التخطي إلى المحتوى الرئيسي

كيف غير محمود عبد العزيز وجمهوره وَجهَ السودان؟ - راشد مصطفى بخيت، تنقيبات طينية (5)


كيفَ غَيَّر فنانٌ وجمهوره وجهَ السودان؟
بقلم: راشد مصطفى بخيت


مقدّمة طينية
كُنتُ في ورطة، فقد ازدحمت في رأسي أسماءٌ ونصوصٌ لدرجةٍ لم أستطع أن أختار من بينها بطريقةٍ يائسة، وهذا كان السبب الأول في غياب النصوص في الأيام الماضية، أما السبب الثاني كان أن قررت ترك الناس لتطالع النصوص السابقة لفترةٍ من الزمن، فالحياة أصبحت فظيعة، والزمن انسابَ من يدِ الزَمَن. إلا أن السيّد فيسبوك نطَّط ما بين ذكرياتي مُشيراً لمقال الكاتب الصديق العزيز راشد مصطفى بخيت، عن الفنان الراحل محمود عبد العزيز، وكان قد نُشر بـ(أخبار الأدب) المصريّة مُرفقاً برسم (غرافيتي) نَفَّذه الصديق الفنان طلال الناير على حائطٍ من حوائط مدينة (أمروابة)، عقب الحرب التي اندلعت في (أبو كرشولا) بالقرب منها، وكانت قد طالتها يدُ الحرب، وهي مسقط رأس والمكان الذي ترعرعَ فيه النّاير. المقالة بعنوان (كيفَ غَيَّر فنانٌ وجمهوره وجهَ السودان؟)، وقد رأيتُ إعادةَ نشرها ضمن التنقيبات الطينيّة لما لها من دلالات وأبعاد ترتبط كذلك بالعمل الفني لطلال الناير، والذي سافر، مباشرةً، بعد خروج الحرب من مدينته، ليبدأ ورشة تعليم الفن الغرافيتي مع أبناء المدينة الصغار. 
وهذه الكتابة، لراشد، هي من ضمن عددٍ من الفصول الأخرى وهي في طريقها إلى التَشَكُّلِ (كِتاباً) كما أخبرني راشد في رسالةٍ قبل قليل أرفق بها فصلاً آخر من هذه المجموعة. كتب في الرسالة: (بتاع الحوت كان نهاية الفصل التاني من حاجة ما معروفة لسَّه، ودي بداية الفصل الرابع من نفس الحاجة الما معروفة). أعجبني تعليق الكاتب والصحفي صلاح شعيب على مقالة محمود، وأثني عليه: "شكراً لهذا المقال الذي يفتح ألف باب للتأمل".
تحية لكما يا أعزائي. وقراءة قارِئة للجميع.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
النص:

