التخطي إلى المحتوى الرئيسي

بُرجم! - ألفيّة تدشين السلطة الفرديَّة


بُرجم!
(ألفيّة تدشين السلطة الفرديَّة)
مأمون التلب
فبراير 2016م




ولا تظننَّ أنكَ جانبتَ الصواب إن أيقنتَ بدخول أرواحٍ جديدةٍ إلى (داخلك) أثناء عبورك أنفاق مَرَضٍ ما، فالأمراض كائنات أخرى، تدخل الجسد، ولها أرواح ـ وهو بديهي بحكم التأثير. و(الجسد) يمكن أن يتمثّل كلّ شيء: نجد أن كلّ مسارٍ من مسارات الحياة البشريّة معرضٌ لتشخيص أمراضٍ تخصّه: للتاريخ أمراض، وللسياسة والأدب والفن، للفلسفة والرياضة… الخ. هذا إن آمنا بهذه التصنيفات. أو كرهنا المرض! من المعلوم، كذلك، أن الأمراض ليست بالأمر السيئ، على الإطلاق، بما فيها عزيزنا الموت. بل اتضح جليّاً أن الحرب ـ هذا المرض الأكبر ـ هي جزءٌ من التكوين السري لتحولات الكون والتاريخ، وما حدث خلال العام الماضي وما انفجر مؤخراً من خبر رؤية الثقوب السوداء والقدرة ـ في المستقبل القريب ـ على رؤية الانفجار الكوني الذي حدثَ قبل مليارات من السنوات الضوئيّة، والذي خَلَقَ الكون، أي أن يُلقوا نظرةً على الماضي؟ بعد كل هذا أودّ الحديث عن مسارٍ آخرٍ سريٍّ بدأ في السريان، وأن تهيئة المستقبل لهي بين يديه.
(2)

إن حلول عالمٍ جديدٍ لا يزال عصيّاً على فهم المؤسسات التي لا تزال تؤمن بوجودها الواقعيّ، وتظل، باستمرار، تتجاهل ما يحدث في الفضاء وتستخفّ به. في كلِّ مرةٍ يحدث هذا من قبل مؤسسةٍ تكشّفت عن فسادٍ أو قمعٍ أو نفاقٍ فكريٍّ أو أيديولوجي (مثلاً)، نجد ما يقابلها من ردِّ فعلٍ متشفٍّ لمن في يدهم السلاح الأقوى تأثيراً، والذين يُخضعون ـ في أغلب الأحيان ـ الذين يؤمنون بسلطات ومؤسسات العالم القديم ـ المتلاشي ـ يخضعونهم إلى سلطتهم، بل ويتمّ تعذيبهم والتشهير بهم على الملأ. هذا الفاصل الذي سنسميه (الفاصل السياسي) كان واضحاً منذ أن انفتح الفضاء التكنولوجي، وذلك لسببٍ بسيط: لقد كانت موجودةً بالفعل على أرض الواقع! من الطبيعي أن أولَ انعكاسٍ للواقع على العالم الآخر سيكون مطابقاً في أشياءٍ كثيرة. الخصومة السياسيّة ستكون فاحشة جدّاً، في الحقيقة فإن (تايم لاين) فيسبوك في خيالي يأتي دائماً مع صور رؤساء الدول وأصحاب سلطات العالم القديم، ذات الحنق والغضب والآلام والمعاناة وصور الحروب والأيدي المقطوعة والرؤوس المبتورة وأجزاء طفلٍ تَبَعثرت في الخلاء! هذا هو الانعكاس الذي أتحدث عنه. وهذا ما سننظر إليه كماضٍ حزينٍ بعد أن بدأت عمليات استعادة السيطرة والتوازن للتحكم بهذا السلاح، واستخدامه بأفضل الطرق، وكالعادة تأتي هذه المحاولات بصورة فرديّة، كما يحدث عادةً في التاريخ.
