد ألَّف الأستاذ عادل مسرحيَّة (شمّاسة خور السينما)، وهي تحكي، كما هو باين من العنوان، عن الشماسة الذين يعيشون بالقرب من سينما أمدرمان الوطنيّة بالسوق الكبير. وكان علينا، كواجبٍ أوّل، أن نتردد على السينما لمدّة أسبوع لنلتقط لغتهم المميّزة جيّداً، لكنتهم، وتحريفاتهم الممتعة للكلمات، أمثالهم المتداولة، الملابس والآلات الموسيقيّة المخترعة من بقايا القمامة، والسؤال المحوري الذي يُطرَح في نهاية يوم الشماسة المُرهَق بالعمل الدؤوب على ورنشة أحذية المواطنين وغسيل العربات؛ سؤال اليوم الطويل بعد قبض المال في اليد: (أها، نمشي السينما؟ ولا ناكل بااااااسطة؟).
داومنا على مشاهدة الأفلام في سينما أمدرمان التي أصبحت تعتمد على هؤلاء الفقراء كمصدر دخل وحيد لعشقهم اللامتناهي للأفلام الهنديّة والآكشن الرخيصة، ثمَّ أن السينما كذلك تهدّمت واتّسخت وهجرها سكّان المدينة لامتعاضهم المشهور من هذه الطبقة التي أفرزتها الحروب وأهوال النزوح. تجدهم في الأسواق الكبيرة ومحطات البنزين وفي آخر الليل ينبشون طعام المطاعم. تُغيّبهم مخدرات السيليسيون رخيصة الزمن كعزاء من هكذا واقعٍ لم يُسهم أحدٌ منهم في اختراعه، إنهم يعيشون وينامون في الخيران والمجاري! لكنّ الفنّ يقطر من لغتهم ورسوماتهم العظيمة على جدران السينما وتلك المجهولة، والطيبة الشهيدة في تعاملهم مع بعضهم ورفقهم ببعض، والكوميديا المستمرّة التي يخترعونها لإذكاء نار الحياة في دواخلهم. فعندما يبرز وجه الممثلة الهنديّة الفاتنة في الشاشة الضخمة، يمكنك، من ضحك الجمهور واهتزاز شاشة العرض، أن ترى بعض المشاهدين يصعدون إلى مسرح الشاشة، صغار الحجم جدّاً، يلصقون أجسادهم بقماش الشاشة الهزّاز.
بعد أيام وجدتني رشيدة أُفصِّل أحد بنطلونات الجينز القديمة على شكل شورت، وألطّخه بألوان الورنيش، وأصنع بعض الثقوب على تيشيرت، وبجانبي صفيحة زيت مستطيلة وقطعة خشبية طويلة وأسلاك، لأطلب منها أن تتوسط لي عند النجار ليصنع من هذه المواد جيتاراً شَمَّاسيَّاً.