الحواتة" هم مُحبي "الحوت". و"الحوت" كما هو معروف. كائن بريٌّ في الأصل، سكن اليابسة أولاً. لكنه تحوَّل للماء، بحسب مزاعم "تشارلز داروين". أما "الحوت" "صاحب الجلالة" فهو اسمٌ دال علي نفسه كفاية، كنَّينا به نحن "أبناء الثمانينيات" ونهاية السبعينات؛ ذلك الفتي الذي توحَّدنا حوله كظاهرة تخصنا تماماً: "محمود عبد العزيز". لكنه نفسه ظاهرة عابرة للأجيال، والأمكنة والتواريخ، لأنه مثله مثل أي فنان أصيل "ظاهرة زمنية" بالأصل. ولماذا "أبناء الثمانينيات" إذن؟!
لأننا أُعْطِيْنا "الحوت" معنا أولاً وقبل كل شيء. أُعْطِيناه في سنوات الجدب الأولي لتجربة "الأخوان المسلمين"، سنوات "الجهاد التسعيني" و"العدميَّة الكاملة" التي تمجِّد الموت والقتل وتصنع لهما الأُغنيات وشرائط الكاسيت. كان الحوت "ريحانة المحبة" بيننا، صوتٌ يعلمنا أن نعرف بعضنا بلا تفكير، وظاهرة تعلِّمنا كيف نمجِّد "الحياة".
في الفن يلعب الحدس دوره كاملاً كوسيط للتعرُّف والمودة والشعور بحقيقة ما، و"إن إلقاء نظرة سريعة علي تاريخ علم الجمال، هو أمر يعلمنا أن الفن والأدب مرتبطان ارتباطاً وثيقاً بمفهوم الحدس". لم نكن نعلَّم ذلك بالطبع وقتها، لكنا عشنا مع "الحوت" أحوال تبدله كاملة بين "الماء واليابسة"، وبين "الوجود والعدم".
كان "الانقلاب" بدأ تنفيذ خطته المحكمة في "إعادة صياغة" الإنسان السوداني وقتها، وكنَّا نحن مهد التجربة الأولي: في العام 1992 كُنَّا في الصف الخامس الابتدائي عندما حدث أوَّل تعديل في "السلم التعليمي". كان طلاب الصف السادس أمامنا، هُم وحدهم من ستستقبلهم "المدارس المتوسطة" كآخر استمرار لها، بينما مضينا نحن مع "الإنقاذ" في "تعليم مرحلة الأساس" لسنتين، واجتمعنا ثانياً في العام 1995 في امتحان موحَّد شملنا معاً، هو امتحان الانتقال من "المرحلة المتوسطة" و"المرحلة الأساس الجديدة" إلي "الدراسة الثانوية"! كان هذا العام هو العام "الوحيد" الذي تنافس فيه طلاب من مرحلتين مختلفتين علي امتحان الشهادة الثانوية الموحَّد. في العام 1997، استقبلتنا الإنقاذ بإعلان تأسيس "عزَّة السودان الأولي" لأمبراطوريَّة كبري سُمِّيت "الخدمة الوطنيَّة" وقتها، دخلنا معسكراتها في العام 1998، وهو العام الذي قُتِل فيه أكثر من 117 مجنَّد للخدمة الوطنيَّة في "معسكرات العيلفون"! بعدها دخلنا الجامعات فوجدنا معركة "تصفية السكن والإعاشة" كانت قد سبقتنا بسنوات!

مالنا وتلك السنوات اليوم؟ نحن نخرج من هذا الموت الآن، مثلما خرج "الحوت" قبلنا من "اليابسة" الميِّتة كلياً إلي حيث "المياه".

الحواتة "شعبٌ كامل" في هذه البلاد الكبيرة. هو "شعبٌ" وَجَد في معجزة الصوت البشري ملاذه من تلك السنوات العِجاف، ووجد محبةً مفقودة للروح الرخيصة وقتها فتبع هذه المحبة وما خذلته. خرج الحواتة من كل فئات وطبقات هذا الجيل والأجيال التي تلته بحادث الفن الجليل. و"كلما حدث الفن، أي كلما كان هناك بدءٌ، عرِف التاريخ دَفعَة، ابتدأ التاريخ لأوَّل مرَّة أو من جديد. لا يعني التاريخ هنا تعاقب وقائع ما في الزمن مهما كانت أهميَّتها. التاريخ هو خروج شعبٌ ما إلي ما أُوكل إليه باعتبار ذلك ولوجاً إلي ما أُعطي معه". ومع الحوت أُعطينا الكثير نحن الذين مسَّتنا موهبته باكراً.