(3)
إن كان لي أن ألقّب هذه الألفيّة باسمٍ فسيكون: ألفيّة تدشين السلطة الفرديّة. وهو أمرٌ كان إشكالياً بشدّة في الماضي، وسيكونُ إشكالياً في الحاضر والمستقبل بصورةٍ أشدّ ضراوة ولكن نبرة السخرية اللاذعة ستشوبها بجميع مراحلها. أتذكر الأفراد الحاصلين على الأسلحة الحقيقيّة الفتّاكة وقد سُحقوا تحت عجلات النظام البشريّ المتفسّخ، أعني مؤسسات الحداثة التي ملأت عفونتها ـ اليوم ـ الأجواء، وأصبحت محطّ سخرية متواصلةٍ وبإصرار.
هناك مساران واضحان بالنسبة لي في هذا الشأن: هناك من يتعامل مع (الكتابة) في وسائط التواصل الاجتماعي على أنها (Chat) أو (Status)، أو جميع التعريفات الإنجليزيّة المستمدّة من مؤسسي الموقع، على أنها كذلك، دون البحث فيها ومحاولة تعريف مكوّناتها وربطها، في النهاية، بالـ(الكتابة) كفعل وخلق إنساني. أي أنهم لا يكتبون، إنهم يفرّغون ما في دواخلهم، وهذا هدف من الأهداف الأساسيّة: التعبير عن النفس.
أما المسار الثاني، فهو ما سيخلق تغييراً فكريّاً كبيراً في العالم. في ظنّي أن ثورةً في الكتابة تلوح في الأفق، ليس لها أن تغيّر واقع العالم وتوقف الحروب، فـ(المارد الكبير قد انفكّ من سجنه) وانطلق. لكنها حركة كانت كامنةً تتخلّق منذ قرونٍ بعيدة، وفي كلّ منحنىً من منحنيات التاريخ نرى الأفراد يتساقطون ويُطحنون تحت عجلات السيستم؛ العلماء والفلاسفة والشعراء… الخ، من يعملون منفردين، لا سلطة في يدهم سوى أسلحةٍ خالقة، رأيناهم يُشنقون يُنفَون ويتم تقتيلهم بكل طريقةٍ ممكنة، جثث مبعثرة على خيوطِ الزمن. هذا لا يعني أن ذلك غير ممكن الحدوث اليوم، لكن اليوم لديكَ سلطة، بقدر ما كنتَ أصيلاً في ما تكتب، بقدر “ما ستحصل على مستمعين” جيّدين. لا تتوقع الكثير، لا تتوقّع أصلاً. اكتب فقط. واعلم أن الدولة لن تبحث عنك، هي لا تهتمّ بمثوّري الأفكار، بقدر اهتمامها بمثوّري الشعوب عليها. إنها خائفة، فهي تعلم أنها زائلة، ولكنها ـ بعنادٍ مسبوقٍ ـ تصرّ أن لا تكشف عن ما خلف قناع الإرهاب هذا من جَزَعٍ ويأس!
(ياخي في زول في زمن زي دا بيمسك ليهو حكومة؟ غايتو!).
(4)
قبل أيامٍ اكتشفتُ أنّ ما ألمَّ بي من حمَّى فتّاكة لمدّة يومين قطعتني من التواصل مع العالم الخارجي، تماماً، لم يكن (سوى) بُرجم! لليالٍ فكّرتُ أنني مُقبلٌ على ميتة محقّقة؛ فالتحليلات المعمليّة لم تكشف عن ملاريا! وقال الطبيب الشاب في المعمل إنه التهابٌ في البول! عندما أطاحت بي الحمّى مرةً أخرى إلى عوالمها السفليّة ـ الجذّابة حقيقةً ـ بدت لي نتيجة (التهاب البول) مُهينة في حقّ حمّى كتلك، وعقدنا العزم على إعادة الفحص. إضافةً إلى أنني أراقب ما يحدث من موتٍ جماعيٍّ في كلّ مناحي الحياة! أصبَحَت حياة المرء هيِّنةً، تنام فيصحو آخرون ليعثروا عليكَ نائماً في عالمٍ آخر.
