التخطي إلى المحتوى الرئيسي

هنري ميللر: عن كوكب (زُحل) كتابة مُستَقبليّة: تنقييباتٌ طينية (3)



كوكب (زُحل)
لا يزال تأثيرهُ غير تقليديّ، يجثم، بثِقَلِه، على الوعي الخامد تقريباً للإنسان – هنري ميللر













مقدمّة طينيَّة:
لنشرِ هذا الجزء من الرواية عليَّ أصرِّحَ ببديهيّة بسيطة: لسنا وحدنا في هذا الكون. هنالك آلاف وآلاف من الكواكب التي تحوي حيواتٍ مختلفةٍ ومشابهةٍ لنا في اعتلال الاختلاف. اعتلالٌ تصرّ على إنشائهِ الدول والشعوب التي تعتقد _ لا أدري من أين _ أنها مختلفة. فإلى نص هنري ميلر، من سيرته (عملاق ماروسي – ترجمة : أسامة منزلجي): علي التذكير بأن النص كُتب في أربعينيات القرن الماضي، لإدهاشكم، لا أكثر، بقوّة الخيال. والكون لا شيءَ سوى خيال!
النص:
الحادثة الثانية كانت زيارة المرصد الفلكي في أثينا، أَعدَّها لأجل لوريان داريل، ولأجلي، ثيودور ستيفانيدس الذي قام، باعتباره فلكيّاً هاوياً، باكتشافات فلكيّة هامّة باعتراف الجميع. استقبَلَنا الموظفون بودٍّ زائد، وشكراً للمعونة الكريمة التي قدّمها لهم زملاؤهم من العمال الأمريكيين في هذا المجال. لم أكن قد نَظرتُ من عدسةِ تيليسكوبِّ مرصدٍ حقيقيٍّ من قبل، ولا داريل على ما أعتقد. كانت تجربة مثيرة، رغم عدم توافقها جملةً مع توقّعات مضيفينا. وبدا أن ملاحظاتنا، المرحة والمنتشية، تحيّرهم! طبعاً لم نَكشِف عن ردود فعلنا الآورثوذوكسية أمام العجائب المتجليّة. لن أنسى دهري ذهولهم التّام حين هَتَف داريل فجأةً، وكان يحدّق في البلياديس (في عالم الفلك هي الثريّا: ست نجومٍ في كوكبة الثور، واحدة منها لا ترى بالعين المجردة) "رزيكروشي" ماذا يقصد بها؟ أرادوا أن يعرفوا. ارتقيت السلم وألقيتُ نظرةً بنفسي. أشك في استطاعتي وصف أَثَر النظرة الأولى على ذاك المشهد الذي يحبس الأنفاس لعالم النجوم المُتناثرة. والصورة التي سأظل محتفظاً بها هي صورة "الشاترز"، وهي نافذة على شكلِ وردةٍ متألّقةٍ هُشِّمت بقنبلةٍ يدوية. أعني ما أقول بحسٍّ مُضاعفٍ مرتين أو ثلاث ـ من الرهبة!. والجمال الخالد. والتدنيس الكوني، وحطام عالمٍ معلّقٍ بين السماء كنذير وسرمديّة الجمال، جمال حتى بعد أن يُنسَفَ ويُنتَهك. (الأعالي كالأغوار) كما يجري القول الشهير لهرمز تريسميغيتوس. أن تَرَى البليادس (الثريا) من خلال التيليسكوب يعني أن تُحسّ بالحقيقة العلوية والرهيبة لهذه الكلمات. في أبعد شطحاته، الموسيقيّة منها والمعماريّة قبل كل شيء، فهماً واحد، يعطي الإنسان وَهْمَ منافسةِ النظامِ، وجلال وروعة السماوات، في نوبات أعماله التمديريّة. يبدو الشرّ والخراب، اللذان ينشرهما، فريدان إلى أن نتأمل في اهتزازات النجوم التي تُحدِثها الانحرافات العقليّة للعرَّاف المجهول. بدا مضيوفنا كتيمين أمام هذه التأملات؛ تحدثوا عن معرفةٍ في الأوزان، والمسافات، والمواد..إلخ. لقد أُبعدوا عن النشاطات العاديّة لإخوانهم البشر بطريقةٍ تختلف تماماً عن ابتعادهم عنَّا. الجمال بالنسبةِ لهم حدثٌ طارئ، وبالنسبةِ لنا كلّ شيء!. العالم الفيزيائي الحِسابي بالنسبة لهم المُوَضَّح، المُعَيَّر، الموزون والمُرسل هو الواقع بذاته! أما النجوم والكواكب فهي مجرَّد برهان على عقلانيتهم الممتازة والمَعصومة!. بالنسبة لداريل، وبالنسبة لي، يقع الواقع ما وراء متناول أدواتهم التافهة، التي ـ بحدّ ذاتها ـ ليست سوى انعكاسات سقيمة لخيالهم المُحدَّد المحصور أبداً في سجن المنطق القائم على الافتراض. أرقامهم وحساباتهم الفلكيَّة، الموجودة خصيصاً لإبهَاتنا والمغالاة في إفزاعنا، تدفعنا فقط للابتسام بتسامح أو للضحك بوقاحةٍ شديدةٍ في وجوههم مباشرةً. بالنسبة لي لم تترك الحقائق والأرقام بي أيّ أثر. و"السنة الضوئيّة" ليست أكثر تأثيراً من لحظة، أو جزء من لحظة. هذه لعبةٌ لضِعَاف العقول الذين يمكنهم أن يستمرّوا حتى الغثيان، آتين غادين، دون أن يوصلونا إلى أية نتيجةٍ. وأيضاً لست أكثر اقتناعاً بواقعيّة نجمٍ ما حين أراه من خلال تلسكوب. قد يكون أكثر تلألؤاً، أكثرَ إعجازاً، قد يكون أكبر حجماً ألف مرّة أو مليون مرّة من رؤيتنا له بالعين المجردة، لكنه ليس أكثر حقيقيّة ولو بمثقال ذرّة. أن نقول إنّ هذا هو الشكل الحقيقي لشيءٍ ما لمجرد أن نراه أكبر أو أعظم، بيدو لي هذا الأمرُ سخيفاً تماماً. هو حقيقي بالنسبة لي كما على الإطلاق بل تخيّلت وجوده. وأخيراً، ورغم أن له في نظري ونظر عالم الفلك نفس الأبعاد، والبريق، فهو لم يكن نَفسَهُ لكلينَا ـ وهتاف دوريل بالذات كافٍ لإثبات هذا.