للحواتة علامة معروفة هي "الصليب المرسوم بتقاطع الذراعين": أرض الإنسانيَّة الجدباء في هذي البلاد، بعد أن حرثها الصوت البشري في قصة معروفة ب"نادي الضباط" أنتجت تلك العلامة: وهي علامة فارقة لأنها علامة دالة لوحدها: ليس المعاق إنساناً ناقصاً مثلما "يفهم" متعلمون كُثُر لم تمسسهم من "الحوت" "ومضة الروح". امتلأت الأسافير هذا العام 2013 بخبر "مُعجزة"! الطالب الذي أحرز المرتبة الأولي في امتحانات شهادة الأساس بولاية الجزيرة السودانيَّة بالدرجة الكاملة، فتسرَّع أنصاف المتعلمين ووصفوه "بالمعجزة" ونال من نال من غِلظة الاستغراب بما يشبه الذم! الحواتة لم يندهشوا طبعاً لأنهم تعلموا قبلاً من هذه "العلامة الدالة" أن "المعاق إنسان كامل"، الأمر الذي فات علي فطنة كثيرين. كيف يعرف "شعب الحواتة" ذلك ومعظمه من "الفاقد التربوي" كما يحلو لأجيال أخري وصفه جهالةً؟ شعب الحواتة هو شعب "الحس السليم" أيُّها المتعلمون! لذا فهو شعبٌ يشعر بالحقيقة عبر حسه أولاً. ذلك "أن ما تقدمه لنا الحواس هو ما يظهر، ومن هنا فإن ما تقدمه لنا هو الحق أو الحقيقة، وما دام ما يظهر لنا حق، فسوف يتساوي هذا المظهر المعيَّن مع غيره من المظاهر الأخري: فما يبدو لحواسي أنه حق، هو حق تماماً مثلما يبدو لحواسك أنت أيضاً، وتحكيم العقل في هذه المعطيات الحسيَّة لا قيمة له لأن العقل لا يُضيف شيئاً إلي معرفتنا بالحقيقة. أعني أننا نعرف الحقيقة عن طريق الاحساس. فالمعرفة هي الإدراك الحسي، وهكذا تختفي التفرقة بين الحس والعقل، أو علي الأقل قيمة هذه التفرقة؛ باختفاء التفرقة بين الظاهر والحقيقة".
"الحواتة" شعبٌ يدرك حقيقة الأثر الفني أولاً لأنهم "شعب المجاز" الذي فهم أن الفن نفسه "دينٌ" آخر كما عند "ديونسيوس". إنهم شعب "مثالي" بذلك، فهذا ما لا يدركه كل من تعلَّم كفاية ليفعل. يجمعهم فكر مجازيٌ و"رندوك" خاص يتفاهمون به بسهولة مع بعضهم، ذلك لأنهم أدركوا أن "الفكر المجازي من ذلك النوع الموجود في الديانات المختلفة في العالم، هو أعلي لون من الفكر تستطيع جماهير الناس الغفيرة أن تمارسه لأنها لا تستطيع أن تصل إلي الفكر المجرَّد الخالص. ومن ثم فالحقيقة لا بد أن تظهر أمام الجماهير في الصورة الشائعة للدين بدلاً من أن تظهر في صورة الفلسفة الخالصة".
فلسفة العلم نفسها تؤكِّد هذا المنحي في تجلياتها المعاصرة كما في كتابات (غاستون باشلار) علي سبيل الاستدلال لا الحصر، فالفنان الخالص، هو الفيلسوف الخالص، وهو العالم الخالص أيضاً. هذه "ثورة داخل الثورة نفسها". ولكي نفهمها كفاية طالما ظللنا مصرين علي "عبادة العقل"، من الضروري أولاً أن نستعد كفاية، و"من الضروري أن يتحقَّق الوعي من أحكامه المسبقة القديمة العهد ومن افتراضاته الراهنة. بدون هذا "التطهير"؛ النور الذي نتلقاه من الوعي التاريخي لا يُعدُّ سوي نوراً محجوباً وعديم الفائدة. بدونه لا تكون معارفنا حول "الآخر" تاريخياً سوي اختزالات، طريقة معرفيَّة تقتضي أحكاماً مُسبقة أو افتراضات أو أفكار مُتصوَّرة حول المنهج وحول "ما ينبغي" أن يكون عليه المُعطي التاريخي، تُسوِّي التجربة وتؤدي حتماً إلي غدر كل ما بإمكانه أن يكون هو "الآخر".
"الحواتة" ظاهرة تعلِّمنا الكثير الذي يفعله الفن لوحده. لأنها في جانب منها تجيب عن أسئلة الفن والدين والتاريخ لو تأملناها كفاية. فالفن ليس ظاهرة تاريخيَّة محدودة الأثر كما هو شائع. إنها تنشأ في سياق تاريخي لكنها تتكلَّم مع البشريَّة جميعها بصوت تسمعه هذه البشريَّة جيِّداً بمثلما تسمع صوت الدين. فالفن موجودٌ من الأزل وإلى الأبد لكنه لا يصنع التاريخ دائماً. "الفن يصنع تاريخاً حينما يؤثِّر في أولائك الذين يخبرونه". [هانز جورج عادامر - تجلي الجميل – تحرير روبرت برناسكوني – ترجمة ودراسة د. سعيد توفيق – المشروع القومي للترجمة – المجلس الأعلى للثقافة – القاهرة – 1997 – ص15].