قبل العيادة: صادف أن الكاتبة والصديقة العزيزة كلتوم فضل الله، كانت تبحث عني في ذلك اليوم لإيصال نسخةٍ من روايتها (المرعبة جمالاً): (الصَّدَى الآخَر للأماكن) ـ صدرت مؤخراً عن دار توتيل ـ وبما أنو تلفوناتي دائماً متبدّلة ورايحة، استعانت بأسماء عثمان الشيخ (ماما أسما) التي بدورها عرفت بمرضي (الغامض)، فاتفقت مع كلتوم، وعزّتاني بزيارةٍ عصريّة في المنزل. عندما فتحت لهما الباب، وبعد الـ(كُر عليّ)، هتفتا: ووشك ده اتملا حبوب كده ليه؟ قلت: بالله؟ تحسست وجهي فإذا به يعجّ بالبثور الصغيرة. بعد أن جلستا بقليلٍ اكتشفتا البرجم! الذي أدهشني هو الارتياح الذي غمرنا جميعاً، خصوصاً أنا، الحمد لله طلع برجم! عبارة دفعتني إلى التفكير في كتابة هذا المقال برمّته.
في الحقيقة اكتشفت أن البرجم أصبح عبارة عن (نكتة)، برنامج يلهو به ناس البيت، حيث يتحاشاك من لم يُبرجم، ويتوعّدكَ من بَرجَم بالويل والثبور! كأنهم يستمتعون بذلك، بتلذذ، تقول لي صديقة: بعد أن أصابني، لو كان من الممكن أن تُصاب بالبرجم مرتين؟ لانتحرت! وأضافت: أصلاً أنا لمن أكره زول شديد بقول ده زول برجم! قلت لها: شكراً لك على التطمينات!
(البرجم هو أول مرض تنتصر عليه البشرية في تاريخها). معلومة جديدة عليَّ اكتسبتها من تصفحي نهار اليوم. كُتب في ويكيبيديا عن هذا الوباء الجبّار الذي أصبح (نكتةً) اليوم: [فتك الجدَرِيّ وشوه وسبّب العمى لملايين الضحايا عبر تاريخه الطويل. (..) وليس للجدري علاج. كما يموت 20% من ضحاياه، ويصاب الباقي بتشوهات مستديمة، ويصاب البعض بالعمى. وفي سنة 1796، قام الطبيب الإنجليزي إدوارد جينر بتحضير أول لقاح ضد الجدري. وبحلول أربعينيات القرن السابق، اختفى الجدري من أوروبا وأمريكا الشمالية. وفي سنة 1967، بدأت منظمة الصحة العالمية في تنظيم حملة للقضاء عليه. وفي سنة 1977، ظهرت آخر إصابة بالجدري في الصومال؛ وفي سنة 1980، أعلنت المنظمة أنها نجحت في القضاء على المرض].
بعد أن انتصر البشر على البرجم، وُلدت بعدها بعامين، ورأيت البرجم يصيب الأطفال من حولي إلى أن أصاب أخي وقد عَبَرت دون أن أصاب، ولكن من المدهش الآن تذكر الكيفيّة التي كان يتعامل بها الأهل مع المرض، دون خوف، والذي يصل اليوم إلى حدّ القهقهة منه! ذات الأمر يحدث مع مؤسسات عالم اليوم، في جميع أنحاء العالم: الرياضيّة، الثقافية، سياسيّة، دينيّة، أخلاقيّة، اجتماعيّة؛ إنها برجم اليوم الذي فقدَ تأثيره.
في عالمٍ كهذا: من الذي سوف يفكّر أن يمنعَ كتاباً أو يعدم شاعراً ولا يكون منتمياً إلى عالمٍ آخر؟ عالمٍ انتهى؟ يراقب أسلحته وهي تذوب عندما تقارع الفضاء الفكري؟
(5)
إن من يقاوم العالم الجديد فهوَ منتهٍ! إن الحريّة هي أهم مرتكزات ذلك العالم، وهي لم تتوافر من قبل في أية حقبةٍ من الحقب، وفي أي مكانٍ في العالم، إلى أن وصلت أَحَدَّ مراحل انتهاكها في عالم اليوم. لا شكّ عندي في مصداقية العديد من الناس الذين بذلوا أعمارهم ليرمموا مؤسسات الحداثة (التي أُثبت بجديَّةٍ أنها إن وجدت اليوم فهي في خدمة السوق لا محالة) وليؤسسوا لـ(الديموقراطيّة)، ولكن، في حقيقة الأمر، فإن العالم الجديد قد تحقّق، وأصبح هو الذي ينعكس على الواقع، بعد سنواتٍ من سيطرة الواقع على الصورة. إن مقاومته أصبحت (غير واقعيّة) بعد أن كان ذلك العالم، وللمفارقة، يُسمَّى: عالماً افتراضيّاً.
