التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحُجُب: استفاضة في أمر السلطة الفرديّة في عصر انهيار المؤسسات



تنقيب الظلام
الحُجُب
[استفاضة في أمر السلطة الفرديّة في عصر انهيار المؤسسات]
 مأمون التلب 
أبريل 2016م

الصورة من فيلم Big short


[العالم لا يُمكن إصلاحه؛ فالنِقم حفلةً إذاً!]
غونتر غراس

[ها قد وصلنا، ممسوسين بقوّةٍ لم تستطع حتّى آلهة القديمِ أن تُطلقها. إننا هناك، أمام بوّابات الجحيم. تُرى، هل سنقتحم الأبواب، ونُفجّر الجحيم نفسه.. مفتوحاً؟ أعتقد أننا سنفعل هذا. أعتقد أن مهمّة المستقبل هي اكتشاف مملكة الشر، حدّ ألا يبقى فيها أيّ أمرٍ، سرَّاً. سوف نكتشف الجذور المُرَّة للجمال، متقبلين الجذر والزهرة، الورقة والبرعم. لم يعد في استطاعتنا مقاومة الشر: يجب أن نَتَقَبّله].
هنري ميللررامبو وزمن القَتَلة

يا للعار!
لا يكفي أن تقرأ عن البشر. ستجني عليهم كثيراً إن حاكمتهم بناءً على تاريخهم مثلاً، إن معرفتهم عن قربٍ، والوقوع في حبّهم ـ وهو أمرٌ سهلٌ جداً ـ ثم أن يفتحوا لكَ قلوبهم فتلك أسرار الأسرار. إنني أتحدث عن تلك الفئة الهلاميّة التي يُطلقون عليها "عامّة الشعب" و"المواطن البسيط" وغيرها من التسميات التي لا أملك إلا أن أتحفّظ عليها بعد استخدامها بالطبع. ستكون محظوظاً، ككاتب أو فنان، أن تُلقي بكَ الحياة في جحيم التشرّد؛ التشرّد التام والمستقبل المجهول، مخالطة جميع فئات المجتمع والعمل باليد والجسد والعقل واللغة. لن تتعلّم "الطريقة" التي يفكّر بها الناس في الحقيقة، هذا أمرٌ سهل يمكنك أن تجده في الكتب، فطريقة تفكير الشعوب تتشابه جميعها، ما ستتعلّمه فعلاً هو أن تُدرك النظام الداخلي الذي يُحرّكها، ومن خلال ذلك فقط يمكنك أن تنظر إلى تاريخهم كـ(تاريخ ضحايا) مُستمر، مُتصاعد، ثمّ أنك، بمعادلات شعريّة بسيطة ومكثّفة، يمكنك أن ترى منطقيّة السير إلى الهاوية، دون أن يكون لديك أدنى فكرة عن ما سيؤول إليه الأمر، وهل من الممكن فعلاً أن يحدث خارقٌ أو أسطوري؟ إذ الحالة – كما يقول صديقي ساخراً – في حاجة إلى نبيٍّ حسّع دي! ولا عجب، فقد كثر الأنبياء في عصرنا، كذبة يُهيمنون، بطريقةٍ تبعث على السخريّة الحادّة فقط، على مؤسسات العالم المنهارة، بجميع أحوالها بما فيها الأدبيّة والثقافيّة ذاتها، وهنالك حقيقيّون، يدسّون أنفسهم في الكهوف، يصرخون في دخيلتهم وهم يُشاهدونَ كتابتهم منشورةً: (يا للعار)!
(1)
اكتشاف هذه المحرِّكات الداخليّة لا يمكن أن يحدث طالما أن حجاب أفكارك، قل تحديداً: ما تؤمن به، قائم!. خصوصاً إن كانت تلك الأفكار تنتمي إلى عالمٍ لم يعد موجوداً بتركيباته القيميّة والأخلاقيّة والمؤسسيّة، عالمٍ فقد قدرة محاربة الشرّ؛ فَقَد قدرة إيقافه عند حدٍّ معقول على أقل تقدير. النهايات تأتي بَغتة! هذه طبيعتها، نهايات التاريخ التي لا تنتهي، والتي تبدو، في كلِّ مرةٍ تُطل، غير مسبوقةٍ على الإطلاق! للدرجة التي ستُراجع فيها نفسك ألف مرةٍ قبل أن تُطلق تصريحاً كهذا: فنُّ ابتكار النهايات هذا قد استنفدَ أغراضه على ما يبدو، وأن هذه النهاية ستكون هي نهاية النهايات!.
نخاف من أن نقول أن عَصرنا مختلف، في كارثيّته ومن كمّ الأنوار المنبعثةِ منه كذلك! لماذا؟ لأنْ: من كان يعتقد ـ بحق الشيطان ـ أن العالم سيمرُّ بحقبةٍ أبشع من "الحرب العالميّة الثانية"؟ كان العالم يبدو آمناً بطريقةٍ نسبيّة، أصوات الحروب خافتٌ جدّاً، أعني نهايات القرن العشرين. التذبيح والقتل والتنكيل، والإلخ، جميعها تحدث في الخفاء، وكلٌّ كان يظنّ أنه منفردٌ مع أعدائه الصغار الضعفاء أمام عتاد دُوَلِهم. أما قبل أيام، تتسرّب من تلك القناة الغامضة كل تلك الوثائق، ثم يبدو الأمر عمليّة انتقام. بالنسبة لي، أدرك دائماً أن أية محاولة من طرفي لفهم العالم الحالي كأحداث، وتحليل خبثه لكشف جريمةٍ ما، لهي مخفقةٌ لا محالة. كذلك الحال بالنسبة لـ"عامّة الناس"! فلم يعد أحدٌ خارج دائرتهم بعد اليوم، أبداً، لقد أقاموا دولاً عجيبة في مكان دولٍ مَنَحتنا الشعور في القرن الماضي بأبديّتها. بل، من شدّة إيماننا بأبديّتها، اعتقدنا حتّى بإمكانيّة تغييرها مثلما حدث في الثورات الجسديّة مع بداية القرن الجديد. ستستمرّ هذه الثورات فهي ذات الثورة العنيفة التي رآها كارل ماركس ولينين؛ ثورة البروليتاريا: التنظيمات العقديّة الراديكاليّة، في شرق الأرض ومغاربها، قد بدأت في الشروق مرةً أخرى؛ فالعدم الذي صبغ الحياة بعد المفاجأة التي كانت تنتظر الفقراء، في كلّ مكانٍ في العالم، وهم [يشاهدون حياة الأغنياء تطلّ عليهم من جميع النوافذ]؛ داخل بيوتهم وفي قلب حيواتهم التعيسة!. هناك، يذهب فقراء العالم ليتم تقييمهم، لأول مرةٍ، كقوّة بانية وبأجرٍ عظيم من مالٍ و(نساء)! أن يشعروا بإنسانيّتهم وبأحقيّة هويّاتهم في البقاء، بحقّ نبوآتهم في التحقق. ولن يتمّ ذلك إلا بصورةٍ عنيفة. ها هو العنف يصل إلى قلب الممالك الآمنة، ومن قلب الممالك الآمنة ستنطلق الثورات المضادّة.
لقد حدثت النهاية بغتة!
(2)
عودةً إلى محرّكات المجتمع الداخليّة وحُجُب العالم الفاني/الحاضر، نقول: لا يمكنك أن تتعرّف إلى شرطيٍّ (فقير مثلك) وأنت لا ترى في "يونيفورم" البوليس سوى مُعرِّفٍ كاملٍ وشاملٍ لهويّته و، بالتالي، لشخصيّته المتوحّشة! وحتّى إن اندمجت في حديث وصداقةٍ مع أحدهم في منفىً من المنافي، فإنه من السهل عليك (كمنفي سياسي على سبيل المثال) أن تقطع علاقتك به تماماً عندما يحدّثك عن أيام عمله طيّاراً مع قوات جيش الأمن! ثم هنالك طبقة أكثف من ذلك، تتمثّل في ازدراء قيم المجتمع وثقافته وأديانه (بالتحديد الدين الإسلامي لأسبابٍ معروفة طبعاً) وأخلاقه ومعتقداته المتعددة والمختلفة، وهذا حجاب؛ ولنسميه مؤقتاً (حجاب التقدّم).
إنني أرى أن حجاب التقدّم هو أخطر أنواع الحُجُب، لماذا؟ لأنه يحرم المجتمع من طاقات هائلة، مفكّرة وخلاقة، فأصحاب التيارات التقدّمية محبون للحياة، وهذا كافٍ ليكونَ الإنسانُ سليماً معافى في نظري. هذه التيارات لا تعني بأيّ حالٍ من الأحوال التيارات "اليساريّة" مثلاً، فلا وجود لتوصيفٍ سياسيّ في ما أقول، ما أعنيه بالتقدّم هم الذين يرون في قيم "العالم الأول" قيماً متقدّمة، وأن هذا هو الطريق إلى (الأمام). وفيهم راديكاليّون، يرون أن أعداداً مهولةً من الضحايا يجب أن تقدّم في سبيل التحرر والتقدّم. لا بأس في كل هذه الأفكار فلست أعترض على أيٍّ منها، وليس هذا هو الهدف من الكتابة.
الحقيقة، بما أتابع وأقرأ، أجد أننا فقدنا فعلاً القدرة على أن نغفر للمجتمع، أبداً، والمغفرة هنا هي "هدنة ذهنيّة". وما أعنيه بالهدنة الذهنيّة هي اللحظة التي تبدأ فيها بالتفكير في المجرم، وليس الضحيّة. دون كراهيّة، أو غضب. ففيما يبدو أن العالم جميعه يتّجه إلى هلاكٍ جديدٍ وكبيرٍ وغير مسبوق، وقد تكشّفت صراعات الماضي في القرن العشرين عن أوهامٍ عُظمى بعد تفجّر ثورة التكنولوجيا، وما تكشفه يوميّاً من حقائق صادمة وخارقة فعلاً في وقاحتها. يُعبِّر أمين معلوف عن ما أريد أن أصل إليه في عبارته التالية من كتابه (اختلال العالم): [إن جميع شعوب الأرض في مهب العاصفة بشكلٍ أو بآخر. سواء كنا أغنياء أو فقراء، مستكبرين أو خاضعين، محتلين أو تحت الاحتلال، فنحن جميعاً على متن زورقٍ متصدّع، سائرين إلى الغرق معاً.
لكننا مع ذلك لا نكفّ عن تبادل الشتائم والمشاحنة غير آبهين بتعاظم أمواج البحر. ولعلنا قادرون حتى على الترحيب بالموجة القاتلة إذا ما ابتلعت أعداءنا أولاً إبان صعودها نحونا](1).
لن أستطيع، بالطبع، أن أردّ بأيّ ردٍّ منطقيّ لأي توجهٍ "حقوقيّ" يتعلّق بما أدعو إليه من هدنةٍ ذهنيّة، وليست لديّ النيّة في التفكير فيه؛ إذ أنه ترسّخ في العالم القديم مبدأ (العين بالعين، والسن بالسن)، حتّى ولو كان عالم العيون والأسنان، جميعه، ذاهبٌ إلى زوال!. يُصاحب هذا العجز عن الرد مُغالطة فرضيّة كالتي يتحدّث عنها الصديق الكاتب قصي همرور حول الاحتماليّة الكبيرة لفناء العالم البشري، لكن، بأي حالٍ من الأحوال فأخوكم شاعر، ومن الصعب عليّ أن أؤمن بالواقع المادي ونتائجه المنطقيّة، إذ أن رؤية الخارق في الطبيعة من مهمات الشعر، أو، كما قال والت ويتمان: [لمَ كل هذه الضجة حول معجزة؟ أما أنا فلا أرى سوى المعجزات!](2).

(3)
"فيسبوكات متعدّدة"؟
إن الطريقة التي يتطوّر بها العالم الإسفيري تُشابه، حدّ التطابق، الطريقة التي تتطوّر بها الطبيعة فيما حولنا؛ إذ هي تطور داخل ذهن الإنسان، والذي هو التطوّر "الخالص" للطبيعة (على حدّ زعم البشر)، بل ويدّعي دائماً أنه "مُخلّص" أيضاً. هذا بديهي؛ يخترع فيسبوك فكرة "الفروع" في التعليقات، ولها، بالتأكيد، ما يقابلها في أذهاننا من لغةٍ وصورةٍ وموجودٍ من موجودات الطبيعة من حولنا، أو الكون من فوقنا، أو رسائل من (النجوم) كما يحدث مع شعراءٍ عظام.
وطريقتها في التفاعل انعكاسٌ لواقع البشر، كما فصّلنا من قبل في (برجم: ألفية تدشين السلطة الفرديّة)(3) لذلك من الطبيعي أن تكون لفيسبوك طبيعة "صفويّة"، وهو ما يغفل عنه الكثيرون، خاصةً عندما أراقب بفضولٍ كيف يتحدّثون نيابةً عن شعبٍ كاملٍ لا علاقةَ فعليّة لهُ بـ"فيسبوكّاتهم"! حسنٌ، قد بدأ فيسبوك بصفوة قليلة جداً من الناس، وكانت القلة القليلة هي التي تكشف حياتها بسهولة (كما تقتضي الفَسبكة) في الصور والمعلومات! لقد كنتُ شاهداً على ذلك العصر (ياخ أنا محظوظ في الحاجات دي، حضرنا الكتير من النهايات والبدايات!)، وحتّى عندما توسّع جدّاً ـ قبل انتشار الأجهزة الذكيّة بهذه الصورة الشاملة ـ كان صفويّاً جدّاً ومحدود التأثير على أرض الواقع (4). بالنسبة لي، أندهش من مَن يظنون أنني (مشهور) ـ بالمعنى الحقيقي للكلمة ـ عندما يجدون 8 آلاف مثلاً على بروفايل فيسبوك (أصدقاء ومتابعين)! هم لا يدركون كم هو صفويٌّ هذا العدد! هنالك فيسبوكات متعدّدة جداً، وصفحات مكدّسة بملايين البشر ومئات الآلاف! ولا يمكنك، بأي حالٍ من الأحوال، أن يراودك أي حكمٍ أو استخفافٍ أو تعالٍ على محتويات هذه الصفحات المهولة، بل عليك، بكل شغف، أن تنغمس في محتوياتها وتلتهمها التهاماً.
على الرغم من كلّ هذا، فالتوسّع الذي حدث في "الصفويّة" ذاتها هو أمرٌ مذهلٌ بكل المقاييس! إذا عدنا إلى أرقام توزيع الصحف اليوميّة (والتي لا تُعتبر صفويّة بأي حالٍ من الأحوال، وأقل تأثيراً من التلفزيون والإذاعة بالتأكيد) فإن "الصفوة" قد بدأت بالتوسّع والتمدّد، وتصاعدت أعداد القراء بصورةٍ مذهلةٍ نتيجةً لما يُتاح لهم من سبيلٍ للمعلومات، ومنشورات ومساهمات فعالة لمجموعة غير محددة من البشر، في الفضاء المفتوح على جميع الاحتمالات، ذو الثقوب السوداء؛ إذاً أصبحت الصفوة قادرة على التأثير حتّى ولو في المحيط الضيّق (الأسرة وما جاورها من ترابطات تعليميّة وعمليّة)؛ فبالنشر، وإعادة النشر، تتدفق أفكار مهولة يوماً بعد يوم، وتتمدّد هذه الطبقة بتأثيراتها كلها.
(4)
هذا يدخلنا في الموضوعة الأولى: يتساءل الناس يوميّاً عن كيفيّة محاربة التحرّش والاغتصاب والذكوريّة وإشاعة حقوق المرأة والطفل، وغيرها من قيم المساواة والعدل وحفظ الكرامة والحياة الإنسانيّة..إلخ! بغض النظر عن كيف ينظر أيُّنا إليها؛ عن كيفيّة معالجة أمورٍ كهذه من الجذور!
حسن، مقوّمات حركةٍ كهذه لا يمكن أن تكونَ سياسيّةً، وفي رأيي فهي حركة لا تحمل ذرّة وِصايةٍ على المجتمع، ولا يمكن أن تتحمّل أيّ شكلٍ من أشكال السلطة. إذ هذه الحركة يجب أن تنبع من المجتمع، لا أن تأتيه من الأعلى بأي حالٍ من الأحوال. ظروف اليأس وتهتّك وانهيار المؤسسات الأخلاقيّة والقيميّة والاجتماعيّة والسياسيّة، والخلل الضارب في كلّ منحىً سيؤدي إلى عنفٍ، بشكلٍ أو بآخر، والعنف، أصلاً، مستمر.
إضافةً إلى: لا يمكن لحركة سياسيّة أن تنعكسَ في الفضاء كائناً آخر مُختلفاً عن ما هو موجود على أرض الواقع من الأصل! ويمكنك ملاحظة حقيقة أن فيسبوك "الصفوة السياسيّة" هو صفويّ (كمثال لا أكثر) من انعكاس "الدولة السودانيّة" عليه، ومركزيّة "الخرطوم" الطاغية، والتي تُزعج عدداً ليس بالهيّن من أبناء الهامش ـ يعبّرون عن ذلك صراحةً ـ والذين يُعانون من حربٍ ماديَّةٍ لن نستطيع أن نتفهم طبيعتها (كأبناء عاصمة مثلاً، وهذه حقيقة) في حين تجد حملة إيقاف بيع جامعة الخرطوم، أو التضامن مع شخصيّة خرطوميّة، زخماً كبيراً. أريد أن أقول أن ذلك من طبيعة الأشياء، ولا أرى ما يستوجب الغضب من هذه الحقيقة الواقعيّة: الخرطوم ومركزيّة الدولة غير الواقعيّة!

إن مقوّم هذه الحركة الأساسي، القادرة على الحفر في الجذور، أن لا تكونَ حركةً واحدة بل آلاف الأفراد والحركات، المنفصلة بعضها عن بعض، المختلفة في رؤاها، والمتعاونة في كلّ شيء. لا وصايةَ لها، ولا لأفكار أفرادها، أفقيّة وشاسعة ومتخلّقة من ذاتها، حركات لإتاحة سبل المعرفة والتحصّل على المعلومات. حركة للتعبير عن الذات، حياتها في خضمّ كلّ هذا العفن، والقدرة الهيّنة، المتاحة، والحرّة للتعبير عنها.
(5)
أما الموضوعة الثانية فستعود بنا لمقدّمتنا عن الحُجُب: إن الحكم على شعبٍ، أو شعوبٍ بأنها (متخلّفة)؛ هذا الحكمٌ سطحيٌّ ونافٍ لوجود المحركات الداخليّة التي حكمت وتحكم حركة هذه الشعوب. وبإغفال ذلك تجد "الصفوة السياسيّة" نفسها مُتفاجأةً دائماً بما تقوم به الشعوب، ويبدو مشهدها مثيراً للضحك، وفي أحيانٍ للحزن والحسرة. وأعني بالصفوة السياسيّة تلك التي تتخذ لها [قضيّةً] ضدّ أو مع نظام ـ مطلق نظام ـ إن كان دولةً أو نظاماً اقتصاديّاً عالمياً. ولكن بعودتها ـ الصفوة ـ إلى عمليّة نشر المعرفة وإتاحتها دون سطوة أو وصاية، دون استهتار أو ترفّع على المجتمعات، بالقدرة على رؤية المجرم بطريقةٍ أكثر جوهريّة وإبداعاً؛ بالاستماع إلى ما تنتجه الشعوب ـ مطلق شعوب ـ من موسيقى وحياة والانخراط في عمليّة محبّة شَرِهة: [أن نقيم حفلة]!؛ كل ذلك أجدى من تتيف حياتنا البصريّة بهذا الكم المهول من صور "زعماء العالم" بكل الملامح الممكنة الحدوث على وجوههم القاتمة.
وكمثال، إنني أرى أنه من الصحي جداً ما يحدث اليوم من ارتفاع حدّة الاختلاف بين "الصفوة الفيسبوكيّة السودانيّة"، وأرى قدرةً على التقبّل بل وتوازن التفاكير تخرج حول قضايا متلاحقّة تتعلّق بواقعنا في السودان، والأكثر صحةً أن هذه الأفكار المثيرة للجدل تخرج من (أفراد) لا (جماعات)؛ لقد خَفَت صوت الجماعة كثيراً و ـ كما أوضحت من قبل ـ دُشّنت سلطة الفرد. لقد أصبح لمجموعة غير هيّنة من العقول النيّرة استطاعت أن تُمسك بجوهر السلاح الفرديّ الفعّال، والذي يستطيع أن يؤثّر على هذه الطبقّة المتوسعة من "الصفوة" والتي وصلت حدّاً لا ترى له أفقاً حتّى، هو تأثير استراتيجي عميق في الشعوب التي اتصلت لأول مرةٍ في تاريخها كشعوب! ويحتاج إلى الصبر والمجالدة.
ما هو الجوهر إذاً؟.
إنّه في اللغة: إن أدركت أن اللغة كائن حي (بالمعنى الحرفي للكلمة) فإنك حينها ستصبر وترخي جِسمَك للتعرّف على هذه الفاتنة (ما سيخلعك في هذا التعارف هو أنه سيكشف لكَ داخلكَ أنت، ولا شيءَ خارجك!)، هذا الكائن الحيّ هو المؤثّر الأول، وقد كان، فعلياً، يقف خلف سلطة جميع مؤسسات العالم القديم المنهارة هذه؛ بناها وسهر عليها، بل تقبّل أن يكون الشهيد الأول والأخير لـ(تقدّم) الحضارة الزائف هذا، إذ كان على جثّته هو بالذات. إن الذي بين يدينا لغات ميّتة، لا تحمل كلماتها معانٍ حقيقيّة، ولا تُشير لشيءٍ محدد. يستخدم الجميع مفردة الحريّة والسلام بسهولة وإتقان. يقول هنري ميللر: (إنّه صباح أول يومٍ من السلام العظيم، سلام القلب، الذي يحلّ مُستسلماً. لم أعرف أبداً معنى السلام إلى أن وصلت إلى أبيدوروس. طالما استعملت هذه الكلمة طوال حياتي ككل الناس، دون أن أُدركَ مرةً واحدة أنني أستخدم كلمةً زائفة. السلام ليس نقيض الحرب كما أن الموت ليس نقيضاً للحياة. إن بؤس اللغة، أي بؤس خيال الإنسان أو بؤس حياته الداخليّة، قد أوجد تعايشاً مُتناقضاً زائفاً تماماً. إنني أتحدث طبعاً عن السلام الذي يتجاوز كلّ فهم، ولا وجودَ لغيرِهِ. السلام الذي يعرفه معظمنا هو مجرّد توقّف العداءات؛ هُدنة، فترة انقطاع، هدهدة، إرجاء، وهو سلبي. سلام القلب إيجابيٌّ لا يُقهر، لا يضع شروطاً، لا يطلبُ حماية. إنه فقط موجود. إن كان نصراً فهو نصرٌ خاص لأنه قائم برمّته على الاستسلام، استسلامٌ طوعيّ؛ على وجه التأكيد. إن طبيعة المداواة التي طُبِّقَت في هذا المركز العلاجي للعالم القديم لا تَخفى عليَّ. فالمُدَاوِي نَفسَه عُولِجَ هُنا، وهذه أول خطوة في تطوّر الفن، وهي ليست طبيّة وإنما دينيّة. ثانياً، إن المريض كان يُشفى قبل أن يتلقّى العلاج بزمنٍ طويل. لطالما تحدّث الأطباء عن الطبيعة بوصفها الشافي الأعظم، وهذا صحيح جزئيّاً. فالطبيعة وحدها لا يمكنها عمل شيء. لا تُشفي الطبيعة  إلا حين أن يعرف الإنسان مكانه من العالم، وهو ليس في الطبيعة، كما بالنسبة للحيوان، بل في المملكة البشريّة، وهي صلة الوصل بين الطبيعي والقدسي] (5).
لغاتٌ ميتةٌ تطلب الإحياء بعد أن استطاعت ـ أخيراً ـ أن تبني لها سريراً واسعاً بحجم الفضاء الإسفيري، فقامت تحيي في أحبابها وحبيباتها واحدةً واحداً، فظهرت وجوه البنات والأبناء البررة بأمهم اللغة؛ الأدباء والفنانين والفلاسفة والعلماء؛ ماتوا في وحدةٍ وتشرّدٍ وآلامٍ وأحزانٍ لا تُطاق، نبذهم الناس وانتحرت أعداد غفيرةٌ منهم. كانوا (أفراداً) غير متّصلين. اليوم يُبعثون من موتهم، على الصفحات نرى صورهم مع أبنائهم وحبيباتهم وأصدقائهم، نراهم في الشوارع يمشون، ولكم كان، ولا زال، مفرحاً بالنسبة لي أن أرى الأستاذ محمود محمد طه يفكّ حبل المشنقة من رقبته بدوء، يُبعث من قبره "المجهول"، ويملأ الفضاء نوراً.
لا أعني بتجويد الكتابة إتقان النحو والصرف (مع أهميّة ذلك ـ تقنيّاً ـ بكل تأكيد)، أعني إدراك حياة اللغة، هل استطعتم يوماً أن تدركوا مدى حقيقة وواقعيّة هذا الأمر؟ أرجو أن يحدث ذلك!. الدعوة "للصفوة السياسيّة" لإنجاز "هدنة ذهنيّة" مع المجرم، فتلك الهدنة، بالنسبة للأجيال التي لم تدخل بيوت الأشباح وعاشت نوعاً من الأمان المديني النسبي، واحتازت ثورة التكنولوجيا، لا تحجبهم الحُجُب.
(6)
مع توسّع تأثير فيسبوكّات الصفوة على الجماهير، وقدرات الأفراد في الرسم والتصوير والكتابة..إلخ؛ استطاعت الميديا الحديثة أن [تُقنِع] مؤسسات الميديا الأقدم (تلفزيون، إذاعة، صحف، مجلات) بلا جدوى المكابرة، وبوجود [الإثارة الحقيقيّة وحياة الشعوب] في الميديا الحديثة. أراقب، بمزاجٍ مرحٍ ربما، هذه التركيعات الجماعيّة لكلّ الذين يكابرون، أكاد أفطس من الضحك وأنا أقرأ اعتذار مذيعٍ تلفزيوني، أو لاعب كرة قدمٍ شهير، أو فنان معروف عالميّاً؛ وصولاً إلى الزعماء السياسيين والشركات والفضائح (طبعاً عندنا لم يخترعوا فكرة الاعتذار بالنسبة للأخيرين، ولكننا، أهو، نُشاهد بقيّة العالم!)، أو صمت حركات سياسيّة عن الردّ على هجمات الأفراد الفكريّة والكتابيّة. المؤسف في أمر المرور بتجربة رؤية جميع هذه المؤسسات وهي تنهار أن ما سيتكشّف من حقائق في المستقبل سيكون صادماً. لم ولن يخطر على بال الشعوب، والتي بدأت تُدرك، أخيراً، بسرعةٍ فائقة، أية خديعةٍ عالميّةٍ كانت تُسَوَّقُ للجميع.

ـــــــــــــــــــــــــــــ
هوامش وإشارات:
(1)عثرت على الجملة عن طريق حائط صديق على فيسبوك.
(2) والت ويتمان: (ديوان أوراق العشب)، ترجمة سعدي يوسف
(3) برجم: ألفية تدشين السلطة الفرديّة على الرابط: http://teenia.blogspot.com/2016/02/blog-post.html
(4) (راجع دعوات مظاهرات حركة التغيير الآن مثلاً بالتزامن مع "الربيع العربي"..إلخ، ومدى تفاعل الشارع السوداني معها، يمكن الرجوع في ذلك إلى مقالة حديثة كتبها بالاشتراك: عارف الصاوي ومجدي الجزولي في شأن صفويّة "الحركة الشبابيّة" على الرابط:
(5) من رواية (عملاق ماروسي)، هنري ميللر، ترجمة أسامة منزلجي: http://teenia.blogspot.com/2015/10/blog-post_26.html


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

لماذا الحرب؟ - رسالة تسيغموند فرويد إلى آينيشتاين

تَرَانيم مَحموديَّة - شذرات متفرّقة في ذكرى اغتيال الأستاذ

The Beauty of the Silly - نجلاء عثمان التوم

 The Beauty of the Silly  نجلاء عثمان التوم


إلى عثمان حامد سليمان
هل يمكن تشريح الأصالة؟ هل يمكن الكشف عن شعوبها الداخلية دون مجزرة؟ أنا مدفوعة هنا بالحجب الأصيلة التي يغزلها الغناء السوداني حول نفسه فيبدو لنا أحياناً شيئاً محيراً، لامع الحيرة. عندما نتجرد من العصاب الذي نسميه الفهم، وننطلق في رحلة متحللة من كل غاية، ونستمع إلى الأغاني السودانية بأرجلنا ومصاريننا، نشعر أن الطاقة التي تتهدج في الجو هي، ولا شيء خلافها، الهوية. لكن تظل أصالة هذا الغناء شيئاً غامضاً جداً وعصياً على التعيين. ثمة إستراتيجيات، أعتقد، أيّدت هذه الجذوة التحتية. أولاً تحتجب الأصالة، في معظم الأحيان، في تمويهات هزلية تنتجها قوالب شبه ثابتة محكومة بشهوة الرجز، والطلاقة الشعبية، والنبرة العادية في الكلام. فالغناء في الأساس هو مكان التغزل في اليومي والعادي في أقرب نسخه إلى الواقع. وكلما تشبثت الأغنية بسوقيتها المعروقة، كلما تصير إلى درجة من أصالتها الصحيحة. لكن الفن هو دائماً تدخل معقَّد، فلا نجاة من سطوته، لكن التحايل عليه ممكن. فعندما تبدأ أغنية ابتهالية، فيها تسجيل لمغامرة البلاغ العشقي والوصال الكامل، بعبارة “الحج…