وقبل ذلك ومع هيجل على وجه التحديد أدركنا كيف يستغنى الفن الزماني بأصالته عن ضرورة الفِكر، لأنه "يضع تحت متناول النفس ما هو موجود في الفكر الإنساني. الحقيقة التي يأويها الإنسان في فكره، ما يجيش في صدر الإنسان ويحرِّك فكر الإنسان؛ ذلك هو ما يقع على الفن مهمة تمثيله". [هيجل – المدخل إلى علم الجمال: فكرة الجمال – ترجمة جورج طرابيشي – دار الطليعة للطبيعة والنشر – بيروت – الطبعة الثالثة – 1988 -ص46].
"التمثيل"، "العالم"، "الحقيقة"، كلَّها مفردات أساسيَّة في "الفينومينولوجيا"، لكنها اتَّخذت دلالات مختلفة بعد هيجل: ف"حقيقة" هوسرل مختلفة عن "حقيقة" "هايدجر"، ومختلفة عن "حقيقة" ما "بعد الحداثة" مثلاً. هذا هو موضوع الجزء الثالث من هذه الكتاب نرجئه لأوانه، أما الآن فيكفينا أن نؤكِّد مع هيجل أن الموسيقى كفن زماني "تنفى المكان تماماً فلا توجد إلا في الزمان وحده. ومن هنا فما دام كل ما يمكن أن يُرى بالعين لا بدَّ أن يوجد في المكان؛ فسوف يتوقف هذا الفن عن مخاطبة حاسة البصر ويلجأ إلى حاسة السمع. ومن ثمَّ فالوسط المادي الذي يستخدمه هو تتابع الأصوات والنغمات في الزمان. [ولتر ستيس – فلسفة الروح – المجلد الثاني من فلسفة هيجل – ترجمة د. إمام عبد الفتاح إمام – دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع – بيروت – الطبعة الثالثة – 2005. ص162].
ليس من المستغرب إذاً أن يكون "الحواتة" ظاهرة متفرِّدة تعرفها العديد من دول العالم كما عرفت قبلها تجربة "الريقي" نفس الامتداد مع "بوب مارلي"، طالما ظاهرة "الحوت" نفسها ظاهرة عالميَّة شملت تجارب مختلفة في أرجاء الكوكب الذي نحيا ثورته في معظم أرجاء الأرض راهناً. فالثورة الآن هي ثورة تأسيسيَّة شاملة مثل كل الثورات العظيمة النادرة في تاريخ البشريَّة. المغنيَّة البريطانيَّة "إيمي واينهاوس" (1983 – 2011) – على سبيل الاستدلال لا الحصر - من سلالة الحوت نفسه بفارق ريادة الأوَّل طبعاً، وموجتها ممتدَّة حتى بعد موتها، مع تجربة "أديل لوري بلو أدكنز" المولودة في "توتنهام" شمال لندن (1988). لكن يمكننا أن نجد بين "الحوت" و"إيمي" ثيمات عدَّة أهمها قصر فترة الحياة المصحوبة بإنتاج غزير وجهور عريض وفرادة بائنة. تربطهما ببعضهما أيضاً حالة البساطة التي عاشاها إلى أن ماتا كل في جغرافيته لكناهما عاشا "موجة واحدة" في "أزمان واحدة" خارج المكان.
"الحواتة" مثلهم مثل كل "شعب" لهم "مزاجهم" الخاص. ولهم لمستهم النادرة في "إعلان فشل المشروع الإسلامي" بصخب كافي. إنَّهم أرض كل ثورةٍ خصراء هنا، وأمامها في المستقبل هناك.
الشاعر الألماني "هولدرين"، لعب نفس الدور الذي يلعبه "الحوت" راهنا باختلاف وسائط الفن. ومع هيدجر مستني كفاية حقيقة هذا البيت الذي أورده الأخير ضمن دراسته لشعر "هولدرين": "ينبغي أن يرحل عندما يحين الأجل، من تكلَّمت الروح بلسانه". [مارتن هيدجر – إنشاد المنادي: قراءة في شعر هولدرين وتراكل – تلخيص وترجمة: بسام حجار – المركز الثقافي العربي – بيروت – الطبعة الأولى – 1994 - ص65].
لماذا "ألمانيا" ماثلة بتاريخها في هذا الحاضر الذي نحياه؟ هل "النازيَّة" هي التجربة التي نخرج منها اليوم؟ هل "الروح" هي ما ينقصنا؟ كيف خسرت النازيَّة رهانها بعد كل الدعم الجماهيري الذي لقيته؟ من هُم "أصحاب العلامة" الألمان؟ يخبرنا "هيرمان هيسة" قائلاً: " نحن الذين نحمل العلامة؛ يمكن للعالم أن يعتبرنا بحق "شواذ"، لا بل ومجانين، وحتى خطرين. كنا نعي، أو في طريقنا لأن نعي، وكان سعينا موجهاً نحو تحقيق حالة أكثر تكاملاً من الوعي؛ بينما سعي الآخرين، إلى ربط الأفكار والمثُل والواجبات والحيوات والحظوظ، ربطاً وثيقاً بغيرهم في القطيع. هنالك أيضاً سعي. وهنالك أيضاً عظمة وقوة. ولكن؛ فيما نحن أصحاب العلامة، نعتقد أننا نمثل إرادة الطبيعة في التجدد وفي فردانية المستقبل، كان الآخرون يسعون إلى تأييد الوضع الراهن. والإنسانية التي يحبونها كما نحبها؛ بالنسبة لهم متكاملة ويجب دعمها وحمايتها، أما بالنسبة لنا؛ فالإنسانية هدف بعيد يتحرك نحوه البشر جميعاً، ولا يعرف صورتها أحد، ولم تكتب قوانينها في أي مكان. [هيرمان هيسه – دُميان: قصة شباب أميل سنكلير – رواية – ترجمة ممدوح عدوان – ترجمة - دار أزمنة – عمان – الطبعة الأولى – 1998 – ص131].