***
توفي الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل قبل أيام، شاهدت في التلفزيون جميع برامج الاحتفاء بسطوة الرجل وتأثيره على مجريات التاريخ وما إليه من تعظيم. ولكنني كنتُ متأكداً من أنني سأجد في العالم الجديد آراءً أخرى لا علاقة لها بـ(البرجم الإعلامي)، فوجدت كتابة شائقة وبرؤيةٍ مختلفةٍ لأحمد ندا، صديقنا الكاتب من مصر، بعنوان: (الصحفي الإله.. ضابط الفداحات السياسيّة)*، نشرت على موقع (المُدن) يوم 27 يناير، جاء فيها: [“مات هيكل” العبارة، تبدو على بساطتها في أوج دراميتها كأنها جمعت بين ضدين: الموت وتمثّل بشري لمفهوم الحياة. موت هيكل في منتصف تسعينياته كان مباغتاً، على توقعه، مفاجئاً حتى لمتمنيه، ربما “جميعنا في جزء ما من أنفسنا نعيش وراء الزمن، ربما أننا لا نَعي عمرَنا إلا في لحظات استثنائية، وأننا معظم الوقت أشخاص بلا أعمار”، كما يقول كونديرا. لكن هيكل عاش عمره تامّا، سنوات استثنائية كان فيها في مقدمة كل شيء، جزءا أصيلا من بنية السلطة.
راهن على جمال عبد الناصر في لحظة صراعه مع محمد نجيب وربح رهان الاستمرار لسبعة عقود تالية. من صحافي وسط نجوم لامعة كالأخوين أمين والتابعي والحمامصي وعبد القدوس وبهاء الدين، إلى “الصحافي” بألف ولام التعريف، تحولت معه وبه المهنة إلى وجاهة سلطوية. عندما اقترب من ناصر وصار لصيقاً به، لم يصعد وحده، بل صعّد الفكرة العامة عن الصحافة، لا كسلطة رابعة كما يقال، لكن بوصفها من متعلقات الزعيم من دون تفاهة الدعاية الرخيصة، بل دعاية أعمق تأثيراً: صناعة فكرة الجماهير وصناعة فكرة الزعيم، الفكرتان تصبان عنده، ليعيد تشكيل العلاقة إلى أعلى وأسفل. أسطورة عبد الناصر كانت مكسبا شخصيا لهيكل “الشاب الثلاثيني” وقتها. أسطورة عبد الناصر تعني أسطرته هو الشخصية، وأنه لم يكن أبداً جزءاً من حكاية خرافية، بل هو صانعها الأساسي، خالقها لتكون جزءاً منه، لا العكس]. (البقية على الرابط في نهاية المقال).
ومع هذه الموجة الكتابية، في السودان كما في غيره من البلدان في أنحاء العالم، نشأت مجموعة شاسعة من المواقع الإلكترونية الرصينة، ذات التحرير المحكم واللغة والخيال، يكتب فيها الكتاب والكاتبات من مختلف الأعمار والأجناس والثقافات، صحيحٌ أن هذه المواقع ليست “شعبيّة” (هي لن تنقل أخبار كرة القدم مثلاً)، ولكنها تثير شغف أعدادٍ هائلة من القراء مقارنةً بما حصل عليه أفراد العالم القديم؛ ذلك لم يكن متوافراً للأفراد من قبل. وهو أمرٌ يبعث على كثيرٍ من الأمل. هناك وفرة في القراء غير مسبوقة، ووفرة في صدفة الوقوع على كتابتك من مجهول، إنها أرض أحلام الكاتب والكاتبة أخيراً، بعد أن تراجعت خلال العقود الماضية لصالح السوق، وانسحبت نحو جحيم مقزّزٍ ومقرف. عليها، الكتابة، أن تتقدّم من جديد.