(5)
·       إن تربية الإنسان السوداني خارج السودان في سنواته الأولى لها مِيزاتٌ لا يراها غالباً من عاشوا ونشأوا في الداخل. في المقابل، نجد أن السلبيّات هي الأشدّ ظهوراً بالنسبة للأغلبيّة الساحقة في الداخل عندما يأتيهم من كان في الخارج؛ إذ الأخير يُعتبر أقليَّة، وسلبيّات الأقليّات، حسب مفاهيم وقواعد الذهن المُقَيِّم، هي التي تُصادُ في الأساس لتتم الغَلَبة تُمنَحُ كلمة "الأقليَّة" معناها: مجموعة صغيرة تُحكَمُ بنَظرة الأغلبيَّة المَاحقة.
·       من الإيجابيّات العظيمة للعين المتربية في الخارج أنها لا ترى في السودانيين سوى شعب واحد، أي أن النظرة العنصريَّة أو الدونيَّة التي يُعاني منها المضطهد لا تبين بالنسبة إليه وهي، في الغالب، عصيّة على التفسير. ففي الخارج أنت لستَ سوى سوداني، بغض النظر عن انتمائك الثقافي:  القَبَلي أو العرقي أو الديني. وبغض النظر عن جنسانيتك: ذكر أم أنثى، فإنك تُعامل وفق قوانين البلد التي تعيش فيها، ويُنظرُ إليك بالتفسيرات الجمعيّة للشعب السوداني في ذهن الشعب المُستَضِيف.
·       وفي الحقيقة، إن استطاع الشخص أن يُربِّي نفسه بالمعرفة ويتذوّق الفن من الداخل فإنه يُرَبِّي تلك الميزة في العين "الخارجيَّة"، فتصبح داخليَّة فنيَّة، لتختفي ظلال الأفكار العنصريَّة تماماً ويُرى الإبداع الإنساني مُخَلَّصاً من تلك الأفكار الجوفاء المُتحدّثة عن تفوّق عنصرٍ على آخر، حتَّى وإن كان تفوّقاً "حضاريَّاً" مزعوماً إن كان مِن تحضّرٍ في عالم اليوم بجيوشه ودوله هذه.
(6)
بالنسبة لي، كقادمٍ من السعوديّة، لم أستطع أن أُمَيِّز الاختلافات التي سَمِعتُ عنها لاحقاً، في المرحلة الثانويّة، حول الأعراق والفرق فيما بينها، ومن هو الأسود والعربي، وهذه الأمور السائبة على حلّ خَطَرِها. إضافةً إلى النعمة التي مُنِيتُ بها بانعدام الحديث عن هذه الأشياء بين رشيدة والفاتح، فلم أُدرك (جنسي) إلا بعد السؤال الملحاح إبّان المرحلة الثانويّة: جِنسَك شنو؟!. لقد كان الاضطهاد العنصري يطالنا جميعاً، كسودانيين، في السعوديّة بغض النظر عن خلفياتنا الثقافيَّة، لذلك لم أشعر بتلك الفروقات التي يتحدّث عنها الجميع في السودان. الأمر الذي حَرَمني من التعاطي مع الأفكار القوميّة المنشترة بتنظيماتها في الجامعات، وأدركتُ أنها دعوة (دَجَّالة) و(عنصريّة)، مثلما هي بقيّة الدعوات المرتكزة على تجميع البشر ضمن إيمانٍ مُفتَرَضٍ واحد: أمة إسلاميّة، أمّة عربيّة. بأيّ حالٍ من الأحوال ستُحرَم من التعاطي مع فكر الجبهة الإسلاميّة إن امتلكت حسّاً عامّاً بماهية الحياة ونبضها، يتبقّى أمامي خيارات محدودة، وتلك الخيارات، على محدوديّتها، لم يتركوا من أثرٍ لها في المرحلة الثانويّة، تماماً كما حدث للمكتبات والآداب في المناهج؛ فبعد أن مُسِحت تلك السنة وأُدمجت المرحلة المتوسّطة، كانت الحكومة قد تمكّنت من دحر جيوب التنظيمات السياسيّة في المرحلة الثانويّة، فأتينا ووجدناها خالية تماماً من الخيارات الفكريّة حتّى.

