التخطي إلى المحتوى الرئيسي

كائِن قُوقَلي - محمد إبراهيم عمر (فطيرة) في أصل السيد Google

كائِن قُوقَلي
محمد إبراهيم عمر (فطيرة)





مقدّمة طينيّة:
ولقد كُتِبَ هذا النص المُمتع ونُشر بجريدة الأيام، الملف الثقافي، تحديداً في 17/11/2007م إبّان إشراف الكاتب عادل كلر على تحريره؛ وهو لصديقنا الشاعر والكاتب محمد إبراهيم عمر (فطيرة). وقد تداعى إلى ذاكرتي إبّان حواراتٍ عن محرك قوقل للبحث، بيني وبين الشاعر الكناني، ورأيتُ أن إعادة نشره الآن ستكون مدهشة. النص قد أدهشنا في الخرطوم، بعد نشره، وكنتُ قد كتبت تعليقاً عليه بموقع (سودان للجميع) حيثُ أُعيدَ نشره مرةً أخرى بواسطة عادل كلر نفسه، وفي يوم الاثنين نوفمبر 19, 2007، ما يلي:
[في يوم من أيامِ رمضان، الماضي، وفي أتنيه، المٌغلقة كعادتها في الرمضانات، كنا (سهرانين) وفاروق أسامة عبد الرحمن النور ومحمد الصادق الحاج وشخصي، على عتبات أتنيه الأسمنتية، حتى الثانية صباحاً في ظلامٍ نتحدث (ليس فقط بالطبع)، وكان (الكائن القوقلي) قد كُتب قبل أيام من ذلك ووصلنا بالإيميل. فاروق يملك لابتوب (مارسيديس) كما يحب أن يسميه، قديم جداً وضخم يصلح للضَّرب أكثر من الاستخدام التكنولوجي، ولكنه، والحق يقال، قدَّم لنا العديد من الخدمات في مجاله. المهم أن هنالك ما يشبه السحر حدث مع نص (كائن قوقلي) لصديقنا محمد إبراهيم عمر (فطيرة)، (ياخي اسم فطيرة ده مالو مابيهو كده؟)، وهي أن المارسيديس اشتغل لوحده دون أن يمس أحدنا زرَّ تشغيله ولو بهمسه، فبعد أن نفدت البطارية وبعد أن انطربنا بالموسيقى أغلقنا الجهاز وأدخلناه في حقيبته (القرَّاش). تذكرنا النصّ وقررنا أن نفتح الجهاز مرة أخرى ونقرأ، ولكن الأمر كان في عداد التمني نسبةً لنفاده من البنزين الضروري، ما حدث: فاروق يفتح الشنطة ويجد الجهاز مشتعلاً ينتظر الاستعمال!. استمتعنا به _النص_ ويذهب اعتقادي أن الفرضية المُتَكَلّم بها النص عن كائن الخيال تحاول أن تفرض وجودها بذلك الفعل السحري الذي حدث في ذلك اليوم.
الأمر هو أن الكائن القوقلي من سلالة كائنات الخيال العديدة والمتنوعة، ولكن قوة النص تكمن في اكتشاف هذا الكائن الخيالي، وصنع حياةٍ له، داخل حقل العلم المسمَّى زوراً وبهتاناً باسم (العلم المادي).
تعليق آخر بعد نشر النص: قال الصادق الرضي أنه اتصل بالعديد من أصدقائه _ورغماً عن أنه يعمل على تحرير ملف منافسٍ لملف صحيفة الأيام_ لكي يطلب منهم شراء (الأيام) بسبب الكائن القوقلي. وقال الصادق: هذا النصّ فتح.
ياريت يا فطيرة تواصل في كتابة النصوص السردية، والتي لم أشاهدها من قبل بين يديك تعبث. وشكراً عادل على النشر والاهتمام].
إلى النص إذاً. تحياتي يا صديقي، يا حبيبي، وعلنا نلتقي في القريب. يا ريت.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
كائن قوقلي
محمد إبراهيم عمر