 ***
شاهدت تقريراً على (بي بي سي) عن افتتاح علاجٍ نفسيٍّ (أونلاين)، بحيث يستطيع الأشخاص الاتصال بالأطباء وحجز المواعيد والتحدث أونلاين دون التعرّض ـ كما ذكر التقرير ـ إلى وصمة (المرض النفسي) المتفشيّة في منطقة الشرق الأوسط. ما أثارني هو انفعال أحد الأطباء النفسيين الكبار (يعمل في وزارة صحة) وهو يحاول أن يبرر لا جدوى العلاج (أونلاين). ضحكت ضحكةً مستهزئةً وقلت: امشي يا بُرْجُم!
***
وهكذا، سنجد أن الظاهرة التالية ستستمر في التكرار:
يغضب “ربّ العمل”، لنقل “رئيس” المؤسسة، من أحد موظّفيه الذين عادةً ما يكونونَ أذكى منه بمراحل رهيبة (في عصر انهيار المؤسسات تُسيطر العقول المنهارة على إداراتها) فيقوم بطرده شرَّ طردة مثلاً، وفي اليوم التالي يقوم الموظّف بكتابة ذلك على الوسائط، ثم غالباً ما نرى المدير في مؤتمرٍ صحفيٍّ، بعد أيامٍ، متعرّقاً يقدّم التبريرات وراء التبريرات. مسلسل مكرر إلى الدرجة التي أصبحنا نقرأ فيها، في عمق البيانات المؤسسيَّة الصارمة، ذات اللغة الهالكة، كلمات مثل: (كتب/كتبت على صفحتها “الخاصة” بفيسبوك)!
قبل أيام، أصدر الشاعران أمامة الزاير ومحمد العربي من تونس بياناً مُرعباً زلزل كيان وزارة الثقافة التونسية، بعد أن انسحب المذكوران من لجان تنظيم معرض تونس الدولي للكتاب، مسببين ذلك في البيان، الذي دفع بمدير المعرض إلى المؤتمر الصحفي. القصة في عمومها تستحق المتابعة. نقرأ من البيان الذي جاء بعنوان (بيان أحفاد أبو القاسم الشابي إلى الرأي العام الثقافي العربي والتونسي):
[نحن لم نسعَ إلى أن نكون في أية لجنة لتنظيم أي نشاط في معرض تونس الدولي للكتاب في كل دوراته.. ولقد تمّ الاتصال بنا بعد انسحاب الشاعر والإعلامي عبد الفتاح بن حمودة المسؤول عن برمجة الأمسيات الشعرية في معرض الكتاب في دورة 2016 المقررة من 25 مارس إلى 03 أفريل القادمين. اتصل بنا السيد عادل الخضر مدير المعرض وأصرّ على أن يكلفنا بهذه المسؤولية قبل أكثر من ثلاثة أشهر. فقدّمنا برنامجاً متكاملاً بعد أن اتصلنا بالشعراء التونسيين ملتزمين بشروط مدير المعرض التي تتلخص أساساً في دعوة الشعراء الذين أصدروا مجاميع شعرية. وقد اقترحنا عليه ضرورة استضافة مجموعة من الشعراء العرب الذين ندرك جيداً أهمية تجربتهم ومدى إضافتها للشعر العربي المعاصر.
رفض في البداية ثم تدارك بعد إلحاحنا ليوافق على دعوة تسعة أسماء اقترحناها عليه (…) فاتصلنا بالضيوف رسمياً بالبريد الإلكتروني وأبلغناهم بالدعوة التي قبلوها بكل حب. وفيهم من بدأ بإرسال نسخ من جوازات السفر ملتزمين بالحضور.
فاجأنا السيد المدير هذه الأيام بعد أن التزمنا أخلاقياً بالاتصال بضيوفنا العرب، بقوله إن المعرض لا يتحمل تكاليف السفر والإقامة لهؤلاء الضيوف.. ولن ندعو شاعراً عربياً واحداً.. وبعد جملة من المفاوضات لمحاولة تغيير رأيه خاصة أن هذه الخطوة تمثل فضيحة للبلاد، اقترح استضافة خمسة أسماء فقط.