  

تعليقات

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

لماذا الحرب؟ - رسالة تسيغموند فرويد إلى آينيشتاين

تَرَانيم مَحموديَّة - شذرات متفرّقة في ذكرى اغتيال الأستاذ

The Beauty of the Silly - نجلاء عثمان التوم

 The Beauty of the Silly  نجلاء عثمان التوم


إلى عثمان حامد سليمان
هل يمكن تشريح الأصالة؟ هل يمكن الكشف عن شعوبها الداخلية دون مجزرة؟ أنا مدفوعة هنا بالحجب الأصيلة التي يغزلها الغناء السوداني حول نفسه فيبدو لنا أحياناً شيئاً محيراً، لامع الحيرة. عندما نتجرد من العصاب الذي نسميه الفهم، وننطلق في رحلة متحللة من كل غاية، ونستمع إلى الأغاني السودانية بأرجلنا ومصاريننا، نشعر أن الطاقة التي تتهدج في الجو هي، ولا شيء خلافها، الهوية. لكن تظل أصالة هذا الغناء شيئاً غامضاً جداً وعصياً على التعيين. ثمة إستراتيجيات، أعتقد، أيّدت هذه الجذوة التحتية. أولاً تحتجب الأصالة، في معظم الأحيان، في تمويهات هزلية تنتجها قوالب شبه ثابتة محكومة بشهوة الرجز، والطلاقة الشعبية، والنبرة العادية في الكلام. فالغناء في الأساس هو مكان التغزل في اليومي والعادي في أقرب نسخه إلى الواقع. وكلما تشبثت الأغنية بسوقيتها المعروقة، كلما تصير إلى درجة من أصالتها الصحيحة. لكن الفن هو دائماً تدخل معقَّد، فلا نجاة من سطوته، لكن التحايل عليه ممكن. فعندما تبدأ أغنية ابتهالية، فيها تسجيل لمغامرة البلاغ العشقي والوصال الكامل، بعبارة “الحج…