التخطي إلى المحتوى الرئيسي

رَامبُو والطاقة الذرّية - هِنري ميللر - تنقيبات طينيَّة (9)

تنقيبات طينيَّة (9)
رَامبُو والطاقة الذرّية
هِنري ميللر



مقدّمة طينيّة:
يقول هنري ميلر إنه اكتشف الشاعر آرثر رامبو متأخّراً جدّاً: (كم كنتُ مصيباً عندما أجّلت الاكتشاف الحقيقي لرامبو)! وأقول: كم كنتُ محقّاً عندما أجّلت اكتشافي الحقيقي لكليهما؛ فقد وَقَعَت الأعمال الشعريّة الكاملة لآرثر رامبو بين يديَّ قبل شهور، وبالضبط قبل رحلتي الاستكشافيّة الأولى لجنوب كردفان، جنّة من جنان السودان العذراء؛ حيث الحرب لا تزال تدور، والجمال لا يزالُ خارقاً، بدائيّاً، فائراً بالإلهام والعاطفة الصافية المتدفّقة، مثل شلالات الجبال، داخل أرواح الناس.
لقد استسلمتُ إلى سيْرِ الحياة على كيفها منذ زمنٍ بعيد، ربما كنتُ دائماً كذلك، لذلك لم أستعجل رحلة (كادوقلي) ولم أتدخّل في مصيرها، إلى أن حصل صديقي أيمن سيف (الدوسري) على وظيفة مستقرّة بالأمم المتحدة هناك، ثمّ جاءَ عيد الضحيّة وسُلِّمت دعماً من الصحيفة لشراء (خروف الضحيّة)، والذي تحوّل إلى تكلفة رحلتي الحُرَّة إلى تلك الجبال الفاتنة. صاحبني في رحلتي (رامبو)، وعند عودتي عثرتُ على (عملاق ماروسي) لهنري ميللر، وهو واحد من كتبه المتأخّرة، وكم كان هنري محقّاً بإبعاده أعماله الأولى السوداويّة عن طريقي: كنتُ، كلما عثرت على واحدٍ من كتبه، يضيع، بطريقةٍ سحريّة؛ يُنسى في إحدى الباصات ما بين الخرطوم والقاهرة، يُسرَق بواسطة صديق، وهكذا. وقبل أن أنتهي من (العملاق) عَثرتُ، كذلك بالصدفة، على دراسة ميللر حول رامبو: (رامبو وزمن القَتَلة)، والذي اخترت منه هذا المانولوج التنبؤي المكتوب في العام 1955م - هنري كان عجوزاً! – وهو يعبّر عن الواقع تماماً كما قال ضمنه: (بعد خمسين سنةٍ، من الآن، ستمسي الأرض، بأسرها، فوّهة بركانٍ شاسعة).
لقد قرأت رامبو في الطريق إلى الجنّة، وداخلها، وفي العودةِ منها إلى فوّهة الجحيم الخرطوميّة، لذلك استطعت أن أفهم كتاب ميللر، مثلما سأعيد قراءة أعمال رامبو مراراً وتكراراً كـ(إنجيل ألوهةٍ شخصي) ـ بتعبير صديقنا الشاعر إبراهيم جعفر ـ وتماماً مثلما كَتَب هنري: (وليس شرطاً توفّر الورق والحبر لخلق الشعر، أو بَذرِهِ. فالشعوب البدائيّة، بأسرِها، شعراء فِعْل، شعراء حياة. ما زالوا يصنعون الشعر، مع أنه لا يهزّنا). إن هذا المقتطف الذي أقوم بجَمعه من نسخة الكتاب الورقيّة الآن، يُفسِّر الكثير حول رسالة الشعر، كما يفعلُ ذلك الكتاب كلّه. إنّه ينتزع الفن والشعر من مَن يسمّون أنفسهم شعراء وفنانين، اليوم، ويتوسّل استيقاظ البشر وخروج أفرادٍ جدد، لغة جديدة، وشعر حيّ. ثم يضيف: (لو كنّا منتبهين للشعراء، لما كنّا بعيدين عن طريقة حياتهم: لأدخلنا شِعرهم في شعرنا، ولغزونا حيواتنا بالجمال المتغلغل في حيواتهم!: لقد كان شعر الإنسان المتحضّر، استثنائيّاً، ضيّقاً، على الدوام، فكَتَبَ بنفسهِ وثيقة موته).