ولكن دعنا ننتقل إلى شيءٍ آخر ـ إلى زحل: عند النظر إلى زحل، وقمرنا أيضاً، من خلال العدسات المكبّرة، فهما يَتركان أثراً على إنسان علماني بطريقة، جدير بالعالم أن يرثي لها، ويستنكرها بوضوح: لا يمكن لأية حقائق أو أرقام عن زُحل، أو تكبير، أن يُفسِّرَ الشعور المُقلِق جداً الذي يُسبّبه مرأى هذا الكوكب لعقل مراقب. زحل هو رمزٌ حيٌّ للكائبة، والمرض، والكارثة والموت. يُثير لونه المتموج الأبيض كالحليب، وبشكلٍ حتميٍّ، تداعيات تتعلَّق بأمرٍ تافهٍ ميِّتٍ ورماديّ؛ بأعضاء حساسة بعيدة عن الأنظار، بأمراض بغيضة، بأنابيب الاختبار، بعيّنات مخبرية، بالنزلة الصدريّة، بالروماتيزم، بالجبلّة الخارجية، بظلال الكآبة، بالظواهر المرضيّة، بحرب الحَضُون والسَّقُّوبة، بالعقم، بفقر الدم، بالتردّد، بالانهزاميّة، بالامساك، بالمضادات، بالروايات الضعيفة، بالفتاق، بالتهاب السحايا، بقوانين الحَرف المميت، بالشريط الأحمر، بأوضاع الطبقة العاملة، بمحلات بيع الحلوى،ورابطة الشبيبة المسيحيّة، باجتماعات المسعى المسيحي، بجلسات تحضير الأرواح، بشعراء أمثال (ت.س.إليوت)، بمتعصبين أمثال الاكسندر دوي، وبشافين أمثال ميري بيكر إيدي، برجال دولة أمثال تشمبرلن، بميتات تافهة كالانزلاق على قشرة موز وتحطّم الجمجمة، وبالحلم بأيامٍ أفضل والانحشار بين سيارتي شحن، بالغرق في مغطس الحمّام، بمقتل المرء لأعزّ أصدقائه عفواً، بالموت من الخازوقة بدلاً من ساحة الوغى، وهكذا إلى مالانهاية. زحل مُهلكٌ بقوّة العطالة، حَلَقته، التي هي بِسُمْكِ الورقة، طبقاً للعلماء، وهو خاتم زواج يعني الموت أو سوء الحظ مجرّداً من كل أهميّة. زُحل! مهما كان بالنسبة لعالم الفلك، هو علاقة الموت التافه لرجل الشارع. إنه يحمله في قلبه لأن حياته كلّها، الخالية من الأهميّة، مغلّفة برمزه المُطلق الذي يمكّنه، إن فشلَ كل شيءٍ آخر في قَتلهِ، الاعتماد عليه لإنهائها. زحل هو الحياة في حالة ترقّبٍ قلق، ليس ميّتاً بقدر ما هو بلا موت، أي قادر على الموت. زحل هو كالعظمة الميّتة في الأذن ـ ثنائي الخشاء بالنسبة للروح.زحل هو كلفَّةٍ من الورق الجدران ثمّة خطأ في وضع وجهيها مدهونةً بغراءٍ نَزْلي يجد اللاصقون أساسيّاً جداً في مهنتهم. زحل هو تكتل عظيم من تلك المُزق الشيطانيّة الشكل التي يتصيّدها المء طوال فترة الصباح بعد أن يكون قد دَخَّن عدة علب من السجائر الهشّة، المحمصة، التي لا تسبب السعال، والمُلهمة. زحل هو إرجاء يُقدِّم نفسه كإنجازٍ قائمٍ بذاته. زُحل هو ريبة، حيرة، نزوع إلى الشكـ حقائق للحقيقة نفسها بلا عناصر مثيرة للضحك، بلا نزعةٍ صوفيّةٍ، أتفهم؟ زحل هو عرق التعلُّم الشيطاني للتعلّم نفسه، هو الضباب المُجمّد الناتج عن تقصٍّ بطابعٍ كئيب بشكلٍ لذيذ لأنه لا يعرف ولا يُميِّز، أي شيء، مما يقع وراء الكآبة، إنه يسبح في بدانته. زحل هو رمز كل النذر والخرافات، والبرهان الزائف على الأنتروبي المقدّس، زائف لأنه لو كان صحيحاً أن الكون ينحدر لذاب زحل منذ زمنٍ بعيد. زحل أبديّ كالخوف والتردد، يزداد جبناً واكفهراراً، مع كل تسويةٍ، وكل اتفاقيّة استسلام. الأوراح الرعديدة تصرخ طالبةً زحل كما يصرخ الأطفال عادةً طالبين الكاستوريا. لا يعطينا زُحل ما نطلب، دون ذرةٍ زيادة. زحل هو الأمل الأبيض للعرق الأبيض الذي لا يكف عن ثرثرةً عن عجائب الطبيعة ويبدد وقته في إفناء أعظم العجائب قاطبةً ـ الإنسان ـ زحل هو الدجّال المُنجّم يشمخ عالياً باعتباره الفوهة الكونية العظمى للقدر، السيد باريس، المحارب الأوتوماتيكي لعالَم مصابٍ بالعصاب ataraxy، فالتغني السماوات مجدها ـ فهذه الكرة الكسولة المؤلفة من الشك والضجر ولن تكف عن إطلاق أشعة الغن المجدب البيضاء كالحليب.
هذه هي الصورة الشعوريّة لكوكبٍ لا يزال تأثيره غير تقليدي يجثم بثقله على الوعي الخامد تقريباً للإنسان. إنه أكثر مشاهد السماوات افتقاراً للفرح. وهو يتصل بكل صورةٍ جبانةٍ لن يفهمها قلب الإنسان، إنه المخزن الوحيد لكل اليأس والانحدار اللذين استسلم لهما الجنس البشري منذ زمنٍ سحيق. ولن يُرى إلا حين يُطَهَّر وعي الإنسان منه.
ـــــــــــــــــــــ
دار النشر: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