منذ بداية الخليقة، تَشَكَّلت الخلايا الأولى للكائن القوقلي، ولأسبابٍ غير معلومة لم تَنمُ وتتخلّق ككائنٍ له بدنٌ وأعضاء. وطوال هذه القرون كان يعيش لامرئياً مُسَجِّلاً غيابَهُ في دفتر الحضور البصري للإنسان، الأمر الذي جَعَل بعض الكَهَنة وبعض الشيوخ يصفونه بالروحاني، وأحياناً بالمسيح الدجال! ولكن، عقب التطور العلمي الذي شَهِدَه العالم والخليقة في المجالات الوراثية والتقنية، اكتشف العلماء أن الكائنات القوقلية كانت في حالة من الكمون النسبي. وبالرغمِ من ذلك كانت مُشَارِكَةً ـ دون علم البشر ـ في تأسيس القيم والأخلاق والمعارف العلمية والاجتماعية والأدبية الحديثة.
قال لي صاحبي، الذي عَمِلَ باحثاً بمعمل الأبحاث الجينوقوقلية، أن الكائن القوقلي دَخَل في حالة كمونٍ نَشِطَة منذ ما يُعرَف بمرحلة الارتقاء، وتَحَوَّرَ بشكلٍ سريعٍ لأنه يَحمِل صفةً وراثيةً مُعقَّدة ونَشِطَة، وتتطور بمعدَّل مليار ثانية، وهي محمولة على صبغيةGoogNA ؛ وتشير بعض البحوث إلى إنه كائنٌ راقٍ لأنه مُشتَقٌّ أعلى من النزعات والرغبات البحثية، وأن جذره الأساسي هو الجنون الذي اعترى غريزة الاستكشاف وحبّ الاستطلاع.
عَلِمْتُ، فيما بعد، أن الكائن القوقلي، في مرحلة ما قَبلَ الكُمون، اختارَ أن يُقَاسِمَ الفأر الحيوان جَسَدَهُ لأسبابٍ متعلقةٍ بالاختيار والمزاج وسوء الطالع؛ فاكتسب منه الخبرة الفأروية المعروفة شعبياً بالفِحِّيت والبِحِّيت، ولأنه كائن حافظ للجميل، فلم ينسَ ما قَدَّمه له الفأر من مهارات؛ فعَمِلَ، بعدَ تجلّيه مادياً، وظهوره للبشرية عياناً بياناً في الجسد الكومبيوتري، على أن تكون أداة التواصل بينه وبين الإنسان هي الفأرة الإلكترونية، والتي تتسم بخاصية مزدوجة للتأثير على حاسَّتِي اللمس والإبصار، ويا سبحان الله!.
يَتمَتَّع الكائن القوقلي بذاكرة بَنكِيَّة لا يطالها النسيان، وبحواسٍّ أُخرى كحواسِ الرّكض والبحث والتجميع والإغواء،  كما أنه يعتمد، في أسلوب معيشته التكافلي مع البشر، على أعضائِهِ المَاصَّة الامتزازية للكهرباء، السبب الأساسي لوجوده ولنشوء عقله الطبقي؛ فهو متيَّم بالأغنياء، ولَهُ ولعٌ كبيرٌ بأبناءِ البرجوازية الصغيرة منهم.
حكى لي صاحبي، الباحث الغارق في علاقة حميمية انسوقلية، أنه رأى، في إحدى غياباته، الكائن القوقلي يقول له: (سأعمَل على تغيير العالم الخارج من تفاحة آدم، والثابت بتفاحة نيوتن، وسأسحَقُ الفقراء الملاعين قاتلي الفئران. ياخ ديل بقولوا للزول الما بِعجِبُم دا فَارَة ساي! شُوف المفترين: لا عِندَهُم موية لا كهربا، وبعد دا مُطوِّلِين لِيك لِسَانُهم). قلتُ، ساخراً في سري، ماذا لو سَمِعَهُ دُعَاةُ حقوق الإنسان والشيوعيين الاستالينيين؟ إذن للوثوا له فضاءه الإلكتروني، ولأحدث هو، طِبقاً لذلك، تغيّرات في مناخ الأرض ولربما تقوم قيامتنا القوقلية!!.
سرتُ إلى البيت يأسُرُني مزاجٌ قوقليٌّ حَاذِق، وأثناء غفوةٍ ما حلمت.. حلمت بِصَبيَّة قُوقَلِيَّة من قبيلة "السيرش"؛ فالصبايا القوقليات يُحبِبنَ الرقص والموسيقى والقراءة الساهلة والسريعة، ورشيقات ودلّوعات، يتكلَّمن بلغة الحنكشة (ياااي..هاااي) المخلوطة بقليل من الإنجليزية الحريفة السائلة والمُعَاصِرة، تتخللها كثير من الفرنسية الأصيلة. وتخيلتُني أرقصُ مع إحدى بنات قوقل المثقفات الراب والسامبا والتانغو العجيب، وأقرأُ وأتبادل معهنّ كتب ماركيز وأدونيس وسليم بركات وكذلك كاسيتات فيروز وماريا كيري، ونذهب إلى المركز الثقافي الفرنسي ـ كعادة المثقفين السودانيين ـ حتى إنني كتبتُ لها الأشعار متغزّلاً :
(يا بِت من قوقل،
في غْيَابِك بقتُلنِي الشوق واَجوجِل،
وتَمرُق رُوحِي تَفَتِّش
عِيونُي تَبَحلِق وخَشمِي يِدُودِل).
بالرغم من أن البنات القُوقَلِيَّات مغرماتٍ بالشبان متعددي الهوايات والهَوِيَّات، فلم أُفلِح بإحداهنَّ. وتأكدتُ تماماً من فقري ومن سِبَاحَتي في أحلامِ وأفلامِ اليقظة قوقلياً.
***
يقول بعض الباحثون بأنه قد سَبَق ظهور الكائن القوقلي ظهور كائنات الإسلام السياسي، والتلوث ـ كنتيجةٍ حتميةٍ ـ للاختناقات والتعقّدات الثقافية في المدن. وأنه صاحب عقيدة سلطوية احتكارية: ما إن تجالسهُ مرةً حتى يتقرب ويتودد إليك بما مَلَكت فأرَته حتى تدخل دهاليزه الإسفيرية ويظلّ يغويك: يغويك بخدماته التفضيلية للتواصل مع الآخرين والعالم، ولكنك لن تعرف أنك من الذين أُعيد إدماجهم إلكترونياً، وأنك صرت عبداً في إمبراطورية (قوقل دُت كُوم) صاحبة الاسم السري (قوقل دُت كون)!. وآن دخولك هناك، في ذلك الملجأ الإلكتروني، تصبح ممسوساً ومُوَسوِسَاً ذاتياً وقوقلياً وتَمْسِكَكْ أُم هَلَّه هَلَّةَ الماسنجر، البريد الإلكتروني ال.... وال..... وهكذا ترتكبك الغواية القوقلية، لتصنع علاقات تواصلية خارج الزمكان وبجماليات فادحة تتخطى المُعاش واليومي إلى جنة الإلكترون؛ حيث (الجِكس) القوقلي كامل الدسم، وأنهار الكوكاكولا والخمور المتعددة الجنسيات وما لَن يراه الفقراء إلى أبد الدخول للمدينة.
عُدتُ إلى الريف، بعد هزيمة طموحاتي في المدينة ودخولي فيها معسكرات البطالة واللجوء الثقافي؛ ومن حينٍ إلى حينٍ تنتابُني أشواقٌ عارمةٌ مَدَنِيّة وحنينٌ صوفيٌّ للكائن القوقلي. وذات مرة، أَخرَجتُ هاتفي المحمول لأسأل صاحبي عنه، فأجابني الرد الأتوماتيكي، بعد تركي لرسالة صوتية، قائلاً: إنك تسأل عن مخلوقات قوقل، دعني أَقُل لَك، إنه، في سياق تطور صيرورة الكائن القوقلي، وعلاقته التاريخانية بالإنسان، نشأت علوم جديدة؛ مثل سوسيولوجيا القوقلونسية وعلم الإيكولوجيا القوقلي، والجنسانية الأنسوقلية و..........و.......و........ وهَلُمَّ قوقل.
وبعد أشهرٍ عديدة، سمعتُ، في الراديو، أن صديقي انتقل إلى حقل الدراسات النظرية، وأنه أصبح متخصصاً في الدراسات القوقلونسية ويحاضر في عدد من الجامعات في العالم، وتستضيفه القنوات الفضائية للحديث في هذا المجال. وله كتابٌ معتمدٌ عالمياً كمرجعٍ قياسيٍّ وأساسيٍّ وهو باسم (بنية السلطة القوقنسية.. مقاربة للخطاب الأنسوقلوجي). أثناء ذلك، كنت أتمشى في حقلنا. وشتان بين الحقول. رأيت فأراً يبحتُ في جذور النباتات ويقدُّ جوالات الذرة بعزيمةٍ بحثيةٍ عاليةٍ بحثاً عن الغذاء، فركضتُ خائفاً حتى وصلتُ إلى البيت ووجدتني في الظلام؛ فتَبسمَلتُ وحَوقَلتُ وقُوقَلت.
الريف، وما أدراك ما الريف؟ من جماليات المكان الريفي أنه لا توجد علاقات قوقلية؛ لا فتيات قوقليات ولا سلطة لقوقل على ذلك المكان، ولكن توجد سلطة الطبيعة وحكومة الجبايات والسلطة الرمزية للبنات الريفيات وستار ياليل. مرَّت سنوات من إقامتي الريفية.. من هجرتي وهجراني لقوقل، فتريفَنَت حواسي تماماً وتخلصتُ من كل المعارف القوقلية. وفي مرةٍ من المرات، عندما كنتُ أقوم بفلاحة الأرض، تجرأتُ، وقتلتُ فأرةً. وعندها عرفت أنَّ السلطة هي السلطة، وأنّ الكائن القوقلي ما هو إلاّ تطورٍ طبيعيٍّ للاستغلال والاستعباد وحب التملك.. وتخيلتُ كم فأراً ستقتل البشرية لتعرف جوهر الكائنات القوقلية.
(عن الأيام الثقافي 17/11/2007م(


تعليقات

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

لماذا الحرب؟ - رسالة تسيغموند فرويد إلى آينيشتاين

تَرَانيم مَحموديَّة - شذرات متفرّقة في ذكرى اغتيال الأستاذ

The Beauty of the Silly - نجلاء عثمان التوم

 The Beauty of the Silly  نجلاء عثمان التوم


إلى عثمان حامد سليمان
هل يمكن تشريح الأصالة؟ هل يمكن الكشف عن شعوبها الداخلية دون مجزرة؟ أنا مدفوعة هنا بالحجب الأصيلة التي يغزلها الغناء السوداني حول نفسه فيبدو لنا أحياناً شيئاً محيراً، لامع الحيرة. عندما نتجرد من العصاب الذي نسميه الفهم، وننطلق في رحلة متحللة من كل غاية، ونستمع إلى الأغاني السودانية بأرجلنا ومصاريننا، نشعر أن الطاقة التي تتهدج في الجو هي، ولا شيء خلافها، الهوية. لكن تظل أصالة هذا الغناء شيئاً غامضاً جداً وعصياً على التعيين. ثمة إستراتيجيات، أعتقد، أيّدت هذه الجذوة التحتية. أولاً تحتجب الأصالة، في معظم الأحيان، في تمويهات هزلية تنتجها قوالب شبه ثابتة محكومة بشهوة الرجز، والطلاقة الشعبية، والنبرة العادية في الكلام. فالغناء في الأساس هو مكان التغزل في اليومي والعادي في أقرب نسخه إلى الواقع. وكلما تشبثت الأغنية بسوقيتها المعروقة، كلما تصير إلى درجة من أصالتها الصحيحة. لكن الفن هو دائماً تدخل معقَّد، فلا نجاة من سطوته، لكن التحايل عليه ممكن. فعندما تبدأ أغنية ابتهالية، فيها تسجيل لمغامرة البلاغ العشقي والوصال الكامل، بعبارة “الحج…