نحن لم نغضب من أجل مجهودنا الذي طال أشهراً من أجل تنظيم دورة “ثورية” كما يدَّعي مدير المعرض، ولكننا نغضب حين تُصرَف المليارات من أجل إيليسا ونانسي عجرم وكافون… ولا تُوَجَّه بعض الملاليم إلى استضافة تجارب مهمة وستثري حتماً دورة هذا العام لمعرض الكتاب.. نحن نغضب للنص وصاحبه اللذين أصبحا زهيدي الثمن في سوق العرض والشراء… النص وصاحبه ليسا معروضين للبيع..
إذن..
نعلن اليوم 17 فيفري 2016 أننا لن نتورط في هذه المهزلة ونعتذر لكل من اتصلنا به من شعراء تونسيين وعرب. نعلن استقالتنا من هذه المهمة والمسؤولية الموكلة إلينا كي لا ننخرط في مشروع يستهدف الكاتب العربي أينما كان، ويستصغره ويهمشه. نعلن أنّ برنامجنا الذي تعبنا في إعداده بجدية وحرص، والذي أرسلناه إلى السيد مدير المعرض عبر البريد الإلكتروني، ليس من حق أحد التصرف فيه وليس من حق إدارة المعرض أن تستغله بأي شكل من الأشكال.
نعلن أننا لن نحني رؤوسنا من أجل ملاليم وزارة الثقافة التي عليها أن تراجع خياراتها في ما يخص الثقافة عامة والكاتب خاصة. ونحمّل السيدة وزيرة الثقافة ومدير هذه الدورة مسؤولية إفشال هذه الدورة. وهذه الخطوة التي تتعمّد دائما تقزيم المبدع. وإننا ندين هذا السقوط القيمي والأخلاقي]*.
ثمَّ، كالعادة، قامت الدنيا ولم تقعد، وأصبح “الرئيس” ذليلاً في المؤتمر الصحفي وهو يقول، وفي اليوم التالي مباشرةً لكتابة المقال ونشره، عبر بيان: [ندعوها إلى التّروّي والحوار والمشاركة في إيجاد الحلول، فنحن أيضاً نحرص كلّ الحرص على استدعاء ضيوف من الشّعراء العرب وغير العرب إن لزم الأمر]. زي ما بيقولوا: فول استوب!
(7)
ما الذي يحدث بالضبط؟ الذي يحدث أن البنية الهرميّة للسلطة لم تعد تَعمل! لأن بنية سلطةٍ أفقيّةٍ وشبكيّةٍ لا نهائيّة قد بدأت تحيط بكل شيء. السلطة الهرميّة [تُقرأ الأبويّة] انهارت منذ زمنٍ بعيد؛ في الأسرة والتنظيم والتعليم والعمل. لكل واحدٍ وواحدةٍ عينٌ في يدها ويده تستطيع بصورةٍ واحدةٍ أن تدمّرك، تصوير مستندات الفساد لم يعد يتطلب التسلل ليلاً لتبحث عن آلة تصوير كما في الأفلام الكلاسيكيّة، أو أن تحمل كاميرا غير مصرَّح بها!
لقد أصبح مصرّحٌ بالتصوير، وفي كل مكان، رغم (أنف) مؤسسات العالم القديم وقوانينه! ألم يدهشكم هذا الأمر؟ وطبيعة الأمر أن جميع الأطراف رابحة من تجارة هذه الكاميرات الذكيّة! هذا هو الأنف الطويل الذي أُرغِم: الربح. الشبكة تبني نفسها بتسليع نفسها، وهي تتطوّر بعقول الملايين في كل ثانية. أليس مدهشاً كيف استطاعت المرأة في مجتمعات مغلقة أن تنتزع حقّها “الطبيعي” في جهاز ذكي؟ وأن يصبح خاصّاً كدولاب ملابسها؟ يا له من انتصار! مرحى!