(7)
لم أُشارك في أوبريت فرقة بيارق الأول، والذي عُرِضَ أمام الرئيس عمر البشير في قاعة الصداقة، (الحرب والسلام)، والذي يصعدُ فيه الشهيد "الشمالي" إلى سماء الرحمن، وأمّه"الشماليّة المحجّبة"، التي كانت تتمزّق بالبكاء، تثِبُ فجأةً إلى فرحةٍ كُبرى بعد أن ينبعث ابنها حيّاً بين الناس يسير. يا إلهي كَم فَتَك الفنُّ بالعالم؟ شبابٌ ذهبوا إلى حتفهم والدم في عروقهم لا زال مُحتفظاً بغموض الحياة الذي فَسّروها لهم كمجرّد بوّابة تؤدي إلى الجحيم ومن ثمّ إلى الموت. كانوا، فعليّاً، يقذفون بهم إلى الجحيم، وضد من؟
(ومتى القلبُ في الخفقان اطمأن؟)
كانت علاقتي بالفرقة قد عادت إبّان البروفات الأخيرة للعرض، وكم أضحك على نفسي الآن وأنا أراني ذلك الطفل المتحسّر لأنّ فرصة الاشتراك في تلك (المجزرة) القِيَمِيَّة والدمويّة قد فاتته، لا، بل إنّه يتمزّق حسداً كذلك على الفرصة الضائعة للاستشهاد في خِضَمّها! دور ذلك الشهيد الذي يدفنونه في خضمّ المعركة الملوّنة لوحتها بالأضواء الحمراء والإظلامات المُضحكة، إذ تتوقّف المعركة فجأةً عندما يسقط شهيد واحد، وتتباطأ الحركة ببلاهةٍ غير معقولةٍ أبداً، ثمّتتحوّل الموسيقى إلى.. يا إلهي ذلك سخيف حقّاً، ولكن المثير حقّاً في الكتابة أنّها تضعني الآن في كرسيٍّ يطفو على هواءٍ باردٍ مكيّفٍ بقاعة الصداقة بالخرطوم، وها أنا أقهقه مُستمتعاً بتلك السذاجة الصافية التي كنّا نؤديها بدافع الحب للفن، للرقص والغناء والتمثيل، كنّا نؤديها ببرائةٍ مُذهلة، لم يكتشف لمعان النار داخلها من أسسوا تلك الفرقة. فهم، بالتأكيد، لم يقدّموا لنا فورمات عضوية الجبهة الإسلاميّة، بل هم ظنّوا أنهم، من خلال الثقافة (تخيّلوا!) سيَحشرون فورمات آيديولوجيّتهم المُوغِلة في (الموات) داخل الأفران الملتهبة التي بدأت تتكوّن داخلنا إلى أن تفجّرت البراكين!
 أستطيع أن أشمّ رائحة القاعة، إنّ لها رائحة مميّزة، تُشَمُّ بعمقٍ في غرف تبديل الملابس الخلفيّة داخل بطن المسرح. يُدركُ ذلك، بالتأكيد، الذين قدّموا عروضاً على ذلك المسرح، مثلما فعلتُ لاحقاً مع الفرقة في العام الأخير، آخر أعوام مرحلة الأساس، لتقديم أوبريت (الغول والمطر)، والذي كان، رغم سطحيّته، مُحتملاً نوعاً ما نسبةً لدخول الشاعر التجاني حاج موسى كمؤلّف للأشعار، فكانت هنالك لمعات هنا وهناك، جذبتني كطفلٍ يحملُ شاعراً يتكوّن داخله، وتحديداً صور الفيضان والكيفيّة التي تصدّى بها السودانيّون؛ تماسكهم ومساعدتهم لبعضهم البعض، تلك النابعة من القلب مباشرةً، بلا حواجز ولا تطلّعات فاسدة لأي مقابلٍ سوى المحبّة الصافية. يحكي الأوبريت مراحل تاريخيّة عصيبة يمرّ بها السودان إلى أن، بالطبع، تأتي الإنقاذ وتنتشله من براثن الفقر والجوع والمرض إلى، حسناً، أن تلقي به إلى الدرك الأسفلِ من لكل ما ذُكِرَ آنفاً وأشدّ حرقاً كذلك؛ الحرب، الحرب المستمرّة التي أصبحت تبدو وكأنها أبديّة، عاديَّة جدّاً، بل لا يشعر بوجودها أحد في العاصمة المُكَتَّمة. إنني أدعو من كل قلبي أن لا يمرّ عليّ، في مقتبل حياتي، نص أوبريت الغول والمطر هذا لألا يُشوّه تلك الصورة القديمة الضبابيّة والتي لا أذكر من خلالها بيتاً واحداً من ذلك النص.
(8)
كوَّنا تلقائيَّاً، في ذلك العام الأخير، (شلّة) داخل الفرقة، بعد أن منحنا الأستاذ عادل بِسْتِم نوعاً من الاستقلاليّة لتطوير أوركسترا غريبة من نوعها، مكوّنة من آلات متباينة، جيتار بدر الدين، أورغن أبو ذر، صفارة أشرف، إيقاع علي، وهارمونيكا مأمون. لا تقدّم أغانٍ ولا أناشيد ولكن موسيقى ومقطوعات بحتة! (دائماً كنتُ أشعر بتآمر عادل بستم الخفي وشوفتو لحاجات فينا، منذ بدايات تكوين الفرقة، ظهر ذلك جلياً عندما عَزلنا من الفرقة لإنجاز مسرحيّة شمّاسة خور السينما، والتي كُتبت بعناية أتذكّرها إلى الآن، والرهبة التي دخلت نفوسنا عندما فُتِحت لنا أبواب قاعةٍ كبيرةٍ في المباني القديمة لمدرسة أمدرمان الأهليّة المتوسّطة في أيام الإجازة المدرسيّة لتنفيذ بروفات المسرحيّة التي ستقدّم غالباً في مسرحٍ كبير في الخرطوم).كانت تلك الأيام الأخيرة لوجودي في الفرقة، وشهدت أوّل استقالة أتقدّم بها في حياتي. أذكر أن شلتنا إيّاها قدّمت عرضاً موسيقيّاً لمقطوعات في مسرح الهيئة القومية للثقافة والفنون (دار حزب الأمة حالياً، والذي أعرفه من الداخل زقاق زقاق)، وكان مشهدنا لا يخلوا من طرافة في الحقيقة: شفّع صغار يقفون بكل الجديّة اللازمة لتكوين "حالة الأوركسترا". أثناء العرض اقتربت شابّة لطيفة من المسرح، بين فقرتين، وأخبرتنا برغبتها في الحديث إلينا بعد انتهاء العرض! تحمّستُ لهذا الانحراف المفاجئ، لذلك الغموض، وشغل الأمر بالي طوال ما تبقّى من عرض، وبعد الانتهاء لم نجتهد للبحث عنها، كانت تقف في انتظارنا عند درجات خشبة المسرح. أتذكّر ملامحها جيّداً، والانطباع الهادئ والمريح الذي شعرت به تجاهها، والنظرة المصوّبة إلى العين، الواثقة، في حديثها، إضافةً إلى إشعارها لنا بنوع من الأهميّة والجديّة والتعامل الناضج كأفراد مستقلّين.