لماذا الحرب؟ - رسالة تسيغموند فرويد إلى آينيشتاين

تَرَانيم مَحموديَّة - شذرات متفرّقة في ذكرى اغتيال الأستاذ

The Beauty of the Silly - نجلاء عثمان التوم

 The Beauty of the Silly  نجلاء عثمان التوم


إلى عثمان حامد سليمان
هل يمكن تشريح الأصالة؟ هل يمكن الكشف عن شعوبها الداخلية دون مجزرة؟ أنا مدفوعة هنا بالحجب الأصيلة التي يغزلها الغناء السوداني حول نفسه فيبدو لنا أحياناً شيئاً محيراً، لامع الحيرة. عندما نتجرد من العصاب الذي نسميه الفهم، وننطلق في رحلة متحللة من كل غاية، ونستمع إلى الأغاني السودانية بأرجلنا ومصاريننا، نشعر أن الطاقة التي تتهدج في الجو هي، ولا شيء خلافها، الهوية. لكن تظل أصالة هذا الغناء شيئاً غامضاً جداً وعصياً على التعيين. ثمة إستراتيجيات، أعتقد، أيّدت هذه الجذوة التحتية. أولاً تحتجب الأصالة، في معظم الأحيان، في تمويهات هزلية تنتجها قوالب شبه ثابتة محكومة بشهوة الرجز، والطلاقة الشعبية، والنبرة العادية في الكلام. فالغناء في الأساس هو مكان التغزل في اليومي والعادي في أقرب نسخه إلى الواقع. وكلما تشبثت الأغنية بسوقيتها المعروقة، كلما تصير إلى درجة من أصالتها الصحيحة. لكن الفن هو دائماً تدخل معقَّد، فلا نجاة من سطوته، لكن التحايل عليه ممكن. فعندما تبدأ أغنية ابتهالية، فيها تسجيل لمغامرة البلاغ العشقي والوصال الكامل، بعبارة “الحج…