التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مَولانَا، مُصطَفَى محمد الحسن الطّابُوزِيّ

  
مَولانَا،
مُصطَفَى محمد الحسن الطّابُوزِيّ
1959م – 18 مارس 2010م

)
(وكلما تغلّبت وجوهٌ على أخرى،
تقلَّبت هموم عيونها وكَشَفت ما لم يُرَى.
بدروبٍ لا تُفضي إلى مكانٍ وجَّهَتِ الجدرانُ أيامَ جمودها إليك؛
خَسَفَت أقمارها،
وتوجَّعت من أشعِّة شموسها،
وسمَّت الفضاء قلباً يَعُدُّ خطوات حياتك بفارغ القَتل.
إنك منهم؛
الذين لا يقفون على وجه قبرٍ إلا ليحوّلوا ترابه سماءً طافية على ملامح وجه الميِّت؛
سماءٌ لم تعترف بها دياناتٌ ولم يقاتل لأجلها أحد
إنها السماء التي نَطَقَتْهَا شفتاك بلا طيور).

(2)
إن الحزن يمنح الوجه البشريّ احتمالاً ملمحيّاً مختلفاً؛ أعني التحولات التي تطرأ عليه، وعَمَلُ أعضاء الوجه بصورةٍ مختلفةٍ عن ما تعمل به عادّة؛ التجاعيد التي تنفجرُ في الجبهةِ حتّى ترى دوّامةً هائجةً على الجلد البحريّ للجبهة، وترتجفُ الحواجب كأفاعٍ، وتنحني العينُ بصورةٍ غير عادلةٍ، والشفاه تلين حتّى تظنّ بأنها سائلة عن الوجهِ لا محالة. الحزن الذي لا تُرى ملامح وجهه إلا في الإنسان، بينما يكون غامضاً، لا مرئيّاً، لدرجة أننا لا نراه كلّيّةً في بقيّة العالم الذي يعيش فيه الإنسان، بحيواناته ونباتاته وجماداته، لا نراه إلا في حالة تحوّلنا إلى شعراء؛ أن تصبح البشريّة كلها شعراء لتحسّ بالحزن الذي يكتنف عالمنا اليوم!، فإن حدث ذلك في يومٍ ما، فإن البشريّة ستُوقف الحياة تماماً، وستفغر فاها وتوسّع أحداقها وتُبهت، وتَرِقُّ، وتنظرُ، بكامل وجه حزنها، إلى خراب العالم، وستلتفت، مذهولةً، لتنظر، بطريقةٍ جديدةٍ ونظيفةٍ وبريئةٍ وذكيّة، إلى تاريخها، وحاضرها المسكوب على التصريحات والمقالات في الصحف؛ وستنصدم، من تعرّفها التّام، على تفاهة المُتصارع عليه؛ ذلك الذي يموت لأجله البشر، وتُشعل لأجله الحروب، وتنفطر من باطن الأرض، لأجله، المجاعات والأمراض والأحلام المُهدرة وهذا الكمّ الهائل من الدموع! هذا الكمّ الهائل بصورةٍ حزينةٍ جدّاً.
إنني أبدأ حديثي إليك، يا مولاي، بالحزن على العالم!؛ لأنك، برحيلك، ثقبت وجوده إذ انتزعت حياتك منه!، فأصبح، كلّه، مُفتقداً بالنسبة لي يا عزيزي كما يُفتقد البيت القديم إن هُدمت إحدى غرفه فجأةًَ. ووجه الحزن الذي تحدّثت عنه كان وجه جميع من عرفوك يوم رحلت، حتّى ولو لساعاتٍ معدودات، إلا أن هذا الوجه كان، أيضاً، مختلفاً عن تاريخ وجه الحزن، كان جديداً؛ إنسانياً ومنكسراً ومهزوماً جدّاً.

(3)