لكن مهلاً: هذا لا يعني أن لا عواقبَ هنا، لنكن حذرين، هناك دائماً ضحايا بين الفقراء، دائماً، ففي صفحات الجريمة تُراق دماء ثورة نسائيّة تطالب بالحرية، ثورة تدور في الخفاء، وضحاياها يُبثّون على الهواء مباشرةً: في الصحف والمواقع؛ نساء ضحايا عنف بسبب الشك المرضي في الخصوصيّة التكنولوجيّة من قبل الذكور؛ يومياً يحدث العنف والقتل كذلك. إن الجاني يسلّم نفسه للعدالة بكل بساطة، لأنه لم يفعل سوى الصواب، والمجتمع سينظر إليه كـ”رجل”، وأن ما فعله مبرر. إن النساء كنّ ولا زلن يخضن الثورات الخفيّة، في الغابات الداخليّة للنفس، داخل كهوف قاسية في تضاريس الآخرين.
أرباب عمل العالم الماضي لا يدرون أن سلطتهم [تلك] قد انتهت، وأن سطح الأرض أصبح شفّافاً، وما من فسادٍ أو جثَّةٍ من الممكن أن تُدفن دون أن تُري آثارَ قَتلها للعالم، بإرادتها.
(8)
وهكذا، على جميع الأصعدة، وفي كل مكانٍ نرى ذلك يحدث! أن الناس بدأوا فعلياً يستمعون، لأول مرةٍ، لأفرادٍ لم يكن من الممكن أن يستمعوا لهم عبر مؤسسات العالم القديمة، وإن حدث ذلك فهو نادر، أو أن يكون في حقولٍ لا يستطيع النظام إيقافها: كالغناء والموسيقى على سبيل المثال. وأن تنظر في حال الناس يخطرك [أنهم يتطلعون إلى المثل التي لم تَعد مُثلاً، ولكنهم سيطاردون حتّى الموت من يطرح مُثُلاً جديدة! ـ هيسّه] فما الذي من الممكن أن تفرزه السنوات القادمات من التعاطي اليومي مع القراءة والكتابة كما لم يحدث من قبل في العالم؟ وما الذي سيسرّبه الأفراد باستمرار، وما سيكون تأثيره في المستقبل؟ أعتقد أنه سيكون مذهلاً. وإلى ذلك الحين، تذكروا أنها (كتابة). (أتقنوها).
هذه المؤسسات قد انهارت فعلياً عندما انتقلت إلى (الحالة البُرجُميَّة)؛ عدوّ عديم القدرة على التحطيم، فقط يَجلدك بحمّاه وكوابيسه ومخاوفه بينما يتم نقده وتحليله والسخرية منه، أعتقد أن مرحلةً جديدةً تتفتّح، ويا لحظنا وقد شهدنا سنوات طويلة من التفتّحات. في النهاية: طينُ البحر يقضي على البرجم!
الممتع أن نتيجة تقاطع كل هذه الأفكار والكتابات لا يمكن أن نتصورها على الإطلاق، لأننا لن نستطيع أن نتنبّأ أبداً بما يمكن أن يُقدم عليه كلّ فردٍ على حدة.

خاتمة:

أتى البرجم يطلب حقّه من طفولتي، ورغم صعوبة الحمّى على الجسد، إلا أنها تظلّ حمّى فَريدة، مليئة بالحكمة والمعرفة، حمّى عدوٍّ/صديقٍ قديمٍ قُهِرَ ولم يعد في استطاعته الاستمرار، ولكنه يظلّ يزورك مرةً على الأقل في حياتك، وقد كانت زيارته عليَّ برداً وسلاماً، خَلطتني مع طين البحر، وغمرتني بالملح والماء. ذكرى من حميّات الطفولة التي أَدِينُ لها بأثرى ما عثرت عليه من صورٍ شعريّة من أحلامها وكوابيسها؛ زَرَعَت بذور الشعر، علّمتني الاستمتاع بكلّ شيءٍ في الحياة، إلى آخر قطرة، ودون خوف. ولكن، هل تحررت من الخوف؟ أنتَ تمزح.. فهذا مشوار طويل يا صاحبي!

ـــــــــــــــ
نُشر هذا النص لأول كرة في مجلة البعيد الإلكترونية.
 * مقال أحمد ندا على (المدائن):
* روابط لقضية معرض تونس الدولي للكتاب:
استقالة الشعراء:
رفض الاستقالات في مؤتمر صحفي لمدير معرض الكتاب:




تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تَرَانيم مَحموديَّة - شذرات متفرّقة في ذكرى اغتيال الأستاذ

The Beauty of the Silly - نجلاء عثمان التوم

 The Beauty of the Silly  نجلاء عثمان التوم


إلى عثمان حامد سليمان
هل يمكن تشريح الأصالة؟ هل يمكن الكشف عن شعوبها الداخلية دون مجزرة؟ أنا مدفوعة هنا بالحجب الأصيلة التي يغزلها الغناء السوداني حول نفسه فيبدو لنا أحياناً شيئاً محيراً، لامع الحيرة. عندما نتجرد من العصاب الذي نسميه الفهم، وننطلق في رحلة متحللة من كل غاية، ونستمع إلى الأغاني السودانية بأرجلنا ومصاريننا، نشعر أن الطاقة التي تتهدج في الجو هي، ولا شيء خلافها، الهوية. لكن تظل أصالة هذا الغناء شيئاً غامضاً جداً وعصياً على التعيين. ثمة إستراتيجيات، أعتقد، أيّدت هذه الجذوة التحتية. أولاً تحتجب الأصالة، في معظم الأحيان، في تمويهات هزلية تنتجها قوالب شبه ثابتة محكومة بشهوة الرجز، والطلاقة الشعبية، والنبرة العادية في الكلام. فالغناء في الأساس هو مكان التغزل في اليومي والعادي في أقرب نسخه إلى الواقع. وكلما تشبثت الأغنية بسوقيتها المعروقة، كلما تصير إلى درجة من أصالتها الصحيحة. لكن الفن هو دائماً تدخل معقَّد، فلا نجاة من سطوته، لكن التحايل عليه ممكن. فعندما تبدأ أغنية ابتهالية، فيها تسجيل لمغامرة البلاغ العشقي والوصال الكامل، بعبارة “الحج…

الجرح في القلب على مسؤولية صاحبه - فيصل محمد صالح

الجرح داخل القلب على مسئوليةِ صاحبه! بقلم الأستاذ فيصل محمد صالح
الراحل: معتصم جلابي
مقدمة طينيَّة: لم أستمتع بكتابةٍ سرديِّةٍ وشعريّةٍ في الآونة الأخيرة كما تفجَّرتُ دموعاً ومحبّةً وتذكّراً وأنا أطالع ما كتبه حبيبنا فيصل محمد صالح في حقِّ صديقه الراحل الأديب معتصم جلابي. وقد قال فيصل في نهاية الكتابة: [وبعد، إذا سبقت لك معرفة معتصم جلابي، فما أن يُذكر اسمه أمامك، حتى تضئ ابتسامة عريضة كل قسمات وجهك، دون أن تستطيع مقاومة إغرائها! لكن سرعان ما تفجعك، في اللحظة التالية، خاطرة رحيله، فتنحدر منك دمعة صغيرة تزاحم تلك الابتسامة، تحاول طردها لتحل محلها، ولكن .. هيهات!]، وقد كان، رغم أنني عرفتُ معتصم جلابي طفلاً، في الرياض بالسعوديّة، كصديقٍ مقرّب ومحبب لأمي رشيدة وأب الفاتح؛ إلا أن الذي يعرفه يُدرك، وغالباً سوف يدرك القارئ لهذا النص؛ أنه لا يكترث بالأعمار، فكان تعامله معي نديّاً وحقيقيّاً وجادّاً إلى أبعد حد، وقد كان المفضل بالنسبة لي من بين أصدقاء أسرتنا الصغيرة. وقد أصرَّ فيصل في النص أنه هجر الشعر والأدب لأنه يفتقد إلى الموهبة، وهذا لعمري إدعاءٌ مردود بذريعة هذا النص ذاته، فهو قصيدة، وهو قصة، …