شعرنا باستقلاليتنا أكثر عندما أخبرتنا برغبتها في تقديمنا على مسرحٍ آخر، مختلفٍ عن هذا تماماً، فوافقنا دون أن ندري لماذا. لقد محضناها ثقتنا لأمرٍ غامضٍ متعلّقٍ بروحها على ما أعتقد، التقينا سرّاً ومعنا آلات الفرقة (الأورغن، الجيتار والإيقاع) وكان العرض في اليوم التالي مباشرةً، كان احتفالاً لأهل الحي "العشوائي" الواقع في قلب مدينة أمدرمان، والمسمّى بالـ(قَماير) أو (الحُفَر)، بمناسبة افتتاح شفخانة (عيادة صحيّة) جديدة في المنطقة الخالية من الشفخانات. أرض القماير بالنسبة لنا، نحن الذين نسكن على تخومها، أرضٌ مجهولة. نعلم أن أهل "الهامش" هم من يعمّرونها ويسكنونها منذ أزمنةٍ سحيقة، حيث كانت تمثّل أطراف وضواحي أمدرمان، ولكنّها اليوم في قلب المدينة: تنحدر السيارات إلى الأسفل عندما تدخلها، إنك تَشعر بمفارقتك للمدينة ونظامها، بشوارعها المسفلتة المستوية، وتصعد مرةً أخرى،وهكذا دواليبك [حسن موسى]. هذا كل ما شعرنا به ونحن داخل الحافلة الصغيرة، ومعنا الساوند سيستم، والشابة مع سائق لطيف.بيوت جالوص وأزقة مليئة بالحفر، مرتفعات ومنحدرات وفي النهاية أضواء الكشافات في الحي المظلم، وأصوات الكثير والكثير جدّاً من الأطفال من أعمارنا، أكبر وأصغر، فكان مشهد المسرح باعثاً على الرَهبة: العشرات من الأطفال يزدحمون لـ"حفلة الشفخانة"، والتي انطلقت بالشعر وغناء الأطفال، في ذلك الليل كان غبار الحركة الكثيفة يعلو ويتْبَيَّن في ضَوَّ الكشّافات. نبضات قلبي تضرب آلاف الطبول وعروقي جميعها مُشتعلة وتنبض، والهارمونيكا في كفّي تتعرّق بالانفعال والرهبة. صعدنا إلى المسرح، بدأنا بتقديم مقطوعاتنا المعروفة، (عازة في هواك)بآلات الجاز المفبركة، و(سوداني الجوّ مجداني بريدو) وبتاع، لكنّ الجمهور الأغبش، الأطفال الذين يجلسون في الكراسي ويتشعبطون على جدران الشفخانة ويسدّون الأفق، طالبوا بربَّة، فكان بدر الدين عازف الجيتار ود العبّاسيّة ماهراً في هذه الأشكال الموسيقيّة الحيويّة، وديييك يالربَّة، وجدنا أنفسنا منساقين عبر تيارٍ موسيقيٍّ عنيف، والجمهور يتفاعل ويرقص ويصفّر ويطالب بالمزيد. عدت إلى البيت أتصبب عرقاً من الداخل، كان جسدي يرتعش من الانفعال، وأنا أحلم بمستقبلٍ موسيقيٍّ باهرٍ لم يحدث بكل تأكيد!. اتضح لاحقاً أنني موسيقي فاشل جدّاً، كما حدث مع التمثيل، ولكن الاتجاهين كان لهما عظيم الأثر، بل قل الأثر الأكبر، في إخراج ذلك الشاعر الملعون الذي فاجأني لاحقاً في الحياة.
بعد أيامٍ فُصِلنا من الفرقة؛ هكذا وُصِفَ الحدث. بلّغنا أحد الإداريين بأن مجلس محاسبةٍ سيُنصَب اليوم. دخلنا في المساء إلى مكتب المدير جهاد عبد المجيد، أو الرئيس، لست أذكر، المهم أنه كان الأشدّ حضوراً في ذلك المكتب للدرجة التي تعتّم المكتب في ذاكرتي واختفت الشخصيات الأخرى المُرافقة له في ذلك المجلس التأديبي. باختصار واجهتنا اللجنة بالإثم الذي اقترفناه بتقديم "أغنيات هابطة" في حفلٍ ليلي بالقماير، ثم كان التحقيق الذي لا جدوى منه. كانت ابتسامة شريرة تتصاعد في داخلي وجهاد يُعلن، من أعلى غرور سلطةٍ ظنَّ أنه يملكها، بأن الخيارات المُتاحة أمامنا كالآتي:
1-أن نلتزم الآن بعدم تقديم أي أعمال "هابطة" وتقديم الأغاني "الجهاديَّة" و"الوطنيّة" فقط بما يتماشى مع مرتكزات الفرقة وأخلاقها.
2-أن نسلّم آلاتنا ونغادر الفرقة فوراً، وإلى الأبد.
والخيار، كما ترون، كان واضحاً بطريقةٍ شافيةٍ للغليل تماماً. ومُبتَسِمة!.
تَعَرَّفت على الـ(قماير) بطرقٍ مُختلفة في المستقبل، وأدركتُ أن عوالمها المجهولة والغامضة، والتي تبدو، للعين السطحيّة، كارثيَّة، إجراميّة، ومُخيفة؛ هي الأشدّ تمسّكاً بالحياة في المنطقة، ولكنّهم الأشد ظلماً كذلك، والأقسى واقعاً.