لم يكن مصطفى الطّابوزيّ، والملقب بـ(مولانا)، سياسيّاً مشهوراً، أو رئيساً لدولةٍ، لا وزيراً ولا رجلَ أعمالٍ مهمٍّ يمتلك ناديَاً رياضيّاً وعدداً من المصانع والشركات. لم يكن شاعراً معروفاً يبتسم في وجهه كلّ محبّي أشعاره وتقشعرّ أبدانهم عندما يستمعون إليه يقرأ. لم يكن مولانا صحافيّاً لامعاً، ولا ثوريّاً عُرفت تضحياته ودوّنت، ولا هو مدافعٌ عن حقوق الإنسان وليس، كذلك، سينمائياً ولا رسّاماً تشكيليّاً. لم يكن مولانا مهندساً، ولا طبيباً، فهو لم يدرس بجامعةٍ أصلاً، ولا يعمل، كذلك، عملاً سهلاً؛ هو ذلك النوع من الأعمال التي لا تُرى ولا تُحسّ، أعمالٌ لا تخطر على بالك ولا تدخل وسط مسامرةٍ بين أصدقاء، عمل مرهق، جدّاً، إلا أنه، للأسف، لن يجعلك غنيّاً في يومٍ من الأيام، كالكتابة تماماً، إلا أنه لم يكن كاتباً كذلك، لقد كان مكتوباً، بالأحرى، بيدِ أديبٍ رأى ما رأى في هذه الحياة، وتشرّب قلبه بعمقها، وأدرك أنها ليست بتلك السطحيّة التي يعيش بداخلها أغلب البشر؛ أنها مزيجٌ حيويٌّ من الأسرار والجمال والألم، كرةٌ بلّوريّةٌ تسبح بداخلها الأحلام، بمختلف معانيها، غارقةً في الدمِ والجهل والتعصّب ورفض الآخر واحتقار البشر بسبب أعراقهم ولغاتهم ودياناتهم وأفكارهم.
لقد كتبك هذا الكاتب يا مولانا ولا، لن تُنسى بهذه السهولة، ولن يُرمى بكتابك إلى أيِّ نسيانٍ مهما بَلَغَ من عظمة. وإنني أقول لك، مبدئيّاً، وقبل أن نخوض في تفاصيل هذه الرسالة، أنني مشقوقٌ من الألم والحزن، ولا أدري إليِّ جزءٍ مشطورٍ أنتمي، ولقد عرفت، تماماً، كيف أن الدموع من الممكن أن لا تتوقّف، إلى الأبد، عن السيلان، لأنه، وببساطة، يكون الجسدُ قد تحوّل، بسبب كثافة الذكريات التي تركتها داخله، كليّةً، إلى آلةٍ تحوّل كلّ عضوٍ داخليٍّ إلى دموع، كما أنها تشفط الهواء والمناظر والأماكن التي سَكَنْتَهَا وحَييت فيها، لتدخلهم، جميعاً، في عمليّة تحويلٍ قاسيةٍ كهذه.
لم تكن، إذن، شخصيّةً يُرى تأثيرها في حركة التاريخ، وقد تمّ اعتبارك، مبدئيّاً، وبطريقةٍ حمقاء ومتعجّلة، مع تلك الكتل الغامضة المسمّاة (الشعب السوداني البسيط) و(المواطن العاديّ) و(الزول الطيبان والجميل) وغيرها من الفبركات التي تُلقى جزافاً في حقّ الأفراد لأجل دمجهم في كتلٍ صمّاء جامدة، وغير حيّة، ليستطيع من يعتقدون أنهم المغيّرون الوحيدون للتاريخ، والممسكون على زمام أنفاسه، ومقررو مصير الشعوب؛ تكتيلهم، ليسهل على هؤلاء أن يتعاملوا، دون تأنيب ضميرٍ، مع الأفراد ومجتمعهم.
لا، لستَ بسهلٍ على التكتيل، بل إنه لمن المستحيل، تماماً، أن توضع مع أيةِ مجموعةٍ من الناس لتُعرّف، ولا ينبغي لك، بتاتاً، أن تقتني اسماً تعريفيّاً ليُفرز حبلاً لشنق شخصيّتك المغايرة، وأسلوبك القاسي في تعليم البشريّة. إن حياتك في سنواتك الأخيرة، وحدها، تكفي لإبانةِ هَولٍ إنسانيّ عميقٍ كنتَ قد تزيّنت وتحلّيت به، جمالٍ إنسانيٍّ سطع في ابتسامتك، منذ أن ابتسمت للمرّة الأولى، ولم تختف لمعة هذا السطوع، وحرارة وجوده، عن حياتك، أبداً، ولا حتّى في أحلك المواقف وأقسى اللحظات. وإنك لتحافظ على هذه السطعة في أقسى اللحظات، لا لشيءٍ سوى أن تقدّم درساً إنسانيّاً يليق ببشريّة كهذه، تسكن كوكباً كهذا، بشريّةٌ هي من الجمال بحيث أنجبت لنا الموسيقي باخ، والموسيقي حمزة علاء الدين، والتشكيلي عبد الله محمد الطيب أب سفّة، وكاتباً كمحمد الصادق الحاج وأورهان باموك وغونتر غراس وشاعراً، يا إلهي، كريلكه، بشرية أنجبت محمود محمد طه وغاندي ومانديلا وكينج، أليست بشرية تليق بوجودك؟، نعم، أعلم أن هنالك جانباً آخر، وأُدرك أنه مخجلٌ ومعيبٌ وقاتل؛ جانبٌ يحرقُ الحشا، إلا أنه ساعد، بطريقةٍ أو بأخرى، على خلق كل هذا الجمال، وساعد في نموّك وتكوينك بهذه الطريقة المذهلة.

(4)

(لدمعتكِ
لكلّ سائلٍ هائلٍ خانك وظَهَرَ
نخبُ انحناءٍ كاملٍ لقوّةِ العالم؛
لهيكله السائر في الصحراء مُشبّعاً بالماء،
ووجود العطش مَمحُوَّاً بكلّ من أساءَ إليك،
وجود السراب مُتوّجاً بكلّ من لمح جوهرك).

(5)

لا أدري أكان حظّاً حزيناً أم جميلاً ذلك الذي أَوجَدَني في القاهرة عندما حَلَلْتَ عليها، برداً وسلاماً، لأجل العلاج. لقد كانت أيّامنا، في تلك الفترة، قاتمة ومجهولة المستقبل، إذ بدأت الأموال التي معنا، أنا وزوجتي، تنفد، وكنّا في انتظار أن تُرسل لنا السلطات السودانية إذناً لسفارة السودان، بالقاهرة، ليُختم جواز زوجتي أميليا تشارلس بختم تأشيرة الدخول السودانية، إذ كان علينا أن ننتظر لأكثر من شهرين مُعذِّبَيْن، تحت تهديد الفَلَس وانعدام البيت، لأجل أن تسمح حكومة بلادي لأن أدخل (زوجتي) إليها. ما علينا، لقد قذف لنا القدر، في تلك الأيام، بشاب لطيف ومهذّب اسمه مهند عبد الله اتّصل بنا بعد أن تلقيت رسالةً من صديقتي الخطيرة علياء السرّ تُفيدني فيها بأنها أرسلت لنا (النبي الخضر)! وفعلاً كان.
قابلتك، تتذكّر؟!. لقد بدأت بالقفز عندما رأيتني، وبدأت بالصراخ (مَمِّي مِمِّي، ها ها ها، ودّ أختي يا حبيبي) إلى آخر العبارات المحبّبة التي تُطلقها، بصوتٍ عالٍ وصراخٍ، عندما ترى عزيزاً عليك (ويا لحظّي بحبّك ومعزّتك) وكعادتك تُدخل يديك بين ذراعيّ، وتبدأ في عصر الجسد عصراً شديداً كأنك تريد أن تُدخل كلّ عزيزٍ عليك إلى داخلك، وتحتفظ به معك إلى الأبد.
يا إلهي يا مصطفى، إنك تصعّب الكتابة عليّ!، فإنني، كلما غصت في هذه الذكريات، وجدتها أكثر عمقاً وأصالةً، أراها بصورةٍ جديدةٍ تماماً، فكأنك الباب الذي كان مُغلقاً، وانفتح برحيلك، ليُعرَضَ عليّ من بعد عالمٌ من التفاصيل الفاتنة جدّاً، فكأن هواء الماضي تغيّر يا مصطفى، وكأن ألوانه تحقّقت بنفضها الغبار؛ يصبح للبحرِ معنىً آخر، وللمستشفى رائحة أخرى، لأنك، في هذه اللحظةِ، تحيطُ بوجود كلّ شيء، وإنه لمُدمعٌ وجودك في كلّ شيء، وإنه لجميل.
عندما قضينا بعض الوقت نتجوّل، أنا وأنت وحسن الطابوزي وإميليا وهرمس باشا، الشاعر المصريّ العاشق للغة السودانيّة وتخريجاتها، بدأ يتضح، بصورةٍ أكثر وضوحاً، تأثير المرض عليك، وقد صُدمت عندما قلت بأنك على وشك فقدان القدرة على الأكل والشراب. بدأ والوقت حياته، وأخذتنا الونسة والتعليقات، وأنت مستمرٌّ في بثّ ابتسامتك وتسليطها علينا بلا هوادةٍ مُمَلّكاً إيّانا، بفعلتك هذه، كماً هائلاً من الطرب الوجوديّ، وكماً مُرتجفاً من الشعور بالحياة وجمالها، فيا لهول بثٍّ كهذا إن كان السرطانُ يتسرّب إلى جسدِ صاحبه، مُحاولاً، بوقاحةٍ، أن يتفادى محاولات الشفاء ومراوغات الأدوية والعقاقير. إن السرطان مرضٌ وَقِح، وعليه أن يخجل من وجوده وأن يهجر العالم نهائياً. ما به هذا السرطان؟ أهو مجنونٌ أعمى القلب والبصيرة؟ هل من الممكن أن يصابَ شيءٌ، في هذا العالم، بوحشيّةٍ كهذه؟ ليست وحشيّة فحسب، بل أن يصيب بهذه الوحشيّة القابضة، في أغلب الأحيان، ، أكثر البشر جمالاً وإدهاشاً وإبداعاً؟. وهل من داعٍ لسرد قائمة الضحايا؟ وهل سيتعرّف النّاس على الضحايا مجهولة الاسم يوماً ما؟. الذي يؤلم، يا جماعة الله، أنني لم أتصوّر، مطلقاً، أن يُقدِمَ كائن، من كان، حتّى وإن كان سرطاناً، على إيذاء من كانت حياته، كلها، سلاماً لجميع البشر، وحبّاً سليماً مبرئاً من كلّ غرض، وكلّ مصلحة، إلى العالم، بينما تقبع نوعيّة من البشر، في هذا العالم، تنعم بالدفء والحنان والكنوز العافية؛ نوعيّة ما قدّمت سوى الدمار إلى أهل الأرض، ولم تقدّم لهم سوى التجهيل والسحق والتنكيل والإهانة والتعذيب بالمطارق والهراوى واقتلاع الأظافر وتشريط الظهور بالسياط، نوعيّة كَنَزت المال وسيطرت على دول العالم أجمع: إنهم، يا (مصطفى)، نوعيّة محدّدة، رغماً عن اختلافاتهم الظاهريّة ورميهم لبعضهم، حسب المصلحة، بتهمٍ وإداناتٍ وتهديد!. لقد أقدم السرطان على فعلته، وكشف حقارة العالم من خلال هذه الفعلة.
إلا أن تحليلاً آخر ظَهَرَ، تحليلٌ يقول بأن السرطان يُصيب البشر في لحظات ضعفهم، وما هو المقصود بالضعف هنا؟ أنقيضُ القوّة؟ بل إن المقصود بالضعف هو (الحساسيّة)، و(الشعور بالأرض والحياة والنّاس). قال مجدي النعيم، والذي فقدَ عزيزاً عليه وُجدَ مقتولاً في شقّته ببريطانيا، وفي ذات الوقت الذي رحلت فيه، عزيزٌ يُشبهك، اسمه عبد السلام حسن عبد السلام _وتأمّل في الاسم_ قال أنه، وفي لحظةٍ عظيمةِ التأثير، حزناً أم فرحاً، لحظةٌ تكون غائبةً عن من تواجدوا فيها، يكون ذلك المليء بالإحساس قد شَعَرَ، كشاعرٍ، بهَول عظمتها، فينكشف، دون ملاحظةٍ من الآخرين، أمام سهام السرطان. أتدري ما الذي أعتقده؟ إنني أعتقد أنه مرضٌ مُفكّر، له فلسفة تقوده إلى اختيار أشكالٍ من الوجود كالتي كانت لديك.

(5)

بوجهه المُختار بعناية انهزامات الضعف البشريّ،
يُقلّب عضلاتهِ، مُفرزاً أمام كلّ شيءٍ قدرته على التحوّل؛
إنه يقهر الأسماء، ظنُّ البشر بأن الجماد جاهلٌ بوجوده
وبمن يهدّدُ جُمودهُ.
يلمس الأحياء بعنق زهرةٍ نابتةٍ لا تتباهى بعطرها
وبمن تفشّى قبح أحلامه أمام الجميع؛
يلمس الأحياء بمن نام ليمنح أحلامه قدرةَ الحياة؛
التجوّل بملابس مُشرّبةً بدماء ضحايا بشريّةٍ لم تكتمل، أعني
أشجارٌ اخضرّت دون أن تعرف معنى الأخضر فتصرخ من رعبه على جسدها،
إنها الرياح تُعرِّف النموّ بأن تُحرّك أغصانه، تُكسّره بعنفها في الفصول الصاخبة،
إنها الأمطار تشتدُّ بكونها ماءً هابطاً من الأعالي، مُتحديةً قانون نبوعها من أسفل عطش الأرض؛
عطش سكّان الأرض، أيها العطشان بقلوبك الصحرواية،
بخيلاتات مآتاتك تستلُّ سيوفاً وهميّةً تُصلصلُ في عيون الطير الذي يُحبُّك،
أنت مُبعد مُحبيك،
تنبتُ في أحشائك صرُوحٌ تكتبُ تاريخ سلامتك، تكتب تاريخ عنفك الذي لم يوجد؛
لم يوجد إلا في ذهن الموسيقى،
من سَمِعَ الصوت الأوّل ونغَّمه، رَقَصَ ولم ينتبه للغات أعضائه،
رَقَصَ ولم ينتبه لضربات أطرافه للفراغ الذي غلّف العالم ولم يُحَدِّث عن ذَاتِهِ.

(6)

زَحَف المارد المتورِّم، الصغير، وسُدَّ حلقُكَ تماماً، وحُرمتَ، بكلّ وقاحةٍ، من ما كنتَ تُوَادِد به البشر، وما كنت تحبّه وتتمتّع به، فنّ الطعام الذي اخترعته البشريّة وطوّرته وكتبت فيه كتباً وحوّلته إلى إمبراطوريّةٍ للتجريب. فكنت تُدرك هذه الدهشة، بينما يبتلع بقيّة البشر طعامهم دون أن ينتبهوا إلى روح اليد التي صنعتها، والاختلافات الجوهريّة بين طَهوِ زهور، وطَهو والدتي رشيدة حبيب الله، وما الذي يُميّز روحَ يدِ نعمات، وما هي الإشارات التي تُطوّف فوق مائدة منى. وما لأخواتك من تميّز، وإلى أيةِ درجةٍ تَعشق الشاي بالحليب!. فإنني أذكر اللمعةَ المُخيفة التي تكتنف عينك عندما تَدخل إلى بيتٍ من البيوت، يوم الجمعة، بعد أسبوعٍ من الجهد الجبّار بين إطارات السيّارات والطائرات، حاملاً كيساً من (الكوارع) التي تنتزع ثمنها من مالك القليل، وتُدخل الجميع في جوٍّ من الطبخ والفنّ، وحتّى إذا ما ظهرت اللوحة على المائدة، كنت تمنحُ الجميع ما لذّ وطاب من حديثٍ وهظارٍ وضحكٍ مستمرٍّ وانتفاضاتٍ ورقصٍ، لتشتري، في نهاية الوجبة، صندوقاً من البيبسي، وتوزّعه، أولاً، على الأطفال، ثم على جميع الكبار.
إلا أننا لاحظنا، ومنذ أكثر من عشر سنواتٍ، أنّ جلوسك إلى المائدةِ طال، فكان تبريرنا هو حبّك لهذا الفنّ، إلا أنك، كعادتك، لم تُخبر أحداً، ولأكثر من عشرة سنواتٍ، أنك كنت تتألّم من البلع؛ كان حلقك يضيقُ شيئاً فشيئاً دون شكوى، دون أية شكوى يا مصطفى!.
تنحني لتسلّم على الصغير وكأن الصغيرَ شيخُ طريقةٍ صوفيّةٍ عريقة؛ لقد كنت تحترم الجميع لا لشيءٍ سوى أنك كنت ترى كلّ سموٍّ بعد أن أَعميت قلبك عن صغائر البشر وقذاراتهم وأكاذيبهم وإحساسهم المرير بأهميتهم وعَظَمة حياتهم. وتنحني لتسلّم على كلّ أصدقائي وكأنهم ملائكة.

(7)

انتقلتَ، مع أخيكَ حسن، الذي أحبّك كثيراً وعاش هذا الألم يوماً بعد يوم، إلى جليد مستشفىً يقع على بعد ساعةٍ خارج القاهرة، بعيداً عن التلوّث الذي يجتهد البشر لأجل تسمينه يوماً بعد يوم؛ لأجل أن يكون هنالك رؤساء، وشركات تعمل من تحتهم، ومصانع تُدار وتُطعم ملايين الأسر الفقيرة والمسحوقة. في تلك الغرفة المركّبة من أجهزة القياس والتحليل، الكئيبة، والخالية من كلّ حياةٍ، سوى تلك الحياة التي يتخيّلها آخرون ويبثّونها من شاشة التلفزيون، الذين يُشكّلون صورة العالم كما دَرَّسها لهم العالم في المدارس والمقررات الميّتة. تذكرُ: سَرَقَت أميليا شجرةً كانت تُزيّن الممرّ، وأدخلتها إلى الغرفة ووضعتها بجانب سريرك، وكنتَ تلهو بجهازك الجوّال تبحث عن صورةٍ لابنتك منى، لأستطيع، من بعد، أن أثبّتها لك على واجهة الجهاز، وكان حسن يُحاول أن يتحاشى ذلك المجهول المحيط بكلّ شيءٍ بأن ينغمس في حصص لغةٍ إنجليزيّة مع أميليا، أو بمحاولة التركيز على صفحات رواية (حفلة التيس). حاولنا أن نصنع حياةً داخل كلّ ذلك الموت، إلا أنك كنت تهزم جميع محاولاتنا البائسة بقوّة الحياة التي تشعّ من جبينك، ومن محيّاك، ومن إصرارك على الذهاب، عند كلّ صلاة، ورغماً عن ألمك، إلى الجامع البعيد عن الغرف.
فكيف هو الإسلام بربّك؟، أهو ذلك الذي يسيل من جمالك ملامساً كلّ شيءٍ حولك؟، أم هو ذلك الذي يبني القصور والشركات ويَحرس أصحابه، من الموت، بالبنادق!. الموت، صديقك يا مولانا، والذي سفّهت له حياته، وجرّدته من أسلحته وتركته في ساحةِ معركةٍ بلا معركة. إن الهزيمة لا تأتي بسحق العدوّ، وإنما بتفريغ المعركة من معناها؛ وها أنت، تقف شامخاً بلا هزّة رمشٍ، وهم يخبرونك بعزمهم استئصال جميع أعضاء حلقك، وتركيب أعضاء اصطناعيّةٍ لن تمكّنك من الكلام مرةً أخرى؛ يخبرونك بفقدانك ملذّتك الثانية في هذه الحياة: الحديث مع البشر، والضحك معهم!. أليس ذلك مريراً؟ ألم أقل لك إن السرطان حيوانٌ مُفكّر؟.

(8)

أنت مشروخٌ بجروح الورود، بأسماء روائحها،
أنت لدمعتك:
نخب قوّة العالم التي لم تجد أحداً لتواجهه سواك.

أين هي القوانين التي ترصُّ الطيور كسهمٍ في السماء
القوانين التي تجعل الماء شفّافاً من منابعه
التي تمنح الجسد قدرة الرقصِ على إيقاعٍ
من مَنَحَ قدرةَ الطيران للمعدن أعلى جاذبيّة-حبّ-الأرض
الكلاب قدرةَ الحبّ، الوفاء، الحراسة، البلاهة
قوانين انحناء قلبك، الذي لن تدركه أمراض القلوب، لما يشيخ باستمرارٍ
صدءُ المعادنِ البشريّةِ أنت من يلهبها لتذوب،
قليلةٌ هي الأشجار التي لا تسير لأنك رأيتها وأمرتها بالسير،
السرابات التي تُطفئ ظمأ العين والجسدُ حالماً يرجفُ،
البراكين تهزُّ الأرض ليهرب من يعلّقون صلوات حيواتهم، نُطف أبنائهم
ولا من حممٍ فقط نظرةُ عينيك.

(9)

بينما كنّا، أنا وحسن، نرتجف من هَولِ ما نَطَقَت به لجنة الأطباء، وتصطكّ نظرتنا إلى المستقبل، ونخشى من اليوم الذي ستدخل فيه إلى هذه العمليّة القاسية، كنت أنت تنظر إليهم بنظرةٍ مليئةٍ بالاحترام والتبجيل. خرجنا، وتحدثنا أنا وحسن على انفراد، لنأتي ونُخلَعُ باختفائك، تماماً، عن الأنظار. بكينا ونحن نتراكض في الممرات، ونسأل، ونتّصل عليك وأنت لا تُجيب، بكينا كثيراً. ليتذكّر حسن، فجأةً، أن الوقت هو وقت صلاة الظهر، فتخرج علينا، مبتسماً، من الجامع، مستغرباً من هَلَعنا ومن خوفنا السنين المُدمّى.
يقتربُ يوم العمليّة، ويبدأ عمال المستشفى بمصادقتك، الممرضون والممرضات يدخلون عليك ويعبثون معك، ويجلسون على سريرك ويهربون من أعمالهم ليتحدثوا إليك. كان فَرَحك بهم، وبمن حولك، يقهر افتتان البشر بحياةٍ سطحيّةٍ بلا معنى سوى كنز الأموال، وتكوين العوائل الصارمة المربّية لمجموعةٍ من الكائنات التي لا ترى في الكون سوى أنّه مكرّسٌ لهم، تربية مجموعةٍ من الكائنات التي لا ترى فقراً يحيط بالآخرين، ولا أمراضاً تفتك بأجسادٍ هزيلةٍ في قرى بعيدة، ولا حروباً تُمزّق أسراً أخرى وتحوّل أبناءهم الصغار إلى عساكرَ في جيوشٍ متمرّدةٍ، جنودٍ يحقدون على العالم وما فيه من عماءٍ وسكونٍ وتجاهلٍ وسخف. إن فرحك يمزّق الحياة ويجعل الدخول إليها مسؤوليّة خارقة، ويحطّم كلّ شعورٍ بالعدم.
تلك الأيام، قبل وبعد العملية، مُحيت من داخلي كلّ المشاعر والأفكار العدميّة؛ التي تدفعك، أحياناً، إلى احتقار البشر، وتدفعك إلى الشعور بأن مأساة العالم ستظلّ مستمرّةً بلا تغييرٍ، وأن العماء سيظلّ مسيطراً على كلّ ذرةٍ من ذرات التعليم البشريّ. إنني الآن أقوى بكثير، إنني مؤهّلٌ لأن أكتب وأتطوّر، مؤهلٌ لأن أكتشف ضعفي ونقص خيالي، مؤهلٌ للإحساس بحاجتي إلى التعلّم؛ الجلوس في الأرض، والحديث إليها بلا لغةٍ كتلك التي تحاول أن تُفسّر العالم، وتجعل منه مكاناً آمناً وسليماً ومعقولاً، قديماً، ولا شيء فيه يستحقّ الدهشة والسؤال والاستمتاع.

(10)

أيّها الساديّ الذي علّم البشرية براءة اللمسة التي تُحطّم التاريخ.
لا وجود لسلطةٍ سوى أحلامهم بانعدام وجودك،
لا قلق سوى أمنياتهم بانسحاق وجهك أمام الموت،
كيف يا موت تقف أمامه، أعني كيف يا موت تقف أمامك؟.
صراخ القيامة يتردد في الكتب التي تنزف من أعضاءٍ حَفِظتَهَا منذ أن وُلدت
صراخُ الحروب البشرية طويلة الأمد يفقأ عينيه داخل عروقك،
ومن طيرٍ يركُّ على خيالات مآتةٍ صَنَعْتَهَا بضحكاتك المتنافرة،
هل من جيلٍ يمرُّ عبر رموشك دون أن يُسحق ويُربّى؟.
لديك الأرض تتخلّى عن كونها بيضاوية
تدور في مدارات الكون
وتظلّ بريئة
تُظلّل بالليل، وتُضاء بالقمر
يا لهول جهل الأرض؛
يا لهول الجهل،
يا لهوله.

(11)

قبل العمليّة، بعشر دقائق، وقد أُلبستَ ذلك الرداء الأبيض المخيف، المفتوح عند الصدر، كنّا نتحاشى، نحن، النظر إلى عينيك، وبين حينٍ وآخر يخرج أحدنا بذريعةٍ واهيةٍ ليبكي قليلاً، ويغسل تورّمات وجهه، ويعود ليجدك ضاحكاً باسماً تضرب يداً بأخرى من شدّة فرحك بلغة أميليا العربية الابتدائيّة. ما الذي تفعله يا مولانا!. لقد نمت، عندما طال حوار بيننا، كطفل!. لقد نمت قبل العمليّة بعشر دقائق، بشخيرٍ عميقٍ، عمليّة تحمل بداخلها احتمال موتك ورحيلك عن هذه الأرض، تنام يا مولانا وهنالك من يحرسون أنفسهم بالجيوش والمدرعات، وهم بكلّ صحةٍ وعافية، تنام والأرضُ تُفرمُ فرماً بالدخان والدموع حتّى رأيناها هيكلاً عظميّاً مكشوف الأكاذيب، مقرّح الخطوات؛ تنام يا مولانا وقد افتقدنا، نحن، أصوات الطيور وحركات الأشجار، تنام والكلاب فقدت شجاعتها وخفضت ذيولها، تنام ونحن نسينا أن نرفع رأسنا، ليلاً، لنشاهد حركات القمر وتحوّلاته مغموراً بهالةٍ وسحبٍ تمسّد جسده الشفّاف.
لم تَنَم كطفلٍ يا مولانا، لأن هذه الـ(كاف) اللعينة، التي تريد تشبيهك بطفلٍ قد خجلَت منك، وتقلّصت عضلاتها، وذابت. إنك طفل يا مولاي، أنت طفلٌ عظيمٌ مرّ بهذا العالم وأورثه الشكّ والغضب والألم والمعرفة. طفولةٌ كاملةٌ من المهد إلى اللحد؛ طفولةٌ تراها البشريّة، كلّ يومٍ، في أطفالها، وبمجرّد أن يروها يهجمون عليها لتمزيقها بالحدود والعورات والتأديب والتدريس والتلقين والتوريث حتّى يحوّلونها إلى كتلةٍ، مشوّهةٍ، عمياء.

(11)

أخيراً، وليس آخراً، أخبرك بأن هذه الرسالة التي تحكي ما عِشته، موجّهةٌ إليك، وأنت تسمع الآن ولا شكّ لي في ذلك. وإنني أخبرك بما حَدَث، كتابةً، لتعرف أنني أَقدَمت على رؤية ما حدث بهذه الصورة، وتشجّعت وحاولت أن أُدرك كُنهك، وإنني لا أعتقد، أبداً، أنني أدركته، وإنما أقدّم إليك ما توصّلت إليه بصيرتي من أسرارك، وما شَابَت له دواخلي من معرفتي بأن شخصيتك هذه لم تكن مزاحاً، وإنما كانت حقيقة جميلة ومرّةً قدّمها لنا العالم، ولن نستطيع أن نردّ له هذا الجميل سوى باستمرارنا بالحياة لأجل الآخرين، وفقط لأجل الآخرين، وبشعورنا بمأساتهم. إنني أتوجّه بهذا الخطاب، أيضاً، لكلّ فردٍ من عائلتي مُنحَ حظّاً بمعرفتك بأن يعملوا لأجل الآخرين، وأن يتذكّروا، دائماً، أننا نعيش في عالمٍ، وبلدٍ، محطّم الآمال، وفي حاجةٍ لكلّ ذرّة حياةٍ مليئةٍ بالفكر والمعرفة، بالقراءة والاطلاع، بالحياة مع الناس والاقتراب من جراحاتهم السريّة. من أجل أن نُحقّق قليلاً من أحلام المخرج الياباني كوراساوا، والتي قدّمها في فيلمٍ جميلٍ يحكي بعضاً من سيرة هذه البشريّة المُحترقة باسم الله؛ باسم الخير والعدل والمساواة، وباسم الديموقراطيّة وحقوق الإنسان، وأن هنالك قلّة من البشر يتخاطفون كلّ معنىً نبيل أخرجته البشريّة إلى الوجود بتضحياتٍ مذهلةٍ، لأجل أن تُقدّم البشر، مرةً أخرى، إلى أتونِ تضحياتٍ أخرى، إلى جحيمٍ آخر.

(12)

كنّا، بسيرة العميان الذين لا يعرفون اللون
كلّ شيءٍ مسمّىً بملمسه
الأوجه التي لا يدركها أحدٌ نراها معرّفةٌ بعماهم
الشوارع كلّها تتملّك معناها بوجودهم
فكيف يصلون لكَ، أنت الذي عشقت جميلي الوجه
عطور أجسادهم شممتها دون أن تنطق بحقيقتك.
إنها الأشجار تنبت منك، أنت الذي منبع كلّ بذرةٍ لم تدرك معنى البداية،
ولم ترى نهايتها مأكولةً بمناقير الطير، منتشرةً في الريش
وفي أفواه متعلّمي الطيران.
والريح نعرفهم
والريح تعرفك
اصرخ في الرياح وفي آلاء الأشجار لعلّ الكون يعود لأصله
ويمنحك ضحكةً لا زلت تُطلق أصداء بداياتها منذ أن وُجد الحيوان
منذ أن ظُلم الحيوان بكونه هو:
أنت من عاد إلينا ولم نعد إليك.

(13)

في الحلم الأخير لكوراساوا، يرى عالماً جميلاً متّحداً مع الطبيعة والحياة، يعيش فيه البشر مئات السنوات دون أمراضٍ ولا كراهيّةٍ ولا تشويش، يرون بنظرٍ كامل، يشمّون بحساسيّةٍ فائقة، ويعرفون أجسادهم، وأرواحهم، للدرجة التي تكون جنازة الميّت منهم محفوفةً بالموسيقى والفرح، يزفّون من أحبّوهم إلى الموت المُحطّم، بابتساماتٍ مُشرقةٍ، ورقصٍ بهيج، وموسيقى لم تُسمع من قبل. فهل، يا تُرى، سترى البشريّة جمالها ذات يوم، وجمال العالم الذي وُهِبَ إليها؟. كانت إجابتك واضحة كالليل والنهار، واضحةً بحياتك.
تلميذك
مأمون الفاتح حسن عثمان التِّلب
انتهى في 23 مارس 2010م
إشارات:
هذه الرسالةُ مُقدّمةٌ أيضاً إلى:
منى مصطفى الطابوزي، في طفولتها، التي شهدت حياة والدها لأقلّ من ثلاث سنوات.
إلى زوجته الأستاذة إيمان
كذلك إلى أرواحٍ أخرى شهدتُ رحيلها: إلى الخال جعفر بادي وابنه، وأخي، أسامة. إلى الخال ميرغني حبيب الله، وفاطمة حبيب الله.
إلى كلّ من ساهم، ماديّاً ومعنويّاً، في محاولات علاج مولانا. وإلى الخال هاشم حبيب الله الذي يعرف المرحوم جيّداً.
إلى حبوبتي الجميلة، الحاجة عائشة محمد الحسن، والتي ربطتنا بك. وإلى والدتك الحاجة مكّة.
القصيدة المنثورة في داخل المقال كُتبت خلال شهر مايو 2009م، إبّان حياتنا معه في المستشفى، مصر. بعنوان (السوائل الخائنة).


_________________
عندما صرخت
لم أشأ أن أزعج الموتى
ولكن السياج عليَّ ضاق
ولم أجد أحداً يسميني سياجا

تعليقات

  1. اقول ليك شنو هذه هي الدنيا فهي دنية كتاباتك روعه جمعت بكل دوامات ما نسميها الحياه من الواقع لقد عصرت قلوبنا عصرا الله يرحم الجميع ما باقي فيها زول

    ردحذف
  2. اقول ليك شنو هذه هي الدنيا فهي دنية كتاباتك روعه جمعت بكل دوامات ما نسميها الحياه من الواقع لقد عصرت قلوبنا عصرا الله يرحم الجميع ما باقي فيها زول

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تَرَانيم مَحموديَّة - شذرات متفرّقة في ذكرى اغتيال الأستاذ

The Beauty of the Silly - نجلاء عثمان التوم

 The Beauty of the Silly  نجلاء عثمان التوم


إلى عثمان حامد سليمان
هل يمكن تشريح الأصالة؟ هل يمكن الكشف عن شعوبها الداخلية دون مجزرة؟ أنا مدفوعة هنا بالحجب الأصيلة التي يغزلها الغناء السوداني حول نفسه فيبدو لنا أحياناً شيئاً محيراً، لامع الحيرة. عندما نتجرد من العصاب الذي نسميه الفهم، وننطلق في رحلة متحللة من كل غاية، ونستمع إلى الأغاني السودانية بأرجلنا ومصاريننا، نشعر أن الطاقة التي تتهدج في الجو هي، ولا شيء خلافها، الهوية. لكن تظل أصالة هذا الغناء شيئاً غامضاً جداً وعصياً على التعيين. ثمة إستراتيجيات، أعتقد، أيّدت هذه الجذوة التحتية. أولاً تحتجب الأصالة، في معظم الأحيان، في تمويهات هزلية تنتجها قوالب شبه ثابتة محكومة بشهوة الرجز، والطلاقة الشعبية، والنبرة العادية في الكلام. فالغناء في الأساس هو مكان التغزل في اليومي والعادي في أقرب نسخه إلى الواقع. وكلما تشبثت الأغنية بسوقيتها المعروقة، كلما تصير إلى درجة من أصالتها الصحيحة. لكن الفن هو دائماً تدخل معقَّد، فلا نجاة من سطوته، لكن التحايل عليه ممكن. فعندما تبدأ أغنية ابتهالية، فيها تسجيل لمغامرة البلاغ العشقي والوصال الكامل، بعبارة “الحج…

الجرح في القلب على مسؤولية صاحبه - فيصل محمد صالح

الجرح داخل القلب على مسئوليةِ صاحبه! بقلم الأستاذ فيصل محمد صالح
الراحل: معتصم جلابي
مقدمة طينيَّة: لم أستمتع بكتابةٍ سرديِّةٍ وشعريّةٍ في الآونة الأخيرة كما تفجَّرتُ دموعاً ومحبّةً وتذكّراً وأنا أطالع ما كتبه حبيبنا فيصل محمد صالح في حقِّ صديقه الراحل الأديب معتصم جلابي. وقد قال فيصل في نهاية الكتابة: [وبعد، إذا سبقت لك معرفة معتصم جلابي، فما أن يُذكر اسمه أمامك، حتى تضئ ابتسامة عريضة كل قسمات وجهك، دون أن تستطيع مقاومة إغرائها! لكن سرعان ما تفجعك، في اللحظة التالية، خاطرة رحيله، فتنحدر منك دمعة صغيرة تزاحم تلك الابتسامة، تحاول طردها لتحل محلها، ولكن .. هيهات!]، وقد كان، رغم أنني عرفتُ معتصم جلابي طفلاً، في الرياض بالسعوديّة، كصديقٍ مقرّب ومحبب لأمي رشيدة وأب الفاتح؛ إلا أن الذي يعرفه يُدرك، وغالباً سوف يدرك القارئ لهذا النص؛ أنه لا يكترث بالأعمار، فكان تعامله معي نديّاً وحقيقيّاً وجادّاً إلى أبعد حد، وقد كان المفضل بالنسبة لي من بين أصدقاء أسرتنا الصغيرة. وقد أصرَّ فيصل في النص أنه هجر الشعر والأدب لأنه يفتقد إلى الموهبة، وهذا لعمري إدعاءٌ مردود بذريعة هذا النص ذاته، فهو قصيدة، وهو قصة، …