لكي نفهم عالم اليوم علينا الرجوع، دائماً، إلى الوراء لقراءة آداب العالم، أن نقرأ الشعر المكتوب في السنوات الأخيرة: الشعر المَشتوم بوصفه "غامضاً"، و"طلاسمَ"، و"عصياً على الفهم"، والذي حاول أهل الأدب محاصرته بالتصنيفات الركيكة، والتمييزات "الجيليّة – الزمنيّة". هذا ما تحاول التنقيبات الطينيّة أن تقوم له؛ فهي محاولة لإيجاد "مَنهج" استقرائي شعري وأدبي لتفسير الجنون المستفحل الذي نقف على سطحه جميعاً، دون استثناء، في كل مكانٍ في العالم. فالمعاناة أصبحت عالميّة، والجحيم، الذي وُعدنا به، يُصبح أشدّ وضوحاً تتكثَّف ملامحه وتتشكّل داخلنا وخارجنا. وهي محاولة للفت انتباه الزاعقين بعَظَمة الحضارة اليوم، وبالذات الذين يقارنون بين ما سمّوه، زيفاً، "الشرق والغرب"، "العالم المتحضّر" ـ كما عبّر أوباما قبل أيام عن عدوان باريس ـ والآخر "المتخلّف". هذه السذاجة اللانهائيّة.
والآن، إلى التنقيبات الطينية رقم (9)، مع بعض القفزات المعلّمة بـ(....). (صدر الكتاب عن دار الجمل، الطبعة الأولى 2012م، ترجمة سعدي يوسف).
مأمون التلب
ــــــــ
النص:

ها قد وصلنا، ممسوسين بقوّةٍ لم تستطع حتّى آلهة القديمِ أن تُطلقها. إننا هناك، أمام بوّابات الجحيم. تُرى، هل سنقتحم الأبواب، ونُفجّر الجحيم نفسه.. مفتوحاً؟ أعتقد أننا سنفعل هذا. أعتقد أن مهمّة المستقبل هي اكتشاف مملكة الشر، حدّ ألا يبقى فيها أيّ أمرٍ، سرَّاً. سوف نكتشف الجذور المُرَّة للجمال، متقبلين الجذر والزهرة، الورقة والبرعم. لم يعد في استطاعتنا مقاومة الشر: يجب أن نَتَقَبَّله.
(......)
عندما يكون الشاعر في الحضيض، يغدو قَلب العالم، رأساً على عقب، واجباً.
حين لا يعود باستطاعة الشاعر، التحدث إلى المجتمع.. وإنما لنفسِهِ، فقط، نكونُ نحن، إذن، في الخندق الأخير.
على الجسد الشعري لرامبو أخذنا نبني برجاً لبابل. ولا يعني شيئاً أننا لا يزال لدينا شعراء، أو أن بعضهم لا يزال مقروءاً، قادراً على الاتصال بالناس. ما هو اتجاه الشعر؟ وأين العلاقة بين الشاعر والجمهور؟ ما هي الرسالة؟ لنوجّه السؤال أولاً:
أترانا نُفكِّر بالجمال مهما كان مُرَّاً، أم نُفكِّر بالطاقة الذريّة؟ وأي عاطفة قائدةٍ تُلهِمُ مكتشفاتنا العُظمى، الآن؟ الرهبة! إن معرفتنا بلا حكمة، وراحتنا بلا أمان، واعتقادنا بلا إيمان. ولا يجد شعر الحياةِ تعبيره إلا في الصيغ الرياضيَّة والفيزيائيّة والكيميائيّة.
الشاعر منبوذ، شذوذ، هو في طريقه إلى الانطفاء. من يهتمّ الآن.. كيف جَعَل الشاعر من نَفسِه مَهولاً؟ إن الوحش طليق، يطوف العالم. لقد أَفلَتَ من المختبر. وهو في خدمةِ كلّ من يجد الشجاعة على استخدامه. العالم أَمسَى، حقيقةً، رقماً! إن أخلاقيّة الوجهين، مثل كلّ ذي وَجهين، قد انهارت. وهذه الفترة هي فترة التدفّق والخطر المحيق. لقد حلَّ الانجراف الكبير.
أما الحمقى فيتحدثون عن الترميمات، والتدقيقات، عن الانحيازات والائتلافات، عن التجارة الحرّة والاستقرار الاقتصادي، والإصلاح!. لا أحد يؤمن من الأعماق بأن وضعيّة العالم يمكن تصحيحها. كل واحد ينتظر الحدث الكبير، الحدث الوحيد الذي يشغل تفكيرنا ليل نهار: الحرب القادمة. نحن عبثنا بكلّ شيء، فلم يبقَ بيننا من يعرف كيف. ومن أين يصل إلى التحكّم. المكابح لا تزال موجودة، لكن أتراها ستعمل؟ نحن نعرف أنها لن تَعمل. قد انطلَقَ المارد. لقد أمسَى عصر الكهرباء متخلّفاً وراءنا، كأنه العصر الحجري. عصرنا هو عصر القوّة، القوّة الخالصة الصريحة. اليوم... أمامنا: إمّا الجنّة أو النار، ولا وسط بينهما. وكل الدلائل تُشير إلى أننا سنختار النار. حين يعيش الشاعر جَحيمَه، لا يعود باستطاعة الإنسان العادي أن ينجو من الجحيم. هل سمّيت رامبو مرتدّاً؟.
نحن، جميعاً، مرتدّون. لقد كنّا نرتدّ منذ فجر التاريخ. وأخيراً لحقَ بنا القدر. سيكون لنا (فصل ـ نا ـ في الجحيم).. لكل رجلٍ وامرأةٍ وطفلٍ ذوي علاقةٍ بهذه الحضارة. هذا ما كنّا نتوسّل حدوثه، وهو الآن... هنا!. ولسوف تبدو (عدن) مكاناً مريحاً.
في زمن رامبو، كان لا يزال بالإمكان مغادرة (عَدَن) إلى (هرر)، لكن بعد خمسين سنة، من الآن، ستُمسي الأرض، بأسرها، فوّهة بركان شاسعة. القوة التي بين أيدينا اليوم ـ على الرغم من نَفي العلماء ـ هي قوّة مُشعّة، دائمة التدمير. لم نُفكّر، أبداً، بالقوة، في صيغة الخير. بل في صيغة الشر، فحسب، ليس ثمّة من غامضٍ في طاقات الذرّة، إن الغموض هو في قلوب البشر. لقد جاء اكتشاف الطاقة الذريّة متزامناً مع اكتشاف أن أحدنا لن يثق بالآخر، مطلقاً. هنا يكمن الشؤم ـ هذا الخوف المتعدّد الرؤوس، الهيدرا، الذي لا تستطيع أية قنبلةٍ أن تُدمِّرَهُ. إنّ المرتدّ الحقيقي هو الإنسان الذي فَقَد الثقة في بني جنسه. فقدان الإيمان، شاملٌ، اليوم. وهنا يكون الربّ نفسهُ عاجزاً. لقد آمنّا بالقنبلة، والقنبلة هي التي سوف تستجيب لصلواتنا.