__________
اللوحة لفان جوخ

تعليقات

  1. منتظرين باقي المسيرة يا ممو ..

    ردحذف
  2. هذه رواية مكتملة الفن الروائي يا ميمُو، وما الروايات عندي سوى أمثال تلك الهترشات التلقائيَّة المُنسَّجَة بفكرانيَّات مضمرة تجعلها "روايات أفكار" موغلة في "لعبها الفنِّيِّ المُضادِّ" لتلك الكتابات الخيطيَّاتٍ ذوات السِّرُود الأرسطيَّة التاريخانيَّة العتيقة المُبَجَّلَة والتقليدية، ولا أقول "الكلاسيكيّة"، إذ أنَّ "الكلاسيكيَّةُ" عندي، إن يُرد لها أن تكن حقَّاً كلاسكيَّةً مجيدة، تُعبَّرُ دومَاً، في تناسجاتها الفنيَّة المختلفة (رواية، شعر، مسرح، غناء، رسم وما إلى الذي منهُ! :) )عن جوهرٍ إنسانيٍّ كينُوني خالد (نعم، خالد- تلك الكلمة التي استهلكهاهذا العصر الأعجف المنكود باالابتذال والاستسهال الاستهلاكيِّ البارع الذكاءِ الغبِيْ- وكلام زي ده كده، مثلاً!)...

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

لماذا الحرب؟ - رسالة تسيغموند فرويد إلى آينيشتاين

تَرَانيم مَحموديَّة - شذرات متفرّقة في ذكرى اغتيال الأستاذ

The Beauty of the Silly - نجلاء عثمان التوم

 The Beauty of the Silly  نجلاء عثمان التوم


إلى عثمان حامد سليمان
هل يمكن تشريح الأصالة؟ هل يمكن الكشف عن شعوبها الداخلية دون مجزرة؟ أنا مدفوعة هنا بالحجب الأصيلة التي يغزلها الغناء السوداني حول نفسه فيبدو لنا أحياناً شيئاً محيراً، لامع الحيرة. عندما نتجرد من العصاب الذي نسميه الفهم، وننطلق في رحلة متحللة من كل غاية، ونستمع إلى الأغاني السودانية بأرجلنا ومصاريننا، نشعر أن الطاقة التي تتهدج في الجو هي، ولا شيء خلافها، الهوية. لكن تظل أصالة هذا الغناء شيئاً غامضاً جداً وعصياً على التعيين. ثمة إستراتيجيات، أعتقد، أيّدت هذه الجذوة التحتية. أولاً تحتجب الأصالة، في معظم الأحيان، في تمويهات هزلية تنتجها قوالب شبه ثابتة محكومة بشهوة الرجز، والطلاقة الشعبية، والنبرة العادية في الكلام. فالغناء في الأساس هو مكان التغزل في اليومي والعادي في أقرب نسخه إلى الواقع. وكلما تشبثت الأغنية بسوقيتها المعروقة، كلما تصير إلى درجة من أصالتها الصحيحة. لكن الفن هو دائماً تدخل معقَّد، فلا نجاة من سطوته، لكن التحايل عليه ممكن. فعندما تبدأ أغنية ابتهالية، فيها تسجيل لمغامرة البلاغ العشقي والوصال الكامل، بعبارة “الحج…