****
أيُّ صدمةٍ يعانيها الشاعر، حين يكتشف أن رامبو قد أَنكَرَ دعوَتَه؟! الأمر كما لو قلت إنه أنَكَرَ الحب. مهما يكن الدافع، فإن السبب الرئيسي هو فقدان الإيمان. إن ذعر الشاعر، وإحساسه بالتعرض للخيانة والخديعة، يوازيه ردّ فعل العالِم حين يكتشف لأي غرضٍ استُخدِمَت اختراعاته. وثمة إغراء بأن يُقارن المرء عمل رامبو الإنكاري، بإطلاق القنبلة الذريّة. إن الإرجاع، مع أنها أوسع في الحالة الأخيرة، غير أنها ليست أكثر عُمقاً. فالقلب يسجّل الصدمة قبل أجزاء الجسم الأخرى. والهلاك الأبدي يستغرقُ وقتاً، حتى ينتشرَ خلال جسد الحضارة. ولكن، حين غادرَ رامبو، من الباب الخلفي، فإن القيامة تكون قد أَعلَنَت عن نفسها.
كم كنتُ مصيباً حينَ أجَّلت الاكتشاف الحقيقي لرامبو!
إن توصلي إلى نتائج، حول ظهوره وعلاماته على الأرض، مختلفة تماماً عن الشعراء الآخرين؛ نابعٌ من نفس الروح التي تجعل القديسين يتوصّلون إلى استنتاجاتٍ حول ظهور المسيح. إما أن تكونَ مثل هذه الأمور إشارات وعلامات في تاريخ الإنسان، أو أن فنَّ التأويل لا غناء فيه. ليس لديّ أدنى شكّ في أننا سنعيشُ يوماً مثلما عاش المسيح. وإننا، جميعاً، سنُنكِرُ فردانيتنا.. ليس لديَّ أدنى شك في هذا أيضاً. لقد بَلَغنا حدَّ الأنانيّة الأقصى، الحالة الذريّة للكينونة. هناك سنتحطَّم.
نحن الآن نتهيَّأ لموت الذات الصغرى، من أجل أن تطلع الذات الحقيقيّة.
لقد جَعَلنا، بغباء، ودون وعي، العالم واحداً، لكنه واحدٌ في الإلغاء. علينا أن نمرّ خلال الموت الجماعي، كي نُخرِجَ أفراداً أصليين. إذا كان حقَّاً أن (الشعر يجب أن يكتبه الجميع) ـ كما قال لوتريامون ـ فإن علينا أن نجدَ لغةً جديدةً يتحدّث فيها القلب إلى الآخر دون توسّط. يجب أن يكونَ نداء أحدنا للآخر، مباشراً وفوريّاً، مثل مناداة رجل الله، الله. الشاعر، اليوم مُرغمٌ على التخلّي عن دعوته، لأنه أثبتَ يأسه، فهو قد اعترفَ، فعلاً، بعَجزِهِ عن الاتصال. يوماً ما، كانت الدعوة العُليا، أن تكونَ شاعراً، أما اليوم فهي أكثر الدعوات عُقماً. ليس هذا لأن العالم ممتنع على توسّل الشاعر، ولكن لأن الشاعر نفسه لم يعد يعتقد برسالته الإلهية. لقد ظلّ يغني، منذ قرنٍ أو يزيد، نشازاً، ولم نعد نستطيع، أخيراً، أن (ندوزنه). نحن لا نزال نجد معنىً في صرخةِ القنبلة، لكن هذيانات الشاعر تبدو لنا رطانة! وإنها لرطانةٌ حقّاً؛ إن كانت آلافٌ قليلةٌ فقط، من مجموع ملياري إنسان، تتظاهر بأنها تفهم ما يقوله الشاعر الفرد. عبادة الشعر تصل نهايتها حين لا توجد إلا لحفنة ثمينة من الرجال والنساء. آنذاك، لن يعود الشعر فنّاً، بل لغة شفرةٍ لجمعيّةٍ سريّةٍ مهمّتها الدعوة إلى الفرديّة الفارغة. الفن أمر يثير عواطف الإنسان، ويمنحه الرؤيا، والتألّق، والشجاعة، والإيمان. هل أثارَ فنّانُ كلماتٍ، في السنوات الأخيرة، العالم، كما فَعَلَ هتلر؟.
هل صدمت قصيدةٌ، العالَمَ، مثلما فَعَلت القنبلة الذريّة، مؤخراً؟.
إننا لم نَرَ، منذ ظهور المسيح، أمثال هذه الظواهر التي تزداد امتداداً، وتتضاعف باستمرار. أية أسلحةٍ يمتلكها الشاعر، مقارنةً بهذه؟ أو أي أحلام؟.
أينَ هو الآن خياله المُتبجّح؟ الحقيقة ماثلة أمام عيوننا، عارية تماماً، لكن أين الأغنية التي تُعلنها؟ هل نرى الآن شاعراً حتّى من الدرجة الخامسة؟ إنني لا أرى أحداً. أنا لا أسمي أولئِك الذين يَنظمون الكَلم، مقفّى أو غير مقفّى، شعراء!. الشاعر عندي هو الرجل القادر على تغيير العالمِ تغييراً عميقاً. ليُعلِن هذا الشاعر عن نفسه إن كان موجوداً بيننا. ليَرفَع صَوتَه! لكن عليه أن يكون صوتاً يُغطّي هدير القنبلة. عليه أن يستخدمَ لغةً تذيبُ قلوبَ الناس، وتجعل الدمَ يَغلي في العروق.
لو أردنا لرسالة الشعر أن تستيقظ، لكان علينا أن نستيقظ، منذ زمن طويل. لا يمكن إنكار أن بعضنا استيقظ. لكن على كل البشر أن يستيقظوا ـ فوراً ـ وإلا فَنَيْنَا. لكن الإنسان لن يَفنى تبعاً لذلك. إن ما يَفنَى هو: ثقافة وحضارة، وطريقة حياة. وحينَ يستيقظ هؤلاء الموتى، كما سيحدث، يَغدو الشعر نفسه. وليس شرطاً توفّر الورق والحبر لخلق الشعر، أو بَذرِهِ. فالشعوب البدائيّة، بأسرِها، شعراء فعل، شعراء حياة. ما زالوا يصنعون الشعر، مع أنه لا يهزّنا. لو كنّا منتبهين للشعراء، لما كنّا بعيدين عن طريقة حياتهم: لأدخلنا شِعرهم في شعرنا، ولغزونا حيواتنا بالجمال المتغلغل في حيواتهم!.
لقد كان شعر الإنسان المتحضّر، استثنائيّاً، ضيّقاً، على الدوام، فكَتَبَ بنفسهِ وثيقة موته.
قال رامبو: (يجب أن نَكونَ مُطلقي الحداثة)، يعني بهذا أنه ولَّى زمن السعالي، والخرافات، والأصنام، والمذاهب، و(الدوغمات) وكل الثرثرة والتفاهة العزيزتين اللتين تتكوّن منهما حضارتنا المتبجّحة. علينا أن نأتي بالنور، لا بالإنارة الاصطناعيّة.
كتب في إحدى رسائله: (النقود تَهبط قيمتها في المكان). كان هذا في الثمانينات (القرن التاسع عشر). واليوم، في أوروبا، ليست لها أية قيمةٍ تماماً. ما يريده البشر هو الغذاء والمأوى والكساء ـ الأشياء الأساسيّة ـ لا النقود. لقد انهار البناء الفاسد أمام عيوننا، لكننا نرفض أن نصدّق عيوننا نفسها. نحن لا نزال نأمل في تدبير الأعمال التجاريّة كالمعتاد. نحن لم نُدرك، لا الدمار الحاصل، ولا إمكانيات الانبعاث. نحن نستعمل لغة العصر الحجري القديم. إن لم يستطع البشر الإمساك بفداحة الحاضر، فكيف يستطيعون التفكير بصِيَغِ المستقبل؟ كنّا نفكّر بصيغِ الماضي، لآلاف السنين. والآن، وبضربةٍ واحدة، انطَمَسَ الماضي الغامض. ليس ثمّة سوى المستقبل يحدّق في وجوهنا. إنه يَفغَرُ فاهاً مثل الخليج. ويعترف الجميع، بأنه لأمرٌ مُرعب حتّى أن نبدأ التفكير بما يُخبِّئُه لنا المستقبل، إنه أكثر إرعاباً مما كان عليه في الماضي كلّه. في الماضي، كانت الوحوش ذات صفات بشريّة، كان يمكن للمرء أن يصارعها، إن كان بطلاً بما فيه الكفاية. أما وحش اليوم، فهو خفيٌّ. وفي ذرةِ غبارٍ واحدةٍ، البلايين من الوحوش. أنت ترى أنني ما زلت أستعمل لغة العصر الحجري القديم. أتكلم كما لو أنّ الذرة هي الوحش، وكما لو أنها هي التي تُمارس القوّة، لا نحن!.
تضليلٌ أيضاً ـ أن ندّعي بأن الإنسان بدأ يفكّر، في نقطةٍ ما بعيدة، من الماضي. الإنسان لم يبدأ يفكّر. وهو ـ عقليّاً ـ لا يزال على أربع. إنه يتخبّط في الضباب: عيناه مغلقتان، وقلبه يَخفق خوفاً. والذي يخافه أكثر ـ فليرحمه الله ـ صورته هو نفسه. إن كانت ذرّة واحدة تحتوي على هذا القدر من الطاقة، فماذا عن الإنسان نفسه الذي يحتوي على أكوانٍ من الذرات؟ وما دام الإنسان يَعبد الطاقة، فلِمَ لا ينظر إلى نَفسِهِ؟ إن كان باستطاعته أن يتصوّر، ويُبرز، من أجل رضاه، الطاقة غير المحدودة، السجينة في الذرّة المتناهية في الصغر.. فماذا عن (النياغارات) في داخله؟ وماذا عن طاقة الأرض؟.. والحديث فقط عن كتلةٍ أخرى من المادّة متناهية الصغر؟ إن كنّا نبحث عن شياطين نسرجها، فهنالك عدد لا ينتهي منها، إلى حدٍّ يُصيب الذهن بالشلل. وإلا... فالأمر من الخطورة بحيث يجعل الناس يُهرولون لاهثي الأنفاس، من بابٍ إلى باب، ناشرين الهذيان والجلبة.
ربما يستطيع المرء، الآن فقط، أن يقدّر ذلك الوهج، وهو وهج الشيطان، حين أطلَقَ قوى الشر. لم يعرف الإنسان التاريخي، أبداً، شيئاً عن ما هو شيطاني بحق. لقد سكَنَ عالم الظلّ، مليئاً بالأصداء الواهنة، حسب. إن نقطة الخلاف بين الخير والشر قد حُسِمَت منذ زمنٍ بعيد. لشرّ يعود إلى عالم الأشباح، عالم الادعاء. الموت للسعالي! أجل.. لكن السعالي ذُبِحَت منذ زمنٍ طويل. والإنسان وُهِبَ نظراً ثانياً كي يُبصِر، عبر عالم الأوهام الكابوسي، ووراءه. والجهد الوحيد المطلوب منه، هو أن يفتح عيني روحه كي يحدث في قَلب الواقع، لا أن يتخبّط في مملكة الوهم والضلال.
ــــ
غرافيتي رامبو من موقع: commercialpropertycashflow.com

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تَرَانيم مَحموديَّة - شذرات متفرّقة في ذكرى اغتيال الأستاذ

The Beauty of the Silly - نجلاء عثمان التوم

 The Beauty of the Silly  نجلاء عثمان التوم


إلى عثمان حامد سليمان
هل يمكن تشريح الأصالة؟ هل يمكن الكشف عن شعوبها الداخلية دون مجزرة؟ أنا مدفوعة هنا بالحجب الأصيلة التي يغزلها الغناء السوداني حول نفسه فيبدو لنا أحياناً شيئاً محيراً، لامع الحيرة. عندما نتجرد من العصاب الذي نسميه الفهم، وننطلق في رحلة متحللة من كل غاية، ونستمع إلى الأغاني السودانية بأرجلنا ومصاريننا، نشعر أن الطاقة التي تتهدج في الجو هي، ولا شيء خلافها، الهوية. لكن تظل أصالة هذا الغناء شيئاً غامضاً جداً وعصياً على التعيين. ثمة إستراتيجيات، أعتقد، أيّدت هذه الجذوة التحتية. أولاً تحتجب الأصالة، في معظم الأحيان، في تمويهات هزلية تنتجها قوالب شبه ثابتة محكومة بشهوة الرجز، والطلاقة الشعبية، والنبرة العادية في الكلام. فالغناء في الأساس هو مكان التغزل في اليومي والعادي في أقرب نسخه إلى الواقع. وكلما تشبثت الأغنية بسوقيتها المعروقة، كلما تصير إلى درجة من أصالتها الصحيحة. لكن الفن هو دائماً تدخل معقَّد، فلا نجاة من سطوته، لكن التحايل عليه ممكن. فعندما تبدأ أغنية ابتهالية، فيها تسجيل لمغامرة البلاغ العشقي والوصال الكامل، بعبارة “الحج…

الجرح في القلب على مسؤولية صاحبه - فيصل محمد صالح

الجرح داخل القلب على مسئوليةِ صاحبه! بقلم الأستاذ فيصل محمد صالح
الراحل: معتصم جلابي
مقدمة طينيَّة: لم أستمتع بكتابةٍ سرديِّةٍ وشعريّةٍ في الآونة الأخيرة كما تفجَّرتُ دموعاً ومحبّةً وتذكّراً وأنا أطالع ما كتبه حبيبنا فيصل محمد صالح في حقِّ صديقه الراحل الأديب معتصم جلابي. وقد قال فيصل في نهاية الكتابة: [وبعد، إذا سبقت لك معرفة معتصم جلابي، فما أن يُذكر اسمه أمامك، حتى تضئ ابتسامة عريضة كل قسمات وجهك، دون أن تستطيع مقاومة إغرائها! لكن سرعان ما تفجعك، في اللحظة التالية، خاطرة رحيله، فتنحدر منك دمعة صغيرة تزاحم تلك الابتسامة، تحاول طردها لتحل محلها، ولكن .. هيهات!]، وقد كان، رغم أنني عرفتُ معتصم جلابي طفلاً، في الرياض بالسعوديّة، كصديقٍ مقرّب ومحبب لأمي رشيدة وأب الفاتح؛ إلا أن الذي يعرفه يُدرك، وغالباً سوف يدرك القارئ لهذا النص؛ أنه لا يكترث بالأعمار، فكان تعامله معي نديّاً وحقيقيّاً وجادّاً إلى أبعد حد، وقد كان المفضل بالنسبة لي من بين أصدقاء أسرتنا الصغيرة. وقد أصرَّ فيصل في النص أنه هجر الشعر والأدب لأنه يفتقد إلى الموهبة، وهذا لعمري إدعاءٌ مردود بذريعة هذا النص ذاته، فهو قصيدة، وهو